إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [8]

كتاب الصيام - مقدمة كتاب الصيام [8]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف الفقهاء في الأفضل للمسافر في رمضان، فقيل: الصوم أفضل له، وقيل: الفطر أفضل له، وقال المحققون من العلماء: الأفضل الأيسر له، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، ومعرفة طالب العلم لهذه المسألة بتفاصيلها، وأدلة كل قول فيها؛ تدربه على التفقه، وعلى معرفة الراجح من الأقوال، وأنه قد يمكن الجمع بين جميع الأقوال في المسألة الواحدة.

    1.   

    شرح حديث: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء) رواه الخمسة، وأعله أحمد ، وقواه الدارقطني ].

    يسوق المؤلف رحمه الله تعالى في مباحث ما يمنع أو يباح في الصوم ما يتعلق بالقيء، والقيء: هو لفظ المعدة لما فيها من الطعام عن طريق الفم. ومعنى: (ذرعه) أي: غلبه، تقول: ضقت بالأمر ذرعاً. أي: غلبت عليه، فمن غلبه القيء، وخرج بدون رغبة منه ولا إرادة له وهو صائم فإن صومه صحيح، ولا قضاء عليه، سواء كان هذا القيء قليلاً أو كثيراً، تغير أو لو لم يتغير. والقلس: هو أن تخرج المعدة عند امتلائها شيئاً من الماء ملء الفم أو دون ذلك، فهذا يسمى قلساً، ويكون حديث عهد بأكله وبتناوله، أما القيء فيكون الطعام قد تغير لمكثه في المعدة، وكما قيل: إن المعدة تعمل آلياً وكيميائياً، آلياً بمعنى: أنها تتحرك بنفسها على الطعام كالرحا تطحنه، وكيميائياً ما يأتيها من إفراز من المرارة، فإنه يساعد على هضم الطعام، كالحمضيات مثلاً تساعد على إذابة الأجرام، فإذا ما عملت المعدة في الطعام ثم طرأ عليها عدم ارتياح لهذا الطعام، وقد يكون شيء طارئ يتقدمه مثل المغص أو القلق النفسي، أو أسباب أخرى، فلا تقبل الطعام، فتتقلص وتدفعه، فهذه الحالة إذا وقعت بالصائم فهو لم يتسبب فيها، ولم يكن له عمل فيها، ولا رغبة منه، فهذا لا قضاء عليه.

    وقوله: (استقاء) الهمزة والسين والتاء -كما يقولون- للطلب، كما تقول: (أستغفر الله) أي: أطلب الله الغفران، (أستعين الله): أطلب الله العون، (أستهدي الله): أطلب من الله الهداية، (من استقاء) يعني هو الذي طلب القيء بنفسه، وذلك حينما يحس بازدحام الطعام، وإرهاق النفس، وعدم الارتياح، فإنه لا يريحه إلا إخراج الطعام من المعدة، ويسميه الأطباء القدامى (استفراغ) أي: افراغ المعدة مما ازدحم فيها، وقد تكون بالمعدة بعض الأشياء الصفراء والسوداء، وكانوا يعالجون الجسم على حسب تلك الطبائع، فإذا كان بالمعدة شيء من ذلك، وغالباً يكون قديماً، فيأتيها شيء من الطعام لا يوافقها، إما لدهنيات، إما لقلويات، إما لأشياء أخرى، فلا تستطيع المعدة أن تهضمها، ولا يستطيع هو أن يتحمل غثاء المعدة، فلا يجد له راحة إلا استفراغ بعض ما في المعدة.

    فإذا استقاء هو -أي: حاول وطلب القيء- فإنه يبطل صومه وعليه القضاء، والاستقاء أو الاستفراغ يكون بأحد أمرين: إما بتعاطي ما طبيعته أنه يثير القيء، وإما بإدخال جرم إلى الحلق ويجعل عنده قدحاً فتلقي المعدة ما فيها، وإذا كان صائماً فلا يستطيع أن يتعاطى ما يثير القيء مثل الماء الدافئ الذي فيه قليل من الملح، أو نترات النحاس، أو بعض الأشياء التي يذكر الأطباء أنها تجعل الإنسان يستفرغ حالاً، فالصائم لا يتناول شيئاً من هذا؛ لأن تناوله إياه يفطره قبل أن يستقيء.

    فإذا وضع إصبعه أو أدخل جرماً إلى حلقه فأثار المعدة فخرج القيء، ففي هذه الحالة يُبطل صومه، ويمسك بقية يومه، وعليه القضاء.

    وهنا يتساءل الناس: إذا ذرعه القيء فلا قضاء، وإذا استقاء هو فعليه القضاء، والقضية واحدة وهي إخراج الطعام من المعدة، ذرعه أو استقاءه! فما الفرق بينهما؟ هل الفرق أنه تسبب أو لم يتسبب؟ هل الفرق أنه ليس له سبب إذا ذرعه القيء كما يقولون -مثلاً- في إخراج المني، لو نام واحتلم فلا شيء عليه؛ لأنه لم يتسبب في إخراجه، أما إذا باشر أو تسبب في إخراج المني يقظة فهناك الكلام في القضاء والكفارة وما يتعلق بهذا الباب؟

    فيقولون: ليست العلة التسبب وعدم التسبب، ولكن العلة في طبيعة إخراج هذا الطعام؛ لأنه إذا ذرعه القيء فمعناه: أن المعدة هي التي تقلصت ودفعت الطعام عنها، فيكون دفعها قوياً، وتخرج الطعام على دفعات فلا ترجع منه شيئاً إليها.

    أما إذا استقاء فكأنه يسحبه من عنده، وقد يخرج البعض وقد يرجع البعض؛ فلاحتمال رجوع بعض الطعام ممن يستقيء، ورجوع الطعام بعدما يصل إلى الحلق، ورجوعه إلى الجوف مرة أخرى كأنه أدخل الطعام من جديد، فيكون ذلك مفطراً.

    إذاً: حكم القيء أنه إن ذرعه القيء وغلب عليه فلا قضاء عليه، وإن تسبب هو في إخراجه فإنه يكون عليه القضاء، والفرق بينهما في إيجاب القضاء في إحدى الحالتين وعدم إيجابه في الأخرى: هو طبيعة خروج الطعام من المعدة؛ لأن خروجه في حالة غلبته على الإنسان يخرج دفعات ولا يرجع منه شيء إلى المعدة، أما في حالة استعصائه ومحاولة إخراجه فإنه يغصب المعدة على الإخراج وهي لا تريد إخراج، فقد يخرج البعض ويرجع البعض إلى ما كان عليه، فيكون في ذلك صورة من أدخل طعاماً جديداً إلى المعدة، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (أفطر النبي في رمضان بعد العصر في السفر)

    قال رحمه الله: [ وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه فشرب، ثم قيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام. فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة)، وفي لفظ: (فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب) رواه مسلم ].

    أيها الإخوة الكرام! يأتي المؤلف الآن إلى مسألة عملية واقعية، صحبها الخلاف من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، وسيظل فيها الخلاف، وهي: قضية الصوم في السفر أو الفطر، وهذه القضية اهتم بها العلماء كثيراً، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار تكلم عنها، وأورد ما يزيد على مائة أثر مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الآثار يوردها بتعدد طرقها، وابن عبد البر في الاستذكار أطال أيضاً في التفصيل فيها، وكذا في التمهيد، والشوكاني في نيل الأوطار أورد الآثار في هذه القضية إلى حد بعيد.

    والناس في هذه القضية طرفان وواسطة، فهناك من يقول: لا يصح الصوم في السفر، وهناك من يقول: الصوم في السفر أفضل من الفطر مطلقاً، وهما قولان متباعدان جداً، ويقول ابن عبد البر : جمهور علماء أمصار المسلمين على أن الصوم على من لا يشق عليه أفضل.

    وكان يمكن -أيها الإخوة- أن نكتفي بذلك؛ لأنها الخلاصة والنتيجة، ولكن سأتوسع فيها نظراً لما في هذه المسألة من مباحث عديدة، والخلاف فيها أكثر وأشد ما يكون بين طلبة العلم، والعامة لا يختلفون فيها اختلافاً شديداً، العامة يأخذون بما أفتاهم المفتي، ولكن النزاع والشدة إنما هي بين طلبة العلم، وموجب النزاع عندهم ليس هو حباً في المخالفة، ولكنه اختلاف في فهم النصوص الواردة.

    وهذه المسألة نص الله سبحانه وتعالى عليها في كتابه، ونص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، ونص عليها الخلفاء الراشدون فيما أثر عنهم، وكذلك بقية الصحابة والتابعين.

    وقد ذكرت في كتاب الله مرتين، قال الله: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ [البقرة:184]، والمرة الثانية في نفس السياق: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ [البقرة:185]، فهنا بين سبحانه وتعالى أن المريض -وفي حكمه المسافر والحامل و... إلخ- يعجز عن الصوم، والمسافر مثله، فإذا شق عليه الصوم فله أن يفطر، وعليه عدة من أيام أخر.

    ونجد قولاً غريباً يقول: إن الله أسقط صوم رمضان عن المسافر والمريض، ونقل فرضه إلى عدة من أيام أخر، فإذا صام وهو مسافر أو وهو مريض فلا يصح صومه؛ لأنه ليس من أهل رمضان، وإنما عليه عدة من أيام أخر! وهذا قول ابن حزم ومن وافقه.

    والجمهور يقولون: قوله سبحانه وتعالى: فمن كان مريضاً أو على سفر هل هو للمرض وللسفر فقط أو يوجد كلام مقدر؟

    يوجد كلام مقدر لولا تقديره لكان في الآية خلل يتنزه كتاب الله عن ذلك، قالوا: وما هو الكلام المقدر؟ قالوا: ومن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر. وهذا عند علماء الأصول يسمى بدلالة الاقتضاء، أي: أن المقام اقتضى أن نقدر هذا القسم من القول ليلتئم الكلام ويصح، ومثل هذا ما في قصة موسى عليه السلام: أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ [الأعراف:160]، هل المعنى: لما قلنا له: اضرب بعصاك الحجر انبجست أو فضرب فانبجست؟

    فضرب فانبجست، إذاً: التقدير بحسب الاقتضاء أسلوب عربي، والقرآن جاء به.

    فإذا كان الأمر كذلك، ووجدنا المريض تحامل على مرضه وصام، فبإجماع المسلمين بلا نزاع أن صومه هذا يجزئه ما عدا ابن حزم ، وكذلك يقولون: المسافر إذا تحمل الصوم وصام أجزأه، وهذا على مقتضى دلالة الاقتضاء: فأفطر فعدة.

    وابن حزم يأتي في نظيرها ويقول بدلالة الاقتضاء ولا يقول بها هنا! ففي قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [البقرة:196]، فهو بنفسه في المحلى يقول: ليست الفدية للمرض ولا للأذى، ولكن نقدر: فحلق ففدية. فنقول: لماذا قدرت (فحلق) ورتبت الفدية على الحلق وليس على المرض والأذى ولم تقدر (فأفطر) في آية الصوم؟ فكما أن في محل الأذى من رأسه قدرنا فحلق، والفدية مرتبطة بحلق الرأس؛ فكذلك نقدر في الصوم، مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر مرتبة على دلالة الاقتضاء وهو (فأفطر)، كما أنك قلت: فحلق ففدية، وهذا كلام لا غبار عليه، ولا ينبغي المكابرة فيه.

    إذاً: سياق القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى جعل للمريض والمسافر أن يفطرا في رمضان، ثم بعدد أيام فطرهما يقضيان عدة من أيام أخر.

    ونحن الآن في حكم المسافر فقط، فإذا سافر الإنسان وكان يستطيع الصوم، فهل عليه أن يفطر وجوباً ثم يقضي عدة من أيام أخر أم ننظر في حالة من استطاع الصوم أو لم يستطع؟

    نأتي إلى أساس التشريع والتطبيق الفعلي من سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، فهذا الحديث الذي ساقه جابر مستفيض عند علماء المسلمين، جاء عن ابن عباس وأبي هريرة و... إلخ؛ لأن هذا كان في عام الفتح في السنة الثامنة من الهجرة، وأصحاب رسول الله حوله، ومعه منهم العدد الكثير.

    إذاً: خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة صائماً، وفي بعض الروايات: لعشر خلون من رمضان. يعني: في يوم الحادي عشر من رمضان كان خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة للفتح، وهناك من يقول: ليال خلون. هذا أجمل العدد، وهذا فصل العدد، والذي يهمنا أنه خرج في رمضان.

    وتتفق الروايات كلها أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وأنه خرج من المدينة صائماً، ويظل يصوم يومياً حتى بلغ كراع الغميم، وبعضهم يحدد إلى قديد -أي: بعد رابغ وقبل عسفان-، وتلك المنطقة تحتاج إلى سفر حوالى ستة أيام بالإبل، فمتى كانت مشروعية الصوم؟ في شعبان في السنة الثانية من الهجرة. إذاً: قوله سبحانه: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] كان قد مضى على نزولها ست سنوات، والمسلمون يحفظون ذلك، وبعد ست سنوات من نزولها يخرج صلى الله عليه وسلم في رمضان، فهل أوجب على نفسه الفطر ونقل ما وجب عليه إلى عدة من أيام أخر أو أخذ بقوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه ؟ أخذ بأصل المشروعية، وهذا أمر واضح، فمضى صلى الله عليه وسلم صائماً ومن معه من الصوام، يقول ابن عباس : خرج في عشرة آلاف مقاتل، وأنس رضي الله تعالى عنه يقول: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في بعض الغزوات، منا الصائم، ومنا المفطر، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، إذاً: كان من أصحاب رسول الله عام الفتح من هو صائم ومن هو مفطر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصائمين، وفي مجموع الروايات التي جاءت في أحداث المسير هذا أن بعض الناس قد شق عليه الصوم، ولكن ينظر إلى فعل رسول الله، فقيل: (يا رسول الله! إن الناس قد شق عليهم الصوم، وينظرون ما تفعل، فأخذ قدحاً، ووضعه على كفه بعد العصر، ثم شرب والناس حوله ينظرون)، وفي بعض الآثار: (فأفطروا)، وفي بعض الروايات الأخرى أنه مر على رجل يظلل عليه تحت شجرة، فقال: (ما باله، ما مرضه؟) قالوا: ليس بمريض، ولكنه صائم، فقال: (ليس من البر الصوم في السفر)، فأخذ البعض أنه ليس من البر الصوم في السفر مطلقاً، وأن الفطر أفضل، ومسألة الأفضلية نؤجلها قليلاً، نحن نريد الآن أن نثبت جواز الصوم والفطر، وأن الصوم والفطر متعادلان، والتفضيل يأتي من جانب آخر، فإذا ثبت صحة الصوم في السفر انتهت نصف القضية، وبقي النصف الثاني: ما هو الأفضل؟

    فقوله عليه الصلاة والسلام: (ليس من البر الصوم في السفر) قال العلماء: لأنه صام إلى الحد الذي أغمي عليه فيه، وفي بعض الروايات: (كانت ناقته تطرح نفسها على الشجر) أي: لم يعد يتحكم فيها، فإذا وصل الحال بإنسان في الدوخة وفي الضعف إلى هذا الحد وعنده رخصة من الله عدة من أيام أخر ؛ فهل يكون البر بأن يلحق بنفسه هذا الأذى أو أن يأخذ برخصة الله ويكون معافى مع الناس؟

    وفي بعض الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد كراع الغميم وصل إلى كديد، وكديد ماء عند قديدة -كما يقولون- قبل عسفان، فقال للناس: (لقد دنوتم من عدوكم)، هل كانوا ذاهبين للنزهه أم حجة وعمرة أم ذاهبين للقتال؟ هم ذاهبون للقتال، وسيقاتلون أناساً في عقر دارهم، تحدٍ إلى أقصى حد، فقال: (إنكم دنوتم من عدوكم فأفطروا)، فأصبح بعض الناس مفطراً، والبعض صائماً، ويقول أبو سعيد : لقد رأيتنا وما منا من أحد إلا ويضع الماء ويده على رأسه من شدة الحر، وليس فينا صائم إلا رسول الله وابن رواحة ، فلما قال لهم: (أفطروا) أفطر البعض وظل البعض على صومه، فقيل له: (يا رسول الله! إنك أمرت بالفطر بالأمس، وأصبح البعض صائماً، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة) كما في حديث جابر ، والذين قالوا: لا يصح الصوم في السفر قالوا: الصوم في السفر معصية، لقوله: (أولئك العصاة)، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة، وظل صائماً حتى اشتكوا إليه ضعف الناس، فهل يأتي بما فيه معصية؟ حاشا وكلا.

    ثم قال لهم: (إنكم مصبحوا عدوكم غداً فأفطروا، فالفطر أقوى لكم) فأفطروا أجمعين كما قيل.

    هذا فعله صلى الله عليه وسلم في فتح مكة، فإذا أخذنا مبدأ التشريع، ومضي ست سنوات عليه، وخروجه صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف منهم الصائم ومنهم المفطر، ومن الصائمين رسول الله؛ فحينئذ لا شك أننا نقول: الصوم أفضل لمن قدر عليه، وبعد أن وصلوا إلى كراع الغميم، بدأت التغييرات.

    فالذي قال في حقه: (ليس من البر الصوم في السفر) هل قالها ابتداءً؟ هل قال: لا تصوموا في السفر فليس من البر الصوم في السفر أم أنه قالها في حالة معينة؟ قالها في إنسان بلغ به الجهد أن أغمي عليه، وظلل عليه تحت الشجرة.

    إذاً: نحن أيضاً الآن نقول: كل من بلغت حالته إلى مثل هذه الحالة نقول له: ليس من البر الصوم في السفر. أما إنسان يطيق الصوم، ولا يشق عليه كما أطاقه رسول الله، فنقول: لا بأس بصومك.

    جواز الفطر والصوم في السفر والتفضيل بينهما

    إذا صح وثبت عندنا جواز الصوم في السفر، فسنرجع إلى النقطة الثانية: ما هو الأفضل؟

    نجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلفون في ذلك، فنجد ابن عمر رضي الله تعالى عنه ورواية عن عمر يريان بأن الفطر أفضل، ويقول ابن عمر : أرأيت لو أن إنساناً أهدى إليك هدية، فرفضتها، أكان يرضيه ذلك أم يغضبه؟ قال: يغضبه. قال: فالفطر صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته.

    ونجد الآخرين يقولون: لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون معه في رمضان، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، إذاً: يستويان.

    ولكن في الحديث الذي جاء به المؤلف ثانياً أن رجلاً سأل رسول الله: إني كثير السفر، وكان يديم الصوم، وفي بعض الروايات أنه جاءه رجل هو أو غيره وقال: (يا رسول الله! إني صاحب ظهر أكريه) يعني: عندي من الإبل ما أكريه في نقل الأمتعة أو الأشخاص، وإني أحب أن أديم الصوم، وقد يصادفني الشهر وأنا في السفر، أأصوم في السفر؟ فقال: إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت، وفي بعض الروايات يقول: (يا رسول الله! إنه قد يأتيني الشهر في الشتاء، وأكره أن أفطر في الشتاء وأقضي في الصيف، فقال: صم إن شئت)، وفي بعض الروايات: (إني أكره أن أفطر والناس صيام، ثم أصوم والناس مفطرون، فقال: صم)، فإذاً الأمر دائر بين الأمرين، ووقع نزاع بين رجل وبين عروة بن الزبير ، فقال أحدهما: أنا أفطر في السفر. وقال الثاني: أنا أصوم في السفر، وارتفعت أصواتهما، وهذا يقول: أنا أروي عن ابن عمر ، والثاني يقول: أنا أروي عن عائشة ؛ لأن عائشة كانت تصوم في السفر حتى أزلقها -يعني: أنحفها-، فارتفعت أصواتهما، وكان عندهما عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، فقال: أوه! تتنازعون في ذلك! أيهما أيسر لكما فخذا به. وهذه القاعدة منطوق القرآن الكريم: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185]، فإذا كان الصوم أيسر للإنسان بأن كان الصوم في شتاء، أو كان لا يحب أن يقضي وحده، أو كان لا يشق عليه؛ فالصوم أفضل، وإذا كان العكس: الحر شديد، والمشقة موجودة، والمسافة بعيدة؛ فيكون الفطر أولى، وهو منطوق قوله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة:185]، فمسألة: أيهما أفضل الفطر أم الصوم؟ نقول: ترجع للإنسان في حد ذاته وظروفه في سفره، فلينظر أي الأمرين أيسر عليه فليأخذ به.

    وكما جاء عن أنس أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: الصوم أفضل عندي - وأنس من رواة حديث الفطر- فذكرت له الأحاديث والآية: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]، فقال: كنا نسافر جياعاً، وننزل جياعاً، والآن نسافر شباعاً، وننزل شباعاً. يعني: من قبل كان يشق علينا الصوم، والآن ليس هناك مشقة. فإذا جئنا في الوقت الحاضر، وأراد إنسان أن يسافر السفر الذي تقصر فيه الصلاة، ويصح فيه الفطر، وركب السيارة أو الطائرة، ومن جهة الحر ومن جهة الجو فكما يقول العامة: السيارة مكيفة، والطائرة مكيفة إلى أن ينزل إلى بيته الثاني، والطعام ميسر معه أو في محل سفره حيثما نزل يجد الطعام، فليست هناك مشقة عليه تلحقه بسبب صومه، إذاً: مثل هذا نقول: الأيسر عليه الصوم.

    لكن قد يكون بعض الناس مع وفرة وسائل الراحة لا يتحمل الصوم في السفر، فنقول: يفطر، ونرجع إلى مقالة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: أفضلهما أيسرهما، ويكون ذلك مرده إلى الإنسان في ذاته.

    ونوصي طلبة العلم: ألا يجعلوا من هذه المسألة مصدر خلافيات، ويثيرون فيما بينهم الجدل والنقاش على أن هذا أفضل أو ذاك أفضل، ومن أراد أن يقف على ما لا زائد عليه فيه، فليرجع إلى مسند علي عند الطبري ، فسيجد ما لا يقل عن مائة أثر في هذا الباب، وذكر آراء العلماء سواء من الصحابة أو من التابعين، ويفصل القول في الترجيح، وأن من قدر على الصوم فالصوم في حقه أفضل، ومن شق عليه فالفطر في حقه أفضل، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (الفطر رخصة من الله)

    قال رحمه الله: [ وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله! إني أجد فيّ قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه) رواه مسلم ، وأصله في المتفق عليه من حديث عائشة أن حمزة بن عمرو سأل ].

    هذا الحديث هو الفصل في المسألة السابقة، هذا الصحابي يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: أجد في نفسي قوة على الصوم، فهل علي من حرج إن أنا صمت؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بأنه لا حرج عليك، والذين يقولون بأن الفطر أفضل قالوا: غاية ما في هذا الحديث أنه رفع عنه الحرج، أما الفطر فلا حرج فيه، ولكن يقول العلماء: جواب النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حرج عليك)، إنما هو مطابق لسؤال السائل؛ لأن السائل قال: فهل علي من حرج؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بمقتضى سؤاله: (ليس عليك من حرج)، وكونه ليس عليه من حرج لا يمنع أن يكون فعله أفضل.

    إذاً: هذا الحديث يكفي في الدلالة على صحة الصوم في السفر. كان في حياة والدنا الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه نزاع شديد جداً بين بعض الإخوة من طلبة العلم في أنواع المناسك، بعضهم يقول: لا يصح إلا التمتع فقط، وكانت هناك مباحثات، وتوسعت، فبعض المشايخ سأل والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في الفسحة الوسطى: أيهما أفضل من الأنساك الثلاثة؟ فقال: الأفضلية أمرها هين، ولكن يجب أن نعلم جميعاً أن المناسك كلها صحيحة، وليس هناك منسوخ منها، أما الأفضلية فبحسب ما ترجح عند البعض، والأئمة رحمهم الله اختلفوا فيما هو الأفضل، فـالشافعي ومالك فضلا الإفراد، وأبو حنيفة فضل القران، وأحمد فضل التمتع، وهذه مسألة جانبية.

    فنحن كذلك هنا يهمنا في هذا الحديث الذي رواه مسلم ، وله أصل في الصحيحين -أي: في البخاري ومسلم -، أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للرجل الذي يجد في نفسه قوة أن يصوم في السفر.

    ثم نحن نأتي بسؤال عام: هل فطر المسافر والمريض أصل التشريع أم رخصة بعد الشدة؟

    إنما هي رخصة، إذاً: إذا كانت هناك رخصة وهناك عزيمة، والمكلف يستطيع أن يأخذ بالعزيمة، فأيهما أولى في التشريع؟ الأصل في ذلك العزيمة، وإنما ينتقل إلى الرخصة حينما يعجز عنها، فمثلاً الوضوء والتيمم، فالتيمم رخصة للمريض وعادم الماء، والأصل إنما هو الماء، وإنسان سليم معافى وعنده الماء فليستعمله، وهل يحق له أن يذهب للتيمم؟ لا؛ لأن التيمم رخصة عند انعدام الماء، فكذلك الصوم في السفر والفطر في السفر، الصوم عزيمة، والفطر في السفر رخصة إذا احتاجها، والرخص لا يعمل بها إلا عند الحاجة، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً)

    قال رحمه الله: [ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليه) رواه الدارقطني والحاكم وصححاه ].

    هذه القضية تتعلق بالمرضى ومن في حكمهم، والمرضى على قسمين: قسم مرضه مؤقت عارض، ينتظر زواله، وتمتعه بالصحة، ومرض لا يرجى زواله، إما أن يكون مرضاً عضالاً -عافانا الله وإياكم- وإما أن يكون مرض الشيخوخة، والشيخوخة لا علاج لها إلا الشباب، وكما قيل: ليت شباباً بوع فاشتريته، و(ليت) لا تأتي بشيء.

    فإذا كان إنسان مريضاً مرضاً مزمناً، واتفق الأطباء على أنه لا شفاء له منه، وإنما يصحبه مدة حياته، وما قدر الله له أن يعيش، فهل ننتظر من هذا عدة من أيام أخر؟! لا ننتظر منه، كذلك الشيخ الكبير، وصل إلى التسعين أو المائة وتعدى إلى القرن الثاني، فهل ننتظر منه أن يعود إلى شبابه ليأتينا بعدة من أيام أخر؟ قالوا: لا، فهذان الصنفان: مريض بتلك الحالة أو كبير في السن إلى ذلك الحد؛ رخص الله لهما ابتداءً من أول الشهر، فلكل واحد منهما أن يفطر ولا قضاء عليه؛ لأنه لا ينتظر مجيء فرصة قضاء، وماذا يفعل؟ يطعم عن كل يوم مسكيناً، وهل يطعم ذلك يوم بيوم أو يؤجل ذلك كله إلى آخر الشهر أو يعجل هذا كله في أول الشهر؟

    كل ذلك جائز باتفاق، وكان أنس رضي الله تعالى عنه حينما كبر، إذا دخل عليه رمضان جمع ثلاثين مسكيناً وأطعمهم، ثم قال: يا رب! هذا إطعام عن صومي طيلة الشهر.

    إذاً: هذا ليس عليه صيام، ولا ينتظر منه قضاء، وإنما عليه إطعام، فيطعم عن كل يوم مسكيناً فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [البقرة:184]، يعني: إن أطعم عن اليوم مسكينين أو ثلاثة أو أكثر فلا مانع من ذلك، لكن يعرف الحد الأدنى وهو إطعام مسكين عن كل يوم، وما زاد بعد ذلك فهو تطوع منه.

    وبالله تعالى التوفيق.