إسلام ويب

رسالة إلى مصلٍللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الشيخ في هذه المادة عن أهمية الصلاة ومكانتها، وأهمية الخشوع فيها، مبيناً أن الخشوع هو روح الصلاة، وأن الصلاة بدون خشوع كالجسد الميت الذي لا روح له، ثم تحدث بعد ذلك عن الأسباب التي تعين على الخشوع، فبدأ بالأسباب التي تكون قبل الصلاة، ثم ذكر الأسباب التي تكون أثناء الصلاة، وختم الشيخ موضوعه بذكر نماذج من صور الخشوع في الصلاة عند السلف.

    1.   

    أهمية الصلاة وموقعها في الدين

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله: هذه الليلة سنوجه رسالة إلى المصلي، أي: إلى كل مسلم، إذ ليس بمسلم من لا يصلي، فأهل العلم يجمعون على أن تارك الصلاة كافر؛ للأدلة الصريحة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وبين الله، إذا قطعها الإنسان وتركها قطع صلته بالله، وهي آخر موقع يتركه الإنسان من الإسلام، يقول عمر رضي الله عنه: [أما إنه لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة].

    أهمية الخشوع

    ولأهمية الصلاة وعظم شأنها وسمو منزلتها في الإسلام كانت الأوامر الربانية والنبوية في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحث وتؤكد على ضرورة الالتزام بها شكلاً ومضموناً، والذي يؤسف له أن الكثير يتقن الشكل الخارجي في البناء لكنه يهمل المضمون، يهمل الروح التي هي حقيقة الصلاة ألا وهي: الخشوع.

    وحتى لا ينخدع الإنسان بكونه يصلي ويضيع المهم في الصلاة وهو الخشوع، فإنني أوجه هذه الرسالة إلى كل مصلٍ ليتق الله عز وجل في نفسه، ولا يخدع نفسه، وليجاهدها حتى يؤدي الصلاة كما أراد الله وكما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليعلم من قرارة نفسه أنه إن صلى من غير خشوع أن صلاته كأنها ما وقعت؛ لأنه يكتب للعبد من صلاته ما حضر فيها قلبه، الصلاة حركة قلب قبل أن تكون حركة بدن، فإذا تحرك البدن وقام وقعد وركع وسجد ولكن القلب خالٍ من ذكر الله وعظمته، مشغول بالدنيا، مفكر في حطامها خارج المسجد، فهذا مسكين ما صلى، ولذا قد يصلي الرجلان ويكون بينهما كما بين السماء والأرض، شخص خاشع يجول في العرش، والآخر غافل قلبه يدور في الحش، يعني: في الدنيا -والعياذ بالله- ولذا يذكر الإمام ابن القيم رحمه الله وهو خير من تناول هذا البحث، وقد عني العلماء في القديم والحديث بأمر الخشوع في الصلاة بما له من أهمية؛ لأنه يترتب عليه قبول الصلاة أو ردها.

    عني ابن القيم بهذا الأمر في مجموع كتبه وبالأخص منها كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب ، وشيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً، وبعض علماء الإسلام منهم الإمام الآجري في كتابه: الخشوع في الصلاة، وفي رسالة حررتها أحد الأخوات في الله اسمها رقية بنت محارب بعنوان كيف تخشعين في الصلاة وجهتها إلى الأخت المسلمة، وقد قرأت هذه الرسالة مع مجموع ما قرأت من المراجع الأخرى، وحصلت على هذه المجموعة من الكلمات التي أوجهها إلى كل مسلم ومسلمة في هذه الحياة ليتقوا الله عز وجل في أمر صلاتهم ويدافعوا الشيطان، ولا يستسلموا لنزغاته فإن الشيطان حريص كل الحرص على أن يقطعك عن الله عن طريق ترك الصلاة، فإذا عجز وبرهنت على قوة إيمانك وصدق يقينك بأن تركت الدنيا وراء ظهرك وجئت إلى المسجد لتصلي ولتقف بين يدي الله عز وجل فإن الشيطان لا يتركك لهذا الأمر، بل يجلب عليك بخيله ورجله، ويأتيك من بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك، ويزين لك الدنيا ويذكرك بكل ما لم تكن تذكره قبل الصلاة؛ حتى تخرج من الصلاة وليس معك منها شيء.

    ولذا ورد في بعض الآثار أن الشيطان يقول للداخل إلى المسجد: ادخل فوالله لأخرجنك منها مثلما أدخلتك. يعني: قم واركع واسجد وتوضأ واترك أهلك ونومك لكن الطريق من عندي.

    فلا ينبغي أيها الإخوة! أن نصدق ظن الشيطان، بل علينا أن ندحره وأن نستعيذ بالله من شره، وأن نحصر اهتمامنا في عشر دقائق، فإن الصلاة مهما طالت كانت مغرباً، أو عشاء أو فجراً، أو ظهراً، أو عصراً لا تتجاوز في الغالب عشر دقائق .. جاهد نفسك بقوة وبعنف في ألا تتفكر إلا في الصلاة، ولا تتفكر إلا في الجنة والنار بحيث تخرج من الصلاة وقد اطمأن قلبك، وخشعت جوارحك، وعرفت أنك قدمت عملاً صالحاً؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً، يقول الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً [الكهف:110] ما هو العمل الصالح؟ قال العلماء: الصالح أصوبه وأخلصه، أصوبه على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخلصه لله تبارك وتعالى.

    الخشوع في الصلاة روح الصلاة.

    الصلاة جسد والخشوع روحها، فإذا توفر الجسد والروح بقيت حياة الصلاة، أما إذا وجد الجسد وخرجت الروح فلا قيمة للجسد، شأن الصلاة شأن الإنسان، الإنسان له قيمة بمجموع أمرين: روحه التي بين جنبيه وجميع جوارحه، فإذا خرجت روحه هل يبقى للجسد قيمة؟! لا يبقى له قيمة أبداً، فالمعول الأول والأخير على الروح وهو الخشوع فهو روح الصلاة، فمن كان خاشعاً في صلاته فهو يصلي، أما الذي يصلي وقلبه في الدكان أو المزرعة أو الزوجة أو المدرسة، أو التجارة، أو مشاكل الدنيا، فلا يصلي. فبعض الناس لا تنتهي أشغاله، دائماً مشغول طوال اليوم فمتى يخلو إلى أفكاره؟ إذا صليت.

    فإذا دخل في الصلاة بدأ يفكر في عمارته وسيارته ومشاكله، لماذا؟ لأنها فرصة ليس عنده وقت يفكر، إذا خرج يفكر في الدنيا من جديد ولكن هناك فرصته، فيأتيه الشيطان ليقذف في قلبه الوساوس والأفكار والخطرات حتى يخرج منها، بدرجة أنك لو أجريت استفتاء في أي مسجد للمصلين بعد أي صلاة من صلاة الجهر وقلت لهم: ماذا قرأ الإمام في الصلاة؟ فإنه لا ينجح إلا القليل، وهذا الكلام يمكن أن نجريه الآن في هذا الوقت، لو نسأل أنفسنا الآن وقد صلينا وسمعنا القراءة من الإمام: ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية من صلاة المغرب؟ الذي يعرف هو الذي صلى، والذي ما عرف إنما هو قائم مثل العمود، العمود يصلي أربعاً وعشرين ساعة لكن لو سألنا العمود وقلنا له: يا عمود ماذا قرأ الإمام؟ يقول: لا أعلم، حسناً اسأل العمود الثاني الذي وقف عشر دقائق: يا عمود ماذا قرأ الإمام؟ قال: لا أدري، إذاً: ما الفرق بين العمودين؟ الفرق شاسع، إن هذا يقف أربعاً وعشرين ساعة فهو من الإسمنت موجود دائماً وأنت عشر دقائق وما قدرت أن تفهم ما يلقى عليك من أوامر الله ومن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم.

    كان السلف رحمهم الله يولون اهتماماً كبيراً لهذه الصلاة وللخشوع فيها.

    ولذا يروى عن حاتم الأصم -وكان من التابعين رحمه الله- أنه كان من أخشع عباد الله في صلاته، قيل له: كيف تصنع إذا صليت؟ قال: إذا سمعت نداء ربي توضأت، ثم أقبلت على مسجدي -يعني: يصلي في المسجد- ثم وقفت بين يدي الله، فأتصور أن الصراط تحت قدمي، وأن الجنة عن يميني، وأن النار عن يساري، وأن الكعبة أمامي، وأن ملك الموت سيقبض روحي بعد أداء الصلاة. فربما لا أصلي إلا هذه الصلاة، ومن الذي عنده يقين أنه يعيش إلى الفجر؟ ربما لا تصلي إلا هذه الصلاة وتكون آخر شيء من حياتك، فصلِّ صلاة مودع، وإذا صليت بخشوع ومت، ختم الله لك بالمضبوط، لماذا؟ لأن الله يعطيك يوم القيامة على أحسن عمل لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا [النور:38] يعني: يأتي بصلاته كلها، وإذا مت على آخر صلاة مضبوطة يضرب الله صلواتك في أحسن شيء صليت، فصل صلاة مودع.

    قال: فأتصور أن ملك الموت خلف ظهري يقبض روحي فلعلي لا أصلي بعدها صلاة، ثم أكبر بتحقيق، وأقرأ بترتيل، وأركع في خضوع، وأسجد في خشوع، وأتشهد في يقين، وأسلم في رجاء، ولا أدري أقبلت صلاتي بعد هذا أم ردت عليَّ؟!

    هذا موقفه وهذا عمله مع صلاته ولا يدري أقبلت صلاته أم ردت عليه!

    علاقة موقف الصلاة بموقف الآخرة أمام الله

    الإنسان في هذه الدنيا وفي الآخرة له موقفان:

    موقف بين يدي ربه في الصلاة، وموقف بين يدي ربه يوم يلقاه، فمن اهتم بهذا الموقف خفف الله عليه ذاك الموقف، ومن أهمل هذا الموقف شدد عليه في ذلك الموقف، وقد أثنى الله عز وجل على الخاشعين في الصلاة، يقول الله تبارك وتعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2] ويثني الله عز وجل في سورة الأنبياء عندما ذكر الأنبياء فيقول في آخر الآيات: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90].

    ويقول الله عن الصلاة: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ يعني: ثقيلة إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] والذي يشعر بثقل في الصلاة دليل على أنه ما عرف الصلاة.

    أما الذي يخشع في الصلاة فإنه لا يشبع منها! لماذا؟ لأنه مع الله، كيف يشبع من يقف بين يدي الله؟! لكن من هو الذي يضيق ويريد أن ينصرف بأي وسيلة؟

    من قلبه ليس موجوداً، فالجسد يتبع القلب، فإذا كان القلب في الخارج فإن الجسد يريد أن يلحق به، القلب ملك الجوارح، فإذا كان القلب موجوداً فإن الجوارح ساكنة، وإذا كان القلب بالخارج فالجوارح غير مطمئنة، ولذا ترى كل جارحة تشتغل في جانب، جارحة العين تتلفت، وجارحة اليد تحك ظهره وأنفه ورأسه، ويصلح عقاله وغترته، وتراه يوازن بين رجليه، وظهره يؤلمه، لماذا؟ لأنه غير موجود في الصلاة، ولهذا يقول ابن القيم : والله لو سلمت منا القلوب ما شبعت من كلام الله ولا من الصلاة.

    إذا صح القلب فلن يشبع من كلام الله ولن يشبع من الصلاة، لكن متى يثقل عليه القرآن وتثقل عليه الصلاة؟ إذا مرض القلب -نعوذ بالله وإياكم من مرض القلب- يقول الله عز وجل عن عباد الله الصالحين: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء:109] يعني: تلاوة كتاب الله تزيدهم خشوعاً.

    أصناف الناس في الخشوع

    يذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه الوابل الصيب : أن الناس في الصلاة على خمسة أصناف: الأول: صنف ظالم لنفسه، وهو الذي نقص من وضوئها ومواقيتها وأركانها وحدودها وواجباتها، مثل أكثر الناس لا يصلي في الوقت المعين ولا مع جماعة المسلمين، وإذا صلى فهو لاهٍ وغافل، يقول: فهذا معاقب.

    الثاني: صنف يحافظ على المواقيت، ولا يصلي إلا في الوقت، ويحافظ على الجماعة في المسجد، ويحافظ على الأركان كاملة، ويحافظ على الواجبات كاملة، وعلى الوضوء كاملاً، لكنه ضيع المجاهدة في قضية الخشوع، فهذا محاسب، وعلى قدر ما حضرت صلاته في قلبه يعطى، والذي لم يحضر قلبه ليس له.

    الثالث: صنف حافظ على الحدود والأركان وجاهد نفسه في دفع الشيطان والوساوس والأفكار فهو مشغول بمجاهدة عدوه حتى لا يسرق من صلاته شيئاً، فهو في صلاة وجهاد فهذا معفو عنه، يعني: سالم.

    الرابع: من إذا قام إلى الصلاة، أكمل حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبه في مراعاة حدودها وحقوقها، بل همه كله مصروف في إقامتها كما ينبغي لها بإكمالها وإتمامها، فهذا مثاب عند الله عز وجل.

    نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هذه الدرجة والتي بعدها.

    والصنف الخامس وهؤلاء لا أظنهم موجودين في الأرض الآن إلا من رحم الله.

    يقول: وصنف إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك مثل الرابع ولكن مع هذا يأخذ قلبه ويضعه بين يدي الله ناظر في قلبه إلى الله، مراقب لله، ممتلئً من محبة الله، وعظمة الله، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت وذهبت تلك الوساوس والخطرات والأفكار، وارتفعت الحجب بينه وبين الله عز وجل، يقول: فهذا بينه وبين بعض المصلين أعظم مما بين السماء والأرض، فهذا مقرب.

    نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المقربين، إذا طلبت فاطلب الله العليا، اجعل همتك عاليه حتى إذا نزلت فيكون نزولاً بسيطاً، نعم اطلب دائماً المرتبة العليا، ولهذا جاء في الحديث: (سلوا الله الفردوس الأعلى) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من عباد الله المخلصين.

    فضل البكاء من خشية الله

    امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الخشوع في الصلاة، وفضل الذي يبكي من خشية الله، يقول عليه الصلاة والسلام والحديث رواه الترمذي في السنن : (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في ضرع البقرة) لا يلج أبداً أي لا يدخل النار حتى يعود اللبن في الضرع، (ولا يجتمع غبار جهاد في سبيل الله ودخان جهنم) لا يجتمع هذا وهذا، غبار الجهاد في سبيل الله مانع وحافظ وحائل دون أن يدخل الإنسان النار نسأل الله السلامة من النار، ونسأل الله الفضل مما يمتع به أهل الجهاد في الجنة.

    وفي الحديث الآخر في الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام: (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم: رجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه -أي: خشعت عيناه- من خشية الله تبارك وتعالى) وهذا هو الذي ينفع كثيراً؛ لأن البكاء ينقسم إلى قسمين: بكاء في الخلوة، وبكاء في الجلوة، فالبكاء في الخلوة دليل قطعي على صدق الإنسان ويقينه.

    أما البكاء مع الناس فهذا يحتمل أن يكون خشوع الإيمان ويحتمل أن يكون خشوع النفاق والرياء، ولكن يرجع إلى عمل الباكي، فإن وجد الباكي في الناس صالحاً في الأوامر مبتعداً عن النواهي كان بكاؤه دليل صدقه، أما إذا كان يبكي في الملأ ويعصي في الخلاء فهو كذاب؛ يبكي في المسجد لكنه في الليل يسمع الأغاني، وإذا كان في الشارع نظر إلى البنت، وإذا جاء هنا جاء يبكي، هذا كذاب؛ لأن الله سبحانه وتعالى يحاسبه على الأمر والنهي، إن درت مع الأمر ووقفت عند النهي فأنت مؤمن وإن لم تبك، وإن بكيت -البكاء فضل من الله ونعمة- أما إن عصيت الأوامر وارتكبت النواهي وبكيت من خشية الله وأنت ترتكب النهي وتترك الأمر كان هذا البكاء بكاء النفاق والعياذ بالله!

    أيضاً كان صلى الله عليه وسلم من أخشع عباد الله في الصلاة، تقول عائشة رضي الله تعالى عنها والحديث صحيح: (كان يحدثنا ويحدثنا، وينادمنا وننادمه، فإذا سمع المؤذن قام إلى الصلاة كأن لا يعرف منا أحداً) وكان أبو بكر إذا وقف في الصلاة كأنه الشعرة في مهب الريح لا يعرف ما يقرأ من كثرة بكائه.

    وعمر كذلك وكل السلف كانوا على هذا الوضع.

    ضرورة استشعار عظمة الله في الصلاة

    يقول ابن رجب الحنبلي في كتابه لطائف المعارف وفي كتابه الذي نوصي كل مسلم بشرائه وهو كتاب: جامع العلوم والحكم فهذا لا ينبغي أن يخلو منه بيت؛ لأنه شرح الأربعين النووية وأضاف من عنده عشرة صحيحة وشرحها شرحاً وافياً لم يسبقه أحد إلى ذلك، ولم يأت بعده أحد يشرح مثل شرحه، فكل حديث علق عليه أكثر من خمس أو ست صفحات وجمع فيه كل ما قيل في الموضوع الذي يتناوله هذا الحديث.

    ولذا نوصي كل مسلم أن يشتري هذا الكتاب وثمنه أظن (12) ريالاً أو (10) ريالات، جامع العلوم والحكم لـابن رجب الحنبلي رحمة الله عليه، يقول: إن الخشوع لين القلب ورقته وسكونه وانكساره وحرقته وحضوره في الصلاة، وهو يحصل بالتأمل في أسماء الله وصفاته، فإذا ما أدرك العبد عظمة من يقف بين يديه وعظمة الموقف الذي يمارسه فإنه يحصل له الخشوع، ثم يدلل على هذا ويقول: إذا وقفت بين يدي ملك فاسأل نفسك كيف تكون في مثل هذا الموقف، لا أحد يستطيع أن ينظر إلى أنفه بين يدي الملك أو يحك ظهره؟ أيستطيع أن يفكر في شيء غير ما يتكلم فيه مع الملك، إذا قام بين يدي الملك أو الأمير أو المسئول وقدم له مطلبه هل يمكن أن يخطر في باله غير الكلام الذي ينادي به الملك؟ لا. سوف تضيع كل الأفكار إلا هذا الموضوع لأن الموقف جليل، فهل أعظم من أن تقف بين يدي الملك الجليل، ملك السماوات والأرض، لا إله إلا الله!

    حقيقة إنه موقف مخزٍ أن يقف الإنسان بين يدي الله ثم ينصرف بقلبه عن الله، ولذا ورد في الأثر: "أن العبد إذا وقف بين يدي الله نصب الله وجهه له في الصلاة، فإذا صرف العبد قلبه صرف الله عنه وجهه، وينادي: أإلى خيرٍ مني"، تقف بين يدي وتفكر في الدنيا وتذهب، ضع قلبك معي عشر دقائق، ثم اذهب وسوس من العشاء إلى الفجر كم ساعة الآن من بعد العشاء، إلى الفجر لو صلينا الساعة الثامنة فكم إلى صلاة الفجر ساعات فراغ، أكثر من تسع ساعات لا يوسوس الواحد فيها! لكن إذا صلى جاءت الوسوسة، فهذا يدل على أنك محارب ومطارد من قبل قوة وهي قوة الشيطان بتضييع الصلاة عليك، إذ لا يفكر الإنسان أبداً وهو على الأكل لا يفكر، إذا كان في الدوام لا يفكر، إذا جلس أمام الفيلم إذا كان ممن يرى الأفلام لا يفكر إلا في الفيلم، حتى لو سرقت فلوسه من جيبه ولو جاءت مكالمة لو كلمته امرأته يقول: صه صه، لأنه معلق مشدود لا يفكر في شيء غير هذا، لماذا تجلس ساعات أمام الفيلم لا تفكر إلا به، وعشر دقائق ما قعدت تفكر بين يدي الله، لماذا؟ لأن الصلاة ترضي الله والشيطان يريد أن يسحبك منها.

    أما الفيلم فيبغضه الله، والشيطان يريد أن يركز ذهنك فيه ويضيع حياتك في هذه الخزعبلات والخرافات والأكاذيب، كلها كذب في كذب فلا تتابع الكلام الفارغ، المسلسل هذا كذب كتبه كذاب ومثله عشرون كذاباً وأنت تعيش عليه وتحزن، وبعضهم لا ينام في الليل، ماذا بك؟ يقول: والله النهاية المؤلمة التي صارت للبنت، ولا توجد نهاية وكلها كذب في كذب، كن رجلاً واحتفظ بعقلك، لكن!! إنا لله وإنا إليه راجعون ضاعت عقول الأمة وراء هذه الأفلام والفيديو الذي يشتريه بعض الناس بخمسين أو ستين ريالاً ليري أولاده ويدربهم على المفاسد والحب والعشق والغرام والجرائم والأفلام البوليسية، هذه مصيبة والله من أعظم المصائب؛ لأن الله استرعاك هذه الرعية وأنت خنت هذه الرعية، والله يسألك يوم القيامة، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر:92-93]، سيسألك الله هل حفظت هذه الرعية وهم زوجتك وأولادك، أم ضيعتهم؟ بعضهم يبكي مع دموع زوجته ودموع أولاده إذا منعهم من الفيلم قاموا يبكون، قال: إذاً دعهم ينظرون، دعهم يتفرجون، دعهم ينظرون إلى الكراتين من أجل أن يكون ولده (كرتوناً) يربيه على الكراتين من صغره، لا حول ولا قوة إلا بالله! وإنا إليه راجعون!

    1.   

    الأسباب التي تبذل قبل الصلاة لتحقيق الخشوع فيها

    لما كان العبد يتقلب بالليل والنهار بين نعم الله عز وجل، وآلاء الله لا تنقطع عنه؛ فإنه يصاب بالتبلد والفتور والغفلة فيحتاج بناءً على هذا إلى شيء يجدد فيه هذه المفاهيم وهذه المعاني، وكان أعظم مجدد لها هو هذه الصلاة التي هي عمود الإسلام، والتي لا تنفك عن المسلم ولا تسقط عنه بأي حال من الأحوال، فالصوم مرة في السنة، والحج مرة في العمر، والزكاة مرة في السنة، وإذا لم يوجد مال ولا توجد زكاة، وإذا كنت مسافراً، فقد تفطر وتقضي يوماً عنه، أو إذا كنت مريضاً كذلك، وإذا كنت فقيراً ليس عليك حج، لكن الصلاة لا بد أن تقيمها سواء كنت مسافراً أو مقيماً، أو مريضاً أو معافى، حتى لو كنت في الحرب، وعلى أي وضع لا بد أن تصلي، لماذا؟ لأنها صلة، كيف تعيش وقد قطعت صلتك بالله تبارك وتعالى.

    ولما كانت هذه الصلاة صلة كان لا بد من الخشوع فيها وهذا لا يتأتى إلا بأسباب، والأسباب كثيرة منها ما هو قبل الصلاة، وما هو في الصلاة، وما هو بعد الصلاة، فالأسباب التي قبل الصلاة كثيرة منها:

    إذا أردت أن يحصل لك الخشوع فاتبعها واحدة واحدة:

    الترديد خلف المؤذن

    أولاً: إذا سمعت المؤذن فاقطع عملك وقل مثلما يقول، غير أنك إذا قال: حي على الصلاة .. حي على الفلاح، فإنك تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال في صلاة الفجر: الصلاة خير من النوم .. الصلاة خير من النوم، تقول: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، لما صح عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهذا وقال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليَّ؛ فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة) الله أكبر! ما أعظم هذا الفضل العظيم، إذا سألت الله الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بحيث يبلغه الله هذه المنزلة، وسيبلغها -بإذن الله- فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: وجبت وحلت له شفاعتي يوم القيامة، وسؤال الوسيلة أن تقول: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة؛ آتي محمداً الوسيلة والفضيلة، والدرجة العالية في الجنة، وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته) إذا قلت هذا حلت لك الشفاعة يوم القيامة، والحديث رواه البخاري.

    ثم اجتهد بالدعاء بعد الأذان؛ لأنه ورد أن الدعاء يجاب ما بين الأذان والإقامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اثنتان لا ترد -أو قال: لا تردان- الدعاء عند النداء -أي: بعد الأذان- وعند البأس حين يلتحم القوم بعضهم مع بعض) رواه أبو داود، إذا أكمل المؤذن الأذان فادع الله فإنه موطن إجابة، اجتهد في الدعاء بأن يعينك الله، ويأخذ بيدك إلى الطاعة، ويوفقك في الدنيا والآخرة.

    ثم بين الأذان وبين الإقامة ادع فإنه قد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد) رواه أبو داود والترمذي وصححه الشيخ الألباني.

    المسارعة إلى الوضوء بعد الأذان

    ثانياً: بعد أن تسمع الأذان وتردد وتدعو تسارع إلى الوضوء عملاً بقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6] ومعنى القيام هنا: الإرادة، إذا أردت القيام إلى الصلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة:6] واستحضر وأنت ذاهب إلى الوضوء فضله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال فيما رواه الإمام أحمد في الحديث الصحيح: (من توضأ وأحسن الوضوء وصلى غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها) وبعد ذلك عليك أن تشغل نفسك بالتفكر أثناء الوضوء ولا تغفل؛ لأن هناك شيطاناً يقال له: الولهان، وهو مسلط عليك من أجل ألا تدري ماذا غسلت، بعضهم يغسل يديه قبل وجهه، وبعضهم يغسل وجهه بعد رأسه وهو لا يدري، ولا يعمم ولا يبالغ في الوضوء، ولا يهتم، هذه الوسوسة من شيطان يقال له: الولهان، ولكن عليك أن تشغل قلبك في ذكر الله عز وجل أثناء الوضوء بالتسمية، أولاً: سمِّ الله، هذا إذا كنت تتوضأ في غير الحمام، أما إذا كان بيتك فيه ميضأة بداخل دورة المياه فتسمي خارج الحمام ثم تدخل وهناك لا تسمِّ؛ لأنه لا يجوز لك أن تذكر الله تبارك وتعالى داخل الحمام.

    فإذا شرعت في الوضوء فتفكر في كل عضو تغسله، فإذا غسلت يديك تفكر فيما اكتسبت هذه اليد من الذنوب، فإذا فعلت ذلك، فاستحضر في ذلك أن الوضوء يكفر الذنوب التي مستها يداك، وأن الخطايا كلها تخرج مع آخر قطرة تخرج من العضو الذي تغسله بالوضوء، فإذا غسلت وجهك تذكر أن كل خطيئة نظرت إليها بعينك تخرج مع الماء، وإذا غسلت يديك فاستحضر أن كل خطيئة بطشتها تخرج مع الماء، وإذا غسلت رجليك فاستحضر أن كل خطيئة مشيتها برجليك فإنها تخرج مع قطر الماء، وبهذا تخرج من الوضوء مغفور الذنوب كما قال صلى الله عليه وسلم -والحديث في صحيح مسلم- : (إذا توضأ المسلم فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه حتى يكون تقياً أو نقياً من الذنوب) رواه مسلم .

    ثم إذا هممت بالخروج من مكان الوضوء فاستحضر ما حزته وكسبته من الأجر العظيم، والثواب الجزيل من حط الذنوب، ورفع الدرجات، واستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم : (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟! قلنا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) الله أكبر يا إخواني! خصوصاً هذه الأيام مكاره البرد (وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط).

    تذكر أن الوضوء سيكون علامة مميزة يوم القيامة

    ثالثاً: تذكر أن هذا الوضوء سيكون علامة لك يوم القيامة تعرف بها حينما يحشر الناس من قبورهم، وإذا بأعضائك التي توضأت علامة لك يوم القيامة؛ فاحمد الله بشيء من الغبطة والسرور أن هداك الله ووفقك وجعلك من المتوضئين، فكثير من الناس لا يتوضأ ولا يصلي، وأنت قد اجتباك الله وهداك فهذه من أعظم نعم الله عليك أن هداك ووفقك؛ لأن تكون ممن يتوضأ لتعرف بهذا الوضوء يوم القيامة.

    يقول أحد الصحابة: خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المقبرة في يوم من الأيام فسلم على أهلها، وقال: (سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا -يقول للميتين- قال الصحابة: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواني قوم لم يأتوا بعد، وأنا فرطكم على الحوض -يقول: أنا أمامكم أنتظركم- قالوا: وكيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟! قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غُرّ محجلة -غر، يعني: في جبهتها بياضاً، ومحجلة يعني: قوائم أقدامها محجلة- بين ظهري خيل بُهم دُهم ليس فيها محجلة، ولا فيها غرة، ألا يعرف خيله)إذا كانت خيلك غرة ومحجلة بين خيل بهم دهم سوداء ألا تعرف خيلك؟ (قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون غراً محجلين من أثر الوضوء) يأتي المؤمن أغرّ الجبين، ومحجل في يديه ورجليه من أثر الوضوء (وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي -ألا ليذادن، يعني: يمنعون، يأتون وهم غر محجلون لكن يمنعهم مانع- كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هلم، ألا هلم، فيقال: إنهم قد أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً .. وبعداً بعداً) رواه الإمام مسلم في صحيحه.

    وإذا انتهيت من الوضوء فقل -والحديث في صحيح مسلم ورواه الترمذي ولا نحتاج إلى التفصيل إذا قلنا مسلم أو البخاري فهو صحيح؛ إذ لا يوجد كلام أصح بعد كلام الله من البخاري ومسلم - يقول عليه الصلاة والسلام: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) الله أكبر!

    إلى هنا رواية مسلم وإن زدت فقل: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) الزيادة رواها الترمذي بسند صحيح: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) فإذا فعلت هذا فأنى للشيطان أن يقربك.

    كيف يأتيك إبليس وقد رددت مع المؤذن، ودعوت الله بعد الأذان، وسارعت إلى الوضوء، وتذكرت كل هذه المعاني، ثم خرجت إلى المسجد؟ كيف يأتيك إبليس وقد تحصنت بحصون منيعة لا يستطيع أن يصل إليك؟

    ولكن لن ييأس وسيحاول الدخول عليك، فتحصن أيضاً بالحصون الآتية إن شاء الله قبل الدخول إلى الصلاة:

    أولاً: استعد بالسواك -وهذا مهم جداً- والحديث في الصحيحين متفق عليه: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) استعد بالسواك فإنه من السنن المؤكدة التي تطيب رائحة الفم وتنظف الأسنان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي رواية: (عند كل وضوء) والروايتان صحيحتان، ويكسبك هذا قوة ونشاطاً وجمالاً ورائحة ويعلمك التهيؤ للوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى.

    كما أن السواك له أثر في طرد النوم، خاصة إذا كان سواكاً رطباً، فلا ينبغي أن يكون السواك له في جيبك مدة طويلة؛ لأنه ييبس، ويتلوث، فاستعمله عند الوضوء من أجل إذا انتهيت من الوضوء يكون السواك نظيفاً، ثم بعد أن يمضي يومان أو ثلاثة أو أربعة أيام على هذا السواك وإذا به جاف فترميه وتأخذ غيره؛ لأن الجديد فيه مادة وهي المادة الحارة التي لها أثر في تنظيف الفم وإذابة الأملاح الموجودة على الأسنان ولا مانع من استعمال الفرشاة، ولكن الفرشاة ليست بديلة للسواك فالفرشاة وسيلة تنظيف فقط.

    ولهذا يقول الإمام الصنعاني في كتابه سبل السلام في الجزء الأول، يقول: (عجباً لأمة تضيع سنة يقول فيها رسولها أكثر من مائة حديث)، ورد في فضل السواك أكثر من مائة حديث ونضيعها الآن! والشيطان أبدلها الآن بمسواك الدخان، وفعلاً ما رأيت مدخناً معه مسواك -إلا من رحم الله- فتش فلن تلقى مدخناً إلا ومعه مسواك الشيطان؛ لأن الشيطان مخلوق من النار ومسواكه من النار، فأوحى إلى أعوانه وأتباعه أنه لا بد أن تتمسوكوا، بماذا؟ بمسواكه من النار -والعياذ بالله- وبكم؟ باكت واحد بأربعة ريالات كل يوم يدفعها المدخن دون أن يماكس البائع في ثمنها، وأنت مسواكك من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم بريال فقط، وكم يكفيك؟ أسبوعاً، من الجمعة إلى الجمعة.

    الاستعداد للصلاة بالملابس النظيفة وبالرائحة الطيبة

    رابعاً: من أسباب الخشوع قبل الصلاة أيضاً: الاستعداد للصلاة بالملابس النظيفة الجميلة وبالرائحة الطيبة؛ لأن الله يقول: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] لكننا نأخذ الزينة عند كل ملعب، أو الحفلة أو المناسبة أو الدوام لكن عند كل صلاة لا نأخذ تلك الزينة، فبعض الناس يصلي في بجامة أو ثوب النوم، ويأتي بثياب رائحتها كريهة -والعياذ بالله- قام من النوم وجاء يصلي، يا أخي لماذا هذا الفعل؟ يا أخي! صلِّ في أحسن ثيابك، وخذ ثوباً نظيفاً، وقبل أن تخرج خذ شيئاً من الطيب، حتى إذا صليت إلى جانب أخيك المسلم فإنه يشم رائحتك الجميلة فيأنس بك، لكن بعضهم رائحته قذرة: إما بالدخان، أو بالبصل، أو بالثوم، أو بالرائحة القذرة، وهذا يؤذي المسلمين ويؤذي الملائكة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم حذر من هذا وقال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مصلانا) وهذا ما يسميه العلماء كف يد، هذه عقوبة من أعظم العقوبات، بعض الناس يأكل ثوماً أو بصلاً ويقول: أصلي في البيت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فلا يقربن مصلانا) فيأكل الثوم والبصل من أجل أن يجلس ويصلي في البيت، نقول: لا. إنه ما أذن لك أن تصلي في بيتك ولكنها عقوبة وزجر لك أن منعك من أن تقرب المصلى، لأنك أكلت ثوماً، وما دام منعت من الصلاة في المصلى فإنها مصيبة نزلت عليك.

    لذلك لا تأكل لا ثوماً ولا بصلاً حتى لا تمنع من أداء الصلاة في المسجد، فتستعد للصلاة في المسجد في أحسن ثياب وأحسن ريح وأحسن طيب، وأذكر أنني أعرف رجلاً من الصالحين -أسأل الله أن يسكنه فسيح جناته- من أهل أبها توفي قبل سنوات، هذا الرجل كان مسئولاً في الدولة وبعد ذلك أحيل إلى المعاش، وكان معروفاً بحبه للصلاة وللتزين فيها، يعني: لا يخرج إلى المسجد إلا وكأنه قطعة ثلج أبيض، وحين يمشي من بيته إلى المسجد إلا ورائحته في الشارع تعبق وراءه، حتى الكوت نفسه أبيض وغترة بيضاء، ولما سئل عن ذلك، قال: أنا ألبس للدوام وللمزرعة وللعمل ثياباً أخرى، لكن الصلاة لا أستطيع أن أقف بين يدي الله إلا في ثياب بيضاء حتى يكون قلبي أبيض، وأسأل الله أن يجعلني مع من يبيض الله وجوههم يوم القيامة.

    وقد جاء في الحديث الصحيح: (إن أحب الثياب إلى الله البيضاء) وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكفن بها الموتى، وليس معنى هذا أن هذه السوداء محرمة بل هي مباحة لكن البيضاء أفضل منها، لماذا؟ قال العلماء: لأن البياض يظهر فيه أثر القذر أما السواد فلا يظهر.

    ومن الأمور التي يستعد لها الإنسان في الصلاة قبل الدخول فيها: الحرص على إبعاد ما يشغله عن الصلاة بين يدي الله من لباس أو فراش أو نقوش أو سجادة، أو أي شيء يشغلك أمامك أبعده، فقد ثبت في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام -يعني: خطوط- ثم لما انصرف من صلاته خلعها، وقال: اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بإمبجانيته فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) خطوط معلمة في الأرضية خلعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجم بها وقال: أعطوني إمبجانيته التي لا خطوط فيها، لماذا؟ حتى لا ينشغل الإنسان في الصلاة.

    الحرص على تهيئة المكان الملائم لأداء الصلاة

    خامساً: أيضاً من الأمور التي تستعد بها قبل الصلاة: الحرص على تهيئة المكان الملائم لأداء الصلاة من حيث شدة الحرارة أو البرودة، إذا كان هناك برد شديد وأنت تصلي في الليل فضع لك مدفئة، إذا كنت في برد شديد حاول أن تلبس عباءة حتى تصلي في جو مريح لك فيه خشوع.

    وكذلك تبتعد عن أماكن الإزعاج والضوضاء، فقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) إذا كنت تقرأ القرآن وجاء شخص يصلي إلى جانبك فاخفض صوتك ولا ترفعه؛ لأنك تشغله (لا يشوش قارئكم على مصليكم).

    وكذلك الأمور التي تشوش على الناس في مساجدهم ينبغي أن تعطل مثل: مصنع أو مزرعة أو أي آلات مزعجة بجانب المسجد ينبغي إذا أقيمت الصلاة أن توقف كل دواليب الحياة فتمشي في الشارع ولا سيارة، ولا دكان، لماذا؟ لأن الناس مع الله، أين المسلمون الآن؟ مع ربهم، الناس في بيوت الله، لكن متى هذا؟! الله المستعان! في رمضان تعرفون في المغرب إذا أذن للمغرب لا أحد يتجول في الشوارع فكل واحد على سفرته، والذي في الخلاء تراه مثل المجنون، يقطع الإشارات ماذا بك، يقول: أريد أن ألحق العشاء! ليت الناس في الصلوات في غير رمضان مثل هذا الوقت بحيث إذا أذن لا تجد أحداً في الشارع ولا ترى واحداً في البيت إنما كلهم في المساجد، ينهلون من نعيم الإيمان، ويردون هذه المحطات الإيمانية ليعبئوا قلوبهم من عظمة الله، ثم إذا سلموا يخرجون من مساجدهم إلى أماكنهم وقد امتلأت قلوبهم، لكن إذا كان المسجد غير ممتلئ والشارع ممتلئ هذه مصيبة، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

    الاستعداد لقضاء الضروريات قبل الصلاة

    سادساً: الاستعداد لقضاء الضروريات قبل الصلاة، يجب أن تمارس الصلاة وقد قضيت كل الضروريات من حياتك مثل: قضاء الحاجة، فلا تخشع وأنت حاقن، ولا تأتِ وأنت جائع، ولا تحاول أن تورد الطعام في وقت الصلاة كما يفعل بعض الناس فلا يقدم العشاء إلا إذا أذن قال: أريد أن أتعشى حتى يضع الناس في خيارين: إما أن يصلوا وعقولهم في الطعام، أو يأكلوا ويضيعوا الصلاة.

    لا. يا أخي! قدم أو أخر، ولهذا جاء في الحديث يقول عليه الصلاة والسلام -والحديث في مسلم -: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) يعني: البول أو الغائط، عليك أن تستعد للصلاة قبلها، وبعضهم يقول: أصلي الآن من أجل ألا أعيد الوضوء، لماذا؟ هل الوضوء يكسر ظهرك؟! إنما هو نشاط يا أخي، فإذا عرفت أنك إذا صليت وأنت غير خاشع فليس لك صلاة، والحديث صحيح في مسلم : (لا صلاة -يعني: ليس له صلاة كاملة- وهو يدافع الأخبثان) بعضهم يتلوى من بداية الصلاة! اخرج يا أخي! قبل الصلاة وتوضأ وأخرج الأذى ثم تعال وقلبك معك، وكل جوارحك معك حتى تؤدي صلاتك كما ينبغي.

    1.   

    الأسباب التي تبذل أثناء الصلاة لتحقيق الخشوع فيها

    أما الأوامر التي تعينك على الخشوع أثناء الصلاة فهي كثيرة:

    استقبال القبلة والدنو من السترة

    أولاً: استقبل القبلة، وادن من السترة، وهذه سنة ضائعة عند كثير من الناس، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة وليدن منها) يعني: لا تصلِّ في وسط مسجد وبينك وبين الجدار عشرة أمتار، بينما هناك عمود ويمكنك أن تصلي إليه، يجب أن تحرص على أن تضع بينك وبين مصلاك سترة لتدن منها، بحيث يبقي بينك وبين سجودك ممر شاة.

    وبعد ذلك كيف تخشع؟ بعد تكبيرة الإحرام.

    رفع اليدين إلى حذو المنكبين أو حيال الأذنين

    ثانياً: عليك أن ترفع يديك إلى حذو المنكبين أو حيال الأذنين وقد وردت كلا الصفتين، وأن تكون متوجهاً بباطن الكفين إلى القبلة، ممدودة الأصابع مضمومة، وبعد هذا الوضع وأنت مستسلم وقد رفعت يديك لربك مستسلماً خاضعاً لله منقاداً له، بعد هذا تستشعر المعنى وأنت تكبر تكبيرة الإحرام وقد استسلمت قلباً وقالباً..جسداً وروحاً لله تبارك وتعالى.

    ثم بعد ذلك وأنت على هذه الحالة تكبر تكبيرة الإحرام: الله أكبر! معلناً بهذه التكبيرة أن الله أكبر من كل شيء، فلا ينبغي أن تتشاغل عن الكبير المتعال بأي شيء، أنت قلت: الله أكبر! أي أكبر من الدنيا، فالدنيا قد تركتها خلف ظهرك، وأقبلت بقلبك على الله، فالله أكبر من الزوجة والوظيفة والأولاد والدنيا وما عليها، وأنت عندما تعلن الله أكبر يجب أن تكون صادقاً؛ لأن من لا يكون صادقاً مع هذه الكلمة يقول: الله أكبر بلسانه لكنه ينقضها بفعله فهو يفكر في المزرعة والعمارة، ثم تدعو بدعاء الاستفتاح، وهذا الاستفتاح يسميه العلماء الاستئذان، كأنك تطرق الباب على الله، تستفتح للدخول على مولاك فتقول وأنت تثني على مولاك: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) وأنت في هذا الموقف ذليل خاضع واضع يدك اليمنى على اليسرى على صدرك بكل سكينة وخضوع وخشوع لمن أوقفك في هذا المكان، مطرق الرأس لا تنظر إلى فوقك بل تجعل نظرك بين قدميك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى طأطأ رأسه ورمى ببصره نحو الأرض، وهذا ذكره الألباني في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو صحيح.

    ذكر دعاء الاستفتاح

    ثالثاً: بعد أن تقف هذا الموقف إن أردت أن تزيد دعاء ورد في الصحيحين وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) هذا الدعاء ثبت في الصحيحين أن النبي كان يقوله قبل الشروع في قراءة الفاتحة، يعني: يستفتح به.

    يقول الإمام النووي في كتابه الأذكار وهو كتاب مهم يقول: من أراد أن يجمع بين الأذكار كلها فحسن، ومن أراد أن يكتفي بواحد فحسن، ومن أراد أن يأتي وببعضها مرة وبعضها مرة أخرى فهو حسن، وكلها واردة وصحيحة.

    ثم تخيل وأنت تقول هذا الكلام وأنت تردد هذا الدعاء وواقف بين يدي الله تخيل أنه قد جمعت خطاياك كلها منذ كلفت إلى أن تموت فكم خطايانا يا إخواني لو أخطأ كل يوم واحدة كيف وهو يخطئ آلاف الخطايا؟! من الذي لا يخطئ بعينه، وبلسانه، وبيده، الخطايا ترد علينا كالجبال الراسيات، وإذا جمعت كل هذه الخطايا منذ خلقك الله إلى أن تموت ثم بلغت مثل البحر ومثل زبد البحر فإذا باليد، والقدم، واللسان والعين، والأذن، والبطن، والفرج شهود عليك، وأنت واقف بين يدي الله، وهذه الخطايا تسوقك إلى النار لا محالة، فإذا برب العزة والجلال يباعد بينك وبين هذه الخطايا كما باعد بين المشرق والمغرب بسبب ماذا؟ بسبب دعوتك لله، كنت كلما وقفت بين يدي الله تقول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب) وهذا أقصى حد، فهل يوجد أبعد مما بين المشرق والمغرب؟ فقد طلبت أن يكون بينك وبين الخطايا أبعد مسافة، كما قال الله أن الواحد يقول: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:38].

    ثم تتذكر وأنت تقول: (اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) وذلك خشية ألا يكفيك بعد الذنب، قد يكون الذنب بعيداً لكن بقي له علاقات فتقول: اغسلني يا رب ونقني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس فأكون خالياً منها.

    الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم

    رابعاً: بعد ذلك استعذ بالله من الشيطان الرجيم. دخلت الآن في المعركة مع الشيطان، ولا بد في بداية المعركة من ضربة بأقوى قوة عندك وهي الاستعاذة؛ لأن الله يقول : وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200] فأول شيء تبدأ به في الصلاة بعد دعاء الاستفتاح أن تقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، ثم تسمي وتقول: بسم الله الرحمن الرحيم، والبسملة إذا كانت الصلاة جهرية فتبسمل في سرك؛ لأن هذا الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسر وجهر كله ثابت، ولكن كان إسراره أكثر من جهره كما حقق ذلك ابن القيم في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد.

    التفكر والتدبر في آيات الله المقروءة في الصلاة

    خامساً: اشرع في قراءة الفاتحة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم : (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) فدل هذا الحديث على أن الصلاة هي الفاتحة؛ لأنه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) إذا دخلت في الصلاة تقرأ الفاتحة أولاً قراءة خاشعة ولا تقرأها بسرعة فالسنة أن تقرأها آية آية: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3] عندها تستشعر أنك تخاطب الله؛ لأن الله يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذ قال العبد: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3]، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] قال الله: مجدني عبدي، فإذا قال العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] قال الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل) منك العبادة ومن الله الإعانة، بقي الذي لك أنت، هي سبع آيات: ثلاث لك، وثلاث لله، وواحدة بينك وبين الله، الثلاث الأولى للرب: حمد وثناء ومجد، والثانية: بينك وبين الله منك العبادة ومن الله الإعانة، والثلاث الأخيرة لك: (قال الله: إذا قال العبد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7] قال الله: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل) نسأل الله وإياكم من فضله.

    واحرص على التأمين بعدها، وعند ذلك تفكر وأنت تقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] أي: تحمد الله بكل محامده؛ لأن الألف واللام للاستغراق، أي: استغراق لجميع المحامد، والعالمين: كل ما سوى الله فهو عالم، فأنت تقول: أي: رب! أصرف إليك جميع المحامد والثناء لك وحدك لا شريك لك؛ ولأنك أنعمت عليَّ بنعمة ليس بعدها نعمة أن أوقفتني بين يديك وجعلتني عبداً من عبادك، ما جعلتني عبداً للشيطان ولا للشهوات ولا للهوى ولا للدنيا.

    وبعد ذلك تقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] وتتأمل في هذه الكلمة أنك تقرب من الله ما دام الرحمن الرحيم؛ رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ورحيمهما كأنك تقول: يا رحمن يا رحيم ارحمني في الدنيا والآخرة.

    ثم تقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] وهذا اعتراف منك بأن الله هو المتصرف بيوم القيامة.

    وكأنك تستجدي ربك وتقول: يا رب ما دمتَ المالك لهذا اليوم أرجوك أن ترحمني في ذلك اليوم.

    وبعد ذلك تقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] وقدم المفعول هنا للاختصاص، ما قال: نعبدك، قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5] أي: لا نعبد إلا إياك وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] أي: لا نستعين إلا بك.

    ثم تقول: اهْدِنَا [الفاتحة:6] أي: دلنا وأرشدنا وأقمنا على الصراط المستقيم.

    ثم تتفكر بعينك وقلبك: أين الصراط المستقيم؟

    تقول: هذا الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الكتاب الكريم صراط، وهذا الرسول العظيم صراط، الصراط أي: المضروب على متن جهنم، القرآن صراط، الإسلام صراط، (اهدنا) دلنا وأرشدنا، وأقمنا على هذا الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف.

    وبعد ذلك وكأنك تقول: يا رب هناك فئتان منحرفتان وأنا أريد صراط الذي أنعمت عليهم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] اليهود وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] هم النصارى، ثم تقول بعدها: آمين.

    واحرص على قول: آمين؛ فإنك إذا أمنت فإن معناها: اللهم استجب، وإذا كنت في جماعة وأمنت عند تأمين الإمام ثم وافق تأمينك تأمين الملائكة غفر لك ما تقدم من ذنبك، وهذا الحديث في صحيح البخاري ومسلم ، يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا أمن أحدكم فوافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) الله أكبر! رواه البخاري ومسلم .

    بعد ذلك عليك أن تفهم ما تقرأه من السور التي تقرأ، فتقرأ بعدها مثلاً: أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ [التكاثر:1] تفكر في معانيها، وأن الله عز وجل يعيب على النفس ويعاقبها: أن ألهاهم التكاثر والتشاغل في الدنيا، حتى وصلوا المقابر، كل واحد مشغول؛ إلى متى وأنت مشغول؟ ومن هو الذي مات وقد أكمل أعماله؟ لا أحد.

    أحد الإخوة زاره أخ له، فقال له: تفضل، قال: إني مشغول، قال: فأخذه إلى مقبرة، وقال له: ما رأيك في هؤلاء؟ قال: هؤلاء موتى، قال: والله ما منهم من أحد مات وقد أكمل عمله، لكن جاء من يأخذهم من العمل، فأنت يجب أن تستغل حياتك في طاعة الله سبحانه وتعالى، وبعد ذلك تتأمل الكلام الذي تقرؤه؛ لأن الله ما أنزله إلا للتأمل والتفكر: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] ويقول تبارك وتعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].

    الركوع والسجود باستسلام وخضوع لله

    سادساً: إذا انتهيت فاركع، وفي الركوع ارفع يديك حذو منكبيك، ثم كبر مستسلماً منقاداً له حيث أمرك بالركوع، واحن ظهرك له، وتفكر كيف أنك لا يمكن أن تعمل هذا العمل إلا لله، وهذا الركوع عبادة، والذي يصنعها لغير الله وقع في الشرك، كما يفعل بعض الناس في التحية عند بعض الأمم الكافرة أسلوب التحية عندهم الانحناء، وهذا لا يجوز، فالركوع لله وحده؛ لأن هذا الإنسان عزيز، فكل الحيوانات ظهورها إلى أسفل إلا الإنسان فظهره إلى أعلى، لا يحنيه إلا لله، فتحني ظهرك في الركوع مستسلماً لعظمة الله تبارك وتعالى.

    ثم أيضاً تفكر وأنت تقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، فأنا ما حنيت ظهري ولا ركعت إلا لله؛ لأنه عظيم، لا أركع لأحد في الأرض، لا أركع لملك ولا لسلطان ولا لزوجة ولا لأي قوة على وجه الأرض؛ لأن العظيم الوحيد هو الله الذي لا إله إلا هو، وأنا أعبر عن هذا وأعلن هذا وأقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً أو خمساً أو عشراً أو سبعاً ما استطعت وأقل شيء ثلاث، ثم إن أردت أن تزيد فقد ورد دعاء آخر في الصحيحين وهو أن تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).

    ثم ترفع ظهرك من الركوع وتفكر وأنت ترفع ظهرك من الركوع وتستشعر أنك مقصر فتقول: سمع الله لمن حمده، ويطمئن قلبك بأن عز وجل يسمع حمدك وثناءك فلا تبخل، أن تقول: ربنا ولك الحمد، الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والجماعة كلهم يقولون: (ربنا لك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت).

    ثم تسجد: فإذا سجدت عبرت بالسجود بعد الركوع على مقتضى ومنتهى العبودية والخضوع لله سبحانه وتعالى؛ لأنك تمكن محاسن الوجه وأعز شيء محترم فيك أنفك وجبهتك .. كل مكان فيك ترضى أن تضرب فيه إلا في أنفك؛ لأنه عزيز ولهذا عندما قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16] يعني: أقتله، والخرطوم: هو الأنف، فإذا سجدت لله عز وجل على هذا الأنف الذي هو أعز وأكرم منطقة فيك وجلست ومرغته على الطين احتراماً لله رب العالمين ذلاً وخضوعاً فأنت تعلم نعمة الله عليك بهذه النعمة، ثم تقول: سبحان ربي الأعلى، فجبيني هنا في الأرض والله هو الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، ثم تقول أيضاً إن شئت وهو في الصحيحين : (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي).

    ثم تجتهد في الدعاء بما استطعت من خيري الدنيا والآخرة؛ لأنه جاء في الحديث والحديث في مسلم : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء فيه فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم) لأنك دعوت إلى الله وأنت ساجد وهذا موطن تقديم العريضة على الله، فإذا دعوت الله وأنت ساجد فإنه أقرب موقف يمكن أن تقرب من الله فيه، وإنه لقمن إن شاء الله وجدير أن يستجاب لك، ثم تفعل ذلك في جميع صلاتك كلها، فتواصل كل هذا الكلام في كل ركعة من صلواتك.

    وبعد ذلك إذا أتيت في التشهد الأخير تتشهد وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله بعد أن تقدم التحيات.

    انظروا إلى آداب الصلاة يا إخواني! استئذان، وبعد ذلك فاتحة فيها ثلاث لله وواحدة بينك وبين الله وثلاث لك، وبعد ذلك ركوع فيه تعظيم، وبعد ذلك تسبيح في السجود، ثم جلوس بين السجدتين واستغفار عما يكون من الخطأ، وقبل أن تنتهي لا بد أن تحيي ربك وتسلم على الله فتقول: التحيات أي: بجميع أنواعها لله، التحيات لله سبحانه وتعالى وهو المستحق لها وحده، التحيات والصلوات والطيبات لله من أقوال وأفعال وخطرات وأفكار وظاهر وباطن.

    ثم تسلم على الرسول، فتقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي! بصيغة الخطاب المباشر كأنه أمامك، يقول ابن مسعود كما في الصحيحين (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا التحيات كما يعلمنا السورة من القرآن) وسألوه مرة فقالوا: (يا رسول الله! قد عرفنا كيف نحييك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد) فتحيي الله ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عباد الله الصالحين من جن وإنس على سطح الأرض.

    ثم تقول: (أشهد -بعد التحيات تؤكد وتعلن- أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله) ثم تصلي على الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كان في التشهد الأخير، فتقول: اللهم صلِّ على محمد، وبعض العلماء يرى أنك تصلي على الرسول حتى في التشهد الأول ولكن لا تطيل تقول: اللهم صلِّ على محمد، ولا تأت بالصلاة كاملة؛ لأنها قد تطول عليك وبالتالي تعارض الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في التشهد الأول كأنه على الرضف يعني: على الحجارة المحماة، فتصلي استجابة لأمر الله؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    وصلاتك على النبي دعاء له واعتراف بفضله حيث كان سبب هدايتك، ولولا الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله لهذه الأمة ما اهتدينا وما عرفنا كيف نعبد الله تبارك وتعالى، فصلوات الله وسلامه عليه.

    وبعد الصلوات تستعيذ بالله من أربعة أشياء عظيمة: تستعيذ بالله عز وجل من عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ثم تسأل الله من خيري الدنيا والآخرة تقول: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201] وإذا بقي معك وقت فاسأل الله المغفرة لك ولوالديك، ولما تريد في الدنيا وفي الآخرة.

    وبعد هذا تسلم ولا تجعل الدعاء خارج الصلاة، فإن الصلاة دعاء والدعاء داخلها وبعدها ذكر وثناء على الله تبارك وتعالى، والذي يجعل الدعاء بعد السلام هو خلاف السنة، يقول ابن القيم رحمه الله: وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة تكون في داخلها لا خارجها.

    وهذا هو اللائق في حال المصلي؛ فإنه مقبل على الله عز وجل يناجيه ما دام بين يديه، فإذا سلم انقطعت تلك المناجاة وزال ذلك الموقف العظيم فكيف يترك سؤاله في حال كونه بين يديه ثم يسأله بعد أن ينصرف من بين يديه؟!! عندما تقف بين يدي مسئول تقدم العريضة، لكن إذا ودعته وانصرفت فهل تقدم العريضة وأنت في الخلاء؟ وتخيل وأنت تسلم أنك تسلم على كل مسلم من جهتك اليمنى، وأن كل من يسمعك يرد عليك؛ لأنك تقول: السلام عليكم ورحمة الله، من الذي تسلم عليه؟ لا يوجد أحد تسلم عليه، عليكم بصيغة الخطاب أي: على كل مسلم من الجن والإنس، وأنهم كلهم يردون عليك يقولون: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم تلتفت إلى الشمال وتقول: السلام عليكم ورحمة الله، وكلهم أيضاً يردون عليك مثلما رددت عليهم.

    تخيل هذا ثم قل بعده: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل والثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

    1.   

    الأذكار المسنونة عقب الصلاة

    يسن لك أن تقرأ آية الكرسي لحديث صححه ابن حبان وقال فيه شعيب الأرنؤوط : إنه صحيح، وهو عند ابن ماجة وفي سنده عند بعض الأئمة ضعف وقد صححه بعض العلماء، والحديث يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) ثواب عظيم جداً، فاجعل آية الكرسي من لوازم صلاتك بعد الفراغ منها.

    وهناك حديث في صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (من قال عقب كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفر الله له ذنوبه ولو كانت كزبد البحر) فثوابه عظيم جداً، ولكن لا يحافظ عليها إلا موفق، فإن الإنسان يأتيه الشيطان بعد الصلوات فيذكره بأعماله وأشغاله حتى يخرجه قبل أن يقول هذا الكلام، أو يجعله يقولها بطريقة غير لائقة ويسرع فيها، إنما المطلوب أن تقولها وأنت متأننٍ ومحسن التلاوة لها والذكر بها مفصلاً لها عارفاً لمعانيها: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وهذه لا تستغرق دقيقتين.

    أحد الإخوة وجد أنها تستغرق دقيقة وأربعين ثانية لكن قلنا: نترك عشرين ثانية، فتكون دقيقتين تقول فيها هذا الكلام عقب كل صلاة يعني: في خمس صلوات عشر دقائق يغفر الله لك ذنوبك ولو كانت كزبد البحر.

    وبهذا أيها الإخوة! تكونوا إن شاء الله إذا صليتم هذه الصلاة قد صليتم صلاة خاشعة صحيحة كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استجبتم لأمره، فقد ذكر البخاري حديثاً عن مالك بن الحويرث يقول عليه الصلاة والسلام (صلوا كما رأيتموني أصلي).

    1.   

    نماذج من خشوع السلف في الصلاة

    ومن المناسب أن نذكر بعض قصص السلف الذين كانوا يخشعون في صلاتهم:

    رهبة علي بن الحسين من ربه قبل الصلاة

    فهذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ابن بنت النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم أجمعين كان إذا فرغ من وضوئه وصار إلى الصلاة أخذته رعدة وانتفض نفضة واصفر لونه يعني: صار في وجهه مثل الغبرة وتغير شكله، فقيل له في ذلك، فقال: [ويحكم أتدرون من سأقف بين يديه بعد قليل] يقول: من سأقابل، فهؤلاء الذين يعرفون الله، فأنت إذا قابلت مسئولاً تستعد له بكل آداب الاستعداد، وتحاول أن تظهر أمامه بالمظهر اللائق، وتخشى أن تحصل منك سقطة واحدة فيحصل منه غضب عليك، فإنه وأنت تقف حسناًبين يدي الله عز وجل يجب أن تكون أعظم أدباً؛ لأنك بين يدي ملك الملوك وجبار السماوات والأرض.

    شدة خوف ابن المنكدر من عاقبة أمره

    يُذكر عن محمد بن المنكدر : بينما هو قائمٌ يصلي ذات ليلة فبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله، وقامت زوجته وأولاده من كثرة بكائه، وسألوه: ما الذي أبكاك؟ فاستعجم لسانه وزاد في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم جاره؛ فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم فإذا به يبكي، قال: يا أخي! ما الذي أبكاك قد روعت أهلك، أَبِكَ علة؟ أتشكو من شيء؟ قال: لا. إنه مرت بي آية في كتاب الله وأنا أصلي وهي قوله عز وجل: وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] يقول: مرت بي هذه الآية، يقول: فبكى أبو حازم أيضاً واشتد بكاؤهما، فقال بعض أهله لـأبي حازم: جئنا بك لتفرج عنا فزدتنا فأخبرهم ما الذي أبكاهما، قال: الذي أبكاه وأبكاني قول الله عز وجل: وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    شدة تأثر عمر بآيات القرآن

    تذكر كتب السير عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ ليلة من الليالي في سورة الطور: وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [الطور:1-8] فما زال يكررها حتى أصبح ثم مرض وزاروه أياماً، وذلك من تأثير هذه الآية.

    تقديم عطاء لمناجاة الله على مناجاة الملوك

    كان عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه؛ وهو تابعي وإمام من أئمة العلم دلته أمه على العلم وكان ذميم الخِلقة، قصير القامة، أسود البشرة، بحث عن عمل فلم يجد، وكلما عمل في عمل لم يوفق فيه، رجع إلى أمه، قال: يا أماه! ما أراني إلا قد شقيت ما لقيت عملاً دليني على مهنة، قالت: ألا أدلك على عمل إن عملته هابتك الملوك وانقاد لك به الصعلوك؟ قال عمل تهابني به الملوك، قالت: نعم. قال: ما هو؟ قالت: عليك بالعلم، فأخذ محبرته وصحيفته وذهب إلى مكة وطلب العلم، فحفظ القرآن الكريم ثم حفظ السنة المطهرة، ثم فتح الله عليه حتى أصبح لا يقال في الأرض قولاً إلا بعد قول عطاء، إذا نوزع في مسألة، قالوا: ماذا قال عطاء عالم مكة رضي الله عنه وأرضاه.

    وقد حج أحد الخلفاء إلى مكة ولما ذكر في مجلسه مسألة قال لهم: ماذا قال فيها عطاء، قالوا: لا ندري! قال: أرسلوا له، فأرسلوا لـعطاء فرد عليه وكتب له ورقة، قائلاً: ليس لنا حاجة فيما عندك فنأتيك، وإن كان لك حاجة فيما عندنا فتعال عندنا، قال: أنصف والله عطاء، فأخذ نفسه وذهب إليه، ولما طرق الباب عليه كان يصلي فأطال في الصلاة، نزل الولد ورأى الخليفة عند الباب فرجع إلى أبيه وأخبره، فلم يقطع صلاته، وبعد أن أكملها أذن له ودخل الخليفة غاضباً وقال: ما هذا الجفاء يا عطاء! قال: أي جفاء تعني؟ قال: دعوناك فلم تأتنا، واستأذناك فلم تأذن لنا، قال: أما دعوتك لي فقد أخبرتك، وأما استئذانك فإنك استأذنت وأنا بين يدي ملك الملوك فكرهت أن أقطع مناجاته لمناجاتك، قال: ما تقول في المسألة، فأعطاه الجواب، ولما خرج ترك له صرة بها عشرة آلاف دينار، فأرسل بها ولده وقال: ردها له، ندله على النجاة ويدلنا على الهلاك، ما لنا بها حاجة. هذا عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه وأرضاه.

    كان بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة ويقرأ مائتي آية من سورة البقرة، وهو ضعيف وكبير في السن ويقرأ مائتي آية من سورة البقرة وهو قائم لا يزول ولا يحول ولا يتحرك حركة واحدة.

    صور لعباد يخشون ربهم من فوقهم

    وعن ميمون بن مهران قال: نظر رجل من المهاجرين إلى رجل يصلي وكان يسرع فيها فعاتبه، قال: إني ذكرت ضيعة لي، يعني: مزرعتي ذكرتها، قال: ضيعته الضيعة من صلاته؛ لأنه استعجل فيها.

    وكان أبو وائل إذا صلى في بيته يسمع له نشيج، وكان يقول وهو ساجد: اللهم اغفر لي، رب اعف عني، إن تعفو عني ففضلاً من فضلك، وإن تعذبني غير ظالم لي ولا مسبوق، ثم يبكي حتى يسمع نحيبه وراء المسجد.

    وكان إبراهيم التيمي إذا سجد تأتي العصافير وتستقر على ظهره كأنه حائط.

    وكان أحد السلف في مسجد من البصرة انهدم المسجد واحترق وهو في طرف المسجد فلم يشعر، وجاءوا وأطفأوا النار، ولما أكمل صلاته قال: ماذا هناك؟ فقد كان قلبه بين يدي الله.

    وهذا عروة بن الزبير أصابته الآكلة التي يسمونها في الطب (الغرغرينا)، فأوصاه الأطباء بقطع رجله، فقطعوا رجله بدون تخدير، قالوا: نخدرك، قال: لا. والله لا أشرب مسكراً، تريدونني أغفل عن ذكر الله، ولكن إذا دخلت في الصلاة فاقطعوا رجلي، ولما دخل في الصلاة جاءوا إلى رجله وقطعوا اللحم ثم نشروا العظم ثم أحضروا الدهن المحمي، ثم وضعوا رجله فيه حتى يكف الدم وبعد ذلك سلم.

    وبعد ذلك دخل على عبد الملك بن مروان أو أحد السلف، فلما دخل عليه وإذا بذلك الرجل العبسي فيأتي من بلاده وقد عميت عيناه وليس معه شيء، قال: ما شأنك؟ قال: أمسيت وما في عبس أعظم غنىً مني، كان لي وادٍ مملوء بالغنم والإبل والأولاد والأهل، فجاء سيل على غير مطر لا أدري من أين جاء، يقول: فحمل جميع مالي وأهلي وما أبقى لي إلا طفلاً رضيعاً في شجرة معلق وبعير. يقول: فأخذت الطفل وتركت البعير أريد أقطعه، يقول: فنفخني برجله فأذهب عيناي، يقول: فعدت إلى الطفل أن آخذه؛ لأنه قد أخذه من الشجرة ووضعه في الأرض، يقول: فوجدت الذئب قد لقطه، فأصبحت بغير ولد ولا عين ولا امرأة ولا مال، وما أصبح في الأرض أشقى مني، فدعا بـعروة ، وقال: تعال يا عروة ! لتعلم أن في الأرض من هو أعظم مصيبة منك.

    كذلك كان سعيد بن جبير يردد إذا قرأ قول الله عز وجل: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]، وكان إذا أتى على قول الله عز وجل: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:70-72]، قال: كان يرددها مرتين أو ثلاثاً ثم يبكي.

    هذه بعض قصص السلف ونحن نذكرها ونشكو أمرنا إلى الله، ولكن يا إخواني! هذه وصية والله ما اخترتها إلا لحاجتي إليها فأنا من أشد عباد الله غفلة في الصلاة، وأسأل الله أن يتوب عليَّ وأن يأخذ بي إلى ساحل النجاة، قلت: أعظ نفسي أولاً ثم أعظكم، وأرجو أن ينفعني الله بها وينفعكم بها في صلواتنا والحمد لله، فقد عزمنا على أن نكون عباداً الله، ولكن ما دمنا نصلي فلماذا لا نجاهد أنفسنا حتى نكون في جهاد وصلاة، أو نكون مقربين، أو مثابين.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعيننا وإياكم على شكره وذكره وحسن عبادته إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.