إسلام ويب

المستقبل للإسلامللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ حفظه الله حديثه عن مستقبل الإنسانية، ثم تطرق إلى حضارة الرجل الأبيض كما تسمى مبيناً أنها زائلة، باستقراء أحوال الحضارات الماضية، ومستدلاً بكلام كبار فلاسفة الغرب وأدبائهم. ثم تحدث عن معارك آخر الزمان بين المسلمين والنصارى واليهود، وبشر أن النصر سيكون للإسلام. ثم سلط الضوء على شيء من عدالة الغرب المزعومة، موضحاً أن العدل كل العدل في الإسلام، وأن الإسلام هو الدين المسيطر والمهيمن على ما سواه، وداعياً إلى الوثوق بموعود الله تعالى لأهل دينه.

    1.   

    حضارة الغرب في الميزان

    الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

    أما بعــد:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونحمد الله تبارك وتعالى الذي وفقنا لنتحدث عن أمرٍ عظيم جليل يهم كل مسلم ومؤمن وغيور وداعية، ألا وهو مستقبل الحضارة الإنسانية، ومستقبل الجنس البشري على هذه الأرض.

    لمن سيكون المستقبل في هذا العالم الذي يموج ويضطرب بالأحداث ويتفاعل بالقضايا؟

    حتى أصبح هذا الكوكب الأرضي مسرحاً ومعتركاً للأفكار والآراء، وللحروب والعقائد المختلفة، فمن الذي سيفوز في النهاية؟

    وأي دين أو جنس أو مبدأ سوف يسيطر على هذه البقعة من كون الله وخلقه؟

    إن الحديث عن المستقبل لا بد أن يسبقه حديث عن الحاضر، فالحاضر هو الطريق إلى المستقبل، بل هو جزء منه في الحقيقة؛ لأنه بدايته، إذاً لا بد من النظر إلى الحاضر الذي نعيشه اليوم.

    فمن الذي يقود الإنسانية؟

    ومن الذي يتحكم في الجنس البشري؟

    ومن الذي يسيطر -ولو ظاهراً- على هذا الكوكب؟

    لننطلق بعد ذلك لمعرفة المستقبل، ولمن سيكون، والغيب عند الله تبارك وتعالى، ولكن الله قد أظهرنا على شيء منه فيما يتعلق بهذه القضية، وأودع سنناً كونية من تأملها، وكان لديه بصيرة بعواقب الأمور عرف ما ستؤول إليه الأحداث.

    إن الحاضر الذي نعيشه اليوم لا يخفى على أحد ذي اطلاع في هذه الدنيا أن الحضارة المتحكمة في هذا الزمن هي الحضارة الغربية، ونحن عندما نتحدث عن أوروبا أو الحضارة الغربية فإننا نعني بذلك الامتداد الطبيعي، أو الفكري للقارة الأوروبية، أي: الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي بكلا النظريتين، وبجميع الدول التي تخضع لهاتين الفكرتين.

    حضارة الرجل الأبيض

    هذه الحضارة الغربية هي التي تتحكم اليوم في الجنس الإنساني فكرياً ومادياً - ولو ظاهراً - وهي التي عبر عنها الفيلسوف الغربي الكبير برتراند رسل حين سماها: قيادة الرجل الأبيض، أي: الجنس الذي سماه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في القرآن، وسماه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الروم) أو الجنس الرومي، كما سيتبين لنا من الأحاديث التي تطلق في الكتاب والسنة على هذه القارة اسم الروم.

    لأن الامبراطورية الرومية والتي كان زعيمها هرقل، هي التي كانت تتحكم في هذه المنطقة من العالم، بل في بلاد الشام ومصر قبل أن يفتحها المسلمون، فكلمة الغرب أو الحضارة الغربية أو أوروبا هي التي ترِد بمعنى الروم.

    فالحضارة الغربية هي التي تتحكم اليوم في قيادة العالم مادياً وفكرياً، فهل هنالك من ضمانات لاستمرار هذه القيادة؟ أم أن هنالك مؤشرات وعوامل واضحة للانهيار، وبناءً على ذلك يكون بلا شك مستقبل البشرية؟

    الواقع أننا لا نتكلم كلاماً عاطفياً، فلدينا الأدلة الصحيحة الصريحة على أن المستقبل للإسلام، وإن غَضب الروم، وإن كَثروا، وإن قَووا.

    مؤشرات انهيار حضارة الغرب

    نحن لن نتكلم بمجرد العاطفة، أو بمجرد التفاؤل، إنما نتكلم بمنطلق النظر في هذه النصوص الشرعية، وهي كافية وفيها الغنى بلا شك، ولكن لكي يكون الإقناع التام، ولكي تكون الفكرة الواضحة، لننظر ولننتهج المنهج العقلي الحيادي المجرد ونحن نبحث في هذه المسألة.

    يقول برتراند رسل: "لقد انتهى دور الرجل الأبيض"، وقبله كتبت كتابات لم يكتبها أشخاص متشائمون، وإنما فلاسفة الغرب، وعباقرة الغرب بأنفسهم قرروا وكتبوا عن مصير الحضارة الغربية والأمثلة على ذلك كثيرة.

    ومن أوضح الكتب على ذلك كتاب أُلف في العشرينات من هذا القرن، وهو كتاب (انحطاط الغرب أو سقوط الغرب) الذي ألفه الفيلسوف والمفكر الألماني رسوالد شبنجلر وهو كتاب ضخم ترجم للغة العربية باسم تدهور الحضارة الغربية ترجمه أحمد الشيباني، وملخص ما ورد في هذا الكتاب، على طوله وسعته، أن هنالك عوامل ومؤشرات معينة إذا ظهرت في أي حضارة من الحضارات فإن مآلها إلى السقوط.

    فقد درس هذا المفكر الحضارة المجوسية، والحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية، وإلى حد ما الحضارة التي يسميها العربية وهي الحضارة الإسلامية، ثم الحضارة الغربية فوجد أن كل عامل من عوامل الانهيار في أي حضارة من الحضارات المنهارة البائدة موجود ومتحقق في الحضارة الغربية، ودرس ذلك كثير من الأدباء، منهم على سبيل المثال (جورج أورويل)، بل ظهرت طبقة من الأدباء الغربيين هي الطبقة التي سماها كولن ولسن اللامنتمي، وهم مجموعة من الأدباء من السويد والنرويج وبريطانيا وفرنسا وغيرها وهؤلاء يطلق عليهم اسم اللامنتمي، وهؤلاء كلهم ينذرون بانهيار الحضارة، ومتشائمون بإفلاس الحضارة الغربية إفلاسا مريعاً ذريعاً.

    ولعلنا نستعرض قضيه واحدة، وما أكثر القضايا والمؤشرات التي تدل على إفلاس الحضارة الغربية، لكن هناك قضية واحدة قد تعجبون لها، وهي فعلاً جديرة بأن يتعجب لها.

    يقول (شبنجلر) لما نظر إلى الحضارات جميعاً وجد أن هناك عاملاً مشتركاً، بمثابة القاسم المشترك الذي تنهار الحضارات به، فما هو هذا العامل؟

    قال: إذا خرجت المرأة من البيت -إذا تركت المرأة دورها كأم- لتعمل وخالطت الرجال؛ ونافستهم فيما خلقوا له، فإن ذلك من عوامل انهيار الحضارات، فيقول: إن هذا قد وجد في الحضارة اليونانية، ووجد في الحضارة الرومانية، ووجد في الحضارة المجوسية، وهو الآن متحقق في الحضارة الغربية.

    وهو يكتب هذا الكلام في بداية الثلث الأول من هذا القرن، قبل أن يصل خروج المرأة إلى الحال الذي وصل إليه الآن، وقبل أن يتحقق الأمر الذي ربما لم يجر له على بال.

    فهو يقرر هذه القاعدة، فالرومان انهارت حضارتهم في الوقت الذي كانت فيه المسارح الرومانية المختلطة في قوة المجد والأبهة والنشاط، فكان ذلك أحد العوامل في انهيارها، وكذلك الحال في الحضارة الغربية، ويستدل على ذلك بشواهد من كلام الأدباء والمؤرخين الأوروبيين في عصره، على أن الحضارة الغربية سيكون مصيرها إلى السقوط والانهيار، وأن أحد هذه العوامل الواضحة الجلية هو خروج المرأة من البيت ومشاركتها للرجل في العمل.

    وحقيقة المسألة هي: أن الأمة التي تكون المرأة فيها أماً، هي أمةٌ متجددة الشباب بطبيعة الحال، ولهذا يلاحظ أن الأمم الشرقية عامة كـالهند والصين، ممكن أن يتجدد شبابها في أي قرن وفي أي مرحلة من المراحل، أما الضعف التكنولوجي فيمكن أن يعوض وأن يأتي جيل جديد ويستوعب التكنولوجيا وينطلق ويحقق تقدماً حضارياً، لكن الأمة التي تخرج المرأة فيها من البيت وتشارك الرجل في العمل هذه أمة هرمة، ستهرم بعد جيلين أو بعد ثلاثة، فمهما يكن فإنها ستهرم.

    وكما قال المؤرخ الإنجليزي العالمي المشهور أرنولد توينبي حينما ذكر هذه القضية، واستدل عليها بحقيقة تاريخية إحصائية، وهي أن العالم الغربي -أوروبا- كانت أكثرية في القرن التاسع عشر، وما تزال هي من أكثر بلاد العالم بالنسبة للكثافة السكانية، وإذا استمرت الحياة في الغرب على هذا النمط، فإن أوروبا ستصبح بعد أجيال أقلية بالنسبة للعالم، بل نص هو على ذلك فقال: إن نسبه التوالد عند المسلمين هي ضعف أو أكثر منها عند الأوروبيين، ومعنى ذلك أنه بعد أجيال سوف يصبح العالم الغربي أقلية بالنسبة للعالم الإسلامي بالذات.

    وأضاف أرنولد توينبي نقطة أخرى فيقول: "إن العالم الغربي ستفتك به المخدرات والخمور، في حين أن العالم الإسلامي لا يشرب الخمر"، وهذا وضعه كعامل من العوامل، إذا نظرنا إلى أمة شابة فتية يتضاعف سكانها، ونظرنا إلى أمة تهرم مع الزمن، وكلما يأتي جيل يكون عدد سكانها أقل، وفي نفس الوقت تتعاطى المهلكات كالخمور والمخدرات، فبلا شك -على نظره السطحي الظاهري وإن كان له حقيقة- أن العاقبة ستكون لتلك الأمة ولن تكون لهذه الأمة، فالعالم الغربي يتفوق اليوم بأسباب واضحة أعظمها وأجلاها هو التفوق العلمي الصناعي التكنولوجي.

    وقد أثبت الباحثون والمفكرون ذلك نظرياً، وثبت - الآن- واقعيا أن التقدم التكنولوجي ليس بتلك المعجزة التي يعجز عنها خلق الله الآخرون،كما كان يزعم بعض الغربيين، فقد استوعبت الحضارة الغربية والتكنولوجيا الغربية شعوب شرقية، واستطاعت أن تقف على ساقيها وأن تنافس العالم الغربي في صناعاته، فـاليابان أصبحت تنافس هذه الدول منافسة جلية واضحة حتى غزتها في عقر دارها، وهي محافظة على تقاليدها وبوذيتها ومجوسيتها.

    وبإمكان الهند أو باكستان أن تستوعب القنبلة الذرية، وهي سر قوة الغرب وتستمر أكثر من ذلك، والصين قطعت خطىً لا تقل عن خطى روسيا جارتها الشيوعية، وكذلك الكوريون فكما يقال: الكوريون قادمون، أيضاً تايوان (الصين الصغرى) ودول كثيرة وكذلك العالم الإسلامي، وإن كنا سنؤخر الكلام عنه.

    كل ذلك يثبت أن التفوق التكنولوجي ليس تلك المعجزة التي ستظل حكراً على الإنسان الغربي إلى الأبد، وإنما في إمكان الشعوب الأخرى أن تشارك، ففي أول الأمر تتعلم ثم تشارك ثم تنافس وفي النهاية سوف تتفوق، وهذه قضية أصبحت تُخيف العالم الغربي بشكل مزعج جداً، لكن السنن الربانية لا يمكن لأي أحد أن يدفعها، إذاً هذا جانب.

    الجانب الآخر من جوانب تفوق الغرب هو: تفوقه الحضاري الفكري؛ فبلا شك ولا ريب أن العالم اليوم خاضع إلى حد كبير إلى الفكر الغربي، بمعنى أن اللغات الغربية، الانجليزية أو الفرنسية تكاد تكون لغات التخاطب العالمية، وأن مناهج تعليم الأفكار والأنماط السياسية كـالديمقراطية والاشتراكية وأمثالها كلها شعارات وأفكار وثقافات ونظريات غربية، وهي التي تكتسح معظم العالم اليوم، لكن حتى هذه ليست بتلك الأزلية الثابتة أبداً.

    مستقبل التدين في الغرب

    يتبين من الإحصاءات التي تجري سنوياً أن الذين يدخلون في الهندوسية والبوذية وحدها -فضلاً عن الإسلام- من الأمريكان والأوروبيين يتزايدون آلافاً مؤلفة سنوياً، ومعنى ذلك أن الثقافة الأمريكية والحضارة الغربية سوف تنطبع حتماً بطابع جديد وبمؤثرات جديدةٍ عليها، لأن الإنسان الأمريكي أو الأوروبي مهما كان فقناعته بحضارته وبثقافته نظرياً، فهو حينما يذهب يلهث وراء أي دين من الأديان.

    وحينما يذهب إلى نيبال أو إلى سيام أو بورما ليبحث هنالك عن الدين ويعتنق أي دين فإنه يعبر تعبيراً صارخاً عن إفلاس الحضارة الغربية عقائدياً وفكرياً، وبالتالي فإنه لا بد أن تظهر بصمات واضحة وآثار جلية في الحضارة الغربية سوف تخسر بها كثيراً من نظرياتها التي يزعم أو يتوهم أصحابها أنها خالدة، وأنه لا يمكن لأحد أن يغيرها ولا أن يزحزحها.

    فالتفوق الفكري للعالم الغربي ليس بذلك الذي لن ينقضي إذا ما قارناه بالثقافات المجوسية وبالثقافات البوذية والهندوسية، وهي ثقافات بشرية وضعية وثنية قديمة منحطة تتنافى كل المنافاة مع واقع الإنسان الغربي، ومع ذلك فإن الكفة الآن تميل لصالح الإنسان البوذي ضد الإنسان الغربي، وإن كانت الأفكار الغربية اجتاحت الهند والصين، إلا أنها أفكار جاءت عن طريق حكومات علمانية أو شيوعية تسيطر على تلك الملايين المؤلفة من البشر، وتفرض عليهم نظاماً غربياً، إما العلمانية في الهند وإما الشيوعية في الصين على سبيل المثال.

    ولكن الشيء الثابت والأساس هو أن الأفراد الغربيين أنفسهم بدءوا هم يدخلون في الدين البوذي، في حين أن المثقفين الهنود والصينيين بدءوا يعيدون النظر في موقفهم من الحضارة الغربية، ويقولون: ليس للغرب أية ميزة، ونحن لنا حضاراتنا ولنا أمجادنا، فإن الشيوعية التي تسيطر بقوة الحديد والنار في الصين قد حدثت فيها عدة انتفاضات ضدها، وبدأ الإنسان الصيني يراجع نفسه ويقول: لا بد أن نرجع إلى البوذية، لا بد أن نرجع إلى ديننا إلى دين الآباء والأجداد، ولماذا نأخذ نظريات ماركس ولينين وأمثالهما، ونحن عندنا أفكار بوذا فيها ما يغني وفيها ما يكفي وفيها ما يضمن لنا الحياة المستقرة الهادئة المطمئنة؟

    مع أن كلا الحضارتين وكلا النظريتين باطلٌ ووثنيٌ جاهلي، إلا أن هناك رجحان في كفة هذه على تلك.

    1.   

    دعوة الأمة إلى الأخذ بأسباب التوبة

    إذا كان هذا بالنسبة لتلك الأمم فما هو الحال بالنسبة للعالم الإسلامي وللأمة الإسلامية؟

    الأمة الإسلامية اليوم تشهد صحوة ويقظة، وإذا استخدمنا التعبيرات الشرعية -وهي الأصح والأولى- فإننا نقول ونسميها توبة، فالعالم الإسلامي اليوم يعيش بداية توبة وإنابة ورجوع إلى الله تبارك وتعالى، وذلك لعدة أمور:-

    أولاً: أن من داخل العالم الإسلامي حركات ودعوات ضمير يحرك العالم الإسلامي للعودة إلى الدين نقياً سليماً صافياً، وهذا الضمير الموجود في هذه الأمة يعبر عنه وجود طائفة من هذه الأمة لا تتزحزح ولا يتزعزع إيمانها مهما ذهبت بقية الأمة؛ ومهما انحرفت ومهما انجرفت مع التيار، وهي الطائفة التي أخبر عنها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو الصادق المصدوق حين قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله).

    وأمر الله هو الريح الطيبة التي تهب قُبيل قيام الساعة فتقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى إلا شرار الناس وعليهم تقوم الساعة، عافانا الله وإياكم من ذلك.

    إذاً: فهذه الطائفة المنصورة موجودة وجوداً حقيقياً حسياً وموجودة وجوداً علمياً، فالقرآن -ولله الحمد- موجود وكأنما أنزل اليوم، وسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موجودة، بل ظهر من الاعتناء بها في هذا العصر الشيء الذي لم يظهر مثله في قرون كثيرة مما سبق، وكتب السلف الصالح ودعاة الأمة والمجددين موجودة بين أيدينا، وتجاربهم موجودة بين أيدينا.

    فإذاً هنالك عامل ورافد من روافد العودة والإنابة والتوبة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى موجود في قلب الأمة الإسلامية أو في ضمير الأمة الإسلامية وهذا لن يموت، ولن يخفت بإذن الله تبارك وتعالى.

    والأمر الآخر: أنه بقدر ما يظهر إفلاس الحضارة الغربية، وانهيار الحضارة الغربية وانحطاطها وتدهورها والسفول الأخلاقي البهيمي الذي تعيشه، بقدر ما يوجد لدى المسلمين -كما وجد لدى غيرهم من الشعوب- القوة والاعتزاز بالنفس والشعور بالانتماء وبالذات، ورفض التبعية والتقليد والانتماء لتلك المناهج التي أعلن أصحابها إفلاسها، وأعلنوا حيرتهم وضياعهم وشقاءهم.

    فكل من هذين العاملين كلاهما يؤيد الآخر في أن الصحوة الإسلامية أو العودة والتوبة، أصبحت حقيقة واقعة يراها الإنسان في كل مكان من بلاد العالم الإسلامي.

    والذي يبشر بالخير أكثر فأكثر: أن هذه العودة هي عودة إلى المنابع الأصلية، إلى القرآن والسنة وإلى سير السلف الصالح، فلم يشهد عصر من العصور انتشاراً لكتب السلف الصالح وأئمتهم ودعاتهم وعلمائهم كشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله أجمعين- كانتشارها في هذا العصر في شتى البقاع، وبلغات شتى، وفي هذا دليل على أن الأمة الإسلامية بدأت تعرف أين هو، وما هو المصدر الحقيقي الذي تكون الانطلاقة منه صحيحة وسليمة؟ ولا بد أن تتحقق النتيجة بإذن الله تبارك وتعالى.

    1.   

    الأدلة على سقوط المنهج الغربي

    وما سبق إنما هو بالنظرة المجردة للواقع، كواقع بالنسبة للعالم الغربي وبالنسبة للعالم الإسلامي، لكن إذا ما نظرنا إلى النصوص وإلى الأدلة الشرعية فإننا نجد ما يؤيد ذلك تأييداً قوياً جلياً صريحاً.

    سقوط الكنيسة الشرقية وملك فارس

    يقول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما سأله أحد التابعين قال له: { يا عبد الله أيُّ المدينتين تفتح أولاً: مدينة هرقل أم روميا؟

    -يعني القسطنطينية تفتح أولاً أم روما- فأخرج عبد الله بن عمرو كتاباً من صندوق كان لديه، وفتحه وقرأه وقال: أخبرنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -ونحن نكتب- أن مدينة هرقل تفتح أولاً).

    ما معنى ذلك؟

    إذا تحدثنا بالنظرة الفكرية بغض النظر عن القضية الجغرافية، فإن العالم النصراني ينقسم إلى كنيستين كبيرتين: الكنيسة الشرقية، والكنيسة الغربية، والعالم الصليبي هو أعتى وأقوى أعداء الإسلام، وهو الذي -كما سنعرض في الأحاديث- سيظل العدو اللدود للإسلام إلى قيام الساعة.

    هذا العدو ينقسم إلى كنيستين: الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية.

    الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية ومقرها القسطنطينية، والكنيسة الغربية الكاثوليكية ومقرها روما، وعبد الله بن عمرو يُسأل فيقال له: أي المدينتين تفتح أولاً؟

    ونلاحظ من هذا السؤال أن التابعي ليس لديه شك في أن كلاً من القسطنطينية وروما ستفتح، وما سأله هل ستفتح روما وإنما سأله أي المدينتين ستفتح أولاً؟ فعنده يقين بأن المدينتين ستفتحان لكن أيهما تفتح أولاً؟ فقال له عبد الله بن عمرو عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مدينة هرقل تفتح أولاً.

    فالكنيسة الشرقية هي أول ما ينهار في طريق الزحف الإسلامي المظفر، وقد حصل ذلك، وقد اجتاحها المسلمون فبدءوا بـبلاد الشام، وقد كانت قاعدة حكم الامبرطورية الرومانية لـهرقل، وقد أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث الصحيح: (إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل) وقد أنفقت كنوزهما في سبيل الله عز وجل.

    ولما أن كانت القصة المعروفة المشهورة -التي رواها الإمام البخاري في أول الصحيح- ولم يؤمن هرقل ولكنه كاد أن يسلم ثم بقي على دينه، فلما أن جاء الزحف الإسلامي وتقدم إلى دمشق ففر هو إلى حمص، فلما تقدم الزحف الإسلامي إلى حمص، قال هرقل الكلمة المشهورة: سلاماً عليك يا سوريا، وداعاً لا لقاء بعده.

    فقد علم بذلك من قَبل لما جاءه كتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (والله ليبلغن ملكه ما تحت قدمي هاتين) فقد كان يعلم ذلك، فهم يعلمون أن هذا الدين سيظهره الله على الدين كله ولو كرهوا وقاوموا، فانسحبت جيوش هرقل.

    سقوط الكنيسة الغربية

    أما الكنيسة القبطية التي في مصر فقد اضمحلت -ولله الحمد- وتلاشت إلا ما بقي من الأقباط، وبدخول محمد الفاتح إلى القسطنطينية سقط معقل الكنيسة الأرثوذكسية، أي النصف الشرقي من العالم الصليبي النصراني، سقط في أيدي المسلمين وبقي من العالم القسم الغربي وهو الذي قاعدته روما.

    يقول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: {تغزون جزيرة العرب فيفتح لكم، ثم تغزون فارس فيفتح لكم، ثم تغزون الروم فيفتح لكم، ثم تغزون الدّجال فيفتح لكم}.

    وبهذا الترتيب نجد أن الذي وقع فعلاً هو ذلك، فـجزيرة العرب فتحت في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وانتهى أمرها، وثبتت في أيام أبي بكر بعد القضاء على المرتدين، وظلت وستظل بإذن الله قاعدة للدين الإسلامي {لا يجتمع فيها دينان} كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هذا خبر ولكنه حكم يجب أن لا يجتمع في جزيرة العرب دينان، فلا يبنى فيها كنيسة ولا معبد لأي دين من الأديان، ولا يقيم فيها غير مسلم إلا الإقامة المؤقتة، لا يسكنها ولا يقيم فيها اليهودي ولا النصراني إلا بصفة مؤقتة للضرورة، وإلا فهي معقل الإسلام الذي يجب أن يصان عن رجس الشرك.

    {ثم تفتح فارس} وقد فتحت فارس فتحاً كاملاً، اجتاح المسلمون ملك كسرى إلى أن وصلوا إلى حدود الصين، فكسرى مزق كتاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فدعا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يمزق ملكه، فمزق الله ملكه ولم يبق منه شيء، وهرقل احترم كتاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -هذه إحدى الدلالات البينات من دلائل النبوة، وكاد أن يسلم كما أشرنا- فبقي له جزء من الامبراطورية الغربية بعد أن تقدم المسلمون إلى بلاد الشام وإلى أن حاصروا القسطنطينية في أيام معاوية بن أبي سفيان، ثم من بعده رضي الله عنهم.

    قال: {ثم تفتح الروم} والفتح الحقيقي للروم كما يظهر من الحديث -لأنه قال {ثم الدجال}- يكون إذا فتحت المدينة الأخرى وهي مدينة روما، وحينئذ تكون الكاثوليكية أو بمعنى آخر: تكون قاعدة الدين النصراني الكبرى قد سقطت هي الأخرى في أيدي المسلمين كما سقطت من قبل مدينة هرقل وهي قاعدة الكنيسة الشرقية، ونتيجة لذلك لن يقوم للنصرانية قائمة بعد ذلك بإذن الله تبارك وتعالى.

    ملحمة آخر الزمان

    بقي لدينا أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد قال كما في الحديث الذي رواه مسلم وكان بحضرة عمرو بن العاص وشهد له {تقوم الساعة والروم أكثر الناس}.

    وفي الحديث الآخر الذي جاء من عدة طرق وروايات: {أن الروم يقاتلون المسلمين ويغزوهم حتى ينزلون بـالشام} وهذا يدل على أن هناك كرةً أخرى سوف تستعيد فيها أوروبا قوتها ونشاطها وتغزو العالم الإسلامي، حتى أنها تنزل بـالأعماق في أرض الشام وهناك تكون الملحمة المشهورة التي في أرض الشام.

    هذه هي الملحمة النهائية الفاصلة التي لا قيامة بعدها للروم، وفيها تكون المعركة الحاسمة، حتى أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصفها وذكر أيامها وأهوال هذه الحرب، وبعد انتهاء الملحمة بهزيمة الروم يكون تفوق العالم الإسلامي، وتفوق المسلمين النهائي على العالم الغربي، رغم أنهم قد يكونون أكثر منهم مناعةً وقوةً وعتاداً وسلاحاً.

    فالمهم أن هذه الملحمة لا بد منها، ولا بد من أن تتفوق وتنتصر فيها الأمة الإسلامية ولا تقوم بعد ذلك للروم قائمة، وفي نفس الوقت نجد أحاديث صحيحة تدل على أن المسلمين سوف يقاتلون اليهود وينتصرون عليهم انتصاراً ساحقاً، كما في الحديث: {حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله}.

    وتصوروا كيف تكون حالة العالم إذا قضى المسلمون على اليهود وقضوا على النصارى، ما الذي سيبقى؟

    العالم الغربي -الآن- أشبه بوحش كبير جداً يسيطر على الدنيا ومنها العالم الإسلامي، وهذا الوحش على رأسه تلك الأفعى اليهودية توجهه يميناً وشمالاً، تمتص خيرات هذا العالم، وتوجهه ليحارب من شاء ويترك من شاء، فإذا قضى المسلمون على اليهود والنصارى -كما بشر بذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنه لن تقوم حينئذ للعالم الغربي قائمة فيندحر بذلك ويندحر أقوى وأعتى أعداء الإسلام، ويتحقق قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار} ويدخلون في دين الله أفواجاً.

    هذه نظرة عجلى على النصوص التي تدل على أن المستقبل -بإذن الله تبارك وتعالى- للإسلام، وأن الحضارة الغربية هي بلا ريب وبلا شك مآلها إلى الانهيار والدمار.

    1.   

    بين عدالة الغرب وعدالة الإسلام

    إذا عدنا إلى المستقبل القريب الذي يعيشه العالم اليوم، وأردنا أن ننظر إلى بشائر العودة إلى الله والإنابة والتوبة إليه من جهة، وإلى واقع العالم الغربي من جهة أخرى، فإنه تتعارض لدينا قضيتان.

    القضية الأولى: التفوق العلمي، والتفوق التكنولوجي والمادي الذي يعيشه العالم الغربي، بحيث إنه يمتلك من العتاد والسلاح والأساطيل والصواريخ والقوى ما يجعل مجرد التفكير في حربه ومقاومته -كما يبدو ظاهراً- أمراً صعباً ومريعاً للغاية، أو مستحيلاً لا يمكن أن يفكر فيه إلا مغامر مهووس لا يقدر العواقب والأمور، كما يتصور ذلك العالم الغربي على الأقل.

    لكن في نفس الوقت نجد أن هذا العالم الغربي لديه الخواء النفسي والروحي الرهيب، فلديه الذعر الذي يسيطر عليه من داخله، وتسيطر عليه الجريمة، والإدمان بجميع أنواعه، والانهيار الاجتماعي وتفكك الأسرة من الداخل.

    إذاً كما قال المفكر الإنجليزي (جود): ''نحن مثل الذي يملك قوة العفاريت ولكن بعقول العصافير، هذا العالم قوة عفاريت ولكنها بعقول العصافير''.

    فإذا فقد الروح هذا الهيكل العظمي الحديدي الذي يتمثل في الأساطيل وفي الصواريخ وفي الصناعات، إذا فقد الروح فإنه مهما كبر فلن يؤدي أي دور على الحقيقة، بل هناك نظرية معروفة الآن على المستوى السياسي والدفاعي وهي ما يسمى بنظرية "توازن القوى" بمعنى أن الأمة التي تمتلك قنبلة ذرية أو هيدروجينية متفوقة على الأمة الأخرى، فإذا امتلك الخصم قنبلة مناظره أو مقابله معنى ذلك: أن كلا الطرفين لن يستخدم السلاح النووي، فسيضطر الطرفان أن يعقدا الاتفاقيات للحد من الأسلحة النووية، لأنه لا يمكن أن يستخدمها لا هذا ولا ذاك في المعركة؛ لأن كلاهما خاسر في المعركة فيها، فتعود الأمور إلى الأسلحة التقليدية.

    وهناك ما هو أعظم من ذلك حين تعود المسألة إلى المعنوية النفسية، وهذا أمر مشاهد، فالإفلاس عند الإنسان الغربي في ضميره وروحه وأخلاقه، فكيف كانت أحوالهم وهم يحاربون في فيتنام بل وإلى الآن، فقد نشر أن في القواعد الأمريكية في بريطانيا قد يصبح الشخص مدمناً على المخدرات بحيث إن بقاءه في القواعد لا يصلح، وهذا يؤدي إلى أن يطرد يومياً شخص على الأقل ما بين ضابط إلى صف ضابط إلى آخره.

    وانظروا إلى هذه العوامل إذا استمرت كيف يكون الفتك، وكيف إذا انتشرت الأوبئة والأمراض التي أصبحت حديث العالم وهَمَّ العالم، وهي منتشرة بلا شك بين العالم الغربي، ومنه جنوده هؤلاء، فنقول: إن عوامل الانهيار الذاتية في العالم الغربي تجعله يوماً من الأيام يستسلم ويركع أمام أي عدو.

    فكيف إذا كان الخصم المقابل هو من يملك النور والهداية والبرهان والحق المبين، والعالم الغربي يفتقر اليوم إلى العدالة، ومن الذي يملك العدالة؟

    فالعالم الغربي أحوج ما يكون اليوم إلى العدالة، فلا تغرنا مظاهر ما يسمى بـالديمقراطية أبداً، فإن هذا عالم يحتاج إلى العدالة.

    يقول (تومبي): "إن الديمقراطية -المزعومة بشعاراتها الثلاثة البراقة (الحرية، الإخاء، المساواة)- شعار براق لأن حياة الغرب في الحقيقة ما هي إلا صراع بين مبدئين: الحرية والمساواة"، كيف هذا؟

    هذا كلام قد يستغربه بعض الناس، فيقول: إن حقيقة الديمقراطية ليست هي الحرية والإخاء والمساواة! بل إن فإن حقيقتها أن العالم الغربي يعيش في صراع بين مبدئين، وهما نفس المبدئين اللذين جاءت بهما الديمقراطية، بين مبدئي الحرية والمساوة، ولا يمكن على الإطلاق أن تتحقق المساواة مع الحرية، ولا أن تتحقق الحرية مع وجود المساواة أبداً، فكيف يأتي هذا المبدأ ويرفع شعارين متناقضين في وقت واحد، ويؤمن به العالم الغربي، وهو يعاني هذا الصراع.

    ويقول: الكسس كاري في كتابه (الإنسان ذلك المجهول): إني أتعجب كيف تصبر الإنسانية على هذا الشعار السقيم أو العقيم، ولن يدوم صبر الإنسانية على هذا الشعار -يعني الديمقراطية- لماذا؟

    يقول: لأنها تقضي على الفرد الممتاز، فـالديمقراطية والمساواة المطلقة في أي وقت وزمان تقضي على الفرد الممتاز المتفوق؛ فبالتالي فإنها تحشر الناس قوالب كبيرة جداً في أطر معينة، فإن فتح المجال للحرية ظهر التفاوت الكبير الذي لن تتحقق معه المساواة.

    فالعالم الغربي يفتقد للعدل، يقتل عدد من رؤساء الدول أو رؤساء وزراء الدول بتدبير من شركات السلاح، وتستمر القضية (20 سنة) وأكثر ولا يعلم القاتل، أين العدالة؟

    إن هذا ليس بشراً عادياً، إنه هذا رئيس الدولة، ولا يعلم قاتله، ولا تقتص العدالة من الجاني، إذاً هذا العالم يعاني الإفلاس الرهيب من العدالة، فأين توجد العدالة؟

    وأين يوجد العدل؟

    وأي أمة على ظهر الأرض تملك العدل؟

    هل في الطرف الآخر الشيوعية؟

    كاتب غربي مشهور يدعى (آرثر فوستلر) جرب الشيوعية وجرب الرأسمالية، ثم كتب عن ذلك كتاباً يقول فيه: كثير من الناس يتكلمون عن مساوئ الشيوعية وينسون مساوئ الرأسمالية، وكثير منهم يتكلم عن مساوئ الرأسمالية وينسى مساوئ الشيوعية، أما أنا فأقول: لعن الله كليهما. يقول: إن الاثنين كلاهما مفلس، وهذا كاتب كبير على مستوى العالم، وأظنه فاز بجائزة نوبل، يقول: إن الاثنين ملعونين، وإنهما سواء ليس هناك من عدل.

    إذاً: فمن الذي يملك العدل؟

    إنها الأمة الربانية التي تملك شريعة الله التي لا تحابي ولا تجامل أبداً، الأمة التي علمت الناس العدل.

    ونضرب مثالاً واحداً على العدل، وما أكثر الأمثلة على ذلك العدل وغيره.

    كانت مصر مستعمرة للدولة الرومانية، التي هي قبل الحضارة الغربية في سلم التسلسل الأوربي للحضارات، وكان الروم طبقتين -نفس الشعب على طبقتين- طبقة الأسياد، وطبقة العبيد، وطبقة العبيد في الدولة الرومانية يتحكمون في أبناء الشعوب المفتوحة مثل مصر والشام، فكانت منزلة الإنسان المصري أو السوري هي طبقة عبيد العبيد للامبراطورية، وما الذي حصل عندما دخلوا في دين الله عز وجل؟

    بعد أن فتح المسلمون مصر ودخلوا فيها، وأتى -ابن عمرو بن العاص ابن القائد الفاتح الذي يحكم مصر- فلطم أحد أبناء الأقباط، فما الذي وقع؟

    يأتي هذا القبطي ويشد رحله -ناقته- ويسير المسافات والأيام إلى أن يصل المدينة ويقول لـعمر: إن ابن فلان لطمني، ودعونا من عدل عمر المعروف، ثم دعونا من قضية الإسلام، وأنه لا يُقر لأحد أن يعتدي على أحد، مهما كان هذا المعتدي كبيراً أو ابن كبير، فهذا منكر وجريمة لا يقرها الإسلام، وهذا معروف، لكن انظروا ما الذي جعل القبطي يثأر لكرامته، ويرحل هذه المسافات البعيدة ليقتص ممن لطمه، وهو منذ سنوات كان هو وأعظم شخصيات بلده عبداً لعبيد الامبراطورية الرومانية، فهذا الانقلاب الكبير أحدثه الإسلام، وأحدثته عدالة الإسلام.

    يفتح جيش قتيبة بن مسلم الباهلي رحمه الله وهو من كبار قواد المسلمين، وكما في تاريخ الطبري، وابن كثير من قرأ فيهما يجد ما لقي المسلمون من عنت شديد من أهالي سمرقند وما حولها من البلاد، يصالحون ثم يغدرون، ويصالحون ثم يغدرون، حتى تعب المسلمون وخسروا أبطالاً عظاماً.

    فـقتيبة بن مسلم رضي الله تعالى عنه ورحمه صالحهم، ولما صالحهم وهو يعلم أنهم سيغدرون بدأ بهم فهاجمهم؛ فتمكن منهم فقضى عليهم، فجاءت العدالة التي لا يؤمن بها أولئك الوثنيون ولم يسمعوا عنها، فقالوا: لا بد أن نذهب ونشتكيه؛ لأن هذه أمة لا ترضى الظلم، فذهبوا إلى الخليفة.

    وكان الأمر قد آل من سليمان بن عبد الملك الذي أرسل قتيبة إلى الخليفة العادل الراشد عمر بن عبد العزيز، فقالوا: يا عمر إننا قد صالحنا جيشك ثم غدروا بنا، ونحن جئنا نشكوهم، فقال: أهكذا كان؟

    قال المسلمون: نعم -فليس لدينا كذب فنحن أمة العدل- لماذا؟

    قالوا: لأنهم غدروا بنا مرات، فقلنا: لابد أن نصالحهم ثم نغدر بهم وتمكنا منهم فقال: لا، وأمر الجيش بأن يخرجوا وأن يبقى الصلح.

    فليغدر عدونا ما شاء وليكذب ما شاء، فنحن لا نكذب لأننا أمة العدل، إذا أردنا أن نحاربهم ننبذ إليهم على سواء، ونقول لهم: انتهى الصلح الذي بيننا وبينكم فاستعدوا، فلما رأوا ذلك تعجبوا وظنوا أن الأمر كذب وإذا به حقيقة، وإذا بالجيش ينسحب، فما كان منهم إلا أن أسلموا عن حق وحقيقة ودخلوا في دين الله، وبقيت معقلاً من معاقل الإسلام، ونسأل الله تبارك وتعالى أن تعود كذلك.

    هذا من ناحية إفلاس العالم الغربي في العدالة، وإفلاسه في القيم، والأمن، والأسرة المتماسكة.

    هناك أيضاً قضية مهمة جداً وهي: أن الوهم الذي كان يسيطر على العالم، وهو أن العالم الغربي لن يستطيع أن يقاوم صواريخه وأساطيله أية أمة من الأمم، هذا الوهم قد تبدد وتبخر بنموذج إسلامي حي معاصر وهو أفغانستان، شعب أعزل يحارب بالبنادق المصنوعة في القرن التاسع عشر، على نمط البنادق القديمة التي تحاربت بها النمسا وفرنسا في القرن التاسع عشر -قديمة جداً- يسلب من عدوه الرصاصة الواحدة، ليعيدها إلى صدر عدوه، ومع ذلك يحارب أعتى دولة في القسم الشرقي من العالم.

    وتعلمون جميعاً -ولله الحمد- كيف آلت أمر هذه الحرب، وبدون أية مساعدة وتدخل عسكري من أي دولة إسلامية أخرى أبداً، هذا الشعب الأعزل بمفرده يقاوم هذه المقاومة العنيدة الأبية الصامدة مع ضعف في التربية بلا شك، ومع تفرق ابتليت به الأمة الإسلامية، ومع عوامل كثيرة لا يهمنا الآن أن نعددها، ولكن الذي يهمنا هو أنه مع هذه العوامل التي لو ربيت الأمة الإسلامية من الأساس على ألا تكون فيها، لكان النصر أعجل وأقرب بإذن الله.

    فكيف إذا قامت قومة واحدة، لا نقول: من المحيط إلى الخليج، بل نقول قومة واحدة من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، كلها قامت قومة رجل واحد، وكانت كلها على منهج واحد، وهو ما كان عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه وأصحابه، هل تستطيع أي قوة من القوى مهما كانت الأساطيل، ومهما كانت القوى المادية أن تنتصر عليها؟ أبداً.

    القضية التي أسكرت وأعمت خفافيش المقلدين لهم من أبناء المسلمين، الذين يتصورون ويتوهمون أن هذا العالم الغربي لن يقهر، حتى أن بعضهم يخيل إليه أنه ما دام في السماء والأرض خلق فإن الغرب سيظل هو المتفوق، وإذا رسخت هذه القاعدة في ذهنه واستقرت فإنه لن يعمل شيئاً على الإطلاق، لأن اليائس لن يعمل شيئاً مهما كانت قوته ومهما ملك، وسيظل مهزوماً تابعاً ما بقي، ولكن الذي يريد أن ينتقم، والذي يريد أن يثأر وإن كان مخلوقاً ضعيفاً ضئيلاً، فإنه سيحقق شيئاً ما على المستقبل البعيد.

    إذاً: فقد تبين لنا من واقع الحضارة الغربية كواقع يعيش حالة من الإفلاس الفكري والمعنوي، من واقع النصوص الصحيحة الصريحة عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن الشواهد العملية التي تدور الآن في العالم، أن المستقبل بإذن الله تبارك وتعالى هو للإسلام.

    1.   

    الخاتمة

    بقي أن نقول كلمة بين يدي ختام هذا الحديث وهي:

    هل يقيننا وإيماننا الذي لا يتزعزع ولن يتزعزع -بإذن الله- بأن المستقبل للإسلام، هل يعني ذلك الركون والدعة والتكاسل؟ وهل يعني ذلك أن هذا العدو اللدود -ولاسيما العالم الغربي- سوف يستسلم لنا بسهولة ويخضع لنا بسهولة؟

    الجواب: إنه لا يمكن أبداً، بل سوف تكون المعركة على أشد ما تكون، وهذا يستدعي من كل واحد منا أن يجعل نفسه فعلاً على ثغر من ثغور الإسلام، والله الله أن يؤتى الإسلام من قبله.

    احم بيتك من تأثير هذه الحضارة الفاسدة الكاسدة، احم أبناءك من سمومها، احم نفسك من ذلك، وقاومها ما استطعت أن تقاوم، لتبدأ الطريق من أوله، وإذا كان غاندي رفع شعار المقاومة السلبية التي تعني ألا تشتري من الإنجليز ولا تركب في مواصلاتهم... إلخ كلها مقاومة سلبية، وحقق الانتصار لبلاده، فكيف المسلمون؟

    كيف لو حققنا أو بدأنا ببيوتنا فنظفناها، وبدأنا بأموالنا فحفظناها من أن نبذرها على شهواتنا في تلك البلاد؟

    بل حتى الأمور الحاجية، فلا نأخذ إلا الضروريات ونقف عند شيء من الحاجيات، فضلاً عن الكماليات، فضلاً عن المحرمات.

    يجب علينا أن نعرف أننا أمة مستهدفة ومحارَبة وهي أيضاً محارِبة، فلابد أن نبدأ الطريق من الآن، ولا بد أن نهيئ أنفسنا وشبابنا بالإيمان القوي، لأن هذا العالم الكافر العنيد القوي لن يقاومه إلا من آمن بالله تعالى حق الإيمان.

    كما كان المؤمنون في أيام اليرموك، وفي فتوح فارس، يأتي المئات من جنود الروم أو الفرس مسلسلين بالسلاسل بعضهم مع بعض ويتقدمون صفاً واحداً حتى لا يتزحزحوا، ويأتون معهم بالفيلة، ومعهم الرماح الطويلة، ويهجم المسلمون حتى أن بعض المسلمين كـعبد الله بن الزبير رضي الله عنه ألقى الدرع، وأخذ يواجه هذه الكتائب المسلسلة وهذه الفيلة بصدره وهو حاسر، وتقدموا وثبتوا حتى نصرهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    يجب أن يكون شبابنا قوياً في إيمانه، ويجب أن يكون قوياً في جسمه، فسموم الحضارة الغربية وشهواتها تفتك بشباب المسلمين في جسده، وفي عقله، وفي إيمانه، وفي كل شأن من شئونه، بل حتى في ماله، فلا بد أن نخلص شبابنا من ذلك، وهذا هو بداية النصر، وهذا هو بداية المعركة.

    والمعركة الآن قائمة معلنة من طرف واحد، وهو طرف العالم الغربي ونحن غافلون.

    وانظروا -وأنا أذكر مثالاً من قضايا كثيرة- ماذا تكتب وسائل الإعلام والصحافة في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه عن العالم الغربي من اختراعات وبطولات عظيمة، حتى الجريمة الغربية تكتب وكأنها شيء جديد وحضاري، ولكن انظروا ماذا يفعل الغرب لو حققنا أعظم إنجاز، ما يكتب عنه الغرب إلا على سبيل الاستهزاء، أو الشماتة، أو التشاؤم، أو التحقير، وهذه الصحف الغربية أنتم أعلم مني قطعاً بها؛ لأنكم تقرؤونها بلغتها، وربما منكم من يقرأها يومياً، فلا يمكن أن تكتب عنا خيراً، لا صحافتهم ولا تلفازهم ولا وسائل إعلامهم.

    فإلى متى يا شباب الإسلام؟

    إلى متى تظل الحرب قائمة ومعلنة من طرف واحد والطرف الآخر مستسلم؟

    نحن نقول هذا على مستوى الأمة الإسلامية ككل، وعلى مستوى الشباب المتنبه والغير متنبه، يجب أن نكون جميعاً أمة الإسلام يداً واحدة نقاوم هذا العدو، ونبدأ المعركة ونستشعرها -أقل ما يكون- في شعورنا الذاتي الخاص، ونسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى.

    1.   

    مشاركة من طالب أمريكي

    هناك أحد الإخوة يريد أن يعرض علينا بعض ما سماه (نبذة عن تدهور الغرب) من خلال واقع عاشه أثناء دراسته في أمريكا، فليتفضل:

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.

    أنا آسف لأني قد أخذت من وقت المحاضر، ولكن هناك بعض الأمور تدور في خاطري فأحببت أن ألقيها على مسامعكم، فأسأل الله عز وجل أن ينفع بها.

    في الواقع إن لما سأذكره صلة بالموضوع وإلا لما طلبت ذلك، ففي أثناء دراستي للماجستير في الولايات المتحدة كان هناك من المواد التي درستها مادة اسمها (الإعلام)، وأتى المحاضر بشريط فيديو وعرض علينا هذا الشريط واستمر العرض لمدة ساعتين، وكان يعرض فيه جميع أنواع الإعلانات في التلفزيون الأمريكي، وطلب منا كطلبة أن نأخذ ملاحظات على كل إعلان من هذه الإعلانات، فعندما أتاني الدور وقال لي البروفسور: أعطني ملاحظاتك على ما رأيت من إعلانات، فقلت له: لدي ملاحظتان فقط:

    الملاحظة الأولى هي: سوء استخدام المرأة في الإعلان، وما أن انتهيت من كلمتي هذه إلا وقلن البنات اللاتي كن في الصف: هو محق نحن مظلومات في هذا المجتمع، المرأة تستخدم استخداماً سيئاً في هذا المجتمع، وما يقوله نحن نعانيه، فإذا بأحد اليهود -وهو من الطلبة وقد كان جالساً معنا- ضج لهذه القضية، وكأنهم سبحان الله العظيم هم وراء هذا، فما استطاع أن يمكث في الفصل وخرج، ثم ضج بعد ذلك الفصل وأخذوا يتكلمون بين معارض ومؤيد، ولكن البنات أجمعن على أن ما تحدثت به هو الحق، وأن المرأة تستخدم استخداماً سيئاً في الإعلام.

    وحتى ألطف الجو قلت له: أريد أن أنقد إعلاناً آخر من الإعلانات التي رأيتها، وهو يدل على تدهور الحضارة الغربية، وهو أن هناك إعلاناً يأتي على الشكل التالي: تأتي إحدى السيارات تنحرف يميناً وشمالاً، ثم تأتي سيارات الشرطة من كل جانب لتحيط بهذه السيارة وعنوان هذا الإعلان:

    ''if you drink its your business but if you drink and drive its our business''

    ومعناه أنك تشربت الخمر بحريتك، لكن إذا شربت الخمر وقدت السيارة فإننا سوف نمسك بك.

    فالحاصل أن هذا الإعلان لا يؤدي دوره، لأن الذي يشرب الخمر يفعل الأفاعيل، فقد يزني بأمه -والعياذ بالله- وقد يقتل أمه وقد يقتل أباه، فما بالك بمن يركب السيارة ويسوق، فأنت لم تعالج قضية شرب الخمر بل عالجت ظاهر القضية وهي أنه إذا شرب الخمر لا يركب السيارة وهذا شيء غير صحيح، فتلطف الجو عندما ذكرت هذا النقد الثاني.

    والحقيقة أن التجارب التي رأيناها كثيرة، وهي التي أثبتت فعلاً أن المستقبل لهذا الدين، وأبشركم بشارة أنه لا تكاد تخلو مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية من وجود مسجد يُعبد فيه الله عز وجل، بل إن هناك إحصائية قالها أحد المسلمين وهو بروفسور في جامعة نيويورك قال: إنه لا يوجد مسافة أطول من خمسين ميلاً في الولايات المتحدة في جميع الاتجاهات إلا ويوجد فيها مسجد، فهذه من البشائر التي تدل على عودة هذا الدين، أقول قولي هذا واستغفر الله.

    قال الشيخ سفر:

    شكر الله للأخ، وأنا واثق ثقة تامة أن كل من عاش أو ابتعث إلى الغرب -وهم منكم كثير بحكم عملكم- فإنه لو وقف هنا لجاء بمثل ما ذكره الأستاذ عبد الرحمن، وأكثر العجائب والغرائب لا تنتهي في تلك البلاد، وكلها -ولله الحمد- دلائل ومبشرات ومؤشرات على أن المستقبل هو لهذا الدين، وعلى أن التبعة علينا نحن المسلمين عظيمةً جداً في إصلاح الإنسانية وفي قيادة الإنسانية، وأنه قد آن الأوان لنا أن نقود الجنس البشري:

    قد هيئوك لأمر لو فطنت له فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
    .

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007995762

    عدد مرات الحفظ

    720925249