الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، ونصلي ونسلم على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين والدعاة.
أما بعد:
فهذا الموضوع عنوانه: الكلمة مسئوليتها وفاعليتها.
والحق أن هذا الموضوع متشعب الجوانب، ويطول الحديث فيه، إلا أن التركيز سيكون على بعض ما أحسب أنه أكثر أهمية، وفي الوقت نفسه أكثر دروجاً واستعمالاً في واقع حياة الأمة المسلمة، وواقع حياة شباب الصحوة والدعوة على وجه الخصوص، وعندما نقول: (الكلمة) فلا نعني بها -قطعاً- الكلمة المفردة، وإنما الكلمة الكلام، كما قال ابن مالك :
كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم
واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم
أي: يقصد بالكلمة الكلام. وعندما نقول: كلمة الحفل ليست هي كلمة واحدة، وإنما مجموع ذلك القول يقال له: كلمة.
إذاً الكلمة هي كل كلام ينطق أو يكتب.
وللكلمة سبيل لوصولها ونشرها، ألا وهو النطق بها عن طريق اللسان وتستقبلها الآذان، أو الكتابة لها على صفحات الورق وتستقبلها العيون بالقراءة والاطلاع.
وأول ما أبدأ به أهمية الكلمة.
إن الكلمة تكاد تكون كل شيء في حياة الإنسان عموماً، فهي ذات جوانب متعددة في الأهمية:
الأمر الأول: إعلان المبادئ والمعتقدات، فالكلمة هي التي تعلن بها إسلامك وإيمانك، كما أنها هي التي يعرف بها كفر الكافرين وجحود الجاحدين، كما قال القائل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
والألسنة -كما يقال- مغاريف القلوب، هي التي تعبر عما استقر فيها من الإيمان والمعتقدات، ولذلك قال جل وعلا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26] وكلمة التقوى هنا هي كلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وقال سبحانه وتعالى في شأن المنافقين الذين كفروا وظهر كفرهم على فلتات ألسنتهم في غزوة تبوك: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا [التوبة:74] فذاك إعلان بإسلام وهذا والعياذ بالله نطق بكفران.
الأمر الثاني: الكلمة يقع بها إبرام العقود والمعاهدات، فأنت إذا أردت أن تبيع وتشتري فعقد ذلك وصحته مبني على النطق بالكلمة، بأن يقول الأول: بعت. ويقول الآخر: اشتريت. بل حتى فيما هو أعظم من ذلك من العقود التي وصفها الله عز وجل بأنها غليظة مؤكدة كعقد الزواج، بأن يقول الأول: زوجتك. ويقول الآخر: قبلت. فينعقد عقد له أهميته، قال الله جل وعلا فيه: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:21] وبهذه الكلمة أيضاً تعقد وتبرم المعاهدات، كما كان في معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم التي أبرمها مع اليهود في أول قدومه المدينة، وكما كان يعقد المعاهدات أيضاً مع قريش كما في صلح الحديبية، وكما هي سائر العقود والمعاهدات التي تبدأ بكلمة كما أنها تنقض بكلمة، فعقد الزواج الذي يقع بالكلمة كذلك يفصل بكلمة الطلاق، فليست الكلمة مجرد أحرف ينطق بها، ولا هي مجرد الصوت الذي يقال فيه: إنه تموج الهواء عند اصطدام جسمين أو تباعدهما، أو اهتزاز الأحبال الصوتية. بل الكلمة أعمق من ذلك، هي الحكم والعقل والتفكير والإرادة والنظرة المستقبلية التي يعمل التفكير في هذه الجوانب كلها قبل أن ينطق بها، فلا يُعقد عقد ولا يُبرم عهد بمجرد كلام سائب لا خطام له ولا زمام كما يقال.
الأمر الثالث: النطق بالأحكام والاتهامات والتزكيات، فاللسان هو الذي ينطق بالحكم فيقرر الإدانة، أو يعلن البراءة، كما أنه هو الذي يقذف بالتهم التي قد تكون صحيحة وقد تكون باطلة، فهذا يتهم ذاك بسرقة أو زناً، والله جل وعلا قد جعل لذلك حداً إما أن يثبت مثل هذا الجرم، وإما أن يكون قد قذف بغير علم أو بغير بينة، فيكون مؤاخذاً على هذه الكلمة، بل محدوداً عليها كما هو معروف في حد القذف الذي يرمي به الإنسان غيره بتهمة الزنا والفاحشة، نسأل الله عز وجل السلامة، كما أن هذا اللسان وهذه الكلمة هي التي تصف الإنسان بإسلام وإيمان، أو قد يتجاوز الأمر إلى اتهام بتفسيق أو تبديع أو كفر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما) فليست الكلمة أمراً هيناً، بل لها أعظم أهمية في مثل هذا الميدان الخطير.
الأمر الرابع: الخوض في المنهيات والمحرمات، وحسبك أنك قد لا تستطيع أن تحصي آفات اللسان من تدخل فيما لا يعني، ومن فضول كلام، ومن خوض في باطل، ومن كذب وغيبة ونميمة ومراء وجدال ومزاح في غير الحق، وغير ذلك من الأمور التي يطول ذكرها، كلها أيضاً يقع الخوض فيها باللسان نطقاً أو كتابة، أو بالكلمة نطقاً أو كتابة.
الأمر الخامس: اللهج بالأذكار والدعوات، وهذا جانب أيضاً من جوانب الخير والعبادات، فإن أكثر العبادات مبني على النطق بالكلمات، فالصلاة تلاوة للقرآن وترديد للأذكار ونطق بالدعوات، إضافة إلى ذكر الله عز وجل وتلاوة القرآن وغير ذلك، كله أيضاً يكون بهذه الكلمة.
الأمر السادس: نشر الدعوة والتعليم، سواء أكانت هذه الدعوة دعوة خيرة أم غير خيرة، وسواء أكان هذا التعليم نافعاً أو ضاراً، فاللسان والكلمة على وجه الخصوص هي التي تنشر تلك الدعوة أو تروج لذلك العلم، ولذلك كل هذه الجوانب لو تأمل الإنسان فيها لوجد أنها تحيط بمعظم مجريات الحياة ومعظم ما يتعامل به الناس، فإن أمر العقائد والمبادئ، وأمر العقود والمعاهدات، وأمر الأحكام والاتهامات، وأمر المنهيات والمحرمات، والطاعات والعبادات، ثم الدعوة والتعليم يكاد يكون جل -إن لم يكن كل- جوانب الحياة.
الأمر الأول: اللسان واسع المدى رحب الميدان.
فأنت إذا أردت أن تنال من شخص بيدك فإنه لا يقع لك ذلك إن لم يكن قريباً منك، أو لم تكن متمكناً منه حتى توجعه ضرباً أو غير ذلك، وإذا أردت أيضاً أن تصيبه -على سبيل المثال- بطلقة رصاص فإنه لابد أن يكون شاخصاً أمامك، ولو كان عن بعد لا تستطيع أن تصيبه دون أن تراه، وأية وسيلة من وسائل إلحاق الأذى أو إيصال النفع لا يمكن إلا أن تكون بطريقة مباشرة، سواء كانت مباشرة قريبة لصيقة، أم كانت مباشرة محدودة أو نسبية، بينما اللسان يمكن أن يقوم بكل هذا دون أن يحتاج إلى مثل هذه القيود أو الضوابط، فهو يستطيع أن يبلغ من الآخرين مقتلاً دون أن يراهم، بل ربما دون أن يعرفهم، بل ربما لم يسمع عنهم إلا مرة واحدة، وكذلك يستطيع أن يسوق الخير لإنسان وإن كان بعيداً عنه وإن كان لا يراه، إذ إنه واسع المدى رحب الميدان، لا يحده حد ولا يسده سد كما يقال.
الأمر الثاني: سهولة الاستعمال.
فليس عضو من أعضاء الإنسان أسهل حركة وأيسر استعمالاً من اللسان، إذا أردت أن ترجم بيدك فإن هناك جهداً وعناء، وتحتاج أن تكون في وضع وهيئة معينة، وإذا أردت أن تتحرك وأن تمشي برجلك فلابد أيضاً أن تبذل جهداً وأن تكون في وضعية معينة، أما هذا اللسان فإنك تتكلم به وأنت متكئ، وأنت مضطجع، وأنت واقف، وأنت في سرعة وشغل، وأنت في أية حالة من الأحوال يمكن أن تعبر بهذا اللسان، وأن تستعمله دون جهد أو عناء، وهذا أيضاً دليل على الخصائص التي تكمن فيها خطورة اللسان، إما أن تؤدي إلى مزيد من الخير، وإما أن تؤدي -إذا استخدمت في غير الخير- إلى مزيد من الشر والضرر.
الأمر الثالث: أن اللسان خفي المنال.
فأنت إذا ضربت إنساناً ما فلا يمكن أن تضربه بخفية، بل لابد أن تلامس يدك رأسه أو بطنه، وقد يظهر أثر ذلك أيضاً فَيُشَجُّ رأسه أو يصيبه الأذى المادي المحسوس، ولا يمكن أن تتبرأ من تبعة ذلك الفعل؛ لأن أدلته المادية واضحة شاهدة للعيان، أما اللسان فإنك يمكن أن تلسع به لسعاً ثم تهرب بعد ذلك هروباً يسعفك فيه اللسان نفسه فتقول: لم أقصد كذا، ولم أقل كذا. وإنما عنيت كذا، وقد تستخدم التلميح دون التصريح، وتستعين بالتورية عن الكذب، وتستطيع أن تبلغ مآرب شتى وأنت تخفي حقيقة ما أردت من الشر، أو تستر حقيقة ما تنوي من الخير، أما غير ذلك فإنه تلحظه العيون، وتلمسه الأيدي، ولا يمكن أن يخفى على الناس، وهذه الخصائص لها أثرها في النفع أو الضرر.
ثم ذكر أهمية القول والحساب عليه تنبيهاً على خطورته وتأكيداً لأهميته، ويقول الله عز وجل في آية المجادلة محذراً من شأن النجوى والتناجي بالإثم والعدوان: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [المجادلة:8]، ثم ينادي الله عز وجل أهل الإيمان بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ [المجادلة:9-10] لو كانت النجوى التي تسر بها خيراً فما بالك لا تشيعها وتعلن بها؟! وما بالك تذكر أخاك بكلمات هامسة تنال فيها من عرضه أو تشوه صورته؟! إن كان في قولك حق فهو أولى أن تواجهه به في نصيحة خفية قصدها الخير ودافعها المحبة والشفقة.
ثم تأمل حديث سفيان الثقفي الذي أخرجه الترمذي وصححه، وكذا النسائي وابن ماجة ، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم، قال: فما أتقي؟ فأومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لسانه) أي أنه نبهه إلى أن يتقي زلات اللسان وخطورة الكلمات.
وعند الترمذي بسنده -وحسنه- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أنه طلب الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) وما أعظم هذا الحديث وأجل هذه الوصية! لو أن المسلم تأمل فيها في واقعنا المعاصر فسيجد أكثر الناس بعيدين عنها غير منتبهين لها.
وإمساك اللسان من الأمور الواجبات، وكذلك الضبط والتفكير والعلم الشرعي والورع الإيماني والإدراك الواقعي الذي ربما نعرج عليه إن شاء الله تعالى.
وفي حديث البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة).
وفي رواية: (من يتوكل لي ...).
وحديث معاذ المعروف المشهور: (وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم).
وحسبك حديثه عليه الصلاة والسلام تنبيهاً وتحذيراً حيث يقول: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً).
ولذلك جعل ضبط الكلام وجعل الكلمة في مسار الخير مرتبطاً بالإيمان، كما في حديثه عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فالكلمة لها مجرى ولها سبيل، إن غلب على الظن أنها تورث خيراً وإصلاحاً، وتقرب بعيداً وتؤلف نافراً، وتقوي همة في الخير فإن ذلك هو المسار الصحيح، أما إذا تحقق المرء بأن الكلمة التي ينطق بها أو يكتبها تدعو إلى فجور، أو تغري بفاحشة، أو تورث شحناء، أو توقد بغضاً وحقداً وحسداً فإنه مأمور شرعاً بأن يكف عنها، وإن نطق بها أو أجراها كتابة فإنه آثم يلحقه إثمها، كما يلحقه ما يترتب عليها من الأضرار والآثار الوخيمة الوبيلة؛ إذ إن المرء موكول بمنطقه إن خيراً فخير وإن شراً فذاك مما يئول إليه أيضاً.
فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: (والله الذي لا إله إلا هو ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان) هذا اللسان قد جعله الله عز وجل أشبه بالمسجون، لكن العقل الذي لا يتدبر والقلب الذي لا يتذكر يطلق اللسان، فإذا به -وإن كان محدوداً في مساحته وفي إطاره- يشرق ويغرب ويؤذي، ويكون أذى اللسان أكثر من أذى السنان كما يقولون.
وهذا ابن وهب يقول: إن في حكمة آل داود مكتوباً: (حق على العاقل أن يكون عارفاً لزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شانه).
وعن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه.
** فهماً كاملاً من لم يضبط لسانه ويحفظه. .
وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه.
لكن انظر إلى واقعنا اليوم ستجد كلاماً طويلاً عريضاً، وادعاء هائلاً، وعملاً قليلاً، وحقيقة باهتة، لا تعدو أن يكون نسبتها إلى ذلك الكلام كنسبة القطرة إلى البحر إلا من رحم الله عز وجل.
وعن بعض الحكماء أنه قال: الصمت يجمع للرجل فضيلتين: السلامة في دينه، والفهم عند صاحبه.
فالذي يتكلم كثيراً لا يستطيع أن يفهم إلا قليلاً، وكما يقال: الجوارح تتوزع عليها المهام، فإذا اشتغل اللسان كثيراً يكون ذلك على حساب العقل والفطنة، وإذا امتلأ البطن بالطعام صار الحال كما قيل: إذا امتلأت البطنة ذهبت الفطنة. وهكذا عندما تركز البصر في أمر ما فإنك تجد أن سمعك لم يعد مدركاً، وعندما يجول خاطرك في قضية ما فإنك قد لا تسمع أو قد لا تبصر من مر بك؛ لأن الحواس إذا تركزت في جانب ربما يقل إدراك واستيعاب الحواس الأخرى لها.
وعن منح بن عبيدة أنه قال: ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله.
وعن بعض أهل الحكمة أنه قال: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت.
لأنك إذا قلت الكلمة فمن الصعب عليك أن تردها؛ لأنه قد يمنعك من ذلك كبر، وقد يمنعك من ذلك أن من سمعها منك قد شرقوا وغربوا وتفرقوا، فلا تستطيع أن تنسخ تلك القولة عند كل أحد، وأما إذا لم تقلها فإنها ما زالت تحت سيطرتك تفكر فيها وتتأمل في مراميها ثم تخرجها عن بصيرة وعلم.
ولذلك قال الآخر: إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها، وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني.
وقال الشاعر أيضاً:
خل جنبيك لرام وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير لك من داء الكلام
وفي كثير من الأمثال ما يدل على عمق وأثر هذه الكلمة، كما في بعض الأمثال: (رب كلمة قالت لصاحبها دعني).
أي: اتركني ولا تنطق بي؛ فإنك لا تدري ما أجر عليك من البلاء والوباء إذ لم تراع الله عز وجل في نطقي، أو لم تنتبه إلى ما يترتب على نطقي أو إشاعتي من خطر وزلل.
وكما قال قائل: إن الحرب أولها كلام.
وهذا كما وقع في قصة داحس والغبراء من نشوب حرب دامت سنوات بسبب موقف، ثم كلمة من هنا وكلمة من هنا وإذا بأرواح تزهق ودماء تجري وبيوت تهدم وديار تحرق، وهكذا، فعلى المرء أن لا يغفل عن هذه الخطورة.
يقول بعض المعاصرين: إن الكلمات الجميلة تؤدي إلى معان ونتائج طيبة تحتاج إلى التأمل، وتؤدي أيضاً إلى مزيد من تأكيد أهمية وخطورة الكلمة.
أما الكلمات السائبة فإنها تؤدي إلى نتائج خائبة، وهذه معادلة صحيحة، أي أن الكلمات السائبة التي لا اهتمام بها ولا ضبط لها فإنها في غالب الأمر تؤدي إلى نتائج خائبة.
ومخرج كلمة الخير والشر واحد والمفتاح بيدك، فتأمل ماذا تقول.
ومن لم يستطع وزن كلماته فليحتمل من خصمه لكماته، وهذه أيضاً واقعة، إذ قد يخطئ المرء بكلمة لا تجد عند الآخر محملاً فتكون اللكمة أسبق إليه من الكلمة.
يقول قائل: العاقل العالم لسانه وراء عقله، والجاهل عقله وراء لسانه، تراه لا يفكر إلا بعد أن ينطق بالكلمة وقد مضى القول وانتهى الأمر.
والكلمة البانية لا يستطيعها صاحب الكلمة النابية، فمن تعود على فحش القول وإشاعته، فإن كلامه في الغالب لا يوافقه، أو لا يتفق أن يكون كلاماً بانياً.
ومن أساليب الوصول إلى القبول والتصديق: التركيز والتكرار، وهذا ما تستخدمه وسائل الإعلام، فمع طلوع الفجر تذكر الخبر، وعند الظهيرة تؤكده، وعند العصر تردده، ثم تصوره، حتى يصدق الناس ما كان كذباً من الأخبار، وكما يقول بعض الناس -وهي مقالة باطلة، لكن لنا في الواقع بعض الشواهد الناطقة-: اكذب واكذب حتى يصدقك الناس. وكما نسمع في الطرفة الدائمة أن أشعب دعا الناس إلى وليمة كاذبة، فكان كلما لقي واحداً قال له: العشاء عند فلان. فتناقل الناس الخبر، وصار هو يسمع ما يتناقله الناس من أن العشاء عند فلان، فقال: لعل الخبر صحيح. فذهب مع الناس.
وهكذا الكلمة عندما تترد وتتكرر وتتنوع أساليبها وتغزو عقول الناس فإنهم يقبلونها ويصدقونها، بل تكاد الكلمة عبر وسائل الإعلام أن تحاصر الإنسان محاصرة، فهي تغزوه من جهة النظر، وتغزوه من جهة السمع، فغزوه من جهة النظر عبر القراءة وعبر المشاهدة، ومن جهة السمع عبر الإذاعة وعبر وسائل أخرى متنوعة من شريط وبث مباشر وغير مباشر، فيقع للكلمة فاعليتها الخطيرة.
ولذلك نبه النبي صلى الله عليه وسلم على خطورة الكلمة التي تنتشر وتذاع لكثير من الناس دون الكلمة التي تخص؛ لأنك لو قلت كلمة لفرد واحد وأخطأت فيها فإن الأمر هين وميسور، ويمكن أن يصحح الخطأ، لكن الكلمة التي تنتشر وتذاع وتعم الآفاق في بضع ساعات، بل ربما في بضع دقائق، بل ربما في بضع ثوان هذه كلمة خطيرة.
فمن هذا ما ورد في صحيح البخاري عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه رأى في رحلته إلى السماوات العلا رجلاً يوضع في شدقيه كلاليب من نار، يشق بها شدقه الأيمن من أوله إلى آخره، ثم يشق بها شدقه الأيسر فيعود الأيمن كما كان، ثم يشق مرة أخرى ويلتئم من جديد، وهكذا، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عن هذا الرجل قال: هو الرجل يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، ولذلك تأتي الخطورة والفاعلية من هذا الجانب.
وهكذا قد تجد فيما يتعلق بالجوانب غير الإسلامية في وسائل الإعلام أن هناك تشويهاً عبر الكلمة يحصل به بلاء عظيم وشر مستطير، ليس بمجرد مشاعر ولا كلمات، بل بأفعال خطيرة تؤدي إلى تغيير في مسار حياة أفراد كثيرين وأسر كثيرة، بل تؤدي إلى انحراف شامل يشمل المجتمع كله.
عندما تمارس الكلمة صداها ودويها بين الناس، وتقبل وتصدق وينفعل بها الناس، ويرون لها تأثيراً مباشراً في الأفعال التي تقر إذا بالمجتمعات الإسلامية تعظم أصحاب الفن، وأصحاب الكرة، وأصحاب الأقلام من مفكرين أو مبدعين، مع كونهم لا يخدمون ولا ينصرون الإسلام، بل ولا الفضائل.
إذاً أصبح الأمر لم يعد مجرد كلمة، بل الكلمة ومعها صورتها التطبيقية العملية، فتنغرس المفاهيم الخاطئة والمعكوسة في حياة الناس.
وكما في صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!).
لماذا تجنح الكلمة عن المسار الصحيح في صدقها وأصالتها، وفي أسلوبها وحكمتها؟!
هناك أسباب كثيرة منها:
فالعلم هو أحكم ضابط وأعظم مشعل ينير الطريق للكلمة الصحيحة الصادقة الحكيمة.
فالمؤمن فيه سكينة إيمانية أسَّسها عنده ذلك العلم الشرعي، والفقه والورع الإيماني، فليس هو الذي يتسرع فتنطلق الكلمة منه ويعقبها ندم وحسرة قد لا يجديان ولا ينفعان، فالتسرع إذاً من هذه الأسباب.
أي: بلغت روحه الحلقوم.
يميناً إذا كانت يميناً وإن تكن شمالاً ينازعني الهوى عن شماليا
فهو دائماً وأبداً موافق لهواه:
والهوى في الوقت نفسه قد يكون لوناً آخر من بغض أو حسد، أو من نفرة وجفاء، فيئول بصاحبه إلى أن يستخدم الكلمة في غير موضعها، فيغتاب أو يسعى بنميمة أو يشوه سيرة أخيه المسلم، أو يطعن في عرضه أو غير ذلك من الصور التي ليس لها دافع، فهو يعلم علم اليقين أن هذا باطل، وقد حذر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه من الغيبة، وقال لهم: (الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره. فقالوا: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) فهذا بهتان أعلى من الغيبة، فأنت تجد من يعلم أن هذا القول غير صحيح في فلان من الناس، وهو يعلم أن هذا القول لو كان صحيحاً فإن الشرع يمنع منه، ويعصم لسان المؤمن أن يغتاب أخاه، وأن يكشف عورته، وأن يهتك ستره، بل يأمره بأن يستر عليه وبأن يوري عنه، وأن يسعى له بنصيحة مخلصة بطريقة حكيمة، ومع كل ذلك يعمى بصره وتعمى بصيرته عن كل هذه المعالم، ويقوده الهوى في تياره الجارف وطغيانه الجانح وموجه الذي يكتسح كل شيء، ليس له هم إلا أن ينال من ذلك الذي نفر منه أو حسده لأمر ما أو لآخر، وحسبك أنك تجد هذا ليس بين أهل الدنيا، بل أيضاً بين أهل الدين، وحسبك تحذيراً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر. ولكن تحلق الدين) فكيف بك تغتاب وأنت تعلم حكم الغيبة وأنها في أعلى مراتب الحرمة بنص كتاب الله، وفي أبشع الصور المنفرة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12] وتتجاوز كل هذا، إذاً سيئول بك الحال إلى أن تستهين بكلام الله وبشرعه وحكمه، وبهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام وسنته وإرشاده، وسيئول بك الحال إلى الفجور في الخصومة، فتنال صفة من صفات النفاق تنقص بها شيئاً من إيمانك، ثم لا يسلم بك الحال إذا تماديت في الهوى أن تخرج عن إطار مهم جداً، فتتجاوز الأمر إلى تكفير قد تقع مغبته عليك، نسأل الله عز وجل السلامة، فأمر الهوى أمر خطير جداً.
إذاً من أهم أسباب انحراف الكلمة عن مسارها الصحيح ابتغاء الدنيا وابتغاء المصالح الذاتية والمنافع الشخصية، ألا ترى أقلاماً تتحرك بالباطل ليلاً ونهاراً لأنها تأخذ أجر ذلك درهماً وديناراً؟! ألا ترى من يزينون الباطل ويزخرفونه وهم يعلمون وباله وضرره، لا لشيء إلا لما يملأ جيوبهم من الأموال؟! ألا ترى كم يسعى بعض أولئك إلى اتهام وانتقاص واعتداء على أخيار وأبرار، لا لشيء إلا لما يأملون من هذه الملذات والشهوات؟! وحبسك أن الأمر لا يعدو كلمة واحدة أو مقالة واحدة، بل في دنيا الناس اليوم إعلام كامل مستأجر، صحف كاملة تشترى وتباع، إذاعات كاملة تهب نفسها لتكون بوقاً تسعى في ركاب أهل البغي والظلم والطغيان، وتوافق على كل شي، وتمشي مؤيدة لكل باطل، كل ذلك لأجل تلك المصلحة.
المؤمن الصادق لا يخشى في الله لومة لائم، لا يعني ذلك أن يكون متهوراً، بل هو أولى الناس بالحكمة، لكن لا يذل نفسه، ولا يبيع مبدأه ولا يغير منهجه، ولا يساوم في دينه بحال من الأحوال.
وحسبك عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، الذي أعطى الكلمة ثمنها وقيمتها العظمى عندما ساومه ملك الروم وهو في الأسر على أن يعطى نصف الملك أو أن يعطى الملك كله في مقابل كلمة كفر، ثم إن ملك الروم أخرج أسيرين من المسلمين واحداً إثر واحد وغمسهما في زيت مغلي، يدخل أحدهما لحماً ويخرج عظماً أمام عيني عبد الله بن حذافة السهمي، ليخاف ويؤثر السلامة ويعطي الدنية في دينه، ويخرج الكلمة الذليلة التي يأباها قلب المؤمن الحر، فلم يرض بذلك، حتى كان مقابل الكلمة أو الموقف مصلحة المسلمين دون تغيير في مبدأ ولا مساومة على دين فأعطاها، فقال عمر رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة. وقام عمر -وهو من هو- وقبل رأسه أول الناس.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام حديثاً عظيماً جليلاً، قال: (أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) كلمة حق عند سلطان جائر، لم يخش قائلها السيوف المصلتة، ولا المصير المظلم، ولا السجون المنتظرة، ولا السياط الملتهبة، بل إنه ينظر إلى الحق الذي يرفعه، وما أعظم موقف الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه عندما قدر الكلمة والموقف، فجاءه من جاءه من أصحابه يسهل عليه أن يقول كلاماً يسلم به ولا يسلم دينه، وقال له: إن لك أبناء وإن لك عيالاً وكذا. فقال له: إن كان هذا عقلك فاسترح.
وجاءه آخر فقال له نحو ذلك القول، فقال له: انظر إلى من وراءك. فنظر فإذا الجماهير الغفيرة كل واحد آخذ دواته وقلمه يريد أن يكتب كلمة ابن حنبل ويأخذ بها.
فقدر هذا الموقف ولم ترهبه السياط ولا الوعد ولا الوعيد، وانظر إلى ذلك العالم من علماء سلف هذه الأمة عندما كان يجرى له عطاء من بيت مال المسلمين، وهو يحدث الناس بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاءت الفتنة امتنع عن موافقة الباطل، فقال له الخليفة: إذن نقطع عنك جرايتك. فأخذ بزر قميصه فخلعه، وقال: ما دنياكم التي تحرصون عليها إلا كمثل زري هذا.
قال بهذا الكلام في وجه الخليفة، هنا يكون للكلمة قيمتها وللموقف أثره، ولذلك علق الخطابي على حديث: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) فقال: إنما كان هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان على أمل من الظفر بعدوه.
ثم قال: ولا يتيقن العجز عنه؛ لأنه لا يعلم يقيناً أنه مغلوب.
وهذا الذي يقول كلمة الحق عند السلطان الجائر يعلم أن يد السلطان أقوى من يده، فصارت المثوبة فيه على قدر عظم المئونة.
ثم قال الخطابي معلقاً أيضاً: ليت شعري من الذي يدخل اليوم على الملوك الجائرين والسلاطين الباغين فلا يصدقهم على كذبهم؟! ومن الذي يتكلم بالعدل إذا شهد مجالسهم؟! ومن الذي ينتصح منهم إن نصحوا؟!
إذاً اجتنابهم هو أسلم لك -يا أخي- في هذا الزمان، وأحوط لدينك أن تقل من مخالطتهم وغشيان أبوابهم، ونسأل الله الغنى عنهم والتوفيق لهم.
هذا في زمان الخطابي، وهو متوفى في القرن الرابع الهجري، فكيف وقد فشا في كثير من بلاد الإسلام جور وظلم، بل حكم بغير شرع الله عز وجل؟!
وذكر أيضاً عن بعض الحكماء أنه قال: إن الذي يحدث للسلاطين التيه في أنفسهم والإعجاب بآرائهم كثرة ما يسمعونه من ثناء الناس عليهم، ولو أنهم أنصفوهم فصدقوهم على أنفسهم لأبصروا الحق، ولم يخف عليهم شيء من أمورهم.
ولذلك قال صاحب الظلال في شأن فرعون: كيف يمكن لفرعون واحد في الأمة أن يتحكم في مصائرهم؟! قال: ليس هذا من فعله، ولكنها الأعناق مدت له فجر، والظهور حنيت له فركب، وأسعفه من حوله من أهل الملأ ووافقوه على مقالته: لا أريكم إلا ما أرى.
وهكذا تأتي هذه الكلمة في موضعها فتكون من أفضل الجهاد، فإذاً: من الأسباب التي تمنع من الكلمة الصادقة وتحرفها عن مسارها الخوف وطلب السلامة.
فلعلي أقسِّم هذه الصور إلى قسمين: صور إسلامية، وصور غير إسلامية، والصور غير الإسلامية تصدر ممن لا ينصرون الدين ولا يشهرون رايته، وتجد ذلك في صور شتى:
أولاً: الصمت عن الحق، ولذلك الساكت عن الحق شيطان أخرس، فأنت تجد كثيراً من الصحف والمجلات تنادي زوراً وبهتاناً بحقوق الإنسان وبالعدالة وبالديمقراطية وغير ذلك، بينما تغض الطرف وتكسر الأقلام وتكمم الأفواه عندما يكون هناك أمر متعلق بالمسلمين، فلتجر الدماء سيولاً ولتزهق الأرواح بالآلاف في البوسنة والهرسك ولا شيء في ذلك، ولتنتهك حقوق الدعاة والعلماء في كثير من بلاد الإسلام، ومع ذلك تصدر الصحف في بلاد المسلمين صباح مساء ليس فيها حتى إشارة، وإنما تجد فيها إثارة وتعدياً واستعداءً وتهييجاً للعقول وصرفها عن إدراك مثل هذه المخاطر، والأمر في هذا بين واضح، وفي المقابل فتجد أن إذاعات الكفر أحياناً تخبر بكثير من الوقائع والفضائع التي تحصل للمسلمين، وحسب ذلك بعداً للكلمة الحرة الصادقة، وحسبه أيضاً إهانة للكلمة التي لا تستطيع أن تكون عادلة فتذكر الأمر في كلا الأمرين.
ثانياً: التشويه لصورة المسلمين والدعاة، بل لصورة الإسلام نفسه، فلم تعد اليوم حملات الكلمات الجائرة مقصورة على من يسمونهم الأصوليين أو المتطرفين أو الإرهابيين، بل صارت تتناول شرائع الإسلام وأحكامه، بل تتناول أعلامه التاريخيين من السلف رضوان الله عليهم تندراً بهم واستهزاء، بل -عياذاً بالله- تجد كثيراً من المجلات التي تنطق بألسنتنا قد تناولت شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ببعض التهكم والسخرية، بما يكون صاحبه إن اعتقده كافراً لا شك في كفره، هذه الصورة التي نسمعها ونقرؤها تجدها قد غلبت على كثير من الكلمات المسموعة والمقروءة إلا ما رحم الله عز وجل، وإذا بحثت عن الكلمة الصادقة في ركام هذه الكلمات الكاذبة فلا تجدها، والله المستعان.
ثالثاً: الترويج للفسق والفجور، والدعوة إلى الشهوات والملذات الآثمة، فأنت ترى سيلاً من الكلام والترويج للفن بألفاظ فجة جارحة للحياء العام، ومع ذلك تنشر مع الصور ومع غيرها، وتجعل الكلمة مسخرة للدعوة للرذيلة نسأل الله عز وجل السلامة، وتجد القصة التي تدعو إلى الآثام وإلى الحب والغرام والهيام، وتجد القصيدة الماجنة المفسدة، وتجد الأغنية بما فيها من كلمات وميوعة.
إذاً لم تعد في هذه الكلمات إلا ممارسات غير إسلامية تدعو إلى مثل هذا الأمر.
رابعاً: التشتيت في الفراغ.
بمعنى أن الكلمة وإن لم تمارس ذلك الانحراف لكنها لا تقدم شيئاً نافعاً، وإنما تذكر لنا خبراً عن أطول (سندويتش) في العالم، وعن ذلك الذي أطال شاربه حتى صار طوله كذا سنتيمتراً، وأخباراً تافهة ومعلومات سخيفة، وتشويشاً من هنا وهناك، حتى لا يمكن أن تنتفع بكلمة، فربما تنقل الكتاب كاملاً أحياناً -سيما الكتب الحديثة التي ذكر الطنطاوي أنها مشتقة من الحدث الذي يجب الوضوء أو الغسل منه- فتجد كلاماً فراغاً وهذراً لاغياً يفسد القلوب ويفسد الأفكار، ويضيع الأوقات ويحجب الناس عن أن يقضوا وقتهم في الكلمة النافعة الصادقة.
إن الإطلاق العام يدل على عدم البصيرة والوعي والعلم، مع أن الإسلام دعا إلى التثبت والانضباط، حتى في الأمور التي تتعلق بالكفرة من يهود أو نصارى نجد الاستثناء فيها وارداً، كما في قصة يعقوب عليه السلام قال: إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ [يوسف:66]مع أنه قد كان مجروحاً مكلوماً في نفسه، ومع أنه قد سلفت له معهم تجربة، لكنه قال: إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ [يوسف:66] أما الإطلاقات العامة التي ليس لها ضابط ولا حد ولا قيد فاعلم أنها من خطأ اللسان ومن خطأ الكلمة؛ إذ لابد من وضع الأمور في نصابها، وهذه المبالغات تفقد الناس القدرة على التمييز، فيتعودون على التهويل، فما يقبل أبداً الكلام المعتدل المتزن، فتقول -مثلاً-: فلان له كتاب جيد فيعتبر هذا الكلام ليس تزكية، وليس إشارة إلى الفائدة التي فيه إن لم تقل عنه: إنه جيد في غاية الجودة ونافع في غاية النفع وكذا. فإنه لا يدرك من كلامك أنك أعطيته تقويماً تريد منه أن ينتفع به؛ لأنه تعود على مثل هذه المبالغات، وكذلك لو قلت له: فلان تقي. وحسبك بهذه الكلمة تزكية، لكنها لا تكفيه، لابد من أن تقول له: إنه أتقى الأتقياء، وما رأيت أعبد منه، وما وقعت العين على مثله. وكذا وكذا من هذه الأمور التي قد قالها بعض أهل العلم في أئمة أجلاء كبار، ومع ذلك نقدوهم وذكروا مما يظنونه خطأً في أقوالهم، كما قال الذهبي : ما رأت عيني مثل ابن تيمية رحمة الله عليه، ولا رأى مثل نفسه.
ومع ذلك فقد كتب رسالة مطولة ذكر فيها بعض ما رأى من المسائل مخالفاً فيه رأي شيخه، لكن هذه المبالغات -سيما في جانب التزكيات- تحدث هذا الاضطراب بين الشباب، كما أنها أيضاً تحدث أحياناً غشاً، فإنك عندما تبالغ تعطي صورة غير صادقة فينخدع بها غيرك، وقد تكون قلتها عن عاطفة، لكن هذه العاطفة لا تكفي مبرراً ومسوغاً لعدم ضبط هذه الكلمات.
وهؤلاء أيضاً قد سلم منهم الأعداء؛ لأن جهدهم قد صب في نقد وجرح وثلم وإسقاط الأخيار من الصلحاء والدعاة والعلماء، وهذا المسلك مسلك شيطاني؛ لأنه باسم الدين أو بلسان الدعوة، ولأنه يهدم في هذا الدين ويقوض بنيان الدعوة، إذ يقول: الحق أحق أن يتبع، ولابد من تعرية الباطل، ولابد من كشف الخطأ. وغير ذلك من الأوهام التي ما سلفت في سلف الأمة ولا دلت عليها الأدلة، ولا شهد لها فعل النبي عليه الصلاة والسلام، بل كان يقول -كما في سنن أبي داود -: (لا يبلغني أحد عن إخواني شيئاً فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر)، وينقض أيضاً الوصية النبوية بالستر على المسلم: (من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) وكذلك بالتماس الأعذار وحسن الظن مع إبداء النصح، وغير ذلك من الآداب الكثيرة التي لا حصر لها ولا حد في شرع الله عز وجل.
والنقل أيضاً آفة كبرى، ينقل بعضهم عن بعض أموراً عجيبة، وإذا في الأمر خبر ليس له أساس من الصحة، ثم يتصور تصوراً عجيباً وفريداً وغريباً، حتى إن الإنسان ليحار في أولئك القوم الذين ليس لهم هم إلا نقل الكلام والسعي به بين الناس ونشره من غير تثبت ولا روية، وقد أمرهم الله عز وجل أن يتثبتوا، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6].
وأذكر لذلك مثالاً واقعياً يتعلق بي، فقد جاءني مرة من يذكر لي خبراً فقال: إن فلاناً يقول: إنك ذكرت لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز قولاً في مسألة الأشاعرة وناقشته فيها. فقلت: لا أعلم هذا الأمر أبداً ولم يقع. ثم تذكرت مجلساً تحدث فيه أحد الحضور وقال للشيخ: إن هذه المسألة قد كثر فيها اللغط وتكلم فيها بعض من لا علم له، وصار بسببها فتنة، وأنت العالم المقدم المسموع الكلمة، فلو قلت فيها كلمة ونشرتها أو أذعتها أو سجلتها لكان في ذلك إحقاقاً للحق وبياناً للعلم. ولست أنا الذي تحدثت بها، لكنه رجل كان في ذلك المجلس، ومع ذلك نسب القول إلي، ثم ظننت الأمر عارضاً، وإذا بي كدت أبكي من شدة الضحك وأضحك من شدة البكاء؛ إذ جاءني رجل آخر وقال لي: إن فلاناً يطلب منك صورة من البحث الذي قدمته للشيخ عبد العزيز بن باز عن الأشاعرة، فالكلمة صارت بحثاً مكتوباً تطلب صورة منه ليطلع عليه.
وهكذا تروج الكلمة دون تثبت وينفخ فيها النافخون، حتى إنني سمعت لأحد الرجال في أمر وقع عندنا أنه ينسب فعله إلى فلان من الناس، مع أن فلاناً هذا كان ساعياً في درء هذا الفعل الذي وقع، فهذه أيضاً صورة أخرى.
وقال مورق العجلي : أمرنا بأمر أنا أطلبه منذ عشرين سنة لم أنله ولست بتاركه فيما أستقبل. قيل له وما هو؟ قال الصمت عما لا يعني.
وكتب أحدهم لـيونس بن عبيد الله يسأله عن حاله: كيف أنت؟ فكتب له يونس كتاباً قال فيه: أما بعد: فإنك كتبت إلي تسألني: كيف أنا وكيف حالي. فأخبرك أن نفسي قد ذلت لي بصيام اليوم البعيد في الحر الشديد، ولم تذل لي بترك الكلام فيما لا يعني.
وهذه قصص فيها عبرة وحكمة وقد جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد بن عمير وقال له: إني رسول إخوانك من أهل البصرة. قال: وإنهم يقرءونك السلام ويسألونك عن أمر هذين الرجلين علي وعثمان رضي الله عنهما - وكان هذا بعد استشهاد علي وعثمان بوقت طويل- ما قولك فيهما؟ فقال: هل هناك شيء آخر؟ قال: لا. فقال: جهزوا الرجل. فلما جهزوه وفرغوا من جهازه. قال: اقرأ عليهم السلام وأخبرهم أن قولي فيهم هو قول الله عز وجل: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134].
وكما أثر عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: تلك فتنة طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا.
وأخيراً الجدال والمراء، فقد كثرت في مجالس الشباب المماراة والمجادلة، فيدخلون في حال الإنسان يسألونه ويجادلونه ويناقشونه حتى يخرج عن طوره، فيقول ما لم يكن يحب أن يقول، فيخطئ حيث أراد أن يصيب، أو يقع بينهم نوع من الفرقة والشحناء، وهذه صور فيها انحراف للكلمة عن مسارها، والصور أكثر مما ذكرت، وحسبي الإشارة؛ فإن الحر تكفيه الإشارة عن صريح العبارة.
الجواب: نقول: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة:134] ولستَ مسئولاً إلا عما ترى من خطأ فتقومه بالأسلوب الشرعي من النصح وإنكار المنكر بأساليبه، أما غيبة الناس وجرحهم وانتقاصهم والثلب في أعراضهم والانتقاص من جهود العاملين المخلصين، فإن ذلك لا يفيد إلا أعداء الإسلام.
لكن الاختلاف السائغ المبني على اجتهاد صحيح أمر لا يفسد للود قضية، وقد اختلف من قبل صحابة النبي عليه الصلاة والسلام وائتلفت قلوبهم وعمرت المحبة فيما بينهم، وتلاحمت صفوفهم، بل اختلفوا في الحكم ووافق بعضهم بعضاً في الصورة العملية حتى لا تشق عصا المسلمين أو تفرق صفوفهم، فـابن مسعود كان يرى القصر في الحج وعثمان كان يرى الإتمام، فأتم فقال ابن مسعود : (رحم الله
الجواب: إمساك اللسان عن المحرمات واستحضار شدة العذاب والوعيد الذي ذكر في شأن الغيبة، إضافة إلى العدل والإنصاف، فهل تحب أن يغتابك الناس ويذكروك بسوء؟ فكما لا تحب ذلك لنفسك فلماذا تحبه للآخرين؟ وانظر كذلك إلى الآثار الواقعية التي تترتب على مثل هذه الغيبة، فإنها تزرع الشحناء والبغضاء، وتفرق الصفوف وتوهن في قوة المسلمين، وكل ذلك أضرار إذا تأملتها أدركت خطورتها.
الجواب: إذا أردت أن تناقش الأخطاء فناقشها مجردة عن الأشخاص، على هدي النبي عليه الصلاة والسلام (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) وإذا أردت أن تناقش المشكلات فليس من لوازم أمرها أن تعرف أصحابها، لكن إن كان صاحب الفسق معلناً فسقه مجاهراً به معلناً حربه لله ولرسوله فإنه لا غيبة له، بل التحذير منه نافع ومفيد في هذا الشأن، أما أخ مسلم صالح عابد ساع بالخير باذل وقته وجهده وفكره في نشر الخير والدعوة إليه فهذا إن كان فيه خطأ فإن كثير صوابه يغطي ويغمر قليل خطئه، وإن قليل خطئه موهوب ومغفور في كثير صوابه، وإن قليل خطئه يستوجب منك أن تبذل له النصح الذي تقدمه بالشكر له والثناء عليه، والحث له على المضي في الخير الذي هو فيه، ثم تستدرك وتقول: لكني أحسب أن في قولك أو في بعض فعلك كذا وكذا، وأنت فيك خير، وأنت الذي نظن بك أفضل مما نظن بأنفسنا وكذا وكذا فإن هذا هو التقويم والتصويب.
ولعلي أختم بأمر جامع يضبط هذه المسارات كلها.
أولاً: العلم الشرعي الذي تحصل به البصيرة والمعرفة، ويبعد الإنسان به عن الوقوع في الخطأ.
ثانياً: الإدراك الواقعي بحال الأمة الإسلامية والدعوة الإسلامية، وحال الأعداء واضطهاد المسلمين، وحاجتنا للوقت، وحاجتنا للجهد، وحاجتنا للوحدة والائتلاف، ولدرء مفاسد أعداء الدين الذين يبثون الفرقة بين صفوفنا وفي مجتمعاتنا، وأن ندرك من خلال الواقع هل هذه الكلمة موقعها في هذا الوقت، فإذا كانت هناك حملة على الدعاة والصالحين، فما بالك تجرح جرحاً قد تكون فيه مصيباً أو مجتهداً لكنه لم يقع موقعه المناسب في هذا الظرف أو في ذلك الزمان.
وهكذا إدراكك للواقع، وما يترتب على الكلمة من الآثار وما تتوقع لها من القبول عند الناس ينبغي أن يعصمك هذا الإدراك عن كثير من الخلل.
ثالثاً: الورع الإيماني الذي يجعلك تعف عن الوقوع في المحرمات، وتربأ بنفسك عن الدخول في المهاترات والمنافسات، وتغلب الخير الذي ترجو ثوابه من الله عز وجل، ولا تكون لك غاية ولا هم إلا ابتغاء رضوان الله عز وجل، وتلتفت إلى حديث عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ابتغى رضا الناس بسخط الله رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن ابتغى سخط الله عز وجل برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس).
فالله أسأل أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل، والله أسأل أن يكتب لنا الأجر والثواب، وأن يوفقنا للحق والصواب، وأن يعصمنا ويقينا من شرور أنفسنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصل -اللهم- وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر