إسلام ويب

المسلمون ودراسات المستقبلللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله عن الدراسات المستقبلية عند الغرب والمسلمين، وبين موقف الغرب من دراسات المستقبل، فذكر أنواع الدراسات المستقبلية الغربية، من خرافات وأساطير، ونبوءات تزخر بها الكتب المقدسة المحرفة عندهم، وبين الفرق بينها وبين النظر في سنن الله الربانية، والخيال العلمي، والدراسات العلمية المتخصصة في معرفة المستقبل، سواء كانت في موضوع القوة المسيطرة على العالم أو موضوع السكان والبيئة... إلخ، ثم ختم درسه بذكر الموقف الشرعي من الدراسات المستقبلية، من حيث وضع الدراسات المستقبلية المصيبة والدقيقة، والتخطيط ضد هيمنة الغرب دعوياً وعسكرياً، واقتصادياً وعلمياً.

    1.   

    التطلع إلى معرفة المستقبل

    بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعــد:

    فنحمد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الذي جمعنا في هذا الدرس، ونسأل الله عز وجل بمنه وجوده وكرمه أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يفقهنا في الدين، وأن يجعلنا أئمة للمتقين، إنه سميع مجيب.

    الموضوع الذي نريد الحديث عنه في هذا الدرس، موضوع كبير وخطير ومهم لكل من يدعو إلى الله تبارك وتعالى ومن يهمه أمر هذه الأمة ومستقبلها وشأنها، ولن نستطيع -بطبيعة الحال- أن نوفي الموضوع حقه، ولكن نرجو أن نوفق -بإذن الله تعالى- إلى أن نعطي كل أخٍ مسلم فكرة عنه؛ بحيث يكون هذا دافعاً له لمزيد من البحث والتحري والاهتمام، فإن أول ما تظهر الأعمال العظيمة - وكل أمر هذه الأمة يحتاج أعمالاً عظيمة - أول ما يكون ذلك هو الفكر، ثم يأتي الاهتمام ثم يكون العمل، وهذا ما نرجو أن يكون، وما ذلك على الله بعزيز.

    إن التطلع إلى المستقبل والتشوق إليه والتشوف إلى معرفته أمر مفطور في النفوس جميعاً، فليس من البشر أحد إلا وهو يتطلع ويشتاق إلى معرفة ماذا سيكون له أو لأمته أو لغيره، وهذا أمر ركبه الله تبارك وتعالى في النفوس، وهو من حكمة الله عز وجل، ولذلك نجد أن الناس تنوعت مصادرهم في هذا -كما سنبين إن شاء الله- أو تحسّر من تحسر على فقده كما كانت عادة العرب، فظهر ذلك في شعر زهير بن أبي سلمى:

    وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي

    فكلٌ مشتاق إلى ذلك.

    علم الغيب يختص بالله

    من يطلع على الغيب

    فالغيب لله تبارك وتعالى وحده، ولكن فضل الله تبارك وتعالى عظيم؛ فإنه يُطلع بعض رسله ويُطلع بعض أوليائه على شيء مما قد يحدث؛ كما قال الله تبارك وتعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً [الجن:26-27].

    ومن ذلك المبشرات وهي الرؤى الصالحة، ومن ذلك ما أخبر به الأنبياء مما أطلعهم الله تبارك وتعالى عليه من أمور الغيب مما سيقع، إلا أن هناك أموراً اختص الله تبارك وتعالى بعلمها، فهي من الغيب المطلق الذي لم يُطلع الله تبارك وتعالى عليه أحد، ومن ذلك علم الساعة، ووقت قيامها، فهذه علمها عند الله لا يجليها لوقتها إلا هو تبارك وتعالى، والناس اختلفوا في هذا اختلافاً عظيماً وتباينوا فيه، فإن هذه الحاجة الفطرية في النفوس لمعرفة الغيب دفعت كل أحد إلى أن يسلك طريقاً لمعرفته بحق أو بباطل، فاختلط الحق بالباطل أو الحابل بالنابل -كما يقال- في قديم الدهر وحديثه.

    1.   

    أنواع مصادر علم الغيب

    هذا شأن كل قضية من القضايا الاعتقادية كالإيمان بالله وملائكته والإيمان بالقدر وغيرها من الأمور التي ضلّ فيها الناس واختلفوا، مع أن الحق فيها قائمٌ وواضح والحمد لله؛ ولذلك نستطيع أن نوجز تقسيم مصادر علم الغيب أو معرفة المستقبل الواقع؛ لأنه لا حديث لنا عن الغيب الماضي وعن نشأة الكون وبداية الخلق، فلا شأن لنا بذلك، وإنما الكلام عن المستقبل.

    فالناس تنقسم مصادرهم في معرفة هذا إلى ثلاثة مصادر بحسب الحق والباطل الذي فيها:

    النوع الأول: المصادر الباطلة

    وهي مصادر باطلة قطعاً، وما توصل إليه فهو باطل، فليست مصادر حق، ومن ذلك ما تعودته كثير من الأمم في القديم والحديث من السحر ومعرفة الغيب، أو ادعاء ذلك عن طريق الكهانة والتنجيم والسحر، وعن طريق الأبراج والشعوذة، وعن طريق الخط والرمل الباطل الذي يزعم الدجالون والمشعوذون أن الله تبارك وتعالى علمه لأحد أنبيائه، فذلك من الحق لا شك كما جاء في الحديث لكن ذلك ليس كما يصنعه الدجالون والمشعوذون عن طريق فك الطلاسم، وعن طريق سر الحروف -كما يسمونه- أو السيمياء، وهذه الأنواع موجودة ومشهورة عند أهل الكتاب وغيرهم.

    ومن ذلك ما هو موجود في أول تفسير الطبري وأشار إليه ابن كثير رحمه الله في أول التفسير عند قوله تعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2] وذلك أن اليهود قد ظنوا هذه الحروف المقطعة رمزاً لمُلك هذه الأمة، وأنها ستبقى كذا وكذا من الأعوام، قدروها أول الأمر بـ(150 عاماً إلى 400 إلى 700) على اختلافٍ في الروايات واختلافٍ -أيضاً- في دلالة الرموز، لأنها تختلف دلالة الرموز والحروف، وهذه دلالة قديمة موجودة في كتب أهل الكتاب، كون الحروف رموزاً إلى حقائق من علم الغيب -كما يزعمون- موجود عند أهل الكتاب في كتبهم، وهي موروثة عن قدماء الصابئة والأمم السابقة كالبابليين والكلدانيين وأمثالهم من الوثنيين، فإنه كان من جملة طلاسمهم وشعوذتهم وتنجيمهم أنهم كانوا يستخدمون حروف الجمّل، التي تكتب: أبجد هوز حطي كلمن... إلخ ويرمزون لكل حرف برمز، يقولون: إنها تحتوي على أسرار ما كان وما سيكون.

    وما من مسلم والحمد لله إلا وهو يعلم أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: {من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد}.

    ومع ذلك فإن هذا واقع، وأكثر ما يذكر في هذا على سبيل التمثيل الموجز "القبالة اليهودية" التي قد تكتب "كبالة" باعتبار الحروف اللاتينية، هذه الكبالة علم سريّ عند اليهود يعتمد على السحر والطلاسم، ويزعمون أنهم به يكتشفون ما سيقع في المستقبل، ويؤولون رموزاً موجودة في المزامير وفي الأسفار القديمة،مثل: "سفر دانيال" وغيره، وكذلك ورث النصارى هذا العلم أو جزءاً منه، وأضافوا إليه ما أضافوا، مثل: "رؤيا يوحنا" المشهورة، وهي آخر ما يوجد في العهد الجديد أو الأناجيل من الرسائل، وهي موجودة لمن أراد أن يطلع عليها.

    المقصود أن هذا العلم -كما يسمونه- من العلم الباطل، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد سماه علماً، وإن كان ليس حقاً؛ قال تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102] فالمقصود أن هذا كان متفشياً في الأمم قبلنا.

    ثم ظهر وتفشى في الأمة الإسلامية -مع الأسف الشديد- وأظهر ذلك الرافضة، عندما ادَّعَوْا أن لديهم كتاب "الجفر" و"الجامعة" وأنه في الجفر يوجد خبر ما كان وما سيكون إلى قيام الساعة، وأن هذا الجفر منسوب إلى جعفر الصادق، كتب فيه الملاحم إلى قيام الساعة، ويوجد لديهم بعض النسخ إلى الآن في بعض المكتبات، وبعضهم يفك رموزه ويحللها على أنها أحداث معينة وقعت أو ستقع.

    ولا شك أن الرافضة والشيعة الذين كان مبتدأ أمرهم -كما تعلمون- فكر عبد الله بن سبأ اليهودي تأثروا جداً باليهود وما عندهم وأخذوا منهم، ومن جملة ما أخذوا منهم هذا الادعاء.

    فهم يزعمون أن أهل البيت يعلمون الغيب، وما كان وما سيكون، وأن هذا هو العلم المخفي أو العلم الخاص المضنون به على غير أهله، الذي لا يطلع عليه سواهم، وقد ادعى ذلك -أيضاً- الصوفية؛ فإنهم زعموا أن أولياءهم وكبارهم يعلمون ذلك بطريق كسبي أو كشفي، ومن ذلك ما هو مشهور عن ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما ممن كتبوا في ذلك، وقد عظمت الفتنة بذلك، ومن العجيب أنه في بداية أزمة الخليج الماضية شاعت عند الناس أبيات نسبت إلى ابن عربي.

    وشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله وقف لهؤلاء جميعاً بالمرصاد، وبيّن باطلهم، وزيّف كلامهم، حتى إنه -رحمه الله- دعاهم إلى المباهلة لأنه واثق وموقن أنهم على باطل، فدعاهم إلى المباهلة فيما يدّعون ويزعمون من أخبار مما يقع في آخر الزمان وفي نهاية أمر هذه الأمة وشأن دولها وملوكها، وهذا موجود في الجزء الرابع من مجموع الفتاوى (ص:82) وما بعدها.. ومثلهم -أيضاً- الرفاعية البطائحية وأشباههم، فانتشر هذا عند الصوفية كما انتشر عند الرافضة، وانتشر هذا عند العامة والخاصة؛ لأنه كما قال ابن خلدون: '' أكثر وأول من يهتم بأخبار المستقبل وقيام الدول وسقوطها هم الملوك والحكام الذين ليسوا على العقيدة الصحيحة؛ فهم يهتمون بأمر ملكهم كم سيبقى؟

    وكم سيأتي بعدهم من ملوك؟... إلخ '' لكن الأمر شاع وانتشر حتى أصبح -أيضاً- بين العامة، ومن العجيب لمن يقرأ كلام ابن خلدون رحمه الله عندما يقول -وهذا معنى كلامه بإيجاز-: "إنه يمر كهان أو منجمون جوّالون يتجولون في الأسواق ويستدعون الناس ويقولون لهم: نحن نخبركم بالأحداث التي تهمكم، فيأتيهم الناس يعطونهم النقود ويطلعون -بزعمهم- على ما سيقع لهم".

    وهذا الذي أخبر عنه ابن خلدون تفشّى في معظم أنحاء العالم الإسلامي، وهو في الحقيقة لا يزال إلى الآن متفشياً في أكثر العالم الإسلامي، لا نقول: في البوادي، بل في هذه البلاد منتشر في البوادي ولدى الطبقة الخاصة المثقفة في غير هذه البلاد؛ بل إن هنالك في بعض الدول معاهد أو مدارس تسمى المعاهد الفلكية أو المدارس الفلكية مختصة في هذا النوع من الدجل والشعوذة أو الرجم بالغيب لإفساد عقائد الناس وابتزاز أموالهم!

    وهذا لا شك ولا ريب في أنه خدعة شيطانية يريد الشيطان أن يخرج الناس بها عن الاعتقاد الصحيح، وأن يوقعهم في حبائل الشرك والمشركين، ولهذا ينتج عن هذا النوع الذي هو الخرافات والأساطير والشعوذات -أي: النوع الذي هو المصدر الباطل -ينتج عنه فساد العقيدة، وهو أعظم فساد يقع في الأرض.

    النوع الثاني: المصادر الظنية

    لا نقول: إنها باطلة، ولا نقول: إنها يقينية، وسوف تتضح الفكرة عندما نذكر أنواعها وتفصيلها.

    النوع الأول: من المصادر الظنية لمعرفة ما سيقع هو الرؤى والمنامات الحقة، وليست أضغاث أحلام، فهذه الرؤى مبشرات كما أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يستطيع أحد أن يجزم بأن تأويلها كذا إلا إذا كان بوحي؛ فرؤيا الأنبياء وحي لا شك في ذلك، وكذلك تفسير الأنبياء وحي كما فسر يوسف عليه السلام فتفسيرهم حق، لكن من عداهم مهما كان معبراً أو محدثاً، فإن كلامه يحتمل الخطأ والصواب، ومن هنا فإن هذا يدخل في النوع المظنون، ولكن من الناس من يوفقهم الله تعالى، فيكون تأويله في الغالب صواباً، ومنهم من يكون دون ذلك، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدّل أو صحح تأويل أبي بكر رضي الله عنه، وهو أفضل هذه الأمة بعد رسولها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يكن تأويله مطابقاً (100 %) بالدقة، وهذا دليل على أنه لا يصح ولا يمكن لأحدٍ بعده أن يدعي أن تأويلاته للرؤى صحيحة وسليمة (100 %).

    النوع الثاني من المصادر الظنية: هو ما عند أهل الكتاب من أخبار مما لم يأت في ديننا ما يدل على بطلانه، لأن ما عند أهل الكتاب إما أن يأتي في شرعنا وديننا مما يدل على أنه حق وصواب فهو حق، أو يأتي في شرعنا وديننا ما يدل على أنه باطل فهو باطل، والآخر المسكوت عنه الذي لم يأت ما يؤيده ولا ما يبطله، فهذا يظل نوعاً من الظن لا نستطيع أن نجزم ببطلانه، لاحتمال أن يكون من بقايا الحق الذي لديهم، ولكن لا نثبته؛ لأننا نعلم قطعاً أنهم قد حرّفوا وبدّلوا في كتبهم، وجائز أن يكون هذا مما أضافوه وكتبوه، إما بألفاظه، وإما بتأويله، فهذا وارد وهذا وارد، وعلى هذا نقيس كل ما يروى عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما من أخبار الملاحم والفتن التي تكون وتقع في آخر الزمان.

    - النوع الثالث من المصادر الظنية: هو الدراسة العلمية التي يمكن أن نسميها "الاستنباط العقلي" أو الاجتهاد بالنظر في سنن الله الكونية، فإن الله تبارك وتعالى جعل سنناً في هذا الكون لقيام الدول ولسقوطها ولحياتها ولنمائها، للأفراد وللصناعات وللتجارة وللاقتصاد.. فلكل أمر من هذه الأمور سنة كونية في حياته وموته، فلله تبارك وتعالى أسرار وحكم ونواميس وسنن جعلها، وبقدر ما يدركها الناس ويعرفونها يستطيعون أن يصلوا إلى الحق، وذلك مثل: ما كتبه ابن خلدون رحمه الله باجتهاده ونظره في أحوال العالم عن قيام الدول والأمم والحضارات وعن سقوطها، وهذا النوع توسع فيه الغربيون -على ما سنشير إليه إن شاء الله- وكتبوا وأفاضوا فيما بعد ذلك، وهذا النوع لا يدخل في الغيب ولا في التنجيم ولا في الكهانة، ولكن -أيضاً- ليس يقينياً وليس بوحي، وإنما هو استنباط من الحق -أي: من الوحي- أو استنباط من الواقع، فيتأملون أحوال الأمم وأسباب انقراض الدول وتدمير الحضارات، فيستنبطون وقد يصلون إلى شيء من الحق والصواب بقدر ما يعطي الله تبارك وتعالى المرء منهم من فهم لكتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو فهم في تحليل الواقع -واقع هذه الأمم- وكيف تعيش، وكيف تتدمر.

    فهذا -أيضاً- نوع من أنواع المصادر الظنية التي تقبل الخطأ وتقبل الصواب، لكن الغربيين ركزوا وشددوا عليه تشديداً مطلقاً كما سنبين إن شاء الله.

    النوع الثالث: المصادر الصحيحة من الكتاب والسنة

    المصدر الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن فضل الله عز وجل على هذه الأمة، بل على العالمين أجمعين أن بعث محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] فمن هذه الرحمة أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر هذه الأمة بما تحتاج إليه مما كان ومما سيكون، فلم يقتصر تعليمه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورحمته بهذه الأمة -رحمته التي رحم الله بها هذه الأمة- على الإخبار عن الله تبارك وتعالى وعن اليوم الآخر وعن الإيمان والشرائع والأحكام والحلال والحرام؛ بل -أيضاً- أخبرهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن كل ما يصلحهم في أمور دنياهم، ومن ذلك إخباره بما كان وما سيكون مما يحتاجون إليه في دينهم أو دنياهم، فأخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك؛ بعضها أخبر به تفصيلاً وبعضها أخبر به إجمالاً أو إشارة، وكل ذلك بحكمة ومقتضى الرحمة، فإن الفتن الضالة المضلة الكبيرة التي تعمي وتصم أخبر عنها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تفصيلاً؛ حتى لا يقع فيها أحد، سواء كانت أحداثاً تقع أو كانت بدعاً.

    والأمثلة لا تخفى عليكم، مثلاً: فتنة المسيح الدجال، فصّل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القول فيها لعظم شأنه؛ لأنه كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ما من نبي إلا وقد حذر أمته من فتنته} ففصّل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كل ما تحتاج إليه الأمة: من أين يخرج؟

    من الذين يتبعونه؟

    ما هي المخاريق التي يأتي بها؟

    وكيف تكون نهايته وقتله؟

    إلى غير ذلك مما هو معلوم ومما صح عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أحاديث الفتن.

    وكذلك أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن فتنة الخوارج؛ لأن الغلو أهلك من كان قبلنا كما أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذه الأمة يمكن أن يقع فيها ذلك أيضاً، فأخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بـالخوارج وصفاتهم وبفتنتهم، فلما ظهروا كانوا كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى إن علياً رضي الله تعالى عنه أمر أصحابه بالبحث عن ذي الثدية -تصغير ثدي- فلم يجدوه فقال: والله ما كَذبت وما كُذِبت، فابحثوا عنه، فبحثوا حتى وجدوه في ساقية تحت القتلى فأخرجوه، فإذا في عضده مثل الثدية! فعلموا أنه هو الذي أخبر عنه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وأخبرهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالافتراق والفتن ليحذرهم منها وليلزمهم باتباع السنة، باتباع الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا افتراق عنه، ولا يجوز التفرق فيه، فأخبرهم بذلك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تفصيلاً.

    وأخبرهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتفصيل أنهم سيفتحون الأرض المعمورة، وأن الروم سوف يقاتلونهم في آخر الزمان، وقد جاء ذلك -أيضاً- في أحاديث كثيرة مبيناً فيها طبيعة المعركة، والمدن التي تكون فيها، ومكان نزول الروم، وكيف تكون المعركة عند القسطنطينية أو عند روميا، والأحداث المهمة في ذلك الزمان؛ بيّنها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، -أيضاً- لشدة حاجة الأمة إلى معرفة عداوة الروم لهذا الدين، وأنهم سيظلون العدو اللدود الأبدي؛ لأن الروم -كما لا يخفى عليكم- كان هرقل زعيمهم وملكهم، ولما وفد إليه كتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن رأى الرؤيا وأخبر أن ملك الختان قد ظهر وهذا شاهد لما ذكرنا أن علم الغيب يمكن أن يطلع عليه من أراد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى له ذلك لحكمة منه، فرأى رؤيا أزعجته، وعلم أن مَلِك الختان سيظهر، ثم كان لقاؤه بـأبي سفيان رضي الله تعالى عنه، وجرى بينهما ما جرى من الحديث الطويل المشهور الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله واشتمل على عدد عظيم من دلائل النبوة، فمنذ ذلك الحين عندما أبوا الإسلام مع معرفتهم بأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حق، ظلوا العدو الأبدي لهذا الدين فلا يفصل بيننا وبينهم إلا عيسى عليه الصلاة والسلام، وهذا من حكمة الله أنه لا يفصل بيننا وبينهم إلا نزول عيسى عليه السلام؛ لأنه سوف يتبرأ منهم في الدنيا قبل الآخرة، فهو الذي يقتلهم عليه السلام ويقتل خنزيرهم، ويحطم صلبانهم، ويضع الجزية، أي: تنسخ الجزية فلا يقبلها منهم؛ لأنهم الآن وفي كل العصور ينتسبون إليه وباسمه يبيدون المسلمين في كل مكان، ولشدة عداوتهم وعظيم ضررهم فكان من حكمة الله تبارك وتعالى أنه هو الذي يقاتلهم بعد أن يأتي مجدداً ومتبعاً لشريعة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيصلي خلف المهدي، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: {وإمامكم منكم} فيصلي عيسى خلف المهدي من هذه الأمة؛ ليعلم الناس جميعاً أن عيسى -عليه السلام- تابع لشريعة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا.

    وقد صح عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أخبر بما كان وما هو كائن خبراً طويلاً عظيماً؛ كما في البخاري ومسلم، ورواه أحمد وغيرهم: {أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطب الناس} وفي رواية مسلم: {أنه صلى الفجر ثم خطب الناس حتى جاء وقت الظهر، ثم نزل فصلى ثم خطب الناس حتى جاء وقت العصر، ثم نزل فصلى ثم خطب حتى غابت الشمس، فأخبرهم بما كان وما سيكون} وفي بعض الروايات قال: حتى دخل أهلُ الجنةِ الجنَة، وأهلُ النارِ النارَ} ولهذا قال الصحابة: فأعلمنا أحفظنا، فحفظ منهم من حفظ، وبعضهم لم يحفظ الكل.

    والمقصود أن هذا قد أخبر به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكل ما يحتاجون إليه بالتفصيل ذكره تفصيلاً، وما كان دون ذلك فهو بحسبه، وما على الأمة إلا أن تتحرى وتجتهد في معرفة وتمييز الصحيح من الضعيف أو الموضوع من هذه الأخبار، فتتلقى الصحيح الثابت والحسن بالقبول وتؤمن به، وما عداه فإنها ترده ولا تقبله، وهذا حق، فهذا مصدر يقين وحق؛ لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا ينطق عن الهوى، إنما يظل الخلاف -وهو موضع الاجتهاد- في تفسيره.

    وهذا له قواعد أحب أن ألفت نظر الإخوة إليها، فلتفسير ما ورد عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أحاديث الفتن، قواعد علمية لا يجوز للإنسان أن يغفل عنها وأن يفسرها بهواه، وقد ضل كثير من الناس في القديم والحديث عندما فسروا ما جاء عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فضلاً عن المنامات أو الأحلام- بمقتضى آرائهم أو أهوائهم من غير اعتماد على منهج صحيح من العلم واللغة، أو من كلام العلماء، أو من دلائل الواقع أيضاً.

    1.   

    أنواع الدراسات المستقبلية الغربية

    في الحقيقة كل ما تقدم هو مقدمة لنصل إلى صلب الموضوع، وهو موقف الغرب من دراسات المستقبل وموقفنا نحن أيضاً من هذا العلم، ماذا عمل الغرب؟

    وما هي مصادر هذا العدو اللدود -الروم والغرب- من هذا العلم؟

    النوع الأول: الخرافات والأساطير

    بقيت الخرافات والأساطير عندهم؛ ثم أن اليهود والنصارى وورثوا ميراث أولئك، وزادوا عليه ما عندهم من الخرافات، فهم يعتمدون على الكهانة، ويعتمدون على التنجيم، ويعتمدون على الأساطير، ويعتمدون على كل الوسائل التي قد تخطر على البال أو لا تخطر من مواردالمسلمين وغيرها.

    بهذه المناسبة أذكر للقارئ مثالاً حياً، حدث الليلة حدثٌ كبير في أمريكا حيث ستجرى الانتخابات، وكل واحدٍ من الطرفين لديه عدد كبير من المنجمين والمنجمات والساحرات يخطون لهم بالرمل من شهور ويتنبئون بفوزه في الحملة الكلية أو في ولاية كذا دون كذا..!

    وهذا معروف جداً، ومن لوازم البيت الأبيض الأساسية، وهذا نقل ونُشر، وهو موجود في كتبهم، وهم لا ينكرون ذلك، فإنهم يعتمدون في التخطيط السياسي على الكهانة وعلى أخبار السحرة والمنجمين والمشعوذين بنفس الطريقة العتيقة القديمة، التي يتحدث عنها العجائز أو من أثر فيهم المشعوذون: كالمطالع، والقرانات، وحركات الكواكب والأفلاك، وهذا المصدر ما زال موجوداً..!

    مثلاً: المذَّنبات، فإنها عندهم دليل على حدث ضخم يقع في الأرض، ويتأول الناس في ذلك ما يتأولون، وهذا موجود عند العجائز وكبار السن، ومن المتداول في القديم وإلى الآن، وهذا اعتقاد الغربيين، أن مذنَّب "هالي" يعتقدون أنه يتلازم مع ظهوره وقوع أحداث دولية أو سياسية كبيرة، وهذا دليل على أن الخرافات واحدة، وإن كانت في ثوب عصري، وبمكان عصري ولعل القارئ يذكر بعض الكتب التي تقرأ ويقرؤها العامة وفيها الملاحم، مثل ملحمة "التبع حسان" هذه الملحمة موجودة في كتاب الزير سالم، وهو من كتب الخرافات والسحر التي تقرأ فيها كيف سيأتي ملك بني أمية؟ فيقولون كيف سيظهر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يأتي ملك بني أمية، ثم بني العباس.. ثم إلى ظهور المهدي وظهور عيسى عليه السلام في آخر الزمان، ومثل هذا كثير.

    ومثل لهذا ابن خلدون بأنواع من الشعر كثيرة، فلديهم في الغرب هذه الصورة من الدجل، والحق المشوب بالباطل، والظنون، والتخرصات، كما هو معلوم أن هذه الأشعار والأخبار كتبت بعد الإسلام أصلاً، لكن تفترض أنها كانت قبله، فمثل هذا موجود عند الغرب لكن بصورة أعرق وبطريقة أدق لأنهم يهتمون بتحليل كل شيء حتى الخرافة.

    ومن ذلك أن رجلاً غريباً ظهر قبل أكثر من مائتي سنة في أوروبا وألمانيا وذهب إلى الكنيسة ودرس في الفاتيكان يسمونه "انوستر دامث" وهذا كتب كتاباً يتنبأ فيه بأحداث، وزعم أن ما يتنبأ به ليس مجرد أخبار أو آراء أو تنجيم أو كهانة، وإنما فيه -أيضاً- من نور النبوة، وفيه من الوحي، ويحتمل أن يكون استنبط كتابه مما عند أهل الكتاب، بل يحتمل -أيضاً- أن يكون اطلع على ما كتبه المسلمون في هذا مما هو مأخوذ من أحاديث الفتن والملاحم وغير ذلك.

    فهذا الرجل هو الحديث والشغل الشاغل لكثير من الدارسين والمحللين الغربيين في أوروبا وأمريكا، وقد عملوا له فيلماً، ولعل البعض قد رآه، وقد رأيته -الحقيقة- بنفسي، فيتعجب المرء عندما يرى كيف يفكر هؤلاء، وقد قال هذا الرجل مثلاً: إن الثورة الفرنسية سوف تقوم، وإن نابليون سوف يظهر، وإن الدولة العثمانية حالها كذا، وإن أمريكا عالم جديد سيُكتشف أو اكتُشِف، وسيكون العالم الجديد، فيه فلان الزعيم وفلان وفلان من الزعماء الذين لم يكونوا قد ظهروا في هذا الوقت... إلى أن قالوا: إنه ذكر مقتل جون كيندي، وأخبر بأن دمار أوروبا سيكون على يد رجل يظهر من الشرق، ويرد في الفيلم مجموعة من العرب مثلوا ما في هذا الكتاب، وجاءوا بالأحداث على أنهم مجموعة من العرب في الصحراء، ومعهم هذا القائد -وهو: قائد دكتاتوري- ويشير إليهم أن أطلقوا الصواريخ! فيطلقون الصواريخ، ويجتمع الرئيس الأمريكي وأركان جيشه، قادة أوروبا فيصدون أول وثاني هجوم، وفي المرة الأخيرة لا يستطيعون صد الهجوم النووي، فتنزل الصواريخ! وترى نيويورك وهي تتطاير وتدمر، وكذلك بقية مدن أمريكا، وتسقط أوروبا، ويسقط الغرب ويخضعون لهذا الفاتح العربي -كما صوره الفيلم- وفيه زيادات.

    لكن المقصود من هذا الكلام أن هذا الفيلم من أكثر الأفلام رواجاً في أمريكا، وقد عمل عام (1405هـ) الموافق تقريباً (1985م) وفيه تصويرالمسلمين على أنهم العدو اللدود الذي لا يمكن ولا يصح إلا القضاء عليه وتدميره، حتى في ذلك الزمن عندما كان الاتحاد السوفيتي لا يزال قوياً، فإنهم كانوا يعتبرون أن العدو الخطير لهم هو الإسلام وليس الاتحاد السوفيتي، فالعدو الخطير هو هذا العدو الذي ذكره وصوره هذا الرجل وأصحاب هذا الفيلم.

    وسمعت أن المخرج يهودي وأنه قصد هذه الإثارة، ولا يستبعد ذلك.

    وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي أصبحت هذه النظرية أكثر رواجاً وأكثر قبولاً، وبذلك أصبح الغرب يعتبرالمسلمين هم العدو الأول والأخير الذي يجب أن يقضى عليه، وأن اجتماع الغرب والشرق ضرورة -أي: غرب أوروبا وشرقها- بل حتى يجتمع الهنود، والصينيون، والبوذيون، واليابانيون، وكل العالم للقضاء عليه، ولكن وفق خطط مدروسة.

    إذاً: عندهم هذه الخرافات والأساطير؛ ومنها ما قاله هذا الكاهن أو المنجم بزعمه، فهذه أحد مصادرهم.

    النوع الثاني: نبوءات الكتب المقدسة

    قد أبرزوا ذلك كما في "رؤيا يوحنا" أو رؤيا دانيال وأشباهها، وظهر ذلك جلياً في أثناء الحرب بينهم وبين العراق التي يسمونها حرب الخليج، لكن حرب الخليج حربان، فالمقصود الحرب الأخيرة، والتي أظهروا فيها الأساطير والنبوءات؛ حيث ظهرت ظهوراً عجيباً في تلك الأيام، وأظهروا فيها مكرهم، وعندما أظهروا كيدهم ومكرهم وما في أنفسهم من حقد وتولى كبره التدميريون، والإنجيليون والأصوليون الذين يؤمنون بحرفية ما في هذه الكتب فقالوا: إن هذا العالم الإسلامي هو الخطر وهو مصدر الشر كما قال أولئك، وأن المسلمين هم الوثنيون الذين لابد أن يُدمَّروا، وأن هذه الحرب ستكون تمهيداً لنـزول المسيح عليه الصلاة السلام، وأنه إذا نزل يُرفع المؤمنين به -وهم النصارى- إلى السحاب، ولا يبقى إلا الوثنيون -أي: المسلمين- ثم يُدَمَّرون تدميراً كاملاً.

    وقالوا: إن ما ورد في رؤيا يوحنا من النار المتقدة بالكبريت -أي: الحرب النووية- التي سوف تستخدم في الحرب،فهم أظهروا هذا الكلام حتى قبل أن تنشب الحرب، وهيئوا أذهان الناس في أمريكا وغيرها لقبول خيار الحرب، وأنه لابد من الحرب حتى لو انسحب العراق، ولا بد من تدمير هذه القوة، وأن "بابل الزانية" التي يكثر ذكرها في كتبهم هي هذه بابل، فـالعراق لا بد أن تضرب، ولا بد أن تدمر.

    وهناك عوامل غير ذلك، فـالصهيونية واليهود يستخدمونهم ويسخرونهم لمآرب لهم تلتقي مع أهدافهم، لكنهم أرادوا بهذا تدمير العراق وإخضاعه، وهذا هدف مبدئي قريب، ولكنهم إنما يريدون -أصلاً- تدمير العالم الإسلامي، وأن يكون هذا نموذجاً له.

    فالنموذج لديهم إما أن يكون الخميني: العنف والإرهاب والدموية، وإما أن يكون القذافي: الإرهاب واستئجار كارلوس.

    وإما أن يكون صدام أو غير صدام فيقال: هذا هو الإسلام، وهذا هو الجهاد المقدس قد أعلنه صدام، فيجب أن نقضي عليه.

    فأية فرصة تسنح لهم فإنهم ينتهزونها ويستغلون الأحداث لإبراز أن الإسلام هو العنف والدموية والإرهاب وسفك الدماء، والعدو الذي يجب أن يقضى عليه.

    فعندما كان الرمز هو الخميني، كان صدام بالنسبة لهم هو المُحِق المصيب أو المظلوم في هذه الحرب الذي يطالب بإيقافها من طرف واحد، وهو عادل ومنصف، وهو الذي استجاب لمطالب الأمم المتحدة في هذا، فهو مع الشرعية الدولية.

    فلما أرادوا تحويله، إذا به هو المجرم والدكتاتور والسفاح وصاحب بابل الزانية، وكل لقب من الألقاب الشنيعة، وهو الوحش لأن في رؤيا يوحنا وحشاً، وهو النبي الكذاب إلى غير ذلك، فهم أوّلوا كل التأويلات عليه.

    إذاً عندنا إنجيليون حمقى يؤمنون بهذا الكلام حرفياً، ويتأولون بالأهواء.. وعندنا الساسة الخبثاء الذين يستغلون ما في النصوص ويستغلون كلام الإنجيليين لأغراض وأهداف، وكل هذه الأهداف والأغراض تلتقي على تدمير هذه الأمة وتجميع القوى وتهيئة أذهان الشعوب الغربية؛ لتصدق أن هذه الأمة هي العدو الذي لابد أن يُقضى عليه قبل أية مشكلة من المشاكل التي يعاني منها الغرب.

    النوع الثالث: الدراسات العلمية المعتمدة على النظر في السنن الربانية

    فالنوع الثالث: من أنواع الدراسات المستقبلية الغربية: هي الدراسات التي أشرنا إليها من قبل في النوع الظني، وهي الدراسات المعتمدة على الاستنباط والاجتهاد والنظر في سنن الله الربانية، فهي دراسات علمية.

    وهذا النوع ظهر أيضاً في أوروبا، وكثر المتكلمون فيه من الفلاسفة الذي يسمونه فلسفة التاريخ، بمعنى أنهم يتأملون كيف تجري أحداث التاريخ، وكلهم تأثر من قريب أو بعيد بـابن خلدون.

    مثلاً: يقول "هيجل" المفكر الأوروبي المشهور: '' إن في العالم صراع النقائض فيما بين الشعوب، وفي النهاية ينتهي بقيام دولة بروسيا التي كان فيها '' فهي الدولة النهائية التي ينتهي عندها حلم البشرية لأنه كان يعيش في ظلها.

    هذا الكلام أخذه "كارل ماركس" وجعله بصورة أخرى، فقال: '' إن المتناقضات هي همّ الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية، وإن الدولة التي ينتهي عندها التاريخ ويقف عندها وتكون نهاية العالم هي الدولة الشيوعية! ''

    والحمد لله ذهبت وقُضي عليها كلها -البروسية والروسية- لكن هذا نموذج لتفكير الأوروبيين في دراسة التاريخ، هؤلاء فلاسفة، وظهر بعد ذلك باحثون ليسوا بـفلاسفة لكنهم باحثون لا يعتمدون منهجاً فلسفياً معيناً، لكنهم أكثر وأدق استنباطاً في سنن الله أو في التاريخ.

    أشهرهم هو المؤرخ البريطاني المشهور: أرنولد توينبي الذي درس الحضارات جميعاً، وتأمل فيها واطلع على أحوالها، وذكر كيف يمكن أن تسقط الحضارات، وكيف يمكن أن تقوم، وتنبأ -فيما تنبأ- بسقوط الحضارة الغربية، وتنبأ -فيما تنبأ- بأن المسلمين سيكونون عدو المستقبل أيضاً، وإن كان في كلامه بعض الاعتراف بالحق، عندما ذكر أن الغرب سوف يسقط بسبب الخمر والفواحش والانحطاط الأخلاقي، وأن المسلمين سلموا من هذه بمعنى أن هذا أحد العوامل -بلا شك- التي بها يرث المسلمون الأرض.

    وتوينبي في مختصر دراسة التاريخ ذكر هذا الشيء، ومن العجب أن -حتى يعلم القارئ الكريم كيف يعمل هؤلاء ويخططون- توينبي المعروف عند الناس أنه مؤرخ وعالم في الواقع كان مستشاراً لوزارة المستعمرات البريطانية! ومن خلال ما يستنتج من تخطط السياسة البريطانية على وفق ذلك، فلما انتهى عصر الاستعمار البريطاني نقلت الملفات والخبرة والوسائل القديمة وكل شيء إلى أمريكا، وقد أشار كوبلنت" إلى هذا في كتاب "لعبة الأمم" أنه في عام (1958م) نقلوا كل شيء إلى أمريكا، ولذلك عندما حدثت أحداث الخليج الأخيرة ظهرت وثائق في الصحف -منها الحياة- كيف أن ما نفذ في عام (1990م)! وما وقع من اعتداء عراقي ثم هجوم كان سيقع عام (1960م) لكن المنفذ في ذلك اليوم كان بريطانيا، بمعنى أن العملية واحدة، وكل منهم يبني على ما عند الآخر، ويأخذ دراسته ويفيد منها، ثم يضيف إليها ما حصل.

    أيضاً: عندما تخلى الإنجليز عن مصر والقناة وعن العرب واليهود، ورثت أمريكا نفس الدور البريطاني، والمحادثات التي تجري الآن في المفاوضات حول السلام تشرف عليها أمريكا، وقد كانت تشرف عليها من قبل بريطانيا، وكذلك مؤتمرات كانت في لندن، والإشراف عليها بريطاني، فالعملية واحدة؛ فهم يستفيدون من خبرة من سبقهم ويزيدون عليها، وبعضهم يحيل إلى بعض، والجميع يشعر أنه كيان واحد، وأن العدو الذي يهدده واحد، وهو هذا الدين، والله المستعان.

    النوع الرابع: الخيال العلمي

    ظهر نوع آخر -لا بأس بالحديث عنه- وهو الخيال العلمي، وهو نوع من أنواع معرفة المستقبل عند الغربيين، وهو يعتمد على مجرد التخيل، لكنه يستند إلى حقائق: إما حقائق علمية بمعنى النظر في الكون، وإما حقائق عملية بمعنى نتائج تاريخية واستنتاجات من تاريخ وواقع الناس عندهم، وفيهم رجل يسمونه نبي القرن العشرين من كذبهم وافترائهم، وهو "ولز" وقد تنبأ بأشياء كثيرة، وله عدة كتب منها كتاب "رحلة في دنيا المستقبل" وهو مترجم، وهو من الناحية العلمية البحتة.

    وله أيضاً توقعات أخرى عن سقوط بريطانيا وانهيار الامبراطورية وقيام امبراطوريات أخرى وما أشبه ذلك، وكان "ولز" ممن اشتهر بهذا النوع من التنبؤات وكتب فيها طويلاً.

    ومنهم من درس دراسة بعيدة عن هذا الخيال العلمي، ولكنه أقرب للحقيقة وهو "جورد أولوي" ألف كتاباً عنوانه "1985" وقد ألفه قبل هذا بحوالي (80 )سنة، وقال: في عام (1985م) سيكون العالم كذا وكذا، وبيّن أشياء مما تخيل أنه سيكون عليها حال العالم.

    وهناك دراسات أخرى من نوع آخر، من ذلك ما قام به شبنجلر في كتابه: تدهور الحضارة الغربية، وهو شبيه بعمل توينبي، وهو أنه جمع الحضارات جميعاً، وكيف تقوم، وكيف تسقط، وذكر -أيضاً- أن الحضارة الغربية سوف تسقط وتنهار:

    ولكن أقول: الخيال العلمي كثير جداً، حتى أنهم تنبئوا بصعودهم إلى القمر، وبالسيطرة على الكواكب، وتنبؤا بحرب النجوم، وبأشياء كثيرة، ليست من الغيب في شيء، إنما فكروا أن العالم سيتطور، وبتطور ما لديه تصبح هذه الأمور حقيقة واقعة، وبعض هذه الأشياء يكونون قد اطلعوا عليها وهي في دور الفكرة ودور المعمل في التجربة، فيفترضون أنها قد وقعت، وبعد سنين ينجح العلماء التجريبيون في الحصول عليها، فيظهر ما قالوا من قبل، فهي ليست تكهناً، وإنما هي خيالات ورؤى تستند على بعض الأمور أو الحقائق الصحيحة، ويمكن أن تسمى تكهناً من باب أنها رجم بالغيب، لكن ليس مصدرها الكهان الذين يخبرون عن الشياطين ويسترقون عنهم.

    هذه الأربعة الأنواع مع أنها موجودة ولها أثر كبير في الغرب لكنها لا تهم كثيراً مثلما يهمنا النوع الخامس والأخير والخطير.

    النوع الخامس: الدراسات العلمية المتخصصة في معرفة المستقبل

    وحتى لا أطيل على القارئ من جهة فسوف آتي بأمثلة عامة يمكن إدراكها جميعاً، وما يدق من الأمثلة ندعه.

    1.   

    أمثلة للدراسات العلمية المتخصصة

    القوة القادمة

    في هذه الأيام ينشغل الناس -أو ينشغل الأوروبيون- بوحدة أوروبا، وهل ستكون أو لا تكون؟

    واتفاقية أمسترخت، وكل منا يسمع هذا الكلام في الإذاعة أو يقرأ في الجرائد: هل تنجح أو لا تنجح؟ ولا يعلم الغيب إلا الله، لكن قبل أن يوقعوها -بغضّ النظر عن بعض الدول التي رفضتها- نستطيع أن نقول: إن أوروبا سوف تتوحد، وذلك للدلائل التاريخية والدلائل النصية..!

    أما الدلائل التاريخية: فإن أوروبا قد توحدت علينا أيام الحروب الصليبية في الحملات الكثيرة التي قامت بها، وكانت تحت راية واحدة، فملك ألمانيا وملك فرنسا وملك بريطانيا ودوق كذا وكذا من الدوقيات، كلهم جاءوا تحت راية واحدة هي: الحرب ضد المسلمين، فلا يُستغرب هذا عليهم مادام العدو هو الإسلام.

    وأما الدلائل النصية: فإننا نفهم أن الروم سيحاربوننا في آخر الزمان على أنهم جبهة واحدة، ولا يعني هذا أن الأحاديث تنطبق الآن في هذه اللحظة، لكن نقول: تشير الدلائل على أن الغرب أقرب إلى أن يتوحد دائماً.

    فالغربيون عندما يحاولون تقرير هذا، ويدرسون هذا دراسة تطبيقية تجريبية، فيقولون: هل يمكن أن نتوحد؟ ولماذا نتوحد؟ وما هو مستقبل العالم في القرن العشرين إذا توحدت أوروبا؟

    وبناءً على هذا، يقولون: من الذي سيكون القوة العظمى في العالم؟

    وظهرت ثلاثة احتمالات، وبعضهم يجعلها أربعة:

    1- الاحتمال الأول: أن تظل أمريكا هي القوة العظمى في العالم، وهذا ما يريده الإنجيليون والأصوليون والتدميريون وأمثالهم أن تظل القوة لأمريكا، وهم يزعمون أنهم سوف يسيطرون على أمريكا، وأنها هي القوة التي تهيئ لمقدم المسيح ونزوله؛ لأن النصارى عندهم اعتقاد أنه سوف ينـزل عام (2000م)، وهكذا سوف ينزل المسيح رضينا نحن أم لم نرض، قلنا حقاً أو باطلاً، هذا هو تفكيرهم، فيريدون تجميع الناس.

    ومثل ما كانت الحرب الأخيرة هذه فإن هذه التنبؤات ظهرت أنها كذب، ولكن هذا لا يضرهم؛ لأن الشعوب لا عقل لها، ولا أحد من الناس يقول: أنت قلت لي كذا قبل ثلاث سنوات، والآن صار كذا، والمفكرون المثقفون هم قليل، لكن أكثر الناس إذا جاء عام (2000م) ولم يأتِ المسيح، أشغلوهم بقضية ثانية ليسوا القضية الأولى، وهكذا حال الشعوب عموماً.

    المقصود -الآن- في هذه المرحلة أنهم يهيئون الناس إلى هذا الكلام، ويقولون بأنه سينزل، فإذاً أمريكا هي القوة المحتملة.

    2- الاحتمال الثاني: أن أوروبا الموحدة هي القوة المحتملة.

    3- الاحتمال الثالث: هو أن يكون هناك قوة يابانية أو قوة شرق آسيا، يعني أن تتوحد اليابان وكوريا والصين، وتكون قوة عالمية.

    4- الاحتمال الرابع: الذي يخططون ضده في الخفاء، وله معاهد متخصصة أن الإسلام هو القوة القادمة، وهذا يصرح به من يصرح ويخفيه من يخفيه، كما قال تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118], والذي ينتج عن هذا عملياً، إذا ترجح لديهم لأنهم دائماً يضعون ثلاثة احتمالات أو أربعة ويضعون على كل احتمال جوابه حتى لا يفاجئوا به:

    فمثلاً: إذا ترجح أن الإسلام سوف يكون القوة القادمة فإن هذا يترتب عليه القضاء على المسلمين في أوروبا، فمثلاً: المسلمون في البوسنة والهرسك، وهذه دولة مسلمة أغلبية سكانها مسلمون في داخل أوروبا، فلا يصح أن تقوم في أوروبا دولة إسلامية مهما صغرت إذا كانت مستقلة؛ لأنها نواة للخطر القادم داخل أوروبا.

    فيريدون القضاء على أية دولة وتفتيت العالم الإسلامي خارج أوروبا فكيف تكون دولة إسلامية داخل القارة؟!

    فالحرب على الملونين المسلمين، وإلا لو كان نصرانياً فمهما كان لونه أو جنسه لا يهمهم، والحرب على المسلمين الذين يقيمون في أوروبا أو في أمريكا أو يقدمون إليها، ولذلك ظهرت موضات غريبة عند الشباب منها حلق الرءوس أي: الرءوس الملساء فترى شباباً غربيين يحلقون شعورهم حلاقة كاملة، وهم إرهابيون مهمتهم اقتناص الملونين، ففي أي مكان يجدونهم يقتلونهم، هذا موجود في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وكثير من الدول أي: يتعبدون ويتقربون بقتل هؤلاء المسلمين الذين يرونهم في أوروبا، وقد ذكرت في أحد الدروس بعد شرح الطحاوية بعض كلامهم وقولهم: لا نريد المآذن ولا نريد الثياب ولا نريد هؤلاء أن يأتوا بدين غير ديننا... وغير ذلك.

    فالمقصود أنه في ظل هذا الخيار يظهر لنا لماذا هذا التخاذل وهذا التواطؤ الواضح المكشوف؛ ففي داخل القارة يباد شعب أوروبي في دولة مستقلة اعترفت بها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، تباد وبهذه الوحشية المتناهية التي ما شهد لها التاريخ -كما يكتبون هم- نظيراً، وفي القرن العشرين، وفي ظل حقوق الإنسان والشرعية الدولية والعدالة التي رأيناها في أحداث الخليج، عدالة عجيبة سريعة تقفز من مكان إلى مكان!!

    ونجد الخذلان المطلق في هذه القضية، بينما ليس الصرب بأقوى من روسيا ولا بأهم منها، فـروسيا تدلل جمهوريات البلطيق وتنسحب منها، ويضغط عليها الغرب لتعطيها استقلالها وهي دويلات صغيرة في مواقع غير مهمة على الإطلاق من العالم، ولا أحد يدري عنها ولا أين تقع وليس لها أي أهمية، بخلاف البوسنة التي تقع على البحر الأبيض، وقريبة من إيطاليا، وقريبة من الشرق، وهي في موقع مهم جداً، وهي وما حولها من أجمل بقاع العالم -على الأقل عند الغربيين أن أجمل بقاع العالم هي تلك المناطق- ومع ذلك تدمر.

    وهكذا تختلف المعايير؛ لأن هناك حقداً خفياًدفيناً، قد يظهرونه وقد لا يظهرونه، لكن الدراسات الاستراتيجية المستقبلية تقول: يجب أن تقضوا على هذا الخطر، وليس رجال الدين فقط هم الذين ينادون بذلك، بل رجال السياسة الذين يستندون إلى هذه الدراسات، والدراسات تستند إلى ما في الكتب المقدسة هم الذين يخططون ويتنبئون بهذا.

    إذاً في ظل هذا يمكن أن نقول: إن مستقبل أوروبا يراد له أن تكون أوروبا هي القوة الوحيدة في القرن القادم ويراد لها أن تتطهر عرقياً ودينياً، وتصبح أمة نصرانية متماسكة.

    موضوع السكان والانفجار السكاني

    بدراسة بسيطة جداً يستطيع أن يجريها أي شخص منا، فيعرف أنه إذا كانت القرية -الآن- سكانها خمسة آلاف، ويتزوج منهم بنسبة (20%) أو (30%) وكل واحد يولد له في كل سنتين مولود فبعد عشر سنوات أو عشرين سنة يصبح عدد سكانها كذا، فبهذه الطريقة يتحدثون ويخططون تخطيطاً دقيقاً.

    طبعاً هذا تخطيط ساذج، لكن هم بتخطيط عميق يخططون ويقولون: إن الغرب في خطر شديد جداً.

    قالوا: إن العالم الإسلامي الآن مليار، ألف مليون وستمائة مليون، وإذا استمر المسلمون في التكاثر والتناسل في مثل هذه النسبة سيصبحون بعد جيل أو جيلين أكثرية في الأرض، بينما الغرب يتناقص، فالوفيات في الغرب أكثر من المواليد، فبهذا سيصبح الغرب أقلية بخلاف ما كان في أول هذا القرن حيث كان الغرب أغلبية ساحقة، فقد كان سكان مصر خمسة ملايين، وكان سكان بريطانيا خمسين مليوناً.

    لكن في عام (2010م) سوف يصبح سكان مصر مائة مليون، ويصبح سكان بريطانيا ستين مليوناً تقريباً، فكيف بعد مئة سنة؟!!

    هذا خطير جداً..!

    واليهود من أقل الشعوب تناسلاً، ومعنى ذلك أنه في عام (2050 أو 2030) -تقديرات- سيكون اليهود (15 مليوناً)، بينما سيصبح عدد العرب الذين حولهم (400 مليون)، وهذا رقم مخيف جداً، وخاصة مع انتشار الأصولية، فلو لم يتدين من الأربعمائة مليون، ويتمسك منهم إلا (10%) لصاروا (40 مليوناً)، فيمكن أن يقضوا على (15 مليوناً)، فهذا عدد هائل ولذلك يهتمون بهذا جداً، لذلك يجعلون من أولويات الدراسة عندهم بالغرب بحسابات دقيقة ودراسة تفصيلية: معرفة النمو السكاني؛ ولذلك كثير من دول أوروبا تعطي لكل مولود يولد منحة أو جائزة، وتحاول بعض الدول أن تسكن أرضها حتى من كان من غير الأوروبيين، فالمهم أن يتكاثر ويندمج هؤلاء مع الشعب؛ مثلما يعبئون الآن من الصومال، فهم يعبئون الآن من أية دولة فيها مآس ونكبات، ولا يهمهم أن الجيل الأول مسلمون، فإن أبناءهم وأبناء أبنائهم سيكونون نصارى ومن أبناء البلد ويندمجون معهم.

    فشعورهم بالفقر السكاني يخيفهم ويجعلهم يتناسون كثيراً مما يؤمنون به، ويجعلهم يأتون بهؤلاء الناس ويعطونهم جنسيات ويسكنونهم، ففي ألمانيا حتى العمال الأتراك تشملهم الزيادة العددية في السكان حتى يسكنوا فيها ويستقروا وتكون لغتهم الألمانية، وسيكونون مجندين في الجيش "الألماني"، فهم ألمان حتى وإن كانوا أتراكاً.. وهكذا؛ مع أنهم يحقدون على الأتراك حقداً شديداً، لكن يرون أن هذا ضروري، ففي فرنسا مثلاً: لماذا يعطون الجزائريين والمغاربة الجنسيات؟

    السبب لأنهم يشعرون بالقلة العددية.

    ويصدرون لنا كل يوم أن الانفجار السكاني خطر يهدد مصر ويهدد الدول العربية ويقولون لن يجد العرب ما يأكلون، ولا كيف يعيشون! مع أنهم يعلمون -وهم أعلم بنا من أنفسنا- أن المساحة المزروعة في العالم العربي -فضلاً عن العالم الإسلامي- لا تصل أبداً إلى (5%) من أرضه، أما هم فيستغلون كل شبر من بلادهم، بل حتى البحر يستغلونه في الزراعة! واليابان وغيرها مثال على هذا...!

    إذاً هم يخوفوننا بهذا الانفجار، وهم يخططون في الدراسات المستقبلية لأن يظلوا هم الأكثرية أو المسيطرين بشرياً على العالم، وهذا أحد الجوانب التي توضح للجميع خبايا تخطيطهم ودراساتهم الاستراتيجية المستقبلية.

    موضوع البيئة

    لعلك سمعت -أيها القارئ الكريم- عن مؤتمر الأرض وما جرى فيه من الاهتمام بالبيئة، وهذا علم يمكن التوصل إليه بالدراسة العادية جداً، ونحن المسلمون في غفلة عنه مع الأسف الشديد، فيناقشون كيفية تلوث البيئة، أو خطر فتحة الأوزون كما يسمونه: وهو ثقب في سقف الكون، فيناقشون خطرها وماذا ينتج عنها، والمسلمون كأنهم في غفلة عن هذا، وأعلى نسب للتلوث في العالم هي في العالم الإسلامي، والقاهرة مثال على هذا وغيرها من المدن.

    إذاً هم يفكرون في كيفية إيجاد البيئة الملائمة للإنسان، والتخفيف والتقليل الشديد من آثار الخطر البيئي، ولذلك هم يعرفون أماكن بناء المصانع، وكيفية تحويلها، وأماكن دفن النفايات النووية، واكتشفت بواخر تدفن النفايات النووية، قرب سواحل بعض الدول الإسلامية بغرب إفريقيا؛ بل قالوا: إنها يمكن أن تدفن في بعض الصحاري العربية، حتى لا تتأثر بيئتهم بما فيها من أضرار وأخطار؛ لأنهم يريدون نظافة وسلامة ونقاوة البيئة وتفاصيل كثيرة.

    فمثلاً: عندما تمنع زراعة بعض الأمور لديهم؛ لأنها بعد عشر أو بعد عشرين سنة تفسد الأرض، فتأتي شركاتهم تستأجر في بلاد العالم الإسلامي الأرض لمدة عشرين سنة، فيفرح الناس، ويقولون: ستأتي شركة تشتغل في أرضنا، وتعطينا الأموال، وهذا مكسب عظيم؛ لأنهم يستخدمون مدة صلاحية الأرض فقط... وهكذا، مما ينتج عنه دمار كامل في المستقبل لهذه الأمة ولمقدراتها، فهذا المثال يدل على أن الدراسات المستقبلية ضرورية لمعرفة مستقبل هذه الأمة سكانياً وأيضاً بيئياً، وهذا ليس داخلاً في علم الغيب، إنما مما يجب أن نستنبطه وأن نتعلمه وأن نبحثه، ونرى آثاره أيضاً على الإنسان والفرد وغير ذلك.

    البث المباشر

    وأظن الكلام في البث المباشر كثير جداً فلا يحتاج أن أطيل فيه:

    ولكن أقول: قبل أن يسمح بالبث المباشر على أوروبا أُجّل الموضوع لمدة ثلاث سنوات، ودرست آثار ونتائج البث المباشر الأمريكي لو جاء إلى أوروبا، ووضعت الترتيبات اللازمة، ثم بعد ذلك بدأ بعضهم يستقبل من بعض، بحثوا عن النتائج الأخلاقية، والنتائج الاجتماعية، والنتائج السلوكية، والنتائج اللغوية، فكل هذا درسوه على أنه من الممكن أن يقع وخططوا له، ثم درسوا بعد ذلك نتائجه البعيدة كيف يكون الوضع إذا أصبح العالم فعلاً قرية واحدة، وما أثر هذا على القرار الديني أو القرار السياسي، يقصدون مثلاً بابا الفاتيكان.

    فهم يقولون: إذاً في عام (2000) أو (2010) نستطيع أن نتواصل مع العالم كله بطريقة سهلة، وهي طريقة التلفزيون، بواسطة الغزو الفضائي، وهكذا نتمكن من تنصير العالم كله... وهكذا.

    موضوع المعادن

    كل المعادن إلى نفاد، فهي تقدر عن طريق الأقمار الصناعية، ويكتشفون المعادن، وهذه أصبحت عملية سهلة فيعلمون ما في باطن هذه الأرض بالتصوير الفضائي وقد يميزونه سواء كان ذهباً أو نحاساً أو فضةً، فيقدرون أنه إذا كان كل سنة المخزون منه -مثلاً- من (100 مليون) طن، إذا أنتج منه كل سنة (10 ملايين) طن، فإنه سينتهي بعد عشر سنوات مثلاً.

    فمعنى هذا؛ أنهم سيبحثون عن البديل بعد ذلك، كيف سيكون وضعهم؟

    وكيف ستكون أمورهم؟

    وكيف... إلخ، وبلغ تخطيط هذا في أمريكا إلى أنهم نشروا وقدروا الانتهاء من البترول الخام والمعادن الخام ومصادر الطاقة في العالم بعد (500 سنة)، أي أنه في عام (2100) سيكون البترول قد نضب ونفد من الأرض، وأن البترول المكتشف حاليا سوف ينفذ بعد ثلاثة أجيال مثلاً، بمعنى أن أولاد أولادنا يمكن أن يشهدوا هذه النهاية، فهم هناك يعرفون كيف يخططون؟

    ومما يعملون الآن أنهم يحفرون حُفراً عميقة بعيدة جداً، ويسحبون البترول من جميع الدول المنتجة له، ويودعونه في هذه المخازن الكبيرة جداً، بالإضافة إلى مصادرهم الاحتياطية، بالإضافة إلى الدول التي تدور في فلكهم، أو الذي لم يكتشف ولم يعلن عنه في دول مكشوفة لهم، وفي النهاية يريدون إفقار العالم الإسلامي وليترك ليموت لأنه ليس لديه مصدر ثروة أو مصدر طاقة ويتحكمون هم في مصيره.

    أما نحن المسلمون فلا نكاد نفكر في هذا، فالمهم أن نبيع اليوم ونأكل ونشرب، ولا نفكر في المستقبل ونقول: الأرزاق بيد الله! وهذا لا شك فيه، لكن لا بد من التفكير في مدة انتهاء البضائع وإيجاد البدائل لها، ولا نقول: إنه لا يوجد تفكير؛ فهناك شيء من التفكير نسمع ونقرأ عنه، لكن ليس بمستوى الدراسات الجادة الغربية العميقة، ثم يوجد شيء آخر: وهو مدى ارتباط هذا التفكير بعقيدة الولاء والبراء، فإن كان مجرد تخطيط بشري فلن ينجح أبداً؛ لأنه يقوم على افتراض أن العلاقات بيننا وبين الغرب حسنة، وأننا وهم سوف نتفق على هذا وأن العملية متبادلة، فهم يحتاجون منا المواد الخام ونحتاج منهم كذا، فالعملية متبادلة.

    إذاً فلا بد أن تقوم هذه الدراسات على أساس الولاء والبراء لهذه العقيدة العظيمة، وكل عقيدتنا هي قوة دافعة، وطاقة لا تملك أي أمة هذه الطاقة.

    أرجو أن أكون قد أوصلت شيئاً أو كثيراً مما أريد إليكم.

    1.   

    الموقف الإسلامي من الدراسات المستقبلية

    وتبقى القضية الأخيرة وهي أن الواجب علينا -على هذه الأمة- أن يكون لديها دراسات مستقبلية جادة متخصصة، وهي أقدر الأمم في العالم على ذلك، لأن واقع الناس والعالم الآن في صراع، فأنت إن لم تأكلهم أكلوك، وهذه قضية لاشك فيها، فنحن مأكولون مأكولون! إلا إذا رجعنا إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وأخذنا بالأسباب ومنها هذا.

    ونقول: نحن أقدر الأمم على أن نضع دراسات مستقبلية مصيبة ودقيقة؛ لأننا -كما ذكرنا في أنواع معرفة المستقبل- لدينا المصدر الوحيد الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فنأخذ هذا المصدر ونبني عليه النظر في سنن الله الكونية، وهذا يمكن أن نصل إليه -أيضاً- بصورة أدق مما يصلون إليه، لأنهم مهما نظروا فهم يعتبرون الدين عاملاً مؤثراً، لكن الدين عندهم هو أيُّ دين سواء كان هو التوحيد أو الشرك لا يعرفونه.

    فأيضاً حتى دراسة الأوربيين الغربيين لموضوع السنن الربانية، فمهما أصابوا فيها فهم عرضة للخطأ أكثر منا، ونحن نُصيب بلا شك أكثر منهم.

    منازعة القدر بالقدر

    وهنا قضية أخرى لا بد أن نذكرها وهي أن من ديننا أن ننازع القدر بالقدر أو كما قال عمر رضي الله عنه: [[نفر من قدر الله إلى قدر الله]].

    وأضرب لذلك مثلاً: عندما يخبرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الكعبة -هذا البيت الحرام المعظم- سوف يهدمها ذو السويقتين من الحبشة، فهذا من المستقبل الذي لا يستطيع الغرب أن يتصوروه بدراسات السنن الربانية، وليس عندهم فيه يقين أو وحي فهذا مما نتفرد به، وفي هذه الحالة ليس من المشروع لنا أن نستسلم وندع الأحباش الوثنيين والنصارى، ونتركهم وما يريدون أن يعملوه فيعملونه، ونقول: قد أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا وما لنا حيلة، ولا بد أن يأتوا ولا بد أن يهدموا الكعبة...!!

    فهذا ليس بصحيح، وهذا خذلان واتكالية وجبرية، إنما الواجب أن نعمل جهدنا وطاقتنا لئلا يقوم أي حكم غير إسلامي في الحبشة، وفي أثيوبيا كلها، وفي شرق أفريقيا، ونجتهد في هذا في جميع الأوقات.. فإذا غلبنا، والله أعلم متى يكون هذا، ويقع ما أخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن نحن ندفع القدر بالقدر، فهذا قدر، وهنا واجب علينا أن نسعى وأن ندافع عن ذلك.

    نحن نعلم أن الروم سيأتوننا وسينزلون في الأعماق أو بـدابق أي: في بلاد الشام، وهذا معناه أنهم سيجتاحون تركيا ويحتلون البحر، ثم يكون لنا دول في أوروبا سيجتاحونها، ولكن ليس معنى ذلك أن نستسلم لهم ولا نحاربهم في البوسنة مثلا أو تركيا أو في البلقان أو في قبرص! بل نحارب ونحارب.. حتى إذا نزلوا في الأعماق يكون قد وقع ما أخبر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهكذا.

    هذا اليقين الذي عندنا في أننا نتعبد الله بأن ندفع القدر بالقدر، أما هؤلاء المجرمون اليهود والنصارى فإنهم بمقتضى عقيدتهم جواز البداء على الله تعالى الله عن ذلك، والبداء معناه: أن يبدو له أمراً ما -أي يغير رأيه- كان خطأً فيغيره إلى الصواب، هذا من عقيدتهم في التوراة وغيرها، فهم مهما قرءوا في كتبهم أو قرءوا في كتبنا وصدقوا أننا سنهزمهم يقولون: لا! إذا نحن اجتهدنا وعملنا فيجوز أن نجعله يغير رأيه، تعالى الله عن ذلك!!

    هذا من عقيدتهم وأن الأحبار يقولون للرب: غير رأيك وعدِّل! ويغير رأيه، تعالى الله عن ذلك! إذاً هم عقيدتهم غير عقيدتنا، وإيمانهم غير إيماننا، فهم من منطلق آخر من منطلق إيمانهم بالماديات وبالأسباب يتحركون، ونحن من منطلق آخر ويجب علينا أن نتحرك ونعمل.

    أهمية التركيز على الغرب في الخطط المستقبلية

    أقول: ما دمنا نحن الأمة الوحيدة التي تمتلك هذا الميراث العظيم ومصدر اليقين ومصدر الحق في أحداث المستقبل؛ فعلينا أن نجتهد لذلك بالدعوة إلى الله، وأن نقيم الدراسات لغزو أوروبا وأمريكا بالإسلام.

    فلو قال قائل: لماذا لا نغزوا كوريا واليابان، ولدينا طاقات بشرية للدعوة؟ قال الآخر: لا! يجب أن نوجهها إلى أوروبا وأمريكا..! فمن الذي يُقَدَّم رأيه؟

    الذي يقول: يجب مواجهة الغرب، لأنه هو العدو الذي نحتاج أن ندخل في أعماقه، فهو أكثر عداوة، وأولئك أعداء كفار مشركون لنا، لكن العدو الذي سوف يهاجمنا ويكون أخطر علينا هو هذا.

    وكذلك تخطيطنا الدعوي وتخطيطنا العسكري يكون ضد الغرب، وتخطيطنا الاقتصادي والعلمي يكون ضد الغرب بالدرجة الأولى والكفار عموماً؛ لأن عندنا يقين أنه سيكون هو العدو كما هم الآن يفعلون.

    نحن نقابل الضد بالضد، وعندنا يقين، وعندهم خرافات وأساطير باطلة، ثم إن هذا التخطيط هو مقتضى العقول السليمة، فالعاقل يفكر عندما يريد أن يفتح أي محل أو عمل تجاري أو عندما يريد أن يبني بيتاً، وكل هذا قائم على التخطيط ودراسة المستقبل، صحيح أن المستقبل محدود في سنتين أو ثلاث أو عشر مثلاً أو أكثر، وإذا اشترى رجل عمارة هذه الأيام بمليونين لأنه فكر أنه يستطيع تأجيرها خلال (10 سنوات) فيما يعادل مليون ونصف أو مليونين، إذاً هكذا البشر يخططون بمقتضى العقول.

    فالأمة يجب أن تخطط بالقرون وليس بالعقود -بالعشرات-، ونحن حتى بالعشرات لا نخطط..!

    كانت أمريكا تقول: -وهذا الكلام قبل أكثر من عشر سنوات- مما سوف يعجل بانهيار الإتحاد السوفيتي، أن طاقم الحزب الشيوعي كلهم فوق الستين سنة، ومعنى ذلك -كما قالوا وهذا صحيح وما هو علم غيب- أنه بعد عشر سنوات سيموتون كلهم، أو أكثرهم، والآن، ماتوا -فعلاً- ولم يبق منهم حيّ إلا جورباتشوف؛ لأنه بعد السبعين يبدأ الموت في الناس.. وهكذا، إذاً هناك أشياء مثل هذه الأمور نحتاج أن نحييها في الأمة عامة وفي أنفسنا، ويكون لدينا نظرة بعيدة لمستقبل الإسلام ومستقبل الدعوة، ونبني عليه خططنا لهذه الحياة، وإلا فلا مكان في هذه الحياة لفوضوي أو عابث أو متخاذل أو متكاسل، وعلينا أن نبدأ، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو الذي يحقق المساعي بإذنه عز وجل.

    وأنتقل الآن إلى هذا المثال وهو أن جريدة الحياة قد جاءت بعنوان: "مذنَّب ضخم مندفع نحو الأرض سيدمر كل أشكال الحياة عام (2116)" والخبر يقول: "يندفع مذنب كبير نحو الأرض وسيصل إليها في (14 آب أغسطس عام 2116)، ويُحدث انفجاراً أقوى من واحد ونصف مليون قنبلة نووية ينهي جميع أشكال الحياة" وهذا مثال لما يتنبئون به -كما ذكرنا- وهو من الرجم بالغيب، فالمهم أن نعلم كيف يتنبئون ويتوقعون واليقين إنما هو عندنا وليس عندهم.

    1.   

    الأسئلة

    الغرب بين القوة والضعف

    السؤال: كأنك مرة تصوَّر الغرب أنه هالك ومرة أنه جاد ومحطِّم لغيره؛ فما عملنا؟

    الجواب: كيفية الجمع بين أنه هالك، أو أنه قوي وجاد، من خلال أن عوامل الانهيار فيه موجودة وعوامل البقاء فيه موجودة، فنحن إن نازعنا القدر بالقدر وعرفنا سنن الله، قويَ عاملُ الانهيار لديه وانهار، وإن تركناه قويَ وحطَّم غيره، وظل قوياً، فانهياره أو ضعفه بمقدار خلوه من الإيمان الذي عندنا، والحمد لله فإنا نملك الشريعة والعدل والحق ولا يملكونه، وقوته بمقدار ما لديه من قوة مادية وتخطيط نحن لا نملكه، فإذا اجتمع لدينا قوة الإيمان والعقيدة مع التخطيط الصحيح السليم الذي هو قوته المادية -أيضاً- فإننا سوف نهزمه -بإذن الله- والمعركة طويلة، وحتى كلامي هذا هو من باب أن نحث الهمم لمنازعة القدر بالقدر، وإلا فالمعركة طويلة، ولن تنتهي إلى قيام الساعة، ولكن المصيبة هي أن نركن ونتخاذل وأن ندع الغرب يتحكم في مصائرنا، ثم يخرجنا من ديينا أو يُنصِّرنا كما يريد أن يخطط، وللتنصير باب طويل لا نريد أن نتحدث فيه الآن.

    الطريقة المثلى لتجاوب الدعاة مع دراسة المستقبل

    السؤال: كيف يتجاوب الدعاة وطلاب العلم مع دراسة المستقبل بما ينعكس إيجابياً على واقعهم، خصوصاً والألم يعتصر القلب عندما يسمع المسلم عن دقة تخطيطهم وعشوائية أعمالنا؟

    الجواب: نحن مهما بلغنا من الضعف والعشوائية ومن تسلط الغرب المجرمين والطواغيت، ومن انتشار الأفكار الإلحادية والبدع والخرافات، فنحن مهما كان حالنا، فإن لدينا اليقين الذي لا يتزعزع في أن العاقبة للمتقين، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن الله عز وجل قد كتب في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وأن المستقبل للإسلام.

    يجب أن نؤمن بهذا وأن نعتقده، فلا يهزنا ما لديهم لحظة واحدة، فنعتقد أن المستقبل للإسلام، وإذا كان واقعنا بهذه العشوائية، وبهذه التفرقة، وبهذا الاضمحلال، فعلينا أن ننطلق ونعمل ولا نقول: إن هذا الواقع يدعو لليأس وإلى ترك المعركة؛ لأنك في معركة شئت أم أبيت، فما دمت واثقاً من أن لك النصر في النهاية، فلا تغرك مظاهر الهزيمة لديك ومظاهر القوة لدى عدوك، ولهذا أساس الانتصار على أنفسنا، وعلى أعدائنا، وعلى الشرق والغرب، وعلى كل خطر أن نعود إلى الله تبارك وتعالى عودة صادقة إيمانية، فإذا آمنا بالله وآمنا بوعد الله أيقنا بما أخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإننا حينئذٍ سوف نحطم كل ما يواجهنا بإذن الله مهما طالت الطريق ومهما نالنا من تعب، فهذا دافع إيجابي، لأن تكون حركتنا إيجابية لا سلبية فيها بأي حال من الأحوال، فنكون إيجابيين في تعاملنا مع كل الأحداث ومتفائلين بأن النصر لهذا الدين، وأن ما نراه من هذا الواقع المؤلم هو نفسه بإذن الله سيكون فيه العبرة لهم إذا استطعنا أن ننهض من هذه الكبوة العجيبة ونهزمهم، فإن هذه آية من آيات الله التي نؤمن بها في الدلالة على أن هذا الدين هو الحق، وإلا لو كانت هذه الآلام والمحن والحروب والفتن والتخطيط يواجه أمةً غير المسلمين وديناً غير دين محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكان قد اضمحل من فوق ظهر الأرض، فعندما قدم التتار اتحدت الرافضة والفرق الباطنية الحشاشون- مع المغول التتار ومع الحملات الصليبية كلها، وشكلت قوة واحدة، ولولا أن هذا الدين من عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لكان في القرن الثامن أو السابع لا وجود له على الإطلاق، ومع ذلك فنيت تلك القوى وظل هذا الدين والحمد لله.

    نتائج الانتخابات الامريكية وأثرها على المنطقة العربية

    السؤال: هل من نتائج فوز كلنتون على بوش في الانتخابات السماح للصليب بالعبث في المنطقة العربية، لأن أصله يهودي، ولأنه من الحزب الديمقراطي؟

    الجواب: هما وجهان لعملة واحدة، واليهود الآن في الحملة الانتخابية تقريباً كلهم مع كلنتون لأن عندهم في التلمود أن الأميين لنا كالحمار إذا نفق منهم حمار ركبنا حماراً آخر، ركبوا بوش واستخدموه ويريدون أن ينتهوا منه ويركبوا الآخر لو فاز بوش فالعملية سوف تستمر والخدمة ستستمر في الأصل، لكن سوف يكون أكثر حرية؛ لأنه لا يطمع في ترشيح ثالث، فلا يريد الفوز بأصواتهم، ولا يريد أن يكسبهم هم ولا غيرهم، فيكون لديه نوع من المرونة والحرية وهم لا يريدون هذا، يريدون المرشح الديمقراطي؛ لأنه أحمق، ولأن لديه جذور يهودية توراتية، ولأنه يمكن أن يحقق لهم أهدافاً أكثر باعتبار أن الفضل لهم في الوقوف معه في الانتخابات، ونحن مثل الأسير المكتف المقيد المغلوب الذي يرى وحشين يتصارعان، ويتمنى أن يكون هذا أرحم أو هذا أرحم!! أياً كان منهما فأنت مأكول إلا أن تطلق قيدك وتتوكل على الله تعالى، وتعتمد بعد الله على نفسك وعلى ما لديك، أما هم فلن يفرق الأمر كثيراً، ولا أتوقع أكثر من عشرين في المائة من تغيير في سياستهم الخارجية؛ لأنها تحكمها معايير ثابتة، وليس مجرد آراء الرئيس، وربما عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، بمعنى أننا نكره أن يفوز كلينتون، وما يدرينا أنه إذا فاز بحماقته هذه وتأييده لليهود وسبه للعرب، يكون هذا الذي يوقظنا ويكون هذا الذي يعرفنا قدرنا وقيمتنا، ويكون هذا الذي يحركنا، أما ذاك فإنه يدللنا بالكلام والأخوة والعدالة والشرعية، فننام ونتخدر أكثر، فالله أعلم، ونسأله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يختار الخير لهذه الأمة.

    وبالمناسبة فإن النتيجة غداً، وهذه من فوائد البث المباشر!

    إطلاق الروم وبني الأصفر على الأوروبيين

    السؤال: يقول الأخ ما وجه الجمع بين حديث: {لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا بني الأصفر}، وحديث: {لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الروم

    وهل فيهما إشارة إلى تدمير أمريكا وبعد أن تدمر أمريكا يكون الروم هم أوروبا بعد أن يتحدوا؟

    الجواب: معنى الحديثين واحد وبني الأصفر هم الروم، ولا ندخل في التفاصيل، ولكن الروم يشمل الغرب كله بما في ذلك أمريكا، وسيسلم الروم بإذن الله، وهذا الذي يشجعنا للدعوة؛ لأنه في نفس الحديث: { يقول الروم للمسلمين في الملحمة الكبرى: أخرجوا لنا إخواننا فيقول المسلمون: والله لا نعطيكم إياهم } لأنهم آمنوا بمعنى أنه يوجد روم مسلمون لهم نكاية في روم الكفار وهم مع المسلمين، ففي هذا دليل على أن من الروم من يسلم بإذن الله تعالى.

    توقعات من أزمة الخليج في كتاب المسيح الدجال

    السؤال: ما رأيكم في كتاب المسيح الدجال الذي ظهر قبل أزمة الخليج؟

    الجواب: في الكتاب حقائق كثيرة، لكن ليس بالدقة والحرفية، إنما يعطيك إشارة إلى نوع من تفكير هؤلاء، والذي سميناه نحن نبوءاتهم وما يفسرون به كتبهم، وهذا الكتاب مثال على هذا النوع الذي لديهم، وقد كان قبل الأزمة، ومع ذلك فيه بعض التوقعات التي حدثت فعلاً في الأزمة.

    تبعية الصين للغرب

    السؤال: فضيلة الشيخ! بعد ذكر أن اليهود يمكن أن يركبوا أمة أخرى غير الأمريكان مثل الصين، فهل هناك علاقة بين ضعف أمريكا اقتصادياً ومحاولة تجديد الرؤساء... إلخ؟

    الجواب: أنا أقول: إن الظاهر لنا أن اليهود ليسوا هم الذين يركبون الصين، بل إن الصين سيظل تابعاً للغرب، وبهذه المناسبة فإن الغرب أراد وخطط لأن تتحول أوروبا الشرقية كلها عن الشيوعية، أما الصين فقد أراد الغرب أن تظل شيوعية؛ لأن الشيوعية دمار وخراب، فلما ضمن الغرب تكوين جبهة غربية واحدة، أخذ هذا الدمار وأزاله عن أوروبا الشرقية، أما الصين فلأنها أمة شرقية، ولم تخضع له في النهاية؛ فقد جعل هذا الدمار باقياً لديها، وربما يدعمون وجود هذا الدمار!

    خطر الرافضة

    السؤال: فضيلة الشيخ! لماذا لا تنبه على خطر الرافضة وغيرهم؟

    الجواب: نحن نتكلم عن خطر واحد، والأخطار كثيرة، ولا نستطيع أن نتحدث في كل مرة عن جميع الأخطار.

    من المشاريع ضد التنصير

    السؤال: ماذا عن مشروعكم ضد التنصير؟

    الجواب: هذا مشروع بسيط جداً! ونسأل الله أن يكون كبيراً عنده، وإلا فهو بالنسبة لنا ليس كبيراً؛ للواجب الذي يجب أن تقوم به لهذه الأمة، وسوف نحدثكم عنه -إن شاء الله- في مثل هذا اليوم من الأسبوع القادم في جدة، وقد سبق الحديث عنه في القصيم بعنوان: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح".

    التفسير الإشاري من سمات الصوفية

    السؤال: التفسير الإشاري هل هو من باب ادعاء الغيب أم هو من باب اجتهادات ابن خلدون؟

    الجواب: التفسير الإشاري ليس من باب اجتهادات ابن خلدون، إنما هو من سمات الصوفية، ويمكن أن تفسر النصوص أو حتى الأشعار تفسيراً إشارياً أو رمزياً، ولا يختص هذا بأحاديث الفتن، وليس خاصاً بطائفة دون طائفة من المسلمين.

    خطر الفرقة على مستقبل المسلمين

    السؤال: إن مما يؤثر في مستقبل المسلمين الفرقة التي يعيشونها، ومن ذلك ما يحصل بين أهل السنة والجماعة وغيرهم من الجماعات عموماً؛ علماً بأنهم يلتقون في مبدأ واحد يتسع للخلاف... إلخ؟

    الجواب: لا شك أن الفرقة عامل ضعف، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذكر ذلك فقال: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]، ويقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، فمن أسباب قوة الغرب أنهم يتوحدون، ومن نظر إلى أوروبا الشرقية والغربية يجد أن فيهم العرق الآري، وفيهم الأعراق الأخرى، وفيهم الأرثودكس وفيهم الكاثوليك، وفيهم الأحزاب الشيوعية، والأحزاب اليمينية، والأحزاب اليسارية، والأحزاب الوسط، وفيهم من يتقاتلون مع بعض، وكل هؤلاء مع كل الاختلافات يريدون أن يتوحدوا، ونحن لدينا كل أسباب الاجتماع حتى اللغة؛ فلغتنا واحدة، المسلمون في كل مكان يحبون اللغة العربية، ويتعلمون القرآن.. أما هم فإن اللغة الألمانية لا يمكن أن يتكلمها الفرنسي، والفرنسية لا يتكلمها الألماني، ومع ذلك يريدون أن يتوحدوا، وأن يكون جيشهم واحداً، ونحن لدينا كل عوامل الوحدة، ولكننا لا نريد ذلك؛ لأن النفوس مرضى؛ ولأن الاقتناع بضرورة ذلك غير موجود، ولن يوجد إلا بالرجوع إلى العقيدة الصحيحة، وبالذات ما يتعلق بالولاء والبراء.

    غفلة المسلمين عن المخططات الغربية

    السؤال: ذكرت مكائد الغرب وسلطته وأن المسلمين في غفلة

    ويُقضى الأمر حين تغيب تيمٌ      ولا يُستأمرون وهم شهودُ

    وكأننا نرى أن الغرب ملك كل شيء، وما بيدنا شيء؟

    الجواب: لا! لم نقل هذا، ولا نريد أن يفهم هذا، لكن نريد أن نقول: إن الغرب يعمل ويخطط ونحن نتثاقل ونتخاذل.

    تحضير الأرواح

    السؤال: هل يعتبر تحضير الأرواح الموجودة اليوم -وخاصة عند النصارى- من ضمن الطلاسم؟

    الجواب: هو نفس الكهانة لكنها تطورت، بمعنى أن تحضير الأرواح هو نوع من الكهانة واستخدام القرين، وذلك أن لكل إنسان قرينه: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ [فصلت:25] كما ذكر الله تبارك وتعالى فكل إنسان له قرين وله شيطان، كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا أن الله أعانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قرينه فأسلم، فكل إنسان له قرين، فهذا القرينُ يأتي الخبيثَ من أولياء الشياطين من الإنس، يستعين بطواغيت الجن وملوكهم ويقدم لهم عبادات وخدمات معينة، ومنها إهانة المصحف -والعياذ بالله- وغير ذلك، فيسألون قرينه عن أحوال ذلك الميت، فإذا اجتمعوا في مكان، فربما نطق القرين، وقال: أنا ربما كنت كذا وكنت كذا، ويتكلم عن قرينه الذي مات فيقسم أهله الأيمان أن هذا الكلام حقيقي وأنه خاص ما اطلع عليه أحد، لكن القرين الذين معه يسارحه روحةً وغدواً وعشياً ويرى أفعاله، فهو يخبر بما شاهده، وليس من الغيب؛ لأن الغيب ما خفي، أما ذاك فقد اطلع فيه الجني على وليه من الإنس، مثلما لو أن عند أي شخص مجهر تلفزيوني، أو عين تلفزيونية يرى فيها شخصاً جالساً في مكتبه، وهو في الدور الرابع، فهذا ليس غيباً، وإنما اطلع عليه بوسيلة لا يراها الناس، فظنوا أنه يعلم الغيب، فهذا هو كل ما يقوم به من تحضير الأرواح، إنما هو تسخير للشياطين، كما ذكر الله -تبارك وتعالى- عنهم يوم القيامة: وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا [الأنعام:128].

    أسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن ينفعنا وإياكم جميعاً بما نسمع ونقول، وأن يكون فيما قلناه عبرة وإثارة لهذه القضية المهمة.

    والحمد لله.. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.