إسلام ويب

التبرج والسفور والحجابللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ بالحديث عن الحكمة من وجودنا في هذه الدار الدنيا، ومن ثم تكلم عن مصير الإنسان بعد الموت. ثم تحدث بعد ذلك عن المخالفات التي تقع فيها كثير من النساء -سواءً عن إصرار أو جهل- ذاكراً من هذه المخالفات كثرة اللعن والتهاون في أداء العبادات وترك المنهيات عامة. ومن ثم حذر المرأة من إدخال بيتها من لا يرضى الزوج دخولهم، متناولاً العواقب المترتبة على التبرج وطرح الحجاب والعواقب الوخيمة المتحققة بسبب ذلك.

    1.   

    حكمة وجودنا في الحياة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا منا شقياً ولا محروماً؛ فإن الشقي المحروم هو من حرم طاعة الله عز وجل في هذه الدنيا. شقيٌ في هذه الدار بالمعصية، ومحروم في الدار الأخرى من الجنة، يقول عليه الصلاة والسلام وهو يدعو: (اللهم لا تبق فينا شقياً ولا محروماً، ثم قال: أتدرون من الشقي المحروم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قاطع الصلاة أو تارك الصلاة).

    السعي لبلوغ أعلى درجة في الجنة

    أيها الإخوة! نحن في هذه الدار غرباء، ولا بد للغريب من الرحيل، وموعد الرحلة غير محدد، والمؤمن العاقل هو من يكون دائماً على أهبة الاستعداد للرحيل من هذه الدار، فهو لا يعرف متى يفاجئه القضاء، في ليله أو نهاره، بعد سنة أو يومٍ أو ساعة أو لحظة، فهو دائماً على أهبة الاستعداد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) والكيس هو: العاقل.

    إننا في هذه الدنيا غرباء؛ ولكن بسبب طول المدة أصبحنا كأننا من أهلها، وإلا فلسنا من أهل هذه الدار، نحن جئنا إليها عراة فرادى، وسنخرج منها عراة فرادى، قال الله تعالى: لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [الكهف:48-49] إن هذا الكتاب هو كتاب الأعمال التي عملها الإنسان في هذه الدنيا، وما من يومٍ تشرق فيه الشمس إلا وصفحة جديدة من كتاب أعمالك تفتح لك في ذلك اليوم، وأنت الذي تملي والملائكة هم الذين يسجلون، فإن أمليت خيراً سجلوا خيراً، وإن أمليت شراً سجلوا شراً، فإذا غربت شمس ذلك اليوم طويت هذه الصفحة.

    حتى إذا ما انتهت صفحات هذا الكتاب -وهو عبارة عن انتهاء عمرك في هذه الدنيا- ونقلت من هذه الدار إلى الدار الآخرة، نقلت ونقل معك هذا الكتاب، ثم هو يبقى معك إلى يوم القيامة، وفي يوم القيامة تتطاير الصحف، وتؤخذ الكتب إما باليمين وإما بالشمال قال تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ [الإسراء:13-14] الذي أمليت كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً * مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ [الإسراء:14-18] يعني: الدنيا عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء:18-20].

    فأنت في هذه الدنيا تملي البيانات، وتملأ الملفات، وفي الحديث: (ما من يوم تشرق فيه الشمس إلا وملك ينادي مع هذا اليوم: يابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة).

    الليل والنهار خزانتان تخزن فيهما الأعمال، والرحيل لا بد منه قال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [الكهف:49] لأن أياديهم سوداء، وأعمالهم فظيعة، وجرائمهم شنيعة، ووجوههم -والعياذ بالله- مكفهرة من قلة الإيمان وكثرة المعاصي والذنوب، فإذا رأوا الكتاب قالوا: يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].

    فنحن -كما قلت، أيها الإخوة- في هذه الدنيا غرباء؛ لأننا جئنا إليها رغم أنوفنا، ولا يوجد أحد أعطي حرية الاختيار في المجيء إلى هذه الدار، وهل يوجد أحد أُخذ رأيه قبل أن يولد: أتريد أن تولد أم لا؟ لا. بل يأتي إلى الدنيا رغم أنفه، ولا يترك له حرية اختيار النوع: أيكون رجلاً أو امرأة؟ أيكون في هذه القرية أو في القرية الثانية؟ أيكون في هذه البلاد أو في بلاد أخرى؟ إنه يخلق ويولد ويوجد وفق مشيئة الله تبارك وتعالى، ثم هو يقضي هذه الفترة من العمر في هذه الحياة، حتى إذا ما انتهت تابعية السماء، وانتهى العمر المحدد من رب العالمين في هذه الدنيا؛ انتقل من هذه الدار رغم أنفه، ولا أحد يريد الموت!

    طلب نعيم لا موت فيه

    إن الإنسان في أول الحياة يتعب، ويكد ويكدح ويدرس السنين الطوال، فإذا ما كبر أولاده وأصبحت الأموال في قبضته، والأولاد في خدمته، والمجتمع كله يقدره ويجله؛ إذا بالموت يهدم عليه كل شيء.

    لهوت وغرتك الأماني وعندما      أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر

    تزينت له الدنيا من كل ناحية ثم فجأة يأتي الموت.

    يقول الحسن البصري رحمه الله: [أبى الموت إلا أن ينغص على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيماً لا موت فيه! قالوا: أين يرحمك الله؟ قال: في الجنة!] قال تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] أي: غير منقوص.

    فعلى المسلم العاقل الحازم أن ينتبه! لماذا أتى إلى هذه الدنيا؟ وما الذي أراده الله من خلقه؟ أخلقك الله -أيها المسلم- من أجل أن تأكل وتشرب كما يأكل الحيوان ويشرب؟! أم من أجل أن تمسي وتصبح، تنكح، وتأكل وتشرب، وتنام وتستيقظ، ويكون همك محصوراً في هذا؟ إذا كنت كذلك فاعلم أن الأنعام أيضاً همها محصور في هذا، قال عز وجل وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12].

    أما المؤمنون فإنهم يدركون أن الله خلقهم لشيء غير هذا، يعرفون أن الله أوجدهم لطاعته، وخلقهم لعبادته، فهم يبذلون الليل والنهار، والسر والجهار، والأموال الطائلة، والأعمار الطويلة كلها في طاعة الله تبارك وتعالى، حتى إذا ما جاء الرحيل من هذه الدنيا؛ إذا بهم ينتقلون إلى دار الآخرة، وقد ملئوها بالعمل الصالح، يقول ابن القيم رحمه الله:

    فحي على جنات عدنٍ فإنها      منازلنا الأولى وفيها المخيمُ

    ولكننا سبي العدو فهل ترى      نعود إلى أوطاننا ونُسلمُ

    وقد زعموا أن الغريب إذا نأى      وشطت به أوطانه فهو مغرمُ

    وأي اغترابٍ فوق غربتنا التي      لها أضحت الأعداءُ فينا تحكمُ

    فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً     فهذا زمان المهر فهو المقدمُ

    فكن أيّماً عمن سوها فإنها      لمثلك في جنات عدنٍ تأيمُ

    وكن مبغضاً للخائنات بحبها           لتحظى بها من دونهن وتكلمُ

    إذا أردت الجنة -يا أخي المسلم- فأعد لها من الآن، ولا تغفل عن طاعة الله تبارك وتعالى حتى إذا نزل الموت إذا بك مفلس من العمل الصالح.

    إذا جاء الموت، ورأيت الحقيقة، وقامت عليك الحجة، ورأيت مقعدك من الجنة أو من النار، ونظرت إلى الأولاد وهم يتبرءون منك، ونظرت إلى الأموال وهي لا تدفع عنك شيئاً، ونظرت إلى الأقارب وهم يمسكونك بأيديهم ويقلبونك على فراش الموت، ما يملكون حيلة في تلك اللحظات، ويتمنى الإنسان أنه يرجع إلى الدنيا، يقول الله تبارك وتعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:99-101].

    1.   

    يوم يلقى الإنسان ما قدمت يداه

    وإن البرزخ: حياة القبر، والحياة البرزخية منذ أن يموت الإنسان إلى أن يبعث من في القبور يوم القيامة.

    لأن الحياة تنقسم إلى ثلاث مراحل: حياة الدنيا، وحياة البرزخ، وحياة الآخرة.

    فالحياة الدنيا نقضيها نحن وإياكم كما تعرفون، والحياة البرزخية يقضيها أهل القبور في قبورهم منذ أن ماتوا وحتى يقوموا يوم القيامة، والحياة الآخرة من يوم القيامة حين يرث الله الأرض ومن عليها إلى مالا نهاية، وليس هناك وقت محدد بل هم فيها خالدون، أي: في النار أو الجنة.

    هول يوم النشور

    ينبغي للعاقل أن يتنبه، قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:99-101] يهرب الإنسان من أبيه، وأخيه، وأمه، قال الله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37] كل مشغول بنفسه ذلك اليوم، يأتي الولد إلى أبيه يقول: يا أبي! أنت ربيتني صغيراً، وغذوتني كبيراً، أسألك بحق بنوتي عليك أن تعطيني حسنة أرجح بها ميزاني؟ فيقول: يا ولدي! غذوتك صغيراً، وعطفت عليك كبيراً، أسألك بحق أبوتي عليك حسنة واحدة أثقل بها ميزاني، فيهرب كل من الآخر، ولا يأخذ أحد من الآخر شيئاً، لماذا؟ لأنهم يرون النار يحطم بعضها بعضاً، ويرون الجنة تتزين لأهلها، فإذا لا يوجد هناك عملة تنقذ إلا عملة الحسنات، فيود كل واحد أنه يفتدي من ذلك اليوم بملء الأرض ذهباً ولو كان يجده، لكنهم لا يجابون إلى ذلك أبداً، والناس في موقف عظيم لا يعلمه إلا الله:

    مثل لنفسك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمورُ

    إذ كورت شمس النهار وأدنيت      حتى على رأس العباد تسيرُ

    وإذا الجبال تقلعت بأصولها      ورأيتها مثل السحاب تسيرُ

    وإذا البحار تأججت نيرانها      ورأيتها مثل الحميم تفورُ

    وإذا الجنين بأمه متعلقٌ      خوف الحساب وقلبه مذعورُ

    هذا بلا ذنبٍ يخاف لهوله      كيف المقيم على الذنوب دهورُ

    يوم القيامة يشيب له الوليد!

    أيها الإخوان! اتقوا يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً.. الطفل الصغير يشيب، والأم تذهل عما أرضعت، والحامل تضع حملها، قال عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2].

    وإذا الجنان تزينت وتزخرفت      لفتىً على طول البلاء صبورُ

    وإذا الجحيم تسعرت نيرانها           فلها على أهل الذنوب زفيرُ

    أين أنت -يا أخي- في ذلك اليوم؟!

    إنه هول عظيم يشيب له رأس الوليد.

    يقول كعب الأحبار لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه: [يا أمير المؤمنين! اعمل عمل وَجِلٍ، فوالذي نفسي بيده! لو وافيت القيامة ومعك عمل سبعين نبياً إلى جانب عملك لظننت أنك لا تنجو يوم القيامة] ويقول: [اعمل عمل وَجِلٍ، فوالذي نفسي بيده! إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة ما يبقى معها ملك مقرب، ولا نبي مرسل؛ إلا ويخر على ركبتيه جاثياً!].

    فيا أخي! ليس بينك وبين هذا إلا أن يقال: فلان مات، وبعدها إما أن تكون في روضة من رياض الجنة إذا كنت من أهل الإيمان، وإما أن تكون في حفرة من حفر النار إذا كنت من أهل النفاق والعصيان، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

    تقوى الله غوث كل مستغيث

    فعلينا أن نتقي الله تبارك وتعالى، وألا نغفل عن هذا المصير الذي لا بد منه، ومن كان عنده شك وغفلة وتردد فلينظر إلى القبور، ويسألها لتحدثه بأخبار من فيها:

    ما للمقابر لا تجيب      إذا رآهن الكئيب

    حفرٌ مسقفة عليـ     هن الجنادل والكثيب

    كم من حبيب لم تكن      عيني لفرقته تطيب

    غادرته في بعضهن      مجندلاً وهو الحبيب

    تترك أمك وأباك، وزوجتك وولدك، وهم أحب الناس إليك، تتركهم في حفرة مظلمة وتذهب عنهم، تبكي أياماً وليالي، ثم تسلو وتنسى، وأنت سوف تُترك في تلك الحفرة تتوسد فيها التراب، وسوف يكون غطاؤك وفراشك فيها التراب، وأمامك وخلفك التراب، لا فراش معك ، ولا أنيس، ولا قريب؛ إلا العمل، فإن كان العمل طاعة الله فأنعم بهذا المقام، وإن كان العمل معصية وغفلة فبئس المقام وبئس الورد المورود، لا حول ولا قوة إلا بالله.

    هذا المقام ليس بعيداً عني ولا عنك.. ليس بيني وبينك وبين هذا المقام إلا أن يقال: فلان مات، وقد يقال: فلان مات هذه الليلة؛ لأن موت الفجأة من علامات الساعة، يخرج الرجل من بيته وهو يفكر بما سيفعله في سنينه الطوال فلا يعود إلا خبره، ما عاد أحد يموت اليوم في البيوت، لا يموتون إلا في المستشفيات والطرقات، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    فعليك أن تكون دائماً مستعداً متأهباً حتى إذا جاء الموت تكون على أحسن حالة وأحسن هيئة وتقول: حياك الله، كما قالت تلك المرأة الصالحة التي جاءها ملك الموت وهي جالسة، فسلم عليها قالت: عليك السلام من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، قالت: أهلاً وسهلاً بخير غائبٍ أنتظره.

    امرأة مؤمنة علمت الحقيقة في هذه الدنيا، فقامت ليلها ونهارها في طاعة الله، لا يمكن أن تنطق بقول فاحش، أو تلعن، أو تتبرج، أو تختلط بالرجال، أو تؤخر الصلاة أو ترتكب معصية، ولهذا لما جاءها الموت قالت: أهلاً وسهلاً بخير غائب أنتظره، قال لها: هل لك من حاجة؟ -يعني: نعطيك فرصة- تقسمين أموالك، أو توصين أهلك وأولادك، قالت: أما أموالي وأولادي فالله خليفتي عليهم، أريد فقط أمراً واحداً، قال: ماذا؟ قالت: أمهلني حتى أصلي ركعتين، فإذا صليت وأنا في السجود فاقبضني فإني أكون أقرب إلى ربي في تلك اللحظة، فأعطاها ما أرادت.

    لا تكن -يا أخي- مثل ذلك الذي كان في ملكه وجبروته وسلطانه، خرج يختال في مشيته، ويتبختر على حصانه، والخيل والموكب الملكي من أمامه ومن خلفه، ويظن أنه لن يموت.. نسي الموت، وظن أنه بهذه الأبهة وبهذا الملك والغطرسة سوف يخرج من سيئاته كما تخرج الشعرة من العجين، جاءه ملك الموت يعترضه ويمسك بخطام حصانه ويقول له: قف يا هذا! فقال الملك: أمثالك لا يجرءون على هذا، من أنت؟ قال: ادن مني، فدنا منه فقال له: أنا ملك الموت، قال: وما تريد؟ قال: قبض روحك الآن. قال: أمهلني لحظة. قال: لا. قد أمهلناك وأعطيناك فرصة طويلة، أما الآن فلا، فخر صريعاً بين يدي حصانه.

    فلا يغرك الشباب إن كنت شاباً، وانظر إلى الأموات من الشباب؛ لأن شبابك إلى هرم، وعافيتك إلى سقم، وحياتك إلى موت، وغناك إلى فقر، وقصرك إلى قبر، وأنسك بأهلك وزوجتك وأطفالك وأقاربك وفراشك ومعاشك سيكون كله نهايته الحفرة المظلمة، فلا تغتر بهذا، إن مثل من يغتر بهذا مثله مثل إنسان في السجن، قالوا له وهو في سجنه: وسوف ينفذ فيك الإعدام غداً، فهذا عاقل قال لنفسه: ما دام الإعدام غداً فلا مجال لي أن أشتغل بطعام أو شراب أو لباس، إنما أشتغل بآخرتي، وأتوب وأستغفر الله عز وجل، وسوف أقوم هذه الليلة، وأصوم هذا النهار، فإذا جاءه الموت كان مستعداً.

    لكن آخر قال: غداً يحلها حلال، وسيف الموت على كل رقبة، وإذا به قطع الصلاة، وارتكب المعاصي، وإذا به يفجعه الموت، فما نفعه شيء مما كان فيه.

    العمل الصالح خير زاد في الآخرة

    يا أخي المسلم! عليك أن تعلم أن المصير محقق وقريب، وليس بينك وبينه إلا أن تموت، وما ذلك ببعيد مني ولا منك.. انظر إلى الأموات وقل كما قال الأول:

    أمر على المقابر كل حينٍ      ولا أدري بأي الأرض قبري

    فأفرح بالغنى إن زاد مالي      ولا أبكي على نقصان عمري

    يمر علي رضي الله عنه على أهل المقابر ويقول لهم: [السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، أما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما النساء فقد تزوجت، هذه أخبارنا فما أخباركم؟] وما عندنا شيء تغير، الليل هو الليل، والنهار هو النهار، والأكل الذي كنا نأكله هو أكلنا، ولا شيء جديد، وتقطعت الأرحام، وظهر العلم، وقل العمل، وتباغض الناس بالقلوب، وتلاعنوا بالألسن -والعياذ بالله-.

    يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام، عند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) ويقول: (إذا ظهر في أمة خمس عشرة خصلة حلَّ بها البلاء: إذا كانت الأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه وأباه، وتُعلم العلم لغير الدين، وظهرت الأصوات في المساجد -بالخصومات، والبيع والشراء، وإنشاد الضالة، والمحاكمات- وظهرت القينات -يعني: المغنيات- والمعازف، وشربت الخمور، وسميت بغير اسمها -والعياذ بالله- ولعن آخر هذه الأمة أولها، فلينتظروا زلزلة وريحاً حمراء وخسفاً ومسخاً) وهذا حصل كله، فيقول: [هذه أخبارنا -ما من شيء جديد- ثم قال: أما -والله- لو نطقوا لقالوا: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]].

    تزود -يا أخي- من العمل الصالح، فإن خير الزاد التقوى، لن ينفع زادك من المال والعلم إلا إذا كان العلم مقروناً بالعمل، لن ينفعك زادك من الجاه، والسلطة، ومن العضلات والقوة، وإنما زادك من التقوى هو ما ينفعك في ذلك المكان الذي يتخلى فيه عنك كل قريب حبيب، ولا ينفعك إلا ما قدمت يداك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    1.   

    حال المؤمن والكافر بعد الموت

    ويقص علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما يحدث للإنسان بعد الموت، نحن في غفلة عن الموت، يقول البراء بن عازب رضي الله عنه: (خرجنا في جنازة لرجل من الأنصار، ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ وهو على شفير القبر عوداً ينكت به الأرض، وقال: إن العبد المؤمن) جعلنا الله وإياكم من أهل الإيمان، ليس ادعاء وإنما عملاً، فلا يكفي أن تدعي أنك مؤمن، ثم لا تأتي على هذا الإيمان بدليل من عملك الصالح.

    مؤمن في عينك فلا تقع على حرام، مؤمن في سمعك فلا تستمع لحرام، مؤمن في لسانك فلا يتكلم بفحش، مؤمن في بطنك فلا تأكل الحرام، مؤمن في فرجك فلا يقترب من حرام، مؤمن في يدك فلا تمدها إلى حرام، مؤمن في قدمك فلا تأتي بها إلى حرام، مؤمن في عقلك وفكرك وبيتك وزوجتك وجماعتك وفي وظيفتك، مؤمن في كل تصرفاتك، آمنت بالله وسلمت أمرك لله، أما مؤمن وهو لا يصلي في المسجد.. يتكاسل عن صلاة الفجر.. يستأنس بالجلوس مع غير المحارم من النساء اللائي حرم الله عليه الجلوس معهن.. يطرب لسماع الغناء.. ويرتاح بتمعين ناظريه في الزنا والحرام -والعياذ بالله- .. يأكل الحرام والحلال ولا يفكر.. عاق لوالديه.. قاطع لرحمه.. مؤذٍ لجيرانه.. نقمة على جماعته وقريته، يبغضه كل شيء، أين يكون هذا الإيمان؟! (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة -يعني: انتهت أيامه في هذه الدار، وبدأت أيام الآخرة -نزلت له من الجنة ملائكة معهم حنوط من الجنة، وكفن من الجنة، ثم يجلسون له على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب الطاهر- النظيف، الذي لا يقع ولا يمكن أن يقع في معصية، ولا يلطخ نفسه بجريمة- اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان، وإلى رب غير غضبان) انظر الدعاء واللطف في العبارة، نفس زكية، نفس مؤمنة، كانت تخاف الله وتتقيه، كانت تسرع إلى طاعة الله، قال: (فتنسل روحه من جسده كما تنسل القطرة من فم القربة، فلا يدعوها في يده طرفة عين حتى تأخذها الملائكة، ثم تضعها في ذلك الحنوط، وفي ذلك الكفن، ثم يصعد بها إلى السماء، فيخرج منها كأطيب ريحٍ وجد على وجه الأرض، ثم يصعدون بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون لها أبواب السماء، فتقول الملائكة: من؟ فتقول الملائكة التي معها الروح: روح فلان بن فلان بأحسن الأسماء التي كان يسمى بها في الدنيا، فيقولون: نعم العبد نعرفه، كان يأتينا منه عمل) يتبين أن هذا العبد كان يحول على الآخرة، كان بينه وبين أعمال الآخرة صك، كل يوم يحول خيرات وصلوات ودعاء وبر وصدقات وإحسان ومعروف وكل خير عنده، الخير عنده مأمول، والشر من جانبه مأمون، لا يمكن أن يتوقع أحد عند مؤمن شراً، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) لا يخافون منه؛ لأنه مؤمن رادعه خوفه من الله وإيمانه.

    فتقول الملائكة: (نعم العبد نعرفه كان يأتينا منه عمل، فتفتح له أبواب السماء، فتستقبله الملائكة التي في السماء الدنيا، ثم يشيعه من كل سماءٍ مقربوها، إلى الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة.. إلى السابعة، فإذا بلغوا به السابعة قال الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين) السجل حولوه لعليين، وعليين هذه درجة من درجات الجنة العالية، يقول الله تبارك وتعالى فيها: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ [المطففين:18-20] موقع، من الذي يشهده؟ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:21] الملائكة في السماء، وما في هذا الكتاب؟ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين:21-28] هذا الكتاب. (اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا روحه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه إلى بين الجلد والكفن) وهو لا زال يغسل، ويحمل على الرقاب، توضع روحه بين كفنه وجلده، وإذا هي تقول وهي على الرقاب: (قدموني قدموني) تقول: أسرعوا بي إلى الجنة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أسرعوا بها؛ فإنها إن تك صالحة فخيراً تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك -يعني فاسدة والعياذ بالله- فشراً تضعونه عن رقابكم) دعوه يذهب، دعوه يقدم على ما قدم، دعوه قد قلنا له ولكنه أبى، الله أكبر! قال: (فإذا وضع في قبره ووضع عليه اللحود) وجعلوا التراب عليه، من هو؟ أنا -يا أخي- وأنت، ليس ببعيد هذا -يا أخي- عنك ولا عني، أنا الآن سأعود ولا أعلم أأبلت في بيتي أو لا؟ وأنت كذلك لا تعلم، توقع أنها الليلة الأخير -يا أخي- توقع أن الفراش الليلة ليس إسفنجاً ولا بطانية ولا سجادة، توقع أن الفراش هو الثرى، وأن الدفاء هو الثرى، وأمامك التراب، وليس عندك كهرباء، ولا معاش، ولا راتب، ولا زوجة ولا شيء، توقع هذا في كل لحظة -يا أخي- توقعه في كل حين، حتى يتقوى إيمانك ويتحرك قلبك، وتذكر الآخرة.

    (فإذا وضع في قبره) وولى الناس عنه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم. (أتاه ملكان فيقعدانه) يأتي منكر ونكير، وهما الملكان اللذان لا بد أن نمر عليهما أنا وأنتم، ما من كبير أو صغير إلا ولابد أن يأتي عليه الدور عندهما. (أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟) ثلاثة أسئلة لكنها صعبة الجواب، هنا يمكن أن أقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، لكن هناك يختم على اللسان، يقول الله عز وجل: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ [يس:65] هل يدك هذه عرفت الله وهي تستلم الرشوة؟ هل عرفت الله وهي تدفع الزكاة الكذابة المغلوطة؟ هل عرفت الله وهي تذهب للمالية لتستلم المال الحرام؟ هل عرفت الله وهي تدفع أو تمتد إلى الحرام؟ هل عرفت الله وهي تقع وتلمس امرأة غير محرم لها؟! هي التي تتكلم ذاك اليوم، تقول: ربي الله، ولا تقول: ربي الشيطان الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65] لا يتكلم اللسان في تلك اللحظة؛ لأنه مختوم عليه (من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم) وفي هذا التثبيت العظيم، يقول الله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم:27] يعني: في الدنيا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27] يعني: في القبر وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] يضله الله ولو كان أكبر عالم، ولو كان اسمه (محمد) ما استطاع أن يقول: (محمد) في ذلك اليوم. يقول: لا أعلم من هو نبيي. (فتقول الملائكة: على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم ينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة -من عند قدميه إلى الجنة- ومهدوا قبره إلى الجنة، فلا يزال في روحٍ وريحان ونعيم عظيم، ثم يأتيه عمله على أحسن هيئة -أحسن صورة- شاب جميل المنظر، طيب الرائحة، أبيض الثياب، فيقول له: أبشر أبشر، قال: من أنت فوجهك الذي يبشر بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، حفظتني حفظك الله، فلا يزال معه في سرور وهو يقول: رب أقم الساعة.. رب أقم الساعة -يريدها أن تقوم لكي ينتقل إلى أهله وماله في الجنة- أما لعبد الفاجر-أعاذنا الله وإياكم أن نكون من الأشقياء- فإنه إن كان في انقطاع من الآخرة، وإقبال على الدنيا، نزلت إليه ملائكة معهم مسوح من النار، وكفنٌ من النار، سود الوجوه، فيقعدون منه مد البصر) فإذا رآهم حزن؛ فهو يراهم قبل أن يموت، أما المؤمن فيراهم فيبتسم، والمنافق والعاصي والفاجر إذا رآهم يحزن ويقول: ماذا يريد هؤلاء؟ الآن إذا أتاك العسكر يدقون بابك ستخاف، وستقول: من الذي اشتكاني؟ (فيقعدون له على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت إلى هذه النفس الخبيثة فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة! -كانت في الجسد الخبيث- اخرجي إلى سخط من الله وغضب -اخرجي الآن- قال: فتتفرق في جسده فلا يبقى عرق ولا شعرة ولا عصب ولا ظفر ولا عظم إلا وتدخل فيه -تهرب من ملك الموت- قال: فينزعها بقوة كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، ثم تخرج روحه من كل عرق، ومن كل شعرة، فيجد من ألم الموت ما لو وزع على أهل الدنيا لماتوا كلهم. قال: فلا يدعوها في يده طرفة عين -إذا أخذها الملك- حتى يضعوها في ذلك المسوح الخبيث الذي من النار، ثم يلفونها، فيصعد لها من الريح كأنتن ريح جيفة على وجه الأرض) لأنه جيفة وداخله خراب، باطنه خبيث -والعياذ بالله- فاسد مجرم منافق عدو لله ولرسوله، كان مستوراً في الدنيا بستر الله، والآن انكشف الغطاء، لا يوجد أمل للستر، فضحه الله في ذلك اليوم. (ثم يصعدون بها إلى السماء، فإذا بلغوا بها السماء استفتحوا فتقول الملائكة: من؟ فيقال: روح فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، فتقول الملائكة: بئس العبد لا نعرفه) ما كانوا يجدون له من عمل، كان مقطوعاً ما له عمل صالح، كان عمله تحت الأرض قال: (ثم قرأ قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41] قال: فتعود، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في سجين) في الأرض السابعة، والله يقول: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المطففين:7-10] هذا كتابهم الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [المطففين:11-17]. (اكتبوا كتابه في سجين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه إلى بين كفنه وجلده، ثم -وهي على الرقاب- تقول: يا ويلها! أين تذهبون بها؟) يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (المؤمن يقول: قدموني قدموني، والفاجر يقول: يا ويلها! أين تذهبون بها؟) يقول: أين تذهبون بها؟ أين تذهبون الآن؟ ردوني إلى بيتي، ردوني إلى زوجتي وإلى أولادي. (فإذا وضع في قبره، وجاءه منكر ونكير، وأجلساه وأقعداه وقيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه.. هاه.. لا أدري! فتقول له الملائكة: لا دريت ولا تليت، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار) ثم أول شيء يضربه ملك من الملائكة -هذه مقدمة العذاب- بمرزبة من حديد فيتركه طحيناً من لدن قرنه إلى قدمه، ثم يُبعث مرة أخرى، ثم يسلط الله عليه فتان القبر؛ فتان القبر ملك من الملائكة يعذبه، أعمى أبكم أصم، أعمى لا ينظر له فيرحمه، وأصم فلا يسمع كلام ذاك ولا بكاءه فيرحمه، فتان لا يرحمه أبداً، ووظيفة هذا أنه يضربه على تضييع الصلوات. (ثم يأتيه -والعياذ بالله- عمله على أقبح صورة، وعلى أنتن ريح، فيقول: أبشر أبشر، فيقول: من أنت لا بشرك الله بخير فوجهك الذي يأتي بالشر؟ قال: أنا عملك الخبيث ضيعتني ضيعك الله) ولا يزال -أيها الإخوان- في عذاب وفي سخط والعياذ بالله.

    فيا إخوتي! اتقوا الله تبارك وتعالى في أنفسكم، ولا تغرنكم هذه الحياة الدنيا، وهذه الأموال التي فتحت، وهذه الدنيا التي مكنت، اذكروا المصير، والقبور، والانتقال من هذه الدار، ومن كان معكم في هذه الدنيا من آبائكم وأمهاتكم وأولادكم، الذين انتقلوا إلى تلك القبور، فهم السابقون وأنتم اللاحقون، فعليكم أن تأخذوا من الموت عبرة، وأن تتقوا الله تبارك وتعالى في أنفسكم.

    1.   

    مخالفات تقع فيها النساء

    هناك -أيها الإخوة- أمر مهم يتعلق بالنساء؛ لأن النساء شقائق الرجال.

    اللعن وكفران العشير

    يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (يا معشر النساء! أكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، قالت عائشة رضي الله عنها: ولم يا رسول الله؟ -لماذا أكثر أهل النار نساء- قال: لأنكن تكفرن العشير، وتكثرن اللعن) تكثر المرأة اللعن، تلعن ولدها، وبقرتها، وثوبها، ولقمتها، وزوجها، وبيتها، ولو وقفت لقمتها في نحرها لعنتها، فهي -والعياذ بالله- في لعنة الله؛ لأنها لعَّانة، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (ليس المؤمن باللعّان، ولا بالطعّان، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء).

    وفي مرة كانوا في غزوة، ومعهم امرأة على ناقتها، فعثرت بها الناقة فلعنتها، فقال صلى الله عليه وسلم: (خذوا ما عليها من المتاع ودعوها فإنها ملعونة، لا يصحبنا ملعون، فيقول عمران : كأني بها لا يتعرض لها منا أحد) لأن هذه ملعونة، فكيف لو بعث النبي عليه الصلاة والسلام وقال: كل هؤلاء من الملاعين دعوهم فإنهم ملعونون، أكثر الناس -والعياذ بالله- يلعن؛ الزوج يلعن الزوجة، والزوجة تلعن الزوج، وتلعن كل شيء في البيت، فكيف تكون الحياة والبركة واللعنة موجودة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! قال: (لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) يعني: يجحدن الزوج لو أحسن الزوج إلى الزوجة طول العمر ثم أسخطها مرة قالت: ما رأيت منك خيراً قط، متى أحسنت إلي؟ مهما يحسن الزوج إلى زوجته تكفره وتجحده وتنكر جميله إلا المؤمنة، أما غير المؤمنة فإنها تجحد زوجها وتكثر اللعن في لسانها، وهذه من أهل النار كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.

    التهاون في العبادات

    أيضاً هناك من النساء والعياذ بالله من تكون في الدنيا مثل الجني، وفي طاعة الله من أكسل من الكسالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وبعضهن تصلي من غير وضوء، إذا كانت طاهرة أثناء البرد أخذت لها بعض الماء ومسحت وجهها ويديها وقالت: طهور المؤمنين! ولا تغسل يديها ولا تمسح على رأسها ولا تغسل قدميها ولا وجهها، ولا تتمضمض، ولا تستنشق، ولا تغتسل، ولا تستنجي، ثم إذا جاءت تصلي تأتي وقصتها عارية، ويداها وذراعاها وقدماها عارية، وربما ثوبها نجس ملطخ ببول ونجاسة الولد أو البنت الذي تربيه، ثم تصلي صلاة لا تضبطها، وتركع الركوع في طرفة عين .. تقرأ الفاتحة ثم مباشرة تسجد دون أن تركع -وأكثر النساء لا يركعن، ولا يرفعن من الركوع- فصلاتها باطلة، وعليها لعنة الله وهي في سخط الله حتى تصلي صلاة صحيحة، وهي في ذمة زوجها حتى يعلمها؛ لأن الجاهل في ذمة المتعلم حتى يعلمه، ويلٌ للعالم إذا أخل بعلمه، والمرأة سلسلة في عنق الزوج حتى يقيم عليها الحجة ويعلمها طاعة الله، حرفاً حرفاً ودرساً درساً، يعلمها أولاً الوضوء، والغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس؛ لأن بعض النساء يأتيها الحيض فتترك الصلاة أسبوعاً، ثم تجلس يوماً أو يومين بعد انقطاع الحيض عنها لا تصلي تقول: لكي أتم الطهارة، وهي لا تعرف أنها إذا طهرت وانقطع عنها الدم ثم تركت صلاة واحدة متعمدة فقد برئت منها ذمة الله وذمة رسوله، وعليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    وإذا تركت صلاة واحدة بعد أن ينقطع عنها الدم وتطهر طهارة شرعية فقد كتب اسمها على باب جهنم، صلاة واحدة، لكن بعض النساء تطهر في الصباح وينقطع عنها الدم، فتقول: سوف أمكث إلى الصباح من اليوم التالي لكي أتأكد، وتضيع الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، وإذا طهرت الضحى قالت: أتركها للعشاء، وجلست حتى ضيعت الظهر والعصر، إذا أتى العشاء قالت: برد أتركها للصبح، وضيعت المغرب، والعشاء والفجر، وكل صلاة تتركها عليها بها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    حتى اللقمة التي تبلعها تقول: لعنك الله يا عدوة الله! تأكلين من رزق الله، ولا تؤدين حق الله، ثوبها الذي على جسدها يقول لها: لعنك الله يا عدوة الله! والله! لولا أن الله سخرني لك لفررت منك.

    فعلى الزوج أن يعلم زوجته متى تغتسل من الحيض، والنفاس؛ لأن من النساء من إذا نفست انقطع عنها الدم في عشرة أيام، وبعضهن في أربعة أيام، وبعضهن في يوم واحد، وبعضهن في عشرين يوماً، فإذا انقطع عنها الدم وطهرت طهارة كاملة وجب عليها أن تغتسل وتصوم وتصلي، وليس ضرورياً أن تمكث أربعين يوماً، والأربعين إنما هو حد أعلى، وقد تطهر من غدها، لو نفست بالليل وأصبحت طاهرة عليها أن تصوم وتصلي، فتكون الزوجة في ذمة زوجها وعليه تعليمها.

    بعض النساء والعياذ بالله تخرج من بيتها بغير إذن زوجها، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (أيما امرأة خرجت من بيت زوجها بغير إذنه فهي في لعنة الله حتى ترجع، وأيما امرأة باتت -يعني نامت- وزوجها عليها ساخط فعليها لعنة الله، وأيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فلم تجبه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها) وأكثر النساء لا يعرفن هذا الكلام كله، ومن أين تعرف؟ لا حضرت إلى المسجد، ولا علمها زوجها، ولا أسمعها الأشرطة.

    وإذا طهرت من الحيض أو من النفاس وانقطع عنها الدم انقطاعاً كلياً فإنها تغتسل وتصلي، فإن رجع إليها دم فتعمل بينه وبين ذاك الدم مقارنة، فإن كان دم الحيض -دم العادة- الذي يأتيها دائماً، ودم الحيض معروف، وهو دم أسود ثخينٌ ذو رائحة كريهة؛ امتنعت مدة الحيض عن الصلاة والصيام حتى تطهر منه ثم تبدأ صلاتها وصيامها، أما إذا كان هذا الدم الذي جاءها دم الاستحاضة، وهو دم أحمر رقيق ليس له رائحة، فإنها تغتسل بعدما يأتيها وتصلي، فإن كان يأتيها بين الصلاتين فتصلي الظهر والعصر جمعاً، والمغرب والعشاء جمعاً، أما إذا خرج منها ماء أبيض فلا تمتنع من الصلاة وليس لهذا الماء حكمٌ شرعي، بل تبقى على صلاتها وصيامها.

    فأكثر النساء تجهل هذه الأحكام، وبعض الرجال يذهب إلى المسجد وهو يعلم أن امرأته لم تصل، بعضهن لا تصلي المغرب إلا مع العشاء، تقعد تحلب البقر، وتسري الغنم، وتشعل النار، وتفعل العَشاء، فإذا دخل وقت العِشاء وضعته وقالت: سأذهب أصلي، صلاتها ليست مقبولة في تلك اللحظة، فتجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، والفجر لا تصليه إلا إذا أشرقت الشمس.

    إدخال بيت الزوج من لا يحب

    كذلك من النساء من تدخل بيتها من لا يريد زوجها، إما من الرجال أو من النساء، وهذا حرام، لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخل بيت زوجها رجلاً كان أو امرأة إلا بإذن من زوجها، أما تعلمون عن خبر تلك الصحابية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يثني عليها ويمدحها، ويبين لـفاطمة رضي الله عنها منزلتها من الجنة، ويكثر من الثناء عليها، امرأة الحطاب، كان الرسول يثني عليها: إن لها في الجنة منزلة، إن لها المنزلة والمكانة العظيمة، وفي يوم من الأيام خرجت فاطمة تريد أن تعرف مقدار عبادتها وتقواها، فذهبت إليها، فلما جاءت إليها طرقت الباب. قالت: من؟ قالت: فاطمة بنت محمد . قالت: بأبي وأمي أنت يا بنت رسول الله! ماذا تريدين؟ قالت: أريد أن أدخل عندك، قالت: بأبي أنت وأمي! إن زوجي قد ذهب إلى الحطب وما أذن لي أن أدخلك عليَّ، ولكن إذا أردت أن تأتي لنا فغداً تعالي، وأنا أستسمح لك إن شاء الله الليلة منه، فإذا سمح تأتيني غداً، قالت: حسناً، جاء الرجل من الحطب وقالت: يا زوجي! قد أتتني بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام وطلبت الدخول ومنعتها؛ لأن ما عندي إذن منك، فهل تسمح لها غداً؟ قال: نعم أسمح لها غداً، من يرد بنت الرسول عليه الصلاة والسلام؟

    جاء اليوم الثاني فأخذت فاطمة معها الحسن -ولدها الصغير- وجاءت به وطرقت الباب. قالت: من هناك؟ قالت: فاطمة بنت محمد ، قالت: ومن معك؟ قالت: معي الحسن . قالت: أنا ما أخذت الإذن إلا لك وحدك، أما الولد فلا أستطيع أن يدخل، ولكن إذا أردت تعالي غداًً، وأنا أطلب من أن يسمح له غداً.

    جاء الزوج، قالت: جاءتني اليوم فاطمة ومعها الحسن فما أدخلتها، قال: يرحمك الله! كيف تردين بنت الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لا مانع عندي، إذا أتت مع ولدها فأدخليها.

    ثم جاءت بـالحسن والحسين ، قالت: من معك؟ قالت: الحسن والحسين ، قالت: أنا -والله- أستسمح منك، ليس عندي الإذن إلا لك أنت والحسن ، أما الحسين فليس له عندي إذن -مع أنه أصغر من الحسن - ولكن تعالي غداً، ولما أتى الزوج عليها قالت له: جاءت اليوم ورديتها. قال: أخجلتينا مع بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، لو أتت مع آل محمد كلهم افتحي لها، من يتوقع أن عند بنت رسول الله شر أو أن في بيت آل رسول الله شر، ولكن انظروا الطاعة العظيمة للزوج، ما أدخلتها وهي بنت أطهر الخلق، وهي فاطمة رضي الله عنها.

    جاءت اليوم الثاني: جاءت ومعها الحسن والحسين ودخلوا، فلما دخلت في البيت جلست معها، فلم تلاحظ عليها كثير عبادة ولا صلاة ولا صيام.. امرأة مستورة، كانت تحافظ على صلاتها وفروضها وتطيع زوجها وربها، فلما رجعت فاطمة إلى بيتها قالت: يا رسول الله! إنك تثني على فلانة وإني ذهبت إليها فما وجدت عندها من العبادة الشيء الكثير، وجدتها مقتصرة على الفرائض، وطائعة لله ولزوجها، قال: (بطاعتها لزوجها بلغت ما بلغت) المنزلة العالية في الجنة تلك ما بلغتها بكثرة الصلاة ولا الصيام، بل بلغتها بالتقيد بأمر الله والزوج، ما كانت تُدخل أحداً بيتَها إلا بإذن زوجها لو كان من كان.

    وتلك الصحابية الثانية التي كانت لا تخرج من البيت إلا بإذن زوجها، ولما ذهب زوجها إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل مرض والدها، فأرسلوا إليها في البيت: إن والدك قد مرض فهل تريدين زيارته؟ قالت: إن زوجي غائب ولم يأذن لي بالزيارة، وأنا لا أستطيع أن أزوره وزوجي لم يأذن لي.

    فجلست اليوم الأول والثاني والمرض يزداد بأبيها، فجاءوا إليها وقالوا: إن أباك قد اشتد مرضه وقد يموت، وهو يطلب حضورك، تعالي ودِّعيه فأنتِ وهو في المدينة ، قالت: والله! لو صعدت روحه ما استطعت أن آتيه إلا بإذن زوجي، الله أكبر! إنا لله وإنا إليه راجعون!

    في اليوم الرابع ازداد المرض على أبيها وجاءوا إليها. قالت: لا يمكن أن أخرج إليه. ثم مات الأب ولم تره، ولما مات قالوا لها: قد مات فهيا إلى العزاء، قالت: ما أتيته وهو حي كيف آتي وهو ميت؟ لا. حتى يأذن لي زوجي، فلما جاء زوجها من الغزو أذن لها أن تذهب إلى أهلها، فذهبت إلى أهلها، وسألت عن قبر أبيها، فذهبت إليه ودعت الله له بالمغفرة عند القبر، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر لأبيها وأدخله الجنة بدعوتها له، وأولئك الذين حضروا وقبروا ومرّضوا ما نفعوه مثلها، وهي التي جلست على طاعة الله ثم طاعة الزوج بدعوتها دخل أبوها الجنة.

    فينبغي للمرأة المسلمة أن تتقيد بأمر الله ثم بأمر الزوج في طاعة الله تبارك وتعالى، وألا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وألا تدخل عليه في بيتها من لا يأذن له من الرجال أو النساء.

    عواقب التبرج وطرح الحجاب

    إن المصيبة العظمى في هذا الزمن هي مصيبة التبرج الذي قتل الأمة، وحطم الأخلاق، وقضى على القيم، هذا التبرج والاختلاط الذي وقع فيه أكثر الناس في هذه المنطقة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    التبرج هذا نافذة خطيرة إلى الزنا، نافذة كبيرة شنيعة إلى الزنا، لا يمكن أن يوصل إلى الزنا إلا من باب التبرج والاختلاط، والله تبارك وتعالى قد سد هذا الباب، وقال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ... [النور:30-31] الزينة، والثوب، والذهب، والوجه، والجلسة، والابتسامة، والكلمة؛ لا يمكن أن تكون من المرأة المسلمة المؤمنة إلا لزوجها فقط، لكن الحال عندنا معكوس، تطبخ وتكنس وتعمل في ثوبها ذاك الذي كأنها ستدفن فيه، فإذا خرج الزوج وقالوا: فلان ذهب ودعيت إلى مناسبة أو عرس جاءت إلى (الشنطة) وكسرتها، تبحث عن المفتاح فلا تجده، مفتاح القفل سوف يؤخرها عن السمرة واللعب! فكسرت (الشنطة) وأخرجت الثوب الجديد ذاك الذي اشتراه لها المسكين من عرقه، ثم خرجت متزينة متبرجة تنشر الفتنة بغير حساب، وتبيع عرض زوجها بلا ثمن، وهي في لعنة الله، وزوجها إذا رضي بهذا فهو ملعون، قال عز وجل: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] والبعل في الشرع هو واحد، لكن إذا الجماعة كلهم يرون المرأة، فمعناه: أن البعل ليس واحداً؛ لأن القرية كلها بعول وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31] المرأة جوهرة لا تصل لها يد ولا تمتد لها عين؛ إلا يد وعين زوجها فقط وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ [النور:31] أبوها: والأب في الشريعة أيضاً واحد وليس القرية كلها أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] يعني: والد زوجها أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ [النور:31] ولدها تكشف عليه أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ [النور:31] ولد بعلها من غيرها أَوْ إِخْوَانِهِنَّ [النور:31] أخوها من أمها وأبيها، أو من أحدهما، أو أخوها من الرضاعة أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ [النور:31] ثمانية أصناف.

    قال: أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ [النور:31] التابعين: تابع الزوج، خادم أو عامل أو راعي الزوج، الذي يشتغل عندك في مزرعتك ومعملك، وهو تابع لك تحت إمرتك وراتبه من عندك ولكن بشرط: أن يكون هذا التابع وهذا العامل وهذا الراعي مخصياً، هذا إذا كان مخصياً يجوز لك في الشرع أن يكشف على نسائك، لكن عمالنا هذه الأيام الذين يجلسون مع النساء ويدخلون ويخرجون كيف حالهم؟! هم أخطر على النساء من النار، وأكثر الناس متساهل في هذا، يكون الزوج حريصاً على المحارم لكن من العامل والراعي يقول: ماذا نعمل لا نستطيع ، لا -يا أخي- هذا الذي يعمل عندك اجعل له غرفة مخصصة هناك في المزرعة، ولو تعبت، لكن تحمي عرضك، أما أن يجلس مع المرأة والنساء والبنات ويطلع وينزل، فترى هذا العامل يقبل منك أقل راتب، وغيرك عرض عليه أكثر منك فلا يقبلها، أما أنت فيقبل منك مائة؛ لأن مائتك فيها عسل، مائتك معها امرأة وبنت، لكن ذاك الذي يعطيه خمسمائة وهو جالس منعزل هناك في الصندقة أو الزرع لا يريده.

    وكلكم تعرفون قصة ذلك الرجل الذي وجد راعياً في السوق، فأعجب به، ثم نصحوا الرجل وقالوا: يا فلان نرى أن هذا الراعي سلوكه ليس بطيب مع أولادك، قال: اسكتوا ولا تقولوا في فلان أي شيء، عيالي تركوني، ما معي إلا فلان يرعى الغنم. هو يرعى في النهار! وفي الليل يرعى النساء؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! وبعد أيام وإذا به يسحر البنت ويقطع شعرها، ويلبسها ثياب رجل، ويأخذها ويفر بها، ولا يقبض عليه إلا وهو في بلاده، ويؤتى به ويحكم عليه القاضي بالقتل، وتقطع رقبته في السوق في يوم الثلاثاء، فما ينبغي لك أن تتهاون -أيها المسلم- في هذا الأمر قال الله: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ [النور:31] أي: ليس له في النساء طلب، مثل العنّين هذا إذا كان بهذه الهيئة يجوز له أن يكشف على زوجتك، ولكن بشرط: أن يكون تابعاً لك، يعني: إذا كان ممن ليس له إربة في النساء وهو خادم أو عامل عند جارك فلا يجوز أن يكشف على امرأتك؛ لأنه سوف يكشف عرضك ويصف زوجتك للآخرين، أما عاملك أنت فلا يستطيع أن يكشفها؛ لأنه يخاف منك، لأنه تابع لك أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

    أما آن لنا أن نتوب.

    غيرة الله على محارمه

    أيها الإخوان! إذا كان الله يحرص علينا هذا الحرص العظيم، إلى درجة أن امرأتك إذا لبست الزينة أو الخلخال أو الذهب أو الحجاب أو الأساور إذا مشت في الشارع فحرام عليها أن تضرب برجلها، أو تقلقل حليها؛ لأن القلقلة هذه تفتن فهي حرام، فكيف إذا معها حلي في وسطها ورقبتها، ويدها، ثم جاءت وهي كاشفة سافرة تشاهد الرجال وتجلس معهم.. أين الإسلام والإيمان؟

    وإذا جاءهم واعظ، أو رجل صالح قالوا: اسكت، زوجتي طاهرة، نحن ملائكة نزلنا من السماء ما عندنا شهوة، ولا نريد النساء ولا الرجال!!

    هل قلبها أطهر من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؟ هل قلب هذا الرجل أطهر من قلب الرسول عليه الصلاة والسلام؟! إن أمر الحجاب أول ما نزل على رسول الله يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ [الأحزاب:59] خطاب خاص للنبي يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ [الأحزاب:59] قل لمن؟ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ [الأحزاب:59] أول شيء، هل لأن أزواج النبي فيهن فتنة؟ لا، والله! حاشا لله؛ أمهات المؤمنين طاهرات مطهرات يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الأحزاب:59].

    أما المنافقون الذين يصطادون في الماء العكر، ويتقلبون في السفور والتبرج؛ لأنه لا يريد التبرج إلا من يريد أن يتلفت في نساء الناس، يدري ويعلم أن النساء إذا التزمن بالحجاب، وكلف الرجال نساءهم بالحجاب خسر الصفقة، ولن توجد نساء يستطيع أن يقعد إليهن، بعضهم لا يرتاح إلا مع النساء، والجلسة التي تنقصها النساء جلسة كئيبة.

    فهذا المنافق الذي في قلبه مرض إذا سمع أن هناك حجاباً، أو أن الجماعة تواصوا وتجمعوا وقرروا: أنه يجب أن ننفذ أمر الله فينا، والذي لا ينفذ هذا الأمر فليس منا.

    مثلما فعلت بعض القرى في بعض المناطق فيقول أهل المنطقة: لما جاءهم الأمر اجتمع أولوا النهي، وكبار الجماعة، والأعيان وقالوا: نحن كنا نجهل أمر الله، والآن عرفنا أمر الله عز وجل، هذا كلام الله مثل الشمس في رابعة النهار، ما رأيكم ننفذ أم لا؟ إن كنا مؤمنين نفذنا، وإن كنا كذابين لا ننفذ، فقرروا أن ينفذوا، وعزموا وقالوا: من لا يأمر زوجته أن تتغطى وأن تحتشم ليس منا، لا نضيف ضيفه، ولا نبيع عليه، إذا أراد أن يشتري من دكان في القرية لا نبيع له، وإذا جاورته في سيارة من سيارات القرية التي تذهب البلد أو تذهب المركز نقول: لا تركب أنت؛ لأن امرأتك مكشفة، وإذا مرض لا نزوره، وإذا مات لا نتبع جنازته، نقاطعة ولا نكلمه حتى يغطي امرأته.

    لعل قائلاً من الناس يقول: إن زوجاتنا غير زوجاتكم في المدن، أنتم في المدن عندكم الماء والإمكانات، ونحن في قرية محتاجون إلى خروج الزوجة إلى الزرع، لكي تأتي بالعلف وبالماء وأغراض البيت، نقول لكم: إن الإسلام لم يحرم على المرأة المؤمنة أن تساعد زوجها في خدمة بيته وبيتها، ولكن بشروط شرعية، فإذا أرادت المرأة أن تخرج إلى الماء فعليها أن تلتزم الشروط الشرعية:

    أولاً: أن تحتجب، ما يمنعها من الحجاب؟ تأخذ لها (شيلتين) واحدة خفيفة وأخرى ثقيلة، والخفيفة من تحت، والثقيلة من فوق، ولا تخرج إلا وقد لبست أردى ثيابها، ما تأخذ الثوب المزركش، بل تلبس أردى ثيابها، ولا تأخذ معها عطراً، فإذا أمنت وهي في طريقها إلى البئر أو البستان أو الزرع تلفتت يميناً أو يساراً فإذا لم ترَ أحداً فتحت الغطاء الثقيل وأبقت على وجهها الخفيفة التي تمكنها من الرؤية، ولو شاهدها شخص بعيد لا يراها، فإذا سمعت أو رأت أحداً تنزل الثانية.

    ما الذي يمنعها، ما يمنعها؟ من هذا شيء إلا النفاق وحب التبرج والمعصية؛ لأن بعض النساء تقول: أنا أخاف أن أسقط في البئر إذا تحجبت، لن تسقطي في البئر أبداً، بل إنك لو سقطت في البئر لكنت شهيدة، ولكن إذا كشفت فإنك ستسقطين في آبار عظيمة، في آبار جهنم، عمق البئر سبعين سنة، ومن يستطيع أن يخرج منها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فعليها.

    أولاً: أن تأخذ ثوباً رديئاً، وشيلة متينة، ثم إذا خرجت تختار الوقت المناسب الذي لا يكون فيه رجال، إما مع الفجر، أو بعد المغرب معها شخص من أهلها، أو في الظهيرة إذا كان الناس منشغلون بالطعام، لا تخرج في العصر، لا تخرج في وقت تجمع الرجال وخروجهم، ثم إذا خرجت إلى البئر أو إلى الزرع وصادفت أن قابلها رجل، ماذا تعمل؟ إذا قابلها رجل فإن كان هناك طريق غير الطريق الذي يقابلها فيه فتفر عنه، تجعل طريق الرجل له وتمشي في طريق لوحدها، وإن كان لا يوجد إلا تلك الطريق فإنها تمشي على حياء، فإذا قربت منه تلتصق بالجدار، ولا يجوز له أن يسلم عليها.

    وجوب احتجاب كلا الجنسين من الآخر

    نسمع الكثير من الناس يقول: أما بالنسبة للجماعة فيما بينهم سهل، أم الكلام فهو على الأجنبي الذي يأتي من بعيد.. إنهم الجماعة وربي غفور رحيم!

    حتى لو كان أخاك من أمك وأبيك؛ لا يجوز له أن ينظر لزوجتك، لماذا؟ لأن أخاك أجنبي عن امرأتك، هو ابن ناس وهي بنت ناس، ولو طلقتَ زوجتَك لجاز لأخيك أن ينكح زوجتك من بعدك، فـ(الحمو هو الموت)، وليس معنى هذا: أن تقاطع إخوانك وجماعتك لا، فقط حجّب المرأة، والذي لا يصحابك إلا من أجل المرأة لا يحبك، بعض الناس ما يحب الرجل إلا إن كان يرى امرأته، فإن حجبها عنه قال: يحجب امرأته عني؟! قل له: أحجبها.. أتحبني من أجل المرأة؟ هذه محبة فاسدة.

    وبعضهم يذهب إلى رجل أخرج له زوجته، ثم إذا أتاه ذلك الرجل قال لامرأته: اخرجي حيي الضيوف، قالت: إني أستحي، ولا أحب أن أدخل على الرجال، قال: اسكتي، أنا ذهبت عنده وامرأته رحبت بي ودعتني للغداء، فيدعو امرأته للتجمل لصاحبه، ويعتبره رداً على حسن الضيافة، ويقول لها: اذهبي وتجملي لضيوفي وقابليهم بوجه حسن، فمسكينة تذهب تلبس وتغسل وجهها بالصابون وتنظف نفسها وتنظر في المرآة وتقوم بتحية الرجال في المجلس والرسول يقول: (لأن يمس أحدكم جلد خنزير أولى من أن يمس جلد امرأة لا تحل له) يظن أنه إن لمسها في يدها فالأمر هين، ولكنه نار، وصعقة كهربائية.

    الآن السلك الكهربائي سلك أحمر وآخر أسود، إذا التقى الأسود والأحمر ما الذي يحصل؟ (التماس كهرباء) وحريق، لكن إذا وصلنا السلك الأحمر والسلك الأسود إلى (الفيش) أيحصل حريق؟ لا. هذا (الفيش) هو الزواج، يلتقي فيه الرجل السلك الأحمر بالمرأة (السلك الثاني)، يلتقون داخل الزواج، فلا يحصل حريق، يصبح وئام ولطف ورحمة، وينتج عنه ذرية صالحة، إما ولد أو بنت، أما إذا التقوا قبل الزواج كانت فتنةً وفساداً كبيراً لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وكذلك السلك العاري كيف تأمنه؟ تقوم بعزل السلك العاري ويقال: لف عليه حجاباً، فزوجتك هذا -يا أخي- سلك عار! تؤثر في قلوب الناس، ضع عليه مادة عازلة، والمادة هذه هي الحجاب، حجب هذه الزوجة، إن كانت جميلة فخلها لك -يا أخي- لا ينظر إليها الناس، وإن كانت قبيحة فاجعلها قسمك حتى لا يضحك منك الناس ويترحموا عليك ويقولون: (مسكين مع هذه الجنية)، وإن كانت جميلة قالوا: لا يستحقها! لا -يا أخي- إن كانت جميلة فقد قدرها الله لك، وإن كانت قبيحة فقد قدرها الله عليك، لأن المرأة كما يقول الناظم:

    إن الرجال الناظرين إلى النسا      مثل الكلاب تطوف باللحمان

    إن لم تصن تلك الأسود لحومها      أكلت بلا عوضٍ ولا أثمانِ

    فإذا عدا كلب على لحمة آخر، فيكون هناك من يعدو على لحمته دون أن يعلم، ومن يزنِ يزنَ بأهله، يقول:

    عفوا تعف نساؤكم في المحرمِ      وتجنبوا ما لا يليق بمسلم

    إن الزنا دينٌ فإن أقرضته      كان القضا من أهل بيتك فاعلمِ

    من يزن بامرأة بألفي درهمٍ     في بيته يُزنى بغير الدرهمِ

    إذا نظرت بعينك إلى الحرام جاء من ينظر لمحارمك من الحرام، وإذا غضضت بصرك عن الحرام صرف الله الأنظار عن محارمك، فاتق الله في محارم الناس يحفظ الله محارمك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك) لكن إذا كان الرجل غيوراً على محارمه، ويريد من المرأة أن تتحجب، لكنه لا يحفظ حرمات الآخرين فإذا دخل على النساء القعود سلم عليهن وجلس معهن، وإذا ذهب إلى البيت قال: لا تكشفي على الرجال؟ لا يمكن أن تلتزم زوجتك بالحجاب إذا لم تلتزم به أنت، الزم نفسك أولاً بالاحتجاب عن النساء، إذا دخلت على النساء وهن أمام الرجال كاشفات فانهرهن، وقل لهن: اتقين الله، ارجعن وتحجبن، استحي يا امرأة!! تقولها هكذا بصوت قوي، فإذا رفضت النساء الاحتجاب عنك فتحجب أنت، غض بصرك؛ لأن الله يقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] استجب لله إذا عصت هي، حتى بعد ذلك تخجل هي، وزوجتك إذا علمت أنك ألزمت نفسك بالحجاب لا يمكن أن تتفرج على غيرك، لماذا؟ لأنها أمنت جانبك، فهذا المنكر -أيها الإخوان- منكر مستطير، وفسادٌ كبير واقع فيه أكثر الناس، ولكن لا يصعب تجنبه، المؤمن يحمل هذا ويتوكل على الله ويجتهد والله معه، أما ضعيف الإيمان مهزوز العقيدة فإنه يسمع ولكن يقول: والله! إني لا أستطيع، لماذا لا تستطيع الامتثال لأمر الله؟ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85].

    أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين، وأن يرزقنا وإياكم إيماناً صادقاً، وعملاً صالحاً، ويقيناً خالصاً، حتى نعلم أنه لا يضرنا ولا ينفعنا إلا هو، إنه على كل شيء قدير.