إسلام ويب

الفصام النكدللشيخ : ناصر العمر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الانفصام النكد هو: ذلك الانحراف في الفطر .. الفهم الناقص للإسلام .. تلك المفارقات العجيبة التي لا يقبلها الفهم السليم .. وقد ذكر الشيخ حفظه الله في هذه المادة أمثلة توضح معناه، كما ذكر الانفصام الذي تعيشه أمتنا اليوم، مبيناً سببه وواجبنا تجاه ذلك، كما تطرق إلى الكلام عن الدين وشموله وكماله ويسره ووسطيته، ذاكراً أركان الإسلام وتعدي أثرها في واقع الحياة العملي.

    1.   

    أمثلة تفصح عن معنى الفصام النكد

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].أما بعد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    بعد شكر الله جل وعلا والثناء عليه، الذي هيأ لنا هذا الاجتماع، وأسأله جل وعلا أن يجعله اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً؛ بعد ذلك أشكر الإخوة من أعضاء اللجنة الثقافية في هذا المسجد، الذين أتاحوا لنا هذه الفرصة وأعدوها وهيئوها، فجزاهم الله عنا وعنكم وعن الإسلام خيراً، وبارك في أعمالنا وأعمالهم وأعمالكم أجمعين.

    أيها الإخوة! أيها الأحبة! مرت سنوات طويلة لم ألتق فيها معكم في هذه المدينة -قرابة تسع سنوات- وها هي مرت كأنها أيام:

    مرت سنون بالوصال وبالهنـا     فكأنها من قصرها أيام

    ثم انثنت أيام هجر بعدها     فكأنها من طولها أعوام

    ثم انقضت تلك السنون وأهلها     فكأننا وكأنهم أحلام

    الموضوع كما علمتم (الفصام النكد) وأحب أن أنبه إلى قاعدة يعود إليها هذا الكلام فيما سأذكره من أمثلة مما قد يكون فيه شيء من الإجمال نظراً لضيق الوقت مما لا يتسع أحياناً للتفصيل، فإنني وأنا أتحدث عن (الانفصام النكد) لا أتحدث عن قضية التكفير، فهذا موضوع ليس هذا مكانه، وما سأضربه من أمثلة وما سأذكره من قضايا قد تدخل في هذا الباب وقد لا تدخل، وليس لازماً من ذكرها أن ينطبق عليها هذا الحكم.

    هذه القضية -أيها الأحبة- من أجل أن نتصور ما المراد بالفصام النكد، خاصة وقد جاءتني أسئلة كثيرة قبل هذه المحاضرة: ما المراد بهذا العنوان؟ ولعل الأمثلة التي أفتتح بها هذا اللقاء تقرب لنا المعنى، ثم ننتقل بعد ذلك إلى التأصيل والتقعيد والتفريع والبيان بإذن الله.

    تقتلون الحسين وتسألون عن قتل الذباب في الحرم؟!

    جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو في بيت الله الحرام فقال له: [يا بن عباس! ما حكم قتل الذباب في الحرم؟ فقال له ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من أي بلد أنت؟ قال: من العراق . قال: عجباً لكم يا أهل العراق ! تقتلون الحسين وتسألون عن قتل الذباب في الحرم].

    أمثلة للانفصام داخل الأسرة المسلمة

    منذ سنوات يقول أحد المشايخ: كنت مسافراً خارج المملكة ، فرأيت رجلاً من أهل هذه البلاد ومن أسرة معروفة، معه زوجته وأبناؤه وبناته، فإذا البنات سافرات، وإذا المرأة محتجبة، فسألته: إلى أين تذهبون؟ قال: لقد وعدت أبنائي أنهم إذا نجحوا في الامتحان أن أذهب بهم إلى بلد ما، وكانوا قد ذهبوا إلى أسبانيا ، يقول: ثم بعد ذلك سألني هذا الرجل، وقال: نحن في أيام عيد الأضحى، فهل الأفضل أن أوكل على أضحيتي في داخل بلدنا أو نضحي في أسبانيا؟

    سبحان الله! البنات كاشفات عاريات يذهبن إلى ما حرم الله -كما رآهن الرجل في الطائرة- ويشغل باله: هل الأفضل أن يذبح الأضحية في بلده أو في أسبانيا !! إنه والله الفصام النكد!

    يقول أحد المشايخ: قال لي أحد الشباب: إن أختي تدرس في أمريكا وحدها، ثم جاءت من أمريكا وقالت لي -وكان هذا الشاب ملتزماً-: أريد أن تذهب معي إلى مكة ، قلت: لماذا؟ قالت: إني أريد أن آخذ عمرة، ولا بد أن يكون معي محرم، قلت لها: ألست تذهبين إلى أمريكا وحدك؟ قالت: لا. أمريكا شيء والحرم شيء آخر! إنه فصام نكد!

    اتصلت إحدى النساء بأحد المشايخ فقالت له: إن زوجي -وكان هذا الشيخ يعرف زوجها بحسن خلقه في المؤسسة التي يعمل فيها، وبتلطفه وبشاشته مع من يقابلهم- إن زوجي عندما يدخل إلى البيت يخلع ثيابه -أعزكم الله- وحذاءه، وأخلاقه، ثم يدخل إلى البيت. إنه والله الفصام النكد!

    انفصام جامعة الدول العربية

    أمثلة كثيرة جداً تقرب لنا هذا المعنى على مستوى الأفراد والأسر، لكن ماذا عن مستوى هذا الفصام في عموم الأمة، وفي واقع الأمة؟

    أغلب الدول العربية والإسلامية تكتب في دساتيرها أن دينها الإسلام، ولكن: هل -فعلاً- نحن نرى هذا الإسلام مطبقاً على أرض الواقع في تحكيم شريعة الله جل وعلا في كثير من هذه الدول؟

    وهناك قصة أثرت فيّ كثيراً أقرأ عليكم نصها؛ لأن النص أبلغ من التعبير والحكاية:

    سماحة الإمام العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية رحمه الله، أرسلت له جامعة الدول العربية رسالة تتضمن بحثاً من أجل بحث توحيد الأهلة، أو توحيد مطالع الصيام والاتفاق على يوم واحد بين الدول العربية؛ لأنها جامعة الدول العربية وتريد أن تجمع الناس على أن يصوموا في يوم واحد وأن يفطروا في يوم واحد، فماذا تتوقعون من هذا الإمام؟!

    هل قرأ البحث؟ هل كتب ملاحظاته العلمية على هذه البحوث؟ هل أرسل مندوباً يشارك في هذا المؤتمر؟!!

    استمعوا إلى الجواب:

    رد الرسالة من حيث أتت دون أن يقرأ البحث، وكتب فيها: أفيدكم أن هذه مسألة فرعية والحق فيها معروف كالشمس، والفصل في ذلك في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ثم قال: وهذا ليس هو المهم -أي أن تنظر جامعة الدول العربية في مثل هذه المسألة- وإنما المهم النظر في الأصول العظام التي الإخلال بها هادم للدين من أساسه، وذلك مثل مسائل توحيد الله جل وعلا، بإثبات ما أثبت لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات، إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل، وكذلك توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وكذلك توحيد الاتباع، والحكم بين الناس عند النزاع، بألا يحاكم إلا إلى الكتاب والسنة ولا يحكم إلا بهما، وهذا هو مضمون الشهادتين اللتين هما أساس المسألة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بألا يعبد إلا الله، وألا يعبد إلا بما شرعه رسوله صلى الله عليه وسلم، وألا يحكم عند النزاع إلا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الحقيق بأن يهتم به وتعقد المجالس والمجتمعات لتحقيقه وتطبيقه.

    لذا لا أرى ولا أوافق على هذا الاجتماع الذي هو بخصوص النظر فيما يتعلق بأهلة الصوم والفطر ونحوهما، وقد درجت القرون السابقة على هذا، وجنس الخلاف في ذلك معروف ولم يروه من الضار، ولا مما يحوج إلى الاجتماع للنظر فيه، والسلام عليكم!!

    ما أعجب هذه العبارات! تستحق أن تكتب بماء من ذهب، هذا الإمام الذي فقه وفهم حقيقة الفصام النكد.

    هل رأيتم جامعة الدول العربية منذ أنشئت عقدت مؤتمراً يتعلق بتوحيد الألوهية والربوبية، وبتوحيد الأسماء والصفات؟!

    أدرك هذه الحقيقة سماحة الشيخ فرفض أن يُستغل، وهذا هو الفقه الحقيقي لواقع الأمة، والقضاء على الفصام النكد من أجل تحويل الإسلام إلى فروع وهوامش، وأن تترك الأمور العظام يحاكم فيها إلى البشر وإلى شريعة الطاغوت، رفض ذلك وقال: إن كنتم جادين في هذا الاجتماع فادعوا إلى الاجتماع لتوحيد الربوبية والألوهية، من أجل أن تتوحد الدول العربية، أو من أجل تحكيم شريعة الله جل وعلا، أما أن تختلف المطالع، أو أن يختلف بدء الصيام أو غيره، فهذا أمر لا يضر فيه الخلاف فرحمه الله.

    انفصام بلاد المسلمين في التعامل مع الشرع

    لفت نظري أمر في قضية الفصام النكد في واقع بلاد المسلمين، تأملت فإذا أغلب بلاد المسلمين تهتم بالصلاة وتقيم المساجد وتعين الأئمة، وكذلك نجدها تهتم بالصيام وتعلن بدء دخول رمضان والخروج منه، وكل دولة من الدول ذات الشعوب الإسلامية تنظم الحج والعمرة، ولكن -وهذه ولا شك بعض أركان الإسلام- بل إنهم يشهدون أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولكن هل هم يعنون بتحكيم شريعة الله كما يعنون بهذه الأركان؟ هل هم يأخذون من الكتاب والسنة في كل شئون حياتهم أو لا؟ عجباً والله! إنه فصام نكد.

    وآخر مثال أذكره: أنه عندما يعين رئيس أو يتولى مسئول كبير كوزير أو كرئيس برلمان يقسم على المصحف، فتأملت! هل هو عندما يقسم على المصحف ينفذ فعلاً وحقيقةً ما في هذا المصحف، أو ينتهي الإسلام في مفهومهم عند القسم على المصحف؟! أما بماذا يحكم، وإلى ماذا يتحاكم الناس في كثير من بلاد المسلمين؟ فهو شأن آخر! إنه فصام نكد.

    1.   

    خصائص تبين لنا بإجمال الواقع الذي تعيشه الأمة

    أيها الأحبة: هذه حقائق تبين لنا بإجمال الواقع الذي تعيشه الأمة، وهنا يأتي السؤال: لماذا هذه المحاضرة وفي هذا الوقت بالذات؟

    أقول: لأن الأمة تمر بمرحلة حرجة في تاريخها، أعداؤنا قد أعلنوا عن أهدافهم: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118] والواجب يتطلب منا أن نكون على أهبة الاستعداد لمواجهة هذا الظلم والطغيان والعدوان، فهل نحن مؤهلون لذلك؟

    الهزيمة الداخلية التي تعاني منها الأمة

    هذا الانفصام النكد في حياتنا أكبر عقبة تواجهها الأمة مع أعدائها، مشكلة الأمة في داخلها وبُعدها عن الله جل وعلا، وضعف عقيدتها وبعدها عن هديه وشرعه! والفصام النكد الذي أتحدث عنه جزء من هذا الانحراف وهذا الخلل الداخلي.

    حقيقة مطلقة لا ريب فيها ولا شك: لن ننتصر على أعدائنا بقوتنا المادية أبداً، بل إننا لا نملك من القوة المادية ما يملكه أعداؤنا.

    إذاً.. بماذا ننتصر على أعدائنا؟! ننتصر على أعدائنا بإيماننا.. بإسلامنا .. بعقيدتنا .. بتلاحمنا وقوتنا واتفاقنا، وهل واقعنا هو ذلك؟

    الفصام النكد -الذي أشرت إلى بعضه- أخطر ما يمكن أن يلج من خلاله الأعداء إلينا، إذا استمر هذا الفصام من الفهم الناقص للإسلام، والخلل الذي وقع فيه كثير من المسلمين، فإنني أخشى على الأمة أن تنهزم أمام عدوها.

    إن أخطر سلاح يوجهه الأعداء إلينا هو سلاح ضعف الداخل فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر:2] لا تتساهلوا في قضية خطر الداخل -أيها الأحبة- إن استطعنا أن نبني داخلنا وأن نبني الأمة من داخلها فلا تخافوا على أنفسكم من عدوكم، وحقائق التاريخ ناطقة بذلك، وضرب الأمثلة تبين هذه الحقيقة.

    في أحد هزم الصحابة رضوان الله عليهم ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما سبب هذه الهزيمة التي تحدثت عنها سورة آل عمران؟ إنها معصية ومخالفة واحدة من بعض الرماة، والرماة ليسوا إلا بعضاً من الجيش، ومع ذلك حلت الهزيمة مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران:152].

    في حنين أفراد من هذا الجيش العظيم، من أعظم الجيوش التي انطلقت وقادها رسول الله صلى الله عليه وسلم عدداً وعدة، قال قائلهم: لن نغلب اليوم من قلة، عمل قلبي فيه شيء من الإعجاب بالنفس، والاعتماد على الكثرة والعدد المادي، فماذا كانت النتيجة؟ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة:25].

    أرأيتم كيف تكون الهزيمة، وهم خير جيل خرج على وجه الأرض، ويقودهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك حدثت الهزيمة، قارنوا حالهم بحالنا، قارنوا ما حدث منهم بما يحدث من الأمة الآن، وما يحدث في داخل الأمة إذا كانت في أحد معصية واحدة ومن بعض الرماة الذين هم بعض الجيش وتحدث الهزيمة، وكذلك في حنين، بعضهم يقول: لن نغلب اليوم من قلة، ومع ذلك تحدث الهزيمة، ماذا نقول عن واقع أمتنا وهي الآن دخلت مرحلة المواجهة المباشرة مع أعدائها؟!

    أذكركم: قبل عشر سنوات أو أكثر ذكرت لكم أن الأمة لا بد أن تدخل المواجهة بجميعها مع عدوها، هذا الكلام قلته عام (1411هـ) الآن دخلت الأمة بأجمعها في المعركة فلا يوجد إلا منتصر أو مهزوم، أسأل الله أن ينصرنا على أعدائنا.

    من أجل أن نتهيأ لهذه المعركة الطويلة لا بد أن نبني البناء المتكامل، البناء المعنوي والحسي المادي.. محاضرتي ولقائي بكم في هذا اليوم من أجل هذا البناء، ومن أجل معالجة هذا المرض الذي ينخر في صفوف الأمة .. الفصام النكد.

    في المقابل كيف انتصر المسلمون في الأحزاب، ومع أن معركة الأحزاب أعظم من معركتي أحد وحنين ، والعدو أكثر عدداً وعدة، والمؤمنون أقل من ذلك: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [الأحزاب:10-12] ومع ذلك يحدث الانتصار العظيم وتنتصر هذه الأمة، كيف؟! بقوتها المادية؟ لا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً [الأحزاب:9].

    المعاصي وأثرها في تأخير النصر

    عندما تكون الأمة قد توحدت وصَفَت، وخلصت من الشوائب يأتي النصر حتى ولو كانت المقاييس المادية غير متكاملة، أصحاب موسى عليه السلام وهم هاربون من فرعون بذلوا من الأسباب ما يستطيعون، بذل موسى عليه السلام ما يستطيع ثم نجا بقومه، فالتفت قومه فقالوا: يا موسى إنا لمدركون!

    البحر من أمامهم وفرعون من خلفهم! ماذا قال موسى عليه السلام؟! المؤمن الواثق بربه لما أخذ بالأسباب الشرعية: قَالَ كَلَّا [الشعراء:62] و(كلا) كلمة ردع وزجر، لماذا يا موسى؟ قال: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] ماذا حدث؟ جاءت الفاء للتعقب والفورية: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63] لا بد من فعل السبب اليسير مع أنه غير مؤثر من ناحية القوة المادية، ولكنها الحكمة! أن نأخذ بجميع الأسباب المادية والمعنوية والنصر يأتي من عند الله جل وعلا.

    لا تتساهلوا في قضية المعاصي، فقه هذا الصحابة رضوان الله عليهم، وانظروا إلى هذه الحقيقة التاريخية!

    كان سعد رضي الله تعالى عنه قائد القادسية في مقابل الفرس، وبينهم النهر؛ كيف يعبر على النهر؟ تأخرت المراكب، والجيش إذا تأخر عنه المراكب والمدد أثر ذلك فيه، فماذا فعل؟

    أينتظر حتى تأتيه المراكب من مكان بعيد، وهذا يؤثر في معنويات الجيش، وتضعف الإمدادات، خاصة وأن جيش المسلمين جاء من مسافات بعيدة، وجيش الفرس يقاتل من بلده، والذي يقاتل من بلده يكون أقوى؛ على اختلاف الظروف والأحوال، فماذا فعل سعد الذي فقه كمال وشمول هذا الدين وأنه لا انفصام فيه؟ أتعلمون ماذا فعل؟

    قال لـسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه: يا سلمان! اذهب وانظر إلى الجيش في الليل وأخبرني ماذا يفعلون، فذهب سلمان رضي الله تعالى عنه فكيف وجد الجيش؟ قارِنوا بين هذه الصورة وبين كثير من جيوش بلاد المسلمين، وجدهم بين راكع وساجد وذاكر ومستغفر وتالٍ للقرآن ونائم، لم ير معصية في الجيش، فجاء إلى سعد رضي الله تعالى مع الفجر عنه وقص عليه ما رأى. قال: إذا صليت الفجر فإنني سأركب فرسي وآمر الجيش أن ينطلقوا ويمشوا على النهر بخيولهم فانطلقوا خلفي، فركب فرسه بعد صلاة الفجر، ثم ضرب فرسه وكبّر وانطلقوا خلفه، فجمد الله النهر له: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الفتح:4] فلما رآهم الفرس هربوا بدون قتال، أناس يمشون على النهر؟! نعم. إن الذي فلق البحر لموسى عليه السلام ولقومه جمده لـسعد رضي الله تعالى عنه ومن معه، لكن متى فعل ذلك سعد؟

    فعل ذلك عندما اطمأن أنه لا معصية.. لا محادة لله جل وعلا.. أيقن بوعد الله: وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47] ونحن نؤمن بالكرامات الثابتة الصادقة.

    إذاً: هذه الحقيقة -أيها الأحبة- تنقلنا إلى ما أريد أن أصل إليه فأقول: هل واقع الأمة بذنوبها ومعاصيها وتصوراتها يؤهلها الآن للنصر على أعدائها؟ لا. نحن في القوة المادية قريباً من العدو، نعم. نحن مسلمون والحمد لله وهم كفار، ولكن كما بينت لكم: قد تخذل الأمة بمعصية من المعاصي.

    1.   

    حقيقة الدين.. وكيف وقعنا في الفصام النكد

    هذا ما يجعلني أنتقل إلى تأصيل الموضوع فأقول: ما هي حقيقة هذا الدين؟ وكيف وقعنا في الفصام النكد؟

    حقيقة الدين كل لا يتجزأ

    هذا الدين كلٌ لا يتجزأ، يقول الله جل وعلا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] فالإسلام دين كامل شامل: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] لا يجوز أن يؤخذ من الإسلام شيء ويُترك شيء آخر: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة:85].

    هذا هو الدين، دين الشمول والكمال!

    سأل يهودي سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه فقال له: قد علمكم نبيكم كل شيء؟ فقال سلمان رضي الله تعالى عنه: (أجل قد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة، نهانا أن نستقبل القبلة أو نستدبرها بغائط أو بول، ونهانا عن الاستنجاء برجيع أو عظم) لاحظوا هذه التفاصيل الدقيقة في هذا الدين والتي ذكرها سلمان، إذا كان هذا الدين علمنا كل شيء حتى الخراءة؛ أيترك قضايا التحكيم والحاكمية وشئون المجتمع والأسرة، فماذا يريد أولئك؟ يريدون أن يحصروا الإسلام في عبادات خاصة، وهم في النهاية يقولون: (دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر).

    يقول أحد الصحابة: [ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائر يقلب جناحيه في السماء إلا أعطانا منه علماً؛ علمه من علمه وجهله من جهله] هذا هو الدين، دين شامل كامل، ليس خاصاً بالصلاة والزكاة وأركان الإسلام فقط: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] لو تأملنا هذه الآية لوجدنا فيها عجباً: (قل إن صلاتي ونسكي) جمع فيه توحيد الألوهية والربوبية (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أي ما بين الحياة والموت كله لله رب العالمين، لا شريك له أبداً.

    هؤلاء الذين يستقون منهاجهم من غير القرآن والسنة يعيشون انفصاماً عجيباً في حياتهم وفي مفهومهم لهذا الدين، يعيشون خللاً لا بد أن نعود عاجلاً لتصحيحه قبل أن تقع الهزيمة على الأمة، ما هزم من هزم في بلاد المسلمين إلا بذنوبهم ومعاصيهم وبعدهم عن الله جل وعلا. خذوا مثلاً واحداً يبين هذه الحقيقة:

    فلسطين قضية المسلمين الأولى في الوقت الحالي، والقضية التي ثبتت فيها النصوص، كيف هزم العرب خلال حروب متوالية قرابة أربعين أو ثلاثين سنة؟ دخلوا حروباً متعددة مع اليهود وهزموا فيها ما عدا معركة واحدة هي معركة العاشر من رمضان كان في أولها الانتصار ثم حدثت الهزيمة لأسباب لا تخفى عليكم، ولكن لعل من أسباب انتصارهم أنهم دخلوا المعركة وهم صائمون، أي أن الجنود كانوا صادقين في معركتهم وقتالهم، لكن اضطرت -كما يقولون- الأمة إلى الاستسلام والهوان والضعف، ما الذي حدث بعد ذلك؟

    لما أفلست جميع المنظمات والحكومات العربية في أن تتقدم خطوة واحدة في قضية فلسطين مع اليهود، استسلام يتلوه استسلام، وهزائم متوالية، قام هؤلاء الفتية من الشباب ممن يسمون بشباب الانتفاضة، وبدءوا المعركة ولكن بماذا؟ بالصواريخ؟ بالطائرات؟! لا. بل بالحجارة.

    لكن هذه اليد التي تحمل الحجارة تحمل قبل ذلك وتربت قبل ذلك على لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    راعية اليهود وراعية إسرائيل أمريكا وبريطانيا والغرب عموماً لم يكن يحسب للعرب حساباً كما يحسب لهم اليوم، أصبح هؤلاء الشباب خلال سنوات معدودة يحولون قرارات الدول إلى حبر على ورق، آخر قرار في اجتماع العقبة ، يجتمع فيه رئيس أمريكا -كما يقولون: أقوى دولة في العالم- وزعيم اليهود، وآخر يمثل منظمة فلسطينية ولا يمثل فلسطين ، واتخذوا قراراتهم، لكن هل نجحت القرارات؟ لا. لأن الطرف المعني بالقضية غائب، الذين يحملون الجهاد لم يحضروا هذا المؤتمر، ولذلك لم يكن لها أدنى شأن.

    أتعلمون أن إخواننا الذين في فلسطين والذين يعيشون أشد الأزمات قد حققوا أعظم الانتصارات في تاريخ القضية الفلسطينية، وأصبحت مشاريع السلام حبراً على ورق، ذهبت المنظمات التي كانت ترفع لواء القومية والشعوبية، انتهت التي كانت تدعي قبل ثلاثين سنة بأنها ستلقي باليهود في البحر، أصبحوا أثراً بعد عين، لم يبق منهم إلا أطراف، أصبح الذي صوته مرتفع هي المنظمات الجهادية التي تحمل (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

    هذه هي الحقيقة أيها الأحبة! بهذا الدين ننتصر على أعدائنا، المؤامرات والخطط اليوم هي على تلك المنظمتين أو الثلاث من المنظمات الجهادية في داخل فلسطين.

    إذاً: نخلص من هنا ومن هذا الجانب إلى أن هذا الدين دين شامل كامل لا يمكن أن يُجزّأ، ولا يمكن أن تنتصر الأمة على عدوها وهي تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض كما فعل اليهود، إننا لن ننتصر على أعدائنا إلا بأخذه كاملاً.

    جاء عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك لأبايعك، فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، يقول عمرو بن العاص رضي الله عنه: فقبضت يدي، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: مالك يا عمرو؟! قلت: أريد أن أشترط، قال النبي صلى الله عليه وسلم مستنكراً ومتعجباً وسائلاً: تشترط بماذا؟ -الإسلام ليس فيه شروط، الإسلام تدخل فيه كاملاً- قال: أشترط أن يُغفر لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الهجرة تجب ما قبلها، وأن الحج يجب ما قبله).

    أما لو أراد أن يشترط شروطاً أخرى لكي يستثني أموراً من الإسلام ما قبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الإسلام وهذا الدين دين كامل: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5] هذا هو الدين القيم، هذا هو الدين الحقيقي: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [البينة:5].

    فأين نحن وأين الأمة من هذا الواقع أيها الأحبة الكرام؟!

    مثال من سورة النور على شمول الدين وكماله

    وأختم بهذا المثل فيما يتعلق بهذه القضية وهي شمول الدين وكماله، لا كما يزعم المنافقون والعلمانيون ومن تأثر بهم من أبناء المسلمين رجالاً ونساءً، خذوا مثلاً واحداً (سورة النور) وهي سورة واحدة من القرآن العظيم، ولا شك أن كل آية وردت في القرآن يجب الإيمان بها ومن كفر بآية فقد كفر بالقرآن.

    هذه السورة هل فيها الصلاة والزكاة والحج فقط؟ لا. فيها الحدود، وتصوروا هذه الأمثلة من هذه القضايا، فسورة النور فيها الحجاب، وهؤلاء الذين يقولون ما علاقة الإسلام بالحجاب، بل فيها زينة المرأة، والاستئذان، وآداب الاستئذان، سبحان الله! عجيب أمر هذا الدين، حتى الاستئذان؟! نعم. حتى الاستئذان، وفيها الجهاد.

    لاحظوا! الحدود مع الاستئذان مع الجهاد، لا نقول هذه قضايا كبيرة وهذه صغيرة، بل نقول: كلها من عند الله عز وجل، وفيها الطاعة لله ولرسوله، وعلاقة الرجل بأهله، ودخول الأطفال، حتى قضية متى يدخل الأطفال إذا بلغوا الحلم ومتى يمنعون من الدخول، وفيها -أيضاً- حكم الأكل من مال الغير، وكذا نزول المطر والآيات الكونية: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً [النور:43] وفيها.. وفيها.. وهي سورة واحدة شملت كل هذه الأشياء، مابين جهاد وحدود واستئذان وآيات كونية، وهذا يدل على شمول هذا الدين وكماله، فما بال أولئك الذين يريدون أن يجزئوا ديننا؟! وما بال أولئك الذين يعيشون الانفصام النكد يقولون: هذا هو الإسلام وهم لم يفهموا الإسلام حقيقة؟!

    1.   

    صور من الانفصام الذي تعيشه الأمة

    لفتت نظري هذه الآية العجيبة في سورة البقرة وأنا أبحث عن قضية الانفصام، يقول الله جل وعلا: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] ما الذي لفت نظري؟!

    المعروف لدينا أن من عنده انفصام في الشخصية يعتبر فيه شيء من الجنون -أي: من الخلل في العقل- هذا في انفصام الشخصية المعروف طبياً.

    إذاً: حتى هنا الانفصام في أمور العمل أو العقيدة أو السلوك، يقول الله جل وعلا: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44] ولم يقل: ( أفلا تؤمنون ) وما قال: ( أفلا تعلمون ) وإنما قال: ( أفلا تعقلون ) الرجل الذي عنده انفصام في فهمه وتصوراته عنده نقص في عقله، نعم. إذا كان الذي يفرق بين الأمر والنهي وبين التطبيق يقول الله له: ( أفلا تعقلون ) فما بالك بغيره؟!

    خذوا بعض هذه الأمثلة السريعة:

    الانفصام في أمور العبادة

    من صور الانفصام: الانفصام في أمور العقيدة بين التصور والسلوك، والانفصام في العبادة وقصرها على بعض أنواعها.

    إذا أطلقنا مفهوم العبادة أتعلمون إلى أين ينصرف الذهن؟ ينصرف إلى الصلاة والصيام والحج والصدقة، وبعض العبادات، وهل هذه هي العبادة فقط؟ نعم. لا شك أن هذه هي من أعظم العبادات، ولكن يقول الله جل وعلا في سورة يوسف: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [يوسف:40] فاعتبر الحكم بما أنزل الله جل وعلا في كل شئون الحياة عبادة، ثم وصفه بأنه الدين القيم.

    سبحان الله! هل فعلاً عندما نتحدث عن العبادة يتبادر إلى أذهاننا أن الحكم بما أنزل الله عبادة؟ وأنه هو الدين القيم؟

    مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله [يوسف:76] ودين الملك أي: حكم الملك، فسماه الله ديناً بينما نحن نتصور أن الدين مقصور على بعض أنواعه.

    الانفصام في الأخلاق والتعامل والحكم على الآخرين

    الانفصام بين مظاهر الشرائع ومقاصدها، وهذا له وقفة بإذن الله ستأتي وهي من أهم ما أطرحه هنا، ومن فضل الله علينا أن وُلدنا مسلمين ونؤدي شعائر الإسلام، ولكن ألحظ وتلحظون أن العناية بمظاهر الشعائر دون التعمق في المقاصد والدلالات، نصلي لكن كم منا من يدرك صلاته ويعقل صلاته؟ لو سألت الآن ماذا قرأ الإمام في صلاة المغرب اليوم؟ كم منا فعلاً من يدرك ذلك؟ كيف كانت آثار الصلوات والعبادات؟ هذا فيه نوع من الانفصام في واقع الأمة.

    الانفصام في الأخلاق والتعامل، والحكم على الآخرين، حتى رأيت عجباً لم أره في التاريخ من قبل: أن هناك من جمع بين التكفير والإرجاء في وقت واحد! وهذا والله عجب!

    العلماء عندما يتحدثون عن الخوارج؛ فهم الذين يكفرون بالمعصية، وعندما يتحدثون عن المرجئة فهم الذين أرجئوا العمل عن الإيمان وقالوا: الإيمان هو التصديق فقط، لكن في زماننا هذا وجد انفصام عجيب، تجد الشخص نفسه يجمع بين الإرجاء والتكفير، كيف؟

    تجده يكفر ببعض المعاصي والذنوب في وجه من لا يستحق التكفير، فيكون وقع فيما وقعت فيه الخوارج ، وفي الوقت نفسه تجده يأخذ منهج الإرجاء مع بعض من لا يطبقون شرع الله، وقد يكونون وقعوا في الكفر في أعمالهم ومع ذلك لا يكفرهم، انفصام عجيب!

    قرأت في إحدى الصحف منذ أيام أن هناك رجلاً له مكانته وعلمه يقول عن بعض المسلمين الذين قاموا -على قوله وإلا نحن لا نعلم- بالتفجيرات قال: هؤلاء خرجوا عن الإسلام، ما دليلك؟ قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) مع أن هذا الحديث تكلم عنه العلماء وبينوا أن الكفر هنا ليس الكفر المخرج عن الملة، بينما قال هو: خرجوا عن الإسلام وانسلخوا منه، بينما في باب آخر قد وقع في الإرجاء. وهذا بلاء وانفصام في حياة كثير من المسلمين!

    الانفصام في الطاعة والولاء والبراء

    الانفصام في الطاعة: فنجد من يطيع البشر ويطيع المخلوقين طاعة مطلقة، أو شبه مطلقة، يطيع رئيسه والمسئول عنه طاعة مطلقة أو شبه مطلقة حتى في معصية الله، بينما لا تجده كذلك مع الله جل وعلا، تجد التساهل والتهاون والتسويف والتأخير.

    أقرب مثال بسيط يقرب هذه الحقيقة؛ لكنه والله عظيم:

    تأتينا أسئلة كثيرة يقول السائل فيها: أنا أنام متأخراً في الليل وأضبط الساعة على الدوام -الساعة السابعة أو السابعة والنصف- ثم أقوم وأصلي الفجر! سبحان الله! لاحظوا أنه في حق المخلوقين ضبط الساعة على بدء الدوام تماماً بينما في صلاة الفجر أخرها حتى طلعت الشمس، عجيب والله هذا الأمر!

    لماذا تكون الرغبة والرهبة من المخلوقين أعظم من الخالق جل وعلا؟! هذا واقع نمارسه ونراه في كثير من واقع المسلمين.

    ومن أعظم ما رأيت في باب الانفصام في الولاء والبراء، والولاء والبراء أمر عظيم وركن ركين من أركان الإيمان يجب العناية به وخاصة في هذا الزمن، يجب البراءة من المنافقين والكافرين وأعداء الدين والولاء للمؤمنين، لكن ما الذي نراه، هناك فعلاً من تجد أنهم قد قاموا بما يجب عليهم من البراءة من أعداء الله، لكنهم أخلوا في ركن الولاء للمؤمنين، وقصروا في ركن الولاء للمؤمنين، مع أن العلماء لا ينطقون هذين الأصلين إلا جميعاً: "الولاء والبراء" الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين والمشركين، لكن تجده في باب البراء يفقه هذا الأمر فقهاً عجيباً ويطبقه تطبيقاً حسناً، بل قد يصل إلى الغلو أحياناً.

    لكن في باب الولاء للمؤمنين تجد تقصيراً، بل ربما يقع حتى في البراءة من بعض المؤمنين علم أم لم يعلم، وهذا انفصام في هذا المفهوم وفي هذا الركن العظيم.

    1.   

    تطبيقات عملية للفصام من خلال الأركان الخمسة

    وزبدة الموضوع وخلاصته تطبيقات عملية من خلال أركان الإسلام:

    تعدي أثر الأركان الخمسة إلى واقع الحياة

    لفت نظري أيها الإخوة! أمر يغيب عن الذهن أحياناً بسبب جهلنا وتقصيرنا -وأعترف بذلك على نفسي- وجدت أن الأركان الخمسة جميعاً: الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج كلها تتعدى المفهوم المباشر منها إلى واقع الحياة جميعاً، والأمثلة بإذن الله توضح هذا الجانب.

    كثير من الناس مفهومه عن الصلاة أنه إذا خرج من باب المسجد انتهت الصلاة، أو أنه إذا خرج رمضان أو أمسك عن الطعام والشراب فقد قام بالصيام، أو أنه إذا نطق الشهادتين فقد قام بما يجب عليه، وجدت الأمر يختلف عن ذلك كثيراً.

    فالشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج لها آثار في واقع الأمة وفي حياتك اليومية، وليس فيما يظهر لك فقط، والنصوص شاهدة دليلة سأذكرها لكم بإذن الله.

    أذكر لكم ما يجمع هذه النصوص: أول ما لفت نظري وأهداه إليّ أحد الإخوة جزاه الله خيراً، قصة الصحابي الذي جاء وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يجب عليه؟ فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام الخمسة، فلما ذكر أركان الإسلام الخمسة، ماذا قال الرجل: [والله لا أزيد على ذلك ولا أنقص] فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ (أفلح وأبيه إن صدق) وأفلح أي: حاز الفلاح أجمع، وأبيه إن صدق، ولاحظوا كلمة: ( إن صدق ) فذهبت أبحث فوجدت العلماء كـابن حجر والنووي وغيرهما رحمهم الله قالوا: ليس المقصود هذه الأركان الخمسة فقط؛ لأن الإنسان لو أقام هذه الأركان الخمسة واقتصر عليها ولكنه خالفها أو قصر في غيرها ما حقق الفلاح، فكلمة النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن صدق ) تدل على أن هذه الأركان الخمسة لها لوازم، ولها آثار سيلتزم بها هذا الرجل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفلح وأبيه إن صدق) وهذا سيبينه ما يأتي من أدلة، حتى نأخذ الأدلة بعضها مع بعض ولا نضرب بعضها ببعض.

    خذوا من هذه الأمثلة:

    نجد جميع الأركان الخمسة تحقق معنى العبودية والتقوى، وما هي التقوى؟ التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل، كل واحدة من الأركان الخمسة ربطت بالتقوى:

    خلِّ الذنوب صغيرها     وكبيرها ذاك التقى

    واصنع كماشٍ فوق أرض     الشوك يحذر ما يرى

    لا تحقرن صغيـرة     إن الجبال من الحصى

    هذه هي التقوى!

    تَمثُل وسطية المنهج في الأركان الخمسة

    وجدت في جميع الأركان الخمسة أنها تمثل منهج الوسطية والتيسير لا التمييع والتساهل، ولا التشديد والغلو، ووجدت في الأركان الخمسة وحدة الأمة من خلال القبلة، فكلنا نتجه إلى قبلة واحدة، وكذلك نصوم شهراً واحداً، ونحج بيتاً واحداً ولنا مشاعر واحدة، الدقة والنظام، كلها آثار من آثار الأركان الخمسة، بل أعظم ذلك: وحدة مصدر التلقي.

    فمما لفت نظري في رمضان وفي الحج بالذات أمر عجيب، يأتيك الناس ويسألونك عن أدق الأسئلة، يقول لك أحدهم: إنني وأنا صائم مررت فجاء الغبار ودخل فمي فهل أفطرت أم لا؟ يقول آخر: إنني شممت رائحة نفاذة فهل أفطرت أم لم أفطر؟ ويقول ثالث: وضعت القطرة في عيني فهل أفطرت أم لم أفطر؟!

    لماذا يسألون هذه الأسئلة؟ يريدون أن يصونوا صومهم وحق لهم ذلك، حسناً: هل أنت تجيبهم من عندك، أو مما ثبت عن الله ورسوله، وقاله العلماء بعد ذلك؟ إذاً: هل نحن نصون ديننا وإسلامنا كما نصون صيامنا.

    وأعجب الأسئلة في موضوع الحج، حتى أذكر من الطرائف أن أحد المشايخ جاءه شخص وقال: يا شيخ! رميت جمرة العقبة، ثم ذهبت من أجل أن أطوف ولكني مررت على صديق لي فشربت عنده الشاي ولم أنتبه، فهل وقعت في محظور أو لا؟! طبعاً لم يقع في محظور، لكن حرصه على حجه جعله يقع في هذا السؤال العجيب.

    وأسئلة الحج عجيبة جداً، لماذا يسألون؟ من أجل صيانة حجهم، وحق لهم ذلك بدون غلو، فهل نحن نصون إسلامنا وعقيدتنا وديننا كما نصون صيامنا وحجنا وزكاتنا وصلاتنا؟ وهذه كلها تبين آثار هذه العبادات.

    الأثر العملي لتطبيق التوحيد

    ونجد مثلاً في توحيد الألوهية والربوبية، هل في واقعك -أخي الكريم- تطبق توحيد الألوهية والربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات كما ينبغي، هل واقع الأمة كذلك؟ هل الأمة الآن في كل دولها تطبق شريعة الله جل وعلا وتتحاكم إليه؟

    توحيد الربوبية هو: توحيد الله بأفعاله، توحيد الألوهية: توحيد الله بأفعال العباد، وهو الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، وتوحيد الأسماء والصفات هو: توحيد الله بأسمائه وصفاته وإثبات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم.

    مثال في موضوع التوحيد:

    كلنا نؤمن بالأسماء والصفات والحمد لله، نثبت لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن تعالوا ننظر في هذا الإثبات: تقول لأي إنسان: من الرازق؟ يقول لك: الله، كلام صحيح.. جيد.. على الفطرة والعقيدة، لكن بعد قليل ممكن أن يحدثك يقول لك: فلان يريد أن يقطع رزقي، تجد أنه يتنازل في أمر دينه من أجل الرزق، تقول له: لماذا ترتكب هذه المعاصي؟ يقول لك: أخشى أن أفصل من وظيفتي.

    تقول له: لماذا تشتغل في بنك ربوي؟ يقول لك: ما وجدت مصدر رزق غيره، سبحان الله! ألست تقول: إن الله هو الرزاق، ويقول الله: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58] ألم يقل الله سبحانه وتعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] أين إيماننا الحقيقي بالأسماء والصفات؟

    مثلٌ أعظم: كلنا نؤمن والحمد لله بأسماء الله وصفاته فيما يتعلق بعظمته وكبريائه وقوته جل وعلا، لكن هل قلوبنا الآن مطمئنة كما اطمأن موسى عليه السلام؟! نضخم أمريكا وقدرتها، ونقول: إن أمريكا فيها.. وفيها.. وفيها.. لو عظمنا الله حق قدره، ولو قَدَرْنا الله حق قدره والله ما خفنا من غيره، جميع آيات القرآن -يا أحبتي الكرام- كلها جاءت بلفظ النهي عن الخشية من غير الله جل وعلا: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ [آل عمران:175].. فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي [البقرة:150] هل نحن نخاف من أمريكا أم نخاف من الله جل وعلا؟! هل ثقتنا بالله جل وعلا تجعلنا نأخذ الأسباب الحقيقية والمادية ولا نخاف من أعدائنا الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].

    ولعل من المناسبات الجميلة والمواقف العجيبة أنه عندما حوصرت جدة من قبل جيش الموحدين جاء من يقول لذاك الجيش: إن بريطانيا تملك طائرات وقد تقصف الجيش، فأتى أعرابي على فطرته السليمة لم يدرس ولم يقرأ ولكنه عرف كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وآمن بأسماء الله وصفاته على حقيقتها وبلوازمها وآثارها، أتعلمون ماذا قال لما سمع هذا الكلام؟ قال: هذه الطائرة التي تخوفوننا بها -طبعاً سؤال هو يعرف جوابه، لكن من أجل أن يجيب- هل هي فوق الله أم تحت الله؟ قالوا: لا. أستغفر الله بل هي تحت الله، قال: إذاً لا تخافوا منها. وهذا الذي وقع.

    إيمان بسيط لكنه عظيم!

    إذاً: إيماننا بالأسماء والصفات لا يقتصر على المعرفة الذهنية كما هو واقع كثير من الناس، يحتاج إلى الإيمان والتفاعل الحقيقي، وعدم الخشية إلا من الله جل وعلا، مع الأخذ بالأسباب، انظر كيف انتصر من قبلنا من الأمم: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:249] لكن متى؟ عندما نؤمن ونوقن بوعد الله جل وعلا، وعندما نؤمن بالأسماء والصفات ولوازم الأسماء والصفات.

    إذاً: التوحيد -أيها الأحبة- يتعدى إلى واقع الحياة، وليس معرفة ذهنية فحسب كما يفهم كثير من الناس.

    الصلاة وتعدي أثرها إلى واقع الحياة العملي

    لفتت نظري هذه الآية في سورة العنكبوت: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] (ال) هنا للعهد أي: الصلاة المعهودة التي فرضها الله جل وعلا على محمد صلى الله عليه وسلم من حقيقتها ومن لوازمها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإذا رأيت من نفسك -يا أخي الكريم- أنك وقعت في منكر أو في أي خطأ فلا شك أن ذلك بسبب قصور في الصلاة؛ لأن الذي يصلي الصلاة الحقيقية لا بد أن تنهاه عن الفحشاء، فبمقدار ارتكاب المسلم للفحشاء والمنكر هو انعكاس عن نقص في الصلاة؛ لأنه لو صلاها كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقع في الفحشاء والمنكر؛ لأن الله يقول -وقوله الحق-: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    أرأيتم أن الصلاة تتعدى حدود خارج الباب؟!

    أوضح من ذلك: قوم شعيب لما أمرهم عليه السلام بتوحيد الله جل وعلا ونهاهم عن تطفيف المكاييل والموازين قالوا له: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ [هود:87] فقهوا أن الصلاة الحقيقية تستلزم أمرين: التوحيد: ( أن نترك ما يعبد آباؤنا ) وتستلزم السياسة الاقتصادية: (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ).

    يقول سفيان رحمه الله لما قرأ هذه الآية: [إي والله تأمره بذلك]، وكذلك قال الحسن، ماذا نقول لهؤلاء المنافقين العلمانيين الذين يقولون: صلوا ما شئتم ولكن لا علاقة لكم بالاقتصاد، فيقرون الربا والتأمين والمكوس، بينما قوم شعيب فقهوا أن الصلاة الحقيقية التي يأمر بها شعيب عليه السلام تأمر بالتوحيد وبأن تكون السياسة الاقتصادية ملتزمة بشرع الله جل وعلا، سبحان الله! الصلاة؟! نعم الصلاة! وأقسم على ذلك الحسن وسفيان ، قالا: [إي والله تأمره].

    إذاً: الصلاة التي نصليها هنا إذا لم تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فلا خير فينا.

    قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها إلا بعداً] وكذلك الصلاة التي لا تمنع من الربا، ولا المكوس ولا التأمين، ولا الخلل الاقتصادي؛ هذه ليست هي الصلاة التي أمر بها الله جل وعلا.

    أرأيتم اللازم والواقع الذي وقع فيه المسلمون من الانفصام النكد: يخرج من الصلاة ويتعامل بالربا، يخرج من الصلاة ويتعامل مع شركات التأمين المحرمة، يخرج من الصلاة ويتعامل بالغش والمكوس، لم يصل الصلاة الحقيقية، فضلاً عن أن يكون قد وقع في بعض ما يقدح في توحيده.

    ومما لفت نظري -أيضاً- في الصلاة: أننا إن صلينا جميعاً خلف إمام واحد! نركع بعد أن يركع، ونسجد بعد أن يسجد، بل كما جاء في الحديث: لو صلى جالساً لصلينا جلوساً أجمعين، ونحن لا نعاني من مرض مقعد (إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً أجمعون) من أجل وحدة القيادة ووحدة الأمة.

    تأملوا هذا المثل: الآن إذا صلينا كلٌ منا يراعي الصف، ويحاول أن ينتبه ألا يتقدم أحد على أحد، وألا توجد فرج، كل هذا صحيح وهذا من السنة، لكن ما رأيكم في الذي يحرص كل الحرص في الصلاة في المسجد على تسوية الصف والاعتدال وسد الفرج، ثم يخرج من المسجد ويبدأ في تفريق الأمة شيعاً وأحزاباً.

    حدثني أحد الإخوة بالأمس في الحرم وهو موجود معنا الآن، يقول: جاءني شخص في الحرم وعلى مظهره أنه حريص على السنة، ومن باب أولى أن يكون حريصاً على تسوية الصفوف والاعتدال فيها، أتدرون ماذا فعل؟ بدأ يتكلم في المجاهدين وقادة الأمة وعلمائها ودعاتها!

    فهل هذا من الالتزام بالسنة؟! هذا الذي يظهر منه الحرص على تسوية الصف هو لا شك مظهر من مظاهر السنة ومطلب مهم ولا أقلل منه أبداً، لكن أيهما أعظم: أن تسوي وترص الصف أو أن تسوي صفوف الأمة وتوحد قلوبها؟

    ولا تتصوروا أن هذا الرجل كان يتكلم عن المبتدعة، أو الرافضة، أو غلاة الصوفية ، لا. وإنما يتكلم على علماء وقادة أهل السنة ، والمجاهدين في سبيل الله، والمرابطين في الثغور.

    أي انفصام نكد نقع فيه من حيث نشعر أو لا نشعر؟ هذه بعض مظاهر الصلاة.

    الزكاة والصيام وتعدي أثرهما إلى واقع الحياة العملي

    الزكاة: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103] المال ليس مجرد زكاة تخرجها، فإذا كانت الصدقة والزكاة طهرة للمال، فهل طهرنا أموالنا مما يحرم من الغش والخداع والربا والمكوس والتأمين إلى غير ذلك؟!

    أما الصيام فأمره عجب، وأمُرُّ على أبرز ما في الصيام، يقول صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) إذاً: الصيام ليس مجرد الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، بل هو إمساك عن قول الزور وشهادة الزور والعمل به، وشهادة الزور ليست هي الشهادة التي تتبادر إلى أذهاننا، بل هي كل قول محرم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ليس الصيام كما يريد المنافقون والعلمانيون مظهر لا يتعداه إلى غيره، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد فليقل: إني امرؤ صائم) أرأيتم آثار الصيام على المسلم إذا صام؟!

    دقة التوقيت: هل نحن ننضبط في مواعيدنا كما يعلمنا الصيام: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] أين وردت هذه الآية؟ وردت في آيات الصيام، وهنا تظهر وحدة التلقي كما قلت لكم.

    الحج وتعدي أثره إلى واقع الحياة العملي

    وأخيراً الحج:

    يقول الله جل وعلا: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة:197] الحج ليس مجرد الطواف والسعي والانتقال بين المشاعر كما قد يتبادر إلى كثير من الحجاج، بل هو أعظم من ذلك، إنه تربية على ترك الفحشاء والمنكر واللغو والرفث، وأن تستمر بعد ذلك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) هذا هو الحج: وحدة الأمة، كلها تحج في وقت واحد، الدقة والنظام وأداء كل عمل بيومه.

    المظاهر والحقائق:

    كثير من الحجاج يعنون بالمظاهر دون الحقائق، لفت الله نظرنا إلى ذلك بقوله: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج:37] ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقبل الحجر الأسود: [والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك].

    هذه هي الحقيقة! التعامل مع الحقائق لا مع المظاهر فقط.

    التيسير في الحج:

    ما سئل صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم أو أخر إلا قال: (افعل ولا حرج).. فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.. [البقرة:196] وهذه فيها التيسير (وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف) كل هذا من التيسير.

    وحدة مصدر التلقي: (خذوا عني مناسككم) كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقال: (خذوا عني مناسككم) أن نأخذ جميع أمور الشريعة من هذا الباب.

    1.   

    وقفات سريعة

    أولاً: الإيمان بمبدأ الولاء والبراء والحب والبغض لا يعني التخلي عن الأخلاق وحسن التعامل مع المخالف، بل يجب الرحمة به وإن كان كافراً؛ لأن الله جل وعلا يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] وأعظم رحمة بالمخالف أن تدعو له بالهداية وأن تدله على الصراط المستقيم.

    ثانياً: ينبه إلى مسألة وقع وفيها كثير من الناس حتى من بعض الأخيار، ألا وهي: الخطأ في فهم منهج السلف، إذا أطلقنا منهج السلف تصورنا أنه ينطلق إلى أمور العقيدة فقط، وهذا لا شك قصور في الفهم، أمور العقيدة هي أعظم ما يتعلق بمنهج السلف ، ولكن من منهج السلف كل ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو علم أو تقرير، ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم هذا هو فعل السلف ، فما رأيكم بعلاقة العقيدة بالأخلاق؟ كثير من الذين يعنون بأمور العقيدة قد يغفلون عن جانب الأخلاق، ولعل هذا المثل يقرب الحقيقة وإن كنت لا أعممه:

    جاء منذ أيام رجل يقول: كنت جالساً في المسجد وبجانبي رجل مبتدع -ولعله في الحرم، كان يعرف أنه من المبتدعة- يقول: فعطست فقلت: الحمد لله فقال: يرحمكم الله، قال: فتوقفت هل أقول له: يهديكم الله أو لا؟ فلم أقل.

    سبحان الله! هذه دعوة بالهداية له -يا أخي الكريم- وإن كان مبتدعاً، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهدِّ دوساً وائت بهم) وهم كفار.

    الأخلاق والتعامل بها؛ أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73] لكل شيء موضعه، ولكن يجب أن يكون المؤمن الملتزم بمنهج السلف أن يلتزم به في العقيدة والسلوك والأخلاق والقول والعمل، وإلا حدث الانفصال والانفصام.

    ثالثاً: من أخطر ما يتعلق بموضوع العبادات: أن تتحول إلى عادات اجتماعية لا تقترن بنية العبادة، فتفقد معنى الالتزام والطاعة، وأقرب مثال على ذلك: ما ذكره لي أحد المشايخ، يقول: ركبت الطائرة مسافراً إلى دولة أوروبية من أجل الدعوة إلى الله، فإذا النساء قد ركبن وقل أن ترى امرأة قد كشفت عن وجهها والنساء متسترات، وكان معي صاحب لي -وقد توفي رحمه الله- يقول: فلما نزلنا في البلد الأوروبي لم أر هؤلاء النسوة، فقلت: أين اللاتي ركبن معنا، قال: ربما نزلن ونحن في الجو، أتعلمون ما الذي حدث؟ خلعن ما عليهن من لباس وستر للرأس، ولم يبق إلا القليل جداً.

    يقول: ولما رجعنا ونحن في المطار الأوروبي لم أر إلا امرأة واحدة أو اثنتين متحجبات، ويقول: لما نزلنا في المطار في هذا البلد فإذا وقد كثرت النساء المتحجبات في المطار، نزلن معنا من الطائرة، ما الذي حدث، هذا انفصام، أن تتحول العبادة والزينة والحجاب -كما بينت لكم في سورة النور- إلى عادة اجتماعية.

    فتحول العبادات إلى عادات اجتماعية بتأثير الغير منهج خطير، انتبهوا فيه لأنفسكم ولأسركم ولإخوانكم.

    في هذه البلاد وهي قبلة المسلمين تسمى بلاد التوحيد، لماذا؟ لأن الذين فيها موحدون ما عدا فئة قليلة نابتة لا شأن لها، أما القوة المؤثرة في هذا البلد فهم أهل التوحيد والحمد لله، أهل عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، سرنا سنوات بل عشرات السنين على الوئام والود والاتفاق فما الذي يجري الآن؟!

    علام الخلف بينكم علاما     وهذه الضجة الكبرى علاما

    وفيم يكيد بعضكم لبعض     وتبدون العدواة والخصاما

    نبتت نابتة من المنافقين والعلمانيين واللاعقلانيين وأشباههم من الجهلة، يريدون أن يفرقوا هذه الأمة، يريدون أن يفرقوا أهل التوحيد بالتحزيب والتفريق والتبديع، يبدعون أهل السنة ويفرقون الصفوف، ويطلقون الأحكام، ويفصلون الحياة عن الشريعة، وهم يريدون ضرراً بهذا البلد وبأهله؛ لأننا عشنا الأمن ورغد العيش والإسلام، فماذا يريدون ببلادنا؟ رد الله كيدهم إلى نحورهم!

    انفصام عجيب! فقبل ثلاثة أو أربعة أيام في إحدى الصحف شخص يكتب عن أحد هؤلاء يقول: هو مصلٍ ويصوم، أما بالنسبة لأفكاره في الشأن والحياة لا علاقة لها بالدين فماذا في ذلك؟

    سبحان الله! أي انفصام هذا، فانتبهوا لهذا الجانب وهذا الخلل!

    1.   

    أسباب الفصام

    يبقى الموقف الأخير: الموقف والعلاج:

    أولاً: ما هي أسباب هذا الانفصام؟

    أسباب الانفصام النكد الذي يحدث الخلل في التصور والاعتقاد:

    1/ الجهل وقلة العلم.

    2/ التأثر بالمدارس المنحرفة والبدعية وأصحاب الأهواء.

    3/ عدم توحيد مصدر التلقي والاتباع، وأؤكد على ذلك، المؤثرات الوافدة وخاصة من اليهود والنصارى والعلمانيين والوثنيين وتأثير وسائل الإعلام، وبخاصة ما يرد عن طريق كثير من القنوات الفضائية التي تنقل لنا الحياة الغربية بسمومها وهمومها وبلائها، هذه من أهم الأسباب التي قلبت المفاهيم والتصورات، وجلبت إلينا أموراً لم نكن نعرفها في بلادنا، الغرب شيء ودينهم شيء، أما نحن فديننا الإسلام وعقيدتنا الإسلام، لا شأن لنا بأولئك.

    4/ الفتن الداخلية والتفرق والاختلاف وتعدد المدارس والمناهج.

    5/ حب الدنيا وتغليب الشهوة والمصالح الخاصة على مصلحة الأمة.

    6/ المعاصي والآثام والتساهل فيها وضعف الاحتساب.

    1.   

    واجبنا تجاه هذا الخلل

    أولاً: لا بد من معالجة هذه الازدواجية والانفصام في التفكير والتصور والعمل والاعتقاد على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع.

    ثانياً: توحيد مصدر التلقي والاتباع، وذلك بالالتزام بالكتاب والسنة على فهم الصحابة وخير القرون المفضلة من السلف الصالح : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي) يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى عمر رضي الله عنه معه نسخة من التوراة : (هيه يا بن الخطاب! ألم آت بها بيضاء نقية؟! والله لو كان أخي موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: أخذ الإسلام أخذاً شاملاً كلياً وخطورة التجزئة والتبعيض: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85].

    رابعاً: تصحيح التصورات وتنقية الاعتقاد مما لحق به من البدع، وهذا ما فعله شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائل الجاهلية، لما رأى أن مجتمعه وقع في بعض مسائل الجاهلية جاء وبدأ يلتقطها مسألة مسألة، والشيء الذي أنبه إليه: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عندما ألف رسالته مسائل الجاهلية بمائة وثلاثين مسألة لم يرد أن يكتب تأليفاً نظرياً وأن يحصر المسائل التي كان يعيش فيها الجاهليون وقت النبي صلى الله عليه وسلم أو قبله، بل أراد أن يذكر مسائل الجاهلية الموجودة في مجتمعه التي لا بد أن يتخلص منها المسلمون من أجل أن يعودوا إلى منهج السلف، فعدها بمائة وثلاثين تقريباً، ولذلك ما من مسألة عدها شيخ الإسلام إلا كانت واقعة في زمنه سواء في بلده أو في بلاد أخرى؛ لأنه رجل عملي، ونحن نحتاج أن ننقي مجتمعنا من مسائل الجاهلية إذا وجدت، كما نقاها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، بل قبل ذلك كما نقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما نقاها المجددون والأئمة من بعده.

    خامساً: تصحيح الحصانة من المؤثرات الوافدة، والتربية على المنهج الحق على منهج أهل السنة والجماعة، والتوازن، والتجانس، والتوسط وفي ذلك في كل شئون حياتنا.

    من أعظم ما نحتاج إليه للاعتزاز بهذا الدين؛ لأنه لا خلاص للبشرية مما هي فيه من ظلام وشقاء إلا بالالتزام به ودعوة الناس إليه: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139].. وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].

    سادساً: الاستجابة لأمر الله ولأمر رسوله في كل شئون حياتنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24].

    سابعاً: الحذر من الشهوات والشبهات والفتن، وحسن الاقتداء: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90].

    ثامناً: الحذر من الافتراق والخلاف والاختلاف في كل صوره وأشكاله: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46].. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:103].. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].

    تاسعاً: الاطراد والثبات على ديننا حتى نلقى الله جل وعلا، والابتعاد عن الاضطراب، والتبديل والتبديع والاختلاف، فاطردوا واستقيموا على حياتكم، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك -وفي رواية: غيرك- قال: قل آمنت بالله ثم استقم) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112].

    عاشراً: الدعاء والاستغفار والصبر يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153].

    أسأل الله أن يحفظنا وأن يثبتنا وإياكم، وأن يزيد إيماننا إيماناً، وقوتنا قوة، وأن ينصرنا على أعدائنا.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    الإسلام في اليابان وفي فنلندا

    السؤال: أحببت أن أبشركم بأن مسيرة الإسلام في اليابان وعلى الأخص في طوكيو على أحسن حال والحمد لله، وكثرة المراكز والمساجد والمسلمين شيء ملاحظ في بلد لم يكن للمسلمين فيها وجود، فالرجاء منكم الدعاء لهم بالثبات، حتى إن آخر الأمور أن التليفزيون الياباني أذاع درساً لتعليم اللغة العربية بشكل مستمر والحمد لله.

    وأنا أعمل في اليابان وملاحظ لدي هذه الأمور، والحمد لله على فضله ونسأله المزيد: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7].

    الجواب: أشكر الأخ على هذه البشرى، وأسأل الله لهم التوفيق والثبات والسداد، وذكرني سؤال الأخ بقضيتين: القضية الأولى وهي رسالة جاءت إلى أحد علماء الحرم قبل عشرات السنين من اليابان يقول فيها السائل: إننا كنا ندعو للإسلام فأسلم بعض اليابانيين وكان الذين يقومون بالدعوة من الأحناف والشافعية، فلما أسلموا وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال الأحناف: لا بد أن تكونوا أحنافاً، وقال الشافعية: لا بد أن تكون شوافع، فحدث الخصام والفراق وحدث ما حدث، فحذار حذار من الافتراق فيما لا يجوز فيه الافتراق، وهذا هو الخصام النكد.

    ولا تقولوا: انتهت هذه القضايا، فأحد المشايخ كان في العام الماضي في فنلندا يقول: وجدت أن المسلمين قلة منقسمون، وهم كلهم من أهل السنة ليسوا من الرافضة ولا مبتدعة ولكن من أهل السنة ، يقول: قد انقسموا على أنفسهم، فجاء البرلمان الفنلندي وقال: نريد منكم تعريفاً للإسلام، فاجتمعوا جميعاً في مركز إسلامي فإلى نصف التعريف اتفقوا ثم اختلفوا بعد ذلك، فكلٌ منهم أرسل تعريفاً للإسلام كما يفهمه للبرلمان الفنلندي، فقال لهم البرلمان: أنتم مسلمون أمة واحدة أم أمم، اتفقوا وأرسلوا لنا تعريفاً واحداً للإسلام.

    حذار من الافتراق الذي لا أصل له، وهو افتراق بين أصحاب منهج واحد، وليس بين أصحاب بدع، أو مع أصحاب بدع وأهواء.

    أما المسألة الثانية: فتفاؤلي لا يقف عند حد، عندما أقول هذا الكلام الذي سمعتموه قبل قليل إياكم أن يدب التشاؤم إلى نفوسكم وأن تقولوا: إن أوضاع المسلمين فيها وفيها، نعم هناك في أوضاع المسلمين شيء من الخلل، لكن الخير موجود والحمد لله، والأمة مقبلة على انتصار عظيم، أسأل الله أن يكون لنا شرف المساهمة في هذا الانتصار، انتصار عظيم والله لا أجد من الكلمات ما أعبر به عن هذا الانتصار القادم، فهل لنا شرف أن نساهم فيه ولو بنياتنا إن لم ندركه بأجسامنا، الإسلام قادم، والعدو مهزوم، ثقوا! والبشائر كثيرة، والأدلة عظيمة ولولا ضيق الوقت لتوسعت في هذا المجال.

    موقع (المسلم) وهدفه

    السؤال: أرجو إعطاء نبذة عن موقعكم المسلم؛ لأني استفدت منه كثيراً وما هي الجوانب التي يبحثها ويعالجها، شاكرين لكم جهدكم ومحاضرتكم؟

    الجواب: يصعب علي الإجابة ولكن أختصر بكلمتين، موقع المسلم له هدف واحد: هو تصحيح المنهج فقط، ولذلك وفقنا الله لئن تكون التسمية المسلم: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ [الحج:78] ويركز على قضايا المسائل العلمية من الاعتقاد والنوازل والفقه وغير ذلك، وعلى مسائل التربية، وفقه الواقع، وباختصار بإمكان الأخ أن يرجع إليه وأن يقرأ المقدمة التي كتبت في افتتاحيته فسيجد الجواب بإذن الله، ونحن في أمس الحاجة إلى أي رأي ومساهمة ومشاركة واقتراح وملاحظة وبناء وتقويم، فهو منكم وإليكم.

    كيفية المحافظة على النعم

    السؤال: في ظل ما ذكرتم من الانفصام النكد كيف نحافظ على النعمة التي نعيشها في هذه البلاد، لا سيما نعمة الدين والتوحيد لله تعالى؟

    الجواب: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ... [الأعراف:96] إلى آخر الآية، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] نعوذ بالله من هذه الحال.

    الأمر واضح، ومن أجل ذلك جاءت هذه المحاضرة، لكي تُرص الصفوف، وتتوحد القلوب، ويتوحد المنهج على منهج الإسلام، حتى لا نصاب بما أصيب به غيرنا.

    وهناك حقيقة لا بد أن أذكرها لكم: في عام (1397هـ) كنت في العراق أي قبل ستة وعشرين عاماً من اليوم، فكنت أتجول في العراق ، وكنا وفداً من الجامعة في ذاك الوقت، ذهبنا من أجل مخطوطات وزيارة العراق والجامعات في العراق، فكنت أتجول في العراق وأقول: متى نصل إلى ما وصل إليه العراق من التقدم في الجوانب المادية، وما مر على ذلك إلا أكثر من عشر سنوات فحل بـالعراق ما حل وتوالت المصائب والنكبات فحدث ما حدث، يقول أحد الإخوة العراقيين: يا أخي! ما أصابنا ما أصابنا إلا بذنوبنا؛ لأن الله قد سُب علانية في العراق فلم يُنكر ذلك، وتأملوا في مجتمعنا وأولئك الذين يريدون أن يخرقوا السفينة: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16].

    فخذوا على أيدي السفهاء حفظكم الله قبل أن يغرقوا ونغرق معهم.

    توجيهات للشباب وأرباب الأسر

    السؤال: ما هي توجيهاتك للشباب وأرباب الأسر؛ لأن ما حدث أخيراً شوه كثيراً، وأصبح الكثير ينظر للملتزمين بنظرة أخرى؟

    الجواب: سؤال كنت أريد أن أسأله في المحاضرة ولكن ضيق الوقت منعني من ذلك وجاءت الفرصة الآن: كثيراً ما نتحدث نقول عن تحكيم شريعة الله على مستوى الدول، نقول الدولة الفلانية لا تحكم شريعة الله، البلد الفلاني لا يحكم شريعة الله، والسؤال هو: يا أخي الكريم! ما مدى وما مقدار تحكيمك لشريعة الله في بيتك، ما مقدار تحكيمك شريعة الله على نفسك؟ أتتصور أن الحكومات فقط والدول هي المطالبة بتحكيم شريعة الله؟! لا شك أن على الحكومات وعلى الدول أن تحكم شريعة الله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60] نعم. لكن أنت ما هو مقدار تحكيمك لشريعة الله في نفسك؟ ما مقدار تحكيمك لشريعة الله في بيتك؟ اذهب إلى بيتك الآن، واجلس مع زوجتك، سجل المخالفات الموجودة في البيت من المنكرات إن وجدت -وأسأل الله أن يعصم بيوتنا وبيوتكم من ذلك- ثم ابدءوا في عمل برنامج جادٍ عملي في تخليص البيوت من هذه المنكرات إن وجدت، والأمر -يا أحبتي الكرام- يحتاج إلى عزيمة.

    يقول لي أحد المشايخ: إن رجلاً كان يريد أن يترك الدخان وكان له جاه ومكانة، فكلما ترك الدخان رجع إليه، ففي يوم من الأيام كان في مجلس من المجالس فقال: إنني أريد أن أترك الدخان، فمن استطاع أن يدلني على وسيلة أترك بها شرب الدخان فله جائزة مقدارها كذا وكذا، فقام رجل وقال: أنا، فقال له: ماذا عندك؟ فقال: الأمر يسير، قال: كيف؟ قال: تحتاج إلى عزيمة من عزمات الرجال، فقال: صدقت، فمنذ ذلك اليوم لم يشرب الدخان أبداً.

    نحتاج إلى عزيمة وصدق، وإذا علم الله صدقنا وحرصنا على تنقية بيوتنا من بلاء، ثقوا بأن ذلك سوف يتحقق: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] يحتاج الأمر إلى تظافر وتعاون بين الزوج وزوجته مع الأبناء، يحتاج إلى البدائل الشرعية وهي كثيرة والحمد لله، يحتاج إلى تربية ذاتية داخلية، يحتاج.. ويحتاج..، الأمر ممكن ومتيسر، فطبقوا شريعة الله على أنفسكم وبيوتكم وأسركم ومجتمعكم وأبشروا بالفوز في الدارين: بالنصر على الأعداء في حياتكم، وبالجنة في أخراكم.

    أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أولئك القوم.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3009815194

    عدد مرات الحفظ

    721800774