أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ليلة الخميس من يوم الأربعاء ندرس كتاب منهاج المسلم، الكتاب الحاوي للعقيدة الإسلامية، والآداب والأخلاق الإسلامية، والعبادات الشرعية، والأحكام القرآنية، وقد انتهى بنا الدرس إلى أحكام الجنائز المادة الأولى: ما ينبغي من لدن المرض إلى الوفاة، وقد وصلنا فيها إلى الفقرة الثامنة: وجوب عيادة المريض، فألفت النظر إلى ما سبق من أحكام الجنائز فيما ينبغي من لدن المرض إلى الوفاة.
أولاً: وجوب الصبر.
ثانياً: استحباب التداوي.
ثالثاً: جواز الاسترقاء.
رابعاً: تحريم التمائم والعزائم.
خامساً: ذكرنا بعض ما كان يستشفي به صلى الله عليه وسلم.
سادساً: جواز استطباب الكافر والمرأة.
سابعاً: جواز اتخاذ المحاجر الصحية. هذا كله قد درسناه في الدرس الماضي.
فإحسان الظن هو أن تحسن الظن بأن الله سيغفر لك ويرحمك ولا يؤاخذك ولا يعذبك إذا فاضت روحك.
ويجب أن يكون في المستشفيات العامة ملقنون مهمتهم أنهم يجلسون إلى جنب المريض المشرف على الوفاة، ويلقنونه (لا إله إلا الله)، فإذا قالها المريض سكتوا، فإذا مضت دقائق أو ساعة ثم قال: أعطوني ماء أو كذا وكذا، يلقنونه مرة أخرى حتى يموت عليها، فبلغوا المسئولين في العالم الإسلامي!
[ وقوله: ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) ] وإن زنى وإن سرق، وإن عذب وجوزي بذنوبه -والله- ليدخلن الجنة، فإنه في النهاية سيعيش في دار السلام.
وفي كتب الفقه: إذا مات الرجل ودفن ثم انصرف الناس يجلس إلى جوار قبره رجل ويقول: يا فلان بن فلان! اذكر العهد الذي كنت عليه في دار الدنيا.. كذا وكذا وكذا، فهذا التلقين لا ينفعه، إلا لو قاله عند احتضاره لا بعد ما يموت، أما قراءة القرآن عند الاحتضار فهو من باب التبرك والتوسل إلى الله بها.
إذاً: النعي نوعان: نوع مستحب ينبغي أن تخبر الأقرباء والصالحين أن فلاناً توفي حتى يحضروا الجنازة. ونعي محرم بالصوت والإعلان في المساجد وفي الطرقات.
قال: [ أما البكاء فلا بأس به؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لما توفي ولده إبراهيم : ( إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا
وبكى صلى الله عليه وسلم لموت أمامة بنت ابنته زينب ، فقيل له: يا رسول الله! أتبكي؟ أولم تنه عن البكاء؟ فقال: ( إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) ] وهنالك فرق بين البكاء والصياح.
الجواب: سؤال علمي، يقول السائل: إذا علم المريض أن مرضه لا دواء له.. سرطان عافانا الله وإياكم منه، فتاب، هل تقبل توبته؟ الجواب: تقبل.
لو أن شخصاً حكم عليه بالإعدام -لأن المرض قد يشفيه الله عز وجل أو يتأخر عام آخر أو عامين- فإذا حكم عليه بالإعدام قصاصاً وأخذوه بيديه بالسلسلة، ووضعوه أمام المسجد ليقيموا الحد عليه، لو تاب في ذلك الحال تقبل توبته، إذا كان صدق وندم وبكى وتألم، فقال: واحسرتاه على ما فعلت من الذنوب والآثام، تقبل توبته: ( تقبل توبة أحدكم ما لم يغرغر ) ومعنى غرغر: أصبح لا يعرف عنه النطق غير قوله (غاغاغاغا) فعندها لا تقبل التوبة.
الجواب: عرفنا أنه ينبغي لنا أن نلقن المريض الشهادة، يقول السائل: فهل يثاب على هذا التلقين أم لا يثاب؟
إذا كان موظفاً يأخذ راتبه.. أربعة آلاف في الشهر -مثلاً- فإنه يثاب على هذه الكلمة ويدخل الجنة بها، فإنه لا أعظم ممن يلقن لا إله إلا الله! أي أجر أعظم من هذا الأجر.
أما إن فرضنا أن يهودياً أو نصرانياً أو علمانياً بلشفياً موظفاً في مستشفى الحكومة مهمته تلقين الموتى، فيلقن وهو لا يؤمن بلا إله إلا الله، ولا يقولها، فهذا إلى جهنم ولو قالها مليون مرة؛ لأنه كافر بها، يقولها بلسانه وهو كافر بقلبه.
الجواب: بالنسبة لعيادة المريض فإنها تكون ما لو مرض وتجاوز ثلاثة أيام، فاليوم الأول والثاني والثالث يعفى عنها، إذا تجاوزت ثلاثة أيام يسن زيارته، أو تجب زيارته، وإذا كان بعيداً، أو كان الزائر مريضاً، أو كان كذا وكذا، فعلى كل حال الله أعلم بنا من أنفسنا، فمن استطاع أن يعود المريض فليعده، ومن عجز أمره إلى الله.
الجواب: يقول السائل الكريم: إذا كثر المرض على المؤمن، فهل هذا المرض سببه ذنوبه وآثامه؟ أراد الله أن يطهره منها بهذه الأمراض، أو أراد الله أن يرفع درجته، ويلحقه في الصالحين؛ لأن الله عز وجل إذا أحب عبداً ابتلاه، فهذا الابتلاء أحياناً يكون بالذنوب لتكفيرها ومحوها، وهذا في صالح المريض، فهو من فضل الله عز وجل إذا صبر المريض -بهذا الشرط- وهو مؤمن موقن، وأحياناً يكون المرض ليس بسبب ذنب أبداً، ولكن يريد الله أن يلحقه بمواكب الصالحين، فيمرضه ليعلو منصبه ودرجته: ( إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ) أي: الأفضل فالأفضل، والأبرز فالأبرز.
الابتلاء يكون لأمرين: إما لتكفير ذنوبك إن كانت لك ذنوب عظيمة، وإن لم تكن لك ذنوب من أجل أن يعلي الله درجتك، ويرفع منزلتك.
الجواب: ما عندنا دليل على أنه إذا مات أحدنا نقرأ القرآن عليه، إلا أننا نريد أن نتوسل إلى الله ليغفر له ويرحمه، ويرفع درجته، فنقرأ القرآن في بيتنا أو في مسجدنا أفراداً لا جماعات، ونسأل الله عز وجل أن يغفر لميتنا ويرحمه توسلاً بتلاوة كتاب الله، فإنها من أشرف العبادات.
أما الاجتماع في البيت لأجل الطعام والشراب، ويتلى القرآن بصوت يسمع، فهذه بدعة ما فعلها السلف الصالح ولا عرفوها.
إذا كنت تريد أن تتوسل إلى الله ليغفر لوالدك فخذ المصحف واقرأ سورة أو سورتين، وادع الله له بالمغفرة والرحمة، فهذا التوسل مشروع.
أما أن نجتمع في المنزل، ويؤتى بالشموع والأنوار والطعام والشراب، وترفع الأصوات بقراءة القرآن، فهذا بدعة.
أما قراءة القرآن على المحتضر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اقرءوا على موتاكم يس ) إذا طال الاحتضار، وتألم المريض، وما خرجت روحه، ندعو الله أن يخفف عليه ذلك متوسلين إليه بقراءة أعظم سورة في كتاب الله، وهي سورة يس، هذا هو المطلوب.
الجواب: يقول: إذا كان المريض ليس أهلاً للزيارة، إما لفجوره أو لظلمه أو لعدوانه أو لكذا، فحينئذٍ لا تجب عليك زيارته، لكن إذا كنت تريد أن تتقرب إلى الله، وتنسى الأتعاب والآلام، وتعفو عنه، وزرته، فهو أفضل.
الجواب: البهلول عند العامة في شمال إفريقيا، وإن كنا قد عشنا هناك، هو الذي لا يميز بين الحق والباطل، ولا الخير ولا الشر، وهي كما يقولون: درويش.
وأما العربية الفصحى فالبهلول هو صاحب الخير الذي لا يفارقه، بهاليل الرجال خيارهم، اللهم اجعلنا من البهاليل، فلهذا أقول: قال بهلول، ليفرح السائل بذلك.
الجواب: ورد أن الميت يستأنس بالقائمين أو الجالسين عند قبره عندما يسألانه الملكان منكر ونكير، ورد هذا عن عمرو بن العاص أنه قال: قفوا بعض الوقت على قبري، فلو وقفنا أو جلسنا دقائق ندعو الله له بالمغفرة والرحمة لا حرج، ولا شيء في ذلك.
الجواب: يقول السائل، وهو فلسفي: كيف نفرق بين المريض الذي يتألم من مرضه ونعرف احتضاره حتى نلقنه، وبين مريض لا يتألم؟ كيف لا يتألم؟!
إذا شاهدنا المريض قد قال فيه الأطباء في المستشفى: فلان أمره إلى الله، فما بقي له أمل في الحياة إلا أن يشاء الله عرفنا أنه محتضر، في هذه الحالة نلقنه (لا إله إلا الله)، وإذا ما قال فيه الطبيب أنه على شفا الموت، أو قال فيه كذا كما هو المعتاد، فإنكم تزورون العشرات من المرضى في المستشفيات، فهل تلقنونهم لا إله إلا الله؟!
فلا يلقن إلا من كان قد حضره ملك الموت، وهذا يعرفه الطبيب، وتعرفه أنت، وهو ما إذا أصبح لا يقوى على الكلام، والجلوس، أو غيرهما.
الجواب: أجبنا عن هذا السؤال أيها البهاليل! لا تقال كلمة (وحدوه) إلا في المملكة فقط، أما في خارج المملكة من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق فلا يقولون إلا (لا إله إلا الله لا إله، محمد رسول الله) بأعلى أصواتهم، وهم حاملين الجنازة، وكانت هذه الديار هابطة كغيرها، فالخرافات والبدع تملؤها، فلما جاء عبد العزيز تغمده الله برحمته، وفتح الله على يديه، أقام دولة الإسلام والقرآن فانتهت البدع والخرافات نهائياً.
فبقي الذين في قلوبهم ألم يقولون: كيف تركنا (لا إله إلا الله) مع الميت؟ فيقولون: (وحدوه) يعني: قولوا بأعلى أصواتكم: لا إله إلا الله كما كنا نقول، لم نبق هكذا خاملين جامدين؟ فلا يجيبهم أحد، ومرت الأيام والأعوام حتى أصبح الناس لا يذكرون هذا أو يعرفونه كما كنا نعرفه من قبل؛ لأنهم عرفوا أن هذا بدعة.
الجواب: لو أن شخصاً كلمني بالهاتف ثم قال لي: سلم لي على فلان، وهو جالس إلى جنبي، فإنني سأقول له: ما دام أنه يسمعك فسلم عليه.
فما دمت تسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت في أي مكان في العالم فإنه يبلغه سلامك، فلم تقول: بلغ سلامي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!! فمعنى ذلك أنك سويت الرسول صلى الله عليه وسلم بالأمة، وجعلته كعامة الناس، حينما يقول أحدهم للآخر: بلغ فلاناً سلامي، فهذا خطأ ناتج عن جهل، فحيثما كنت فقلت: اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله فإنه سيبلغه سلامك وصلاتك، فلا تقل: يا فلان سلم لي على الرسول، فالرسول أفضل الخلق على الإطلاق، لا يدخل الجنة أحد قبله، والرسول صلى الله عليه وسلم هو النبي الوحيد الذي إذا سلمت عليه عادت روحه إليه، ورد عليك السلام وهو في قبره، فعبارة (سلم لي على الرسول) عبارة عامية.
الجواب: الزيارة السليمة الصحيحة أنك تقف أمام القبر الشريف، وتقول: السلام عليك رسول الله ورحمة الله وبركاته، أو تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك وعلى آلك وأزواجك وذريتك أجمعين، ثم تمشي خطوة وتقول: السلام عليك أبا بكر الصديق ، صفي رسول الله، وثالثه في الغار، أو: السلام عليك أبا بكر الصديق ، ثم تمشي خطوة أخرى وتقول: السلام عليك عمر الفاروق ورحمة الله وبركاته، تسلم عليهم وكأنهم بين يديك، وهم جالسون، ثم تنصرف.
الجواب: هذه عملية نصرانية جاءت من الأقباط النصارى في مصر، وأسميها الزبلة بدل الدبلة، أما في الإسلام فلا يدنو الرجل من المرأة ويخلو بها إلا بعدما يعقد عليها، أما أن يلبسها الدبلة أمام الناس فهذا كله مأخوذ من النصارى، نبرأ إلى الله من هذا الفعل، ونعوذ بالله منه.
الجواب: لما كتب الله غناك في كتاب المقادير قبل خلق الكون كله جعل سببه أنك تدعوه يوم كذا أو ليلة كذا وتلح عليه بالدعاء، كما جعل للموت سبباً كالمرض أو القتل أو غيرهما، فلهذا ادع الله، واسأله حاجتك، ولا تقل: ما قدره الله لن يكون بدعائي، فادع الله الليل والنهار، فإن الله يستجيب لك.
الجواب: يجوز أن يكتفى بالغسل عن الوضوء إذا كان الغسل من الجنابة أو من الحيض والنفاس، فيا من يريد أن يغتسل! اغسل كفيك ثلاث مرات، ثم استنج أو اغسل فرجيك، وابدأ بالقبل ثم الدبر، مع استصحاب نية رفع الجنابة، ثم توضأ وضوءك للصلاة، فإذا فرغت خلل شعر رأسك بقليل من الماء، ثم اغسل رأسك وأذنيك ثلاث مرات، ثم اغسل جنبك الأيمن من مفرق رأسك إلى قدمك ظاهراً وباطناً، ثم اغسل جنبك الأيسر كذلك، هذا هو الغسل مع الوضوء.
أما أن تغتسل ثم تتوضأ بعد ذلك فقد خالفت السنة، والأمر واحد، فيجوز أن تغسل جسمك بنية الغسل وبعد ذلك تتوضأ، ولا فرق بين هذا وذاك، إلا إذا أحدثت بفساء أو ضراط أو مسست فرجك بيدك فتعيد الوضوء بعد الغسل لأنه قد انتقض وضوؤك.
الجواب: لا ينبغي ولا يجوز أبداً للرجل والمرأة أن يلبسا اللباس الخفيف الذي يبدو الجسم من تحته، لابد من اللباس الساتر الذي يحجب الجسم ويغطيه، فهذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان، أما أن تلبس المرأة لباساً خفيفاً تبدو العورة منه، فهذا حرام، لا يجوز أبداً، ولا يحل لها.
ومن العجيب أننا ممرنا اليوم بعد الظهر أو بعد العصر بفتاة صغيرة طولها حوالي متر أو أقل قد ألبسوها لباساً لم يبق إلا سوأتها لم تظهر، وتمشي مع أمها وجاراتها، والمرأة التي معها وجهها مكشوف وهي تضحك، لماذا يربون بناتهم على هذا؟ ولم هذا المنكر والباطل؟ فهذا مسخ، ليس هذا هو الإيمان والإسلام، هذا انتكاس وعودة إلى الجاهلية الأولى، نبرأ إلى الله من ذلك.
اللهم يا أرحم الراحمين! يا رب العالمين، يا ولي المؤمنين، يا متولي الصالحين، هذه أكفنا قد رفعناها إليك سائلين ضارعين، فاكشف اللهم ضر هذه المؤمنة التي طلبت منا أن ندعوك لها بالشفاء، اللهم اكشف ضرها، اللهم اكشف ضرها، اللهم اشفها شفاء عاجلاً، اللهم اشفها شفاء لا سقم بعده يا رب العالمين، واشف اللهم كل مريض فينا وبيننا وفي مستشفياتنا وبيوتنا، واشف كل مؤمن ومؤمنة يا رب العالمين، واشفنا ظاهراً وباطناً، كما تشف أبداننا اشف قلوبنا، فإن مرض القلوب أسوأ وأخطر من مرض الأبدان، اللهم اشف قلوبنا، وزك نفوسنا، وآتها هداها وتقواها يا رب العالمين، يا ربنا! لا تخيبنا، يا ولي المؤمنين، ويا متولي الصالحين، طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، وتوفنا وأنت راض عنا، اللهم توفنا وأنت راض عنا، وألحقنا بالصالحين يا رب العالمين.
وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر