إسلام ويب

تطور المعارف بتطور الحضارات [1]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله عز وجل الخلق على مراحل، وجعل تطورهم في الحياة كذلك على مراحل، فتطورت ثقافات البشر، وحضاراتهم، ولغاتهم، وامتزجت بعضها ببعض، حتى وصلت لوضعها الراهن.

    1.   

    حصول التطور في حياة الإنسان

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى خلق آدم بيمينه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعله خليفته في الأرض، وقد أخبر ملائكته أنه جاعل آدم خليفة في الأرض، وآدم إذ ذاك منجذب في الطينة، ثم كرم ذريته بأنواع التكريم، فقال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70].

    وقد أهبط الله آدم و حواء إلى هذه الأرض، واستخلف هذا الجنس البشري فيها، فوفر لهذا الجنس البشري في الأرض كل ما يحتاج إليه من الأمور، وهيأ له أسباب العيش الكريم في هذه الأرض، وجعل ما بهذه الأرض قابلاً للتدرج؛ لأنه لو استخرجت خيراته في اليوم الأول لما بقي للأجيال اللاحقة شيء تصنعه، مع هذا فإن في السنة الكونية الماضية بعلم الله أن البشر سيمرون بكثير من المراحل، وقد جاء في إدارة نوح : وهو وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً [نوح:14]، وفي إدارة محمد صلى الله عليه وسلم: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق:19].

    وهذه الأطباق منها في حياة الفرد تسع مراحل يمر بهذا الخلق، بينها الله في سورة المؤمنون، قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ[المؤمنون:12-16].

    وهذا التطور في الفرد حصل نظيره في المجتمع، فالمجتمع البشري أول نشأته على الأرض كان مجتمعاً بدائياً، كل حاجياته مستوردة، كما قال الله تعالى في امتنانه على بني آدم: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، فبين أنه أنزل اللباس، وفي سورة الزمر بين أنه أنزل من الأنعام ثمانية أزواج، كذلك في بداية نشأة بني آدم.

    ثم إن الزراعة كذلك نشأت في ذلك العصر عندما علم الله آدم الزراعة، وكان الملائكة يدلونه على أوجهها وهيئاتها، ثم علم الجيل الذي يلي ذلك طريقة النسيج؛ لأن الجيل الأول لا يمكن أن ينسج ما يكفيه ولهذا أنزل له اللباس من السماء، فعلم إدريس عليه السلام النسيج والحياكة، ثم بعد ذلك علم داود لبوس الحرب الذي يقي من بأس الحديد.

    وهكذا تطورت الحضارة البشرية تبعاً للحاجة، فالاختراع وليد الحاجة، وكلما تجددت الحاجة تطورت الحضارة بسبب نشوء تلك الحاجة؛ لأنه يقتضي نشوء تفكير لحل المشكلات التي تتجدد.

    1.   

    نشأة الثقافة وبدايتها

    والحضارة تنقسم إلى جانبين كبيرين:

    أحدهما: الجانب المعنوي الذي يسمى بالثقافة.

    والثاني: الجانب المادي الذي يسمى بالمدنية، فالحضارة كلها ترجع إلى هذين البابين.

    فالباب الأول: هو الباب المعنوي وهو الثقافة، ولا شك أن للثقافة عوامل كثيرة في إنشائها وتطورها، فأعظم هذه العوامل الدين، فعلى أساسه تقوم الثقافة بكل المجتمعات؛ ولذلك فإن ثقافة البشر في بدايتها كانت تعليماً من الله لـآدم، فقد قال الله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ[البقرة:31-33].

    وكان هذا التعليم بداية مسابقة ثقافية نجح فيها آدم، فشرفه الله سبحانه وتعالى بالنجاح على الملائكة إيذاناً بأن هذا الجنس البشري مفضل على غيره من سائر الأجناس.

    ثم إن أهل الأصول اختلفوا في اللغات هل هي توقيفية أو توفيقية؟ وذلك ناشئ أيضاً عن أن آدم علم أسماء الأشياء كلها، فهل ما علمه كان لغات العالم كما يذكره عدد من المفسرين؟ فكثير منهم يذكرون أن آدم علم اثنتين وسبعين لغة، وأنها أصول لغات العالم، أو أن آدم علم أسماء ما يحتاج إليه؟ ثم بعد ذلك يتوافق كل جيل وعصر على ما يحتاجون إليه من الكلمات والدلالات؛ لأن الحضارة تقتضي تطوراً في الآلات والمحدثات، وكل ما هو محدث يحتاج إلى تسمية، فيصطلح الناس على تسميته باسم جديد، فنحن اليوم عرفنا أنواعاً من المراكب التي كانت إنتاجاً لتطور الحضارة، ففي القرآن امتن الله على البشر ببعض المراكب فقال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، ويخلق: فعل مضارع يدل على الاستقبال، ومعناه: أن الله سيخلق للبشرية من أنواع المراكب ما لا يعلمونه وقت نزول الآية، فشمل ذلك السيارات والطائرات، وحتى المراكب الفضائية فهي داخلة في قوله: وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8].

    ولذلك هذه الأمور ليست معروفة قديماً عند واضعي اللغة، فمن أين لنا أن نعرفها؟ ولا شك أن كل موجود يحتاج إلى اسم يميزه، فاصطلح الناس على تسمية السيارة بالسيارة، مع أن هذا الاسم منقول، فأصله للقافلة، كما قال الله تعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ [يوسف:19]، فهي القافلة، ولكنه نقل فأطلق على هذه الآلة التي تركب في البر، وكذلك الطائرة اشتق لها هذا الاسم من صنعتها وهي: الطيران، فهذا اسم فاعل، أو صفة مشبهة من الطيران سميت به هذه الآلة التي تطير في الجو.

    وكذلك المراكب الفضائية إلى الآن اسمها اسم مركب من خلال الصنعة، ومن خلال المجال الذي تعمل فيه، فتسمى مراكب وتنسب إلى الفضاء، والأصل في المجازات ألا تكون مركبة، بل الأصل في المجاز أن يكون الإطلاق فيه إما بالنقل، وإما بالاشتراك، فيكون اللفظ المعروف في باب من الأبواب ينقل للدلالة على الجديد.

    ونقل التركيب في المجاز نادر عند كثير من اللغويين، وقد ذهب الجرجاني رحمه الله إلى تكذيب اللغويين، وقال: كل المجاز لا يكون إلا من خلال التركيب، فزيد أسد، هذا مجاز، لكنه لو لم يركب لما كان مجازاً، فلو قيل: أسد فقط دون ذكر زيد لما كان مجازاً، والواقع أن هذا الخلاف خلاف لفظي فقط لا ينبني عليه شيء؛ لأن قصد الجرجاني رحمه الله أن المجاز لا يعرف إلا من خلال السياق الذي ترد فيه الكلمة، وقصد غيره من العلماء أن الأصل في المجاز ألا يكون جملة بكاملها، بل كلمة واحدة ينقل دلالتها من مدلول إلى مدلول آخر بحسب تطور الحضارة.

    تأثير الدين على الثقافة

    والدين هو أكبر المؤثرات على الثقافة، ودليل ذلك أن الأمم السابقة إنما كانت تنطلق في تفكيرها وأيدلوجياتها، وفي شئون حياتها من خلال الدين، فبنو إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، فهم الذين يعلمونهم ما يحتاجون إليه حتى فيما يتعلق بالسياسة، وفيما يتعلق بالاقتصاد، وفيما يتعلق بالاجتماع، فقد كان الأنبياء يتولون سياسة ذلك كله؛ ولهذا قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246]، فبنو إسرائيل لجئوا إلى نبيهم ليقيم لهم ملكاً، فهذا دليل على أن الثقافة هنا أثرت حتى في المجال السياسي، فلم يكونوا ينتخبون ملوكهم ولا يختارونهم عن طريق الإرث أو غير ذلك، وإنما كانوا يلجئون إلى الأنبياء، فالجانب الديني كان مؤثراً في هذا المجال.

    ومثل ذلك في مختلف المجالات الأخرى، ففي المجال الاقتصادي سأل بنو إسرائيل عيسى بن مريم أن ينزل عليهم مائدة من السماء، فسأل عيسى ربه ذلك فأنزلها، فكانت تأتي يحملها الملائكة تنزل من السماء، لا يطلب الإنسان نوعاً من أنواع المآكل إلا وجده فيها، حتى إذا شبعوا رفعتها الملائكة أربعين يوماً، وكانت آية من عند الله سبحانه وتعالى، وتثبيتاً لهم.

    تأثير إنتاج عقول البشر على الثقافة

    والمؤثر الثاني في الثقافة هو: إنتاج عقول البشر من الأدب والفكر، فالأدب هو ما يتعلق بالتعبير، والفكر هو ما يتعلق بالمعاني المعبر عنها، فهذان جانبان لإنتاج عقول البشر في هذا المجال، فالأدب لا شك أنه مؤثر في الثقافة تأثيراً كثيراً بالغاً؛ لأنه يحسن القبيح ويقبح الحسن، وقد ثبت في صحيح البخاري في حديث وفد بني تميم أن الزبرقان بن بدر لما عرف عمرو بن الأهتم بما يعرف فيه لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمرو : ( يا رسول الله! إنه ليعرف في أكثر مما قال ولكنه حسدني، فرد الزبرقان ، فسب عمراً ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه، فقال الزبرقان : يا رسول الله! والله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية، ولكنني رضيت، فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما علمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة ).

    وكذلك فإن المحسنات اللفظية كثيراً ما تغير توجهات الناس، كما قال الشاعر:

    تقول هذا مجاج النحل تمدحه وإن تعب قلت ذا قيء الزنابير

    مدحاً وذماً وذات الشيء واحدة سحر البيان يري الظلماء كالنور

    فهو بمثابة السحر كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يقلب الحقائق، فيحبب إلى الإنسان ما كان مكروهاً لديه، ويبغض لديه ما كان محبوباً؛ ولهذا فإن بني أنف الناقة كانوا يذمون بهذا الاسم بجاهليتهم حتى مدحه الحطيئة بقوله:

    طافت أمامة بالركبان آونة يا حسنها من قوام ما ومنتقبا

    إلى أن يقول:

    قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا

    فمدحهم بهذا المدح فشرفوا به، فكان أحدهم إذا افتخر قال: أنا من بني أنف الناقة، وكانوا من قبل يقولون: من بني جعفر بن قريط.

    وكذلك فإن بني نمير كانوا بجمرات العرب، ومن ذوي العزة والمكانة فيهم، فلما هجاهم جرير بقصيدته التي مطلعها:

    أقلي اللوم عاذل والعتابا وقولي إن أصبت لقد أصابا

    ثم قال في وصف أحلامهم وما هم عليه:

    فغض الطرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلاب

    فصار الانتساب إلى بني نمير بعد ذلك سبة لدى كثير من الناس، وقد اشتكى بنو عبد المدان بن الديال إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشاعر النجاشي حين هجاهم، فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هجائهم، وعندما هجاهم حسان بن ثابت بقوله:

    لا بأس بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير

    قالوا: لقد أفسدت علينا فخرنا، فكنا نفتخر بضخامة الأجسام، فدعاه عمر بن الخطاب ليسترضيهم، فاسترضاهم، فمدحهم بقوله:

    وقد كنا نقول إذا رأينا لذي جسم يكون وذي بيان

    كأنك أيها المعطى بياناً وجسماً من بني عبد المدان

    وهذا التحسين والتقبيح الراجع إلى الألفاظ معروف حتى من الناحية العلمية، فإذا أراد العالم أن يحبب الفكرة، أو أن ينصر مذهباً من المذاهب، فإنه يعبر عن ذلك بتعبير جذاب يدعو إلى الأخذ به، وإذا أراد تحطيم مذهب من المذاهب ومجاوزته فإنه يعبر عنه تعبيراً ملائماً لذلك.

    ولهذا يذكر عن الحافظ ابن حجر رحمه الله لما كان بينه وبين الإمام العيني نقاش في التعصب للمذهب الشافعي والمذهب الحنفي، وكان ذلك بين يدي ملك مصر، قال الحافظ ابن حجر : أنا لا أناقش بالكلام، ولكني أصلي لك صلاة مجزئة على مذهب أبي حنيفة وصلاة مجزئة على مذهب الشافعي ، فدعا بتور من ماء فيه ماء مطلق، فتوضأ وأحسن الوضوء، وأطال الغرة، وغسل إلى نصف العضد، وإلى نصف الساق، ومسح الرقبة مع الرأس، وغسل ثلاثاً وخلل الأصابع، واستاك قبل وضوئه، وذكر قبله اسم الله، ومذهب الشافعي أن البسملة واجبة في أول الطهارة.

    ولما انتهى منه قام فبسط فراشاً جديداً، واجتهد في جهة القبلة اجتهاداً واضحاً يحدد الفراش إلى جهة القبلة تماماً؛ لأن الشافعية يرون أن قبلة الاجتهاد من قبلة العيان، بخلاف الحنفية فإنهم يتوسعون أخذاً بحديث: ( ما بين المشرق والمغرب قبلة، وما بين هذين قبلة )، فصلى ركعتين فأحرم، واستفتح وبسمل جهراً، وقرأ الفاتحة كما يفعل الشافعية، وقرأ سورة معها من القرآن، وركع فأطال الركوع قدر القراءة، ورفع وأطال الرفع من الركوع قدر الركوع، وهكذا حتى أكمل صلاته ثم سلم عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه صلاة مجزئة على مذهب الشافعي .

    ثم دعا بنبيذ فتوضأ به يغسل غسلة واحدة، واجتمع عليه الذباب، ولم يخلل أصابع رجليه ولا يديه، ومسح على ربع رأسه فقط، ثم بسط جلد كلب قد دبغ، ولم يحدد جهة القبلة تماماً، وأحرم ولم يفتتح، وقرأ: مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:64]، فقط، ولم يقرأ الفاتحة، ولا أية سورة كاملة؛ لأن الحنفية يرون أن قراءة الفاتحة واجب غير فرض في الصلاة، والفرق بين الواجب والفرض عندهم أن الفرض هو: ما وجب بدليل قطعي، وأما الواجب فهو: ما وجب بدليل ظني.

    ويرون أن الفاتحة لا تعتبر واجبة، أي: أنه لو تركها الإنسان لم تبطل صلاته إذا قرأ غيرها من القرآن، اعتماداً على حديث المسيء في صلاته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ( ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن).

    وهذا الذي فعله نحن نعلم أنه غير موافق للمذهب الحنفي؛ لأن الحنفية لا يرون جواز ترك الفاتحة اختياراً، لكنه فقط أراد التنبيه إلى هذه النكتة، ولم يقرأ إلا آية واحدة: مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن:64]. وهي مبتورة من سياقها وأسلوبها، ولا يفهم معناها وحدها، ثم ركع ركوعاً سريعاً سبح فيه تسبيحة واحدة، ثم رفع ولم يستو قائماً؛ لأن الحنفية يرون أن الواجب هو الرفع فقط.

    وهنا تنبيه: وهو أن كثيراً من الناس يظنون أن مذهب مالك في الرفع من الركوع ومن السجود إنما هو بقدر الواجب، وهذا غير صحيح؛ لكن فهموه من مختصر خليل ومن نظم ابن عاشر عندما ذكر الرفع ولم يذكر القيام والجلوس، مع أن المالكية يتفقون على أن الرفع من الركوع لا بد أن يكون بالقيام والاعتدال، وأن الجلوس بين السجدتين واجب كذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث المسيء في صلاته: ( ثم ارفع حتى تعتدل قائماً )، وقال في الرفع من السجود: ( ثم اجلس حتى تطمئن جالساً )، وهذا يقتضي وجوب القيام بعد الركوع، ووجوب الجلوس بعد السجود.

    ثم بعد ذلك عندما أكمل هذه الصلاة لم يخرج منها بالسلام، وإنما خرج منها بناقض؛ لأن الحنفية يرون أن الخروج من الصلاة إذا كان بصنع الإنسان فإنه مبطل، وإن كان بغير صنعه، وكان قد أكمل التشهد فإنه غير مبطل.

    والواقع أنه تجنى هنا كثيراً على المذهب الحنفي، لكن مع ذلك هذا يدل على أسلوب معين يقتضي نفرة، أو يقتضي جلباً وإقبالاً على الأمر الذي يريد الإنسان الترويج له.

    تأثير البيئة على الثقافة

    بعد هذا هناك عوامل أخرى بتطوير الثقافة بعد حصولها غير الدين، وغير الفكر البشري، وهذا التطوير هو نمط العيش.

    فنمط عيش كل قوم مؤثر في ثقافتهم، ولهذا فإن أحد خلفاء بني العباس لما أتاه علي بن الجهم فمدحه بقوله:

    أنت كالكلب في الوفاء وكالتيس في قراع الخطوب

    فلما مدحه بهذا الغريب، قالوا: من أين جاء الرجل؟ فقيل لهم: من يلملم، فقال: أسكنوه في بيت حسن، في حديقة غناء، على شاطئ النهر، فأسكنوه في الرصافة في بغداد، وبعد مدة يسيرة مدحه بقصيدته التي مطلعها:

    عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

    فهذب هذا المسكن وهذه البيئة من حياة الرجل ومن أسلوبه، وغيرت طريقة تفكيره، فلا شك أن نمط العيش مؤثر، ولذلك تجدون عندنا في هذا البلد بعض الأساليب القديمة عندما كان الناس يعاملون الطبيعة القاسية، ويعانونها، فيكون شعرهم مثل الشعر الجاهلي، والذين سكنوا المدن، أو كانوا في بيئة قارة أصبحت لغتهم أسهل من ذلك.

    وتجدون فرقاً شاسعاً بين أشعار بعض الشعراء؛ بسبب اختلاف بيئتهم ونمط حياتهم، وقد شعر بذلك البحتري عندما قيل له: إن عبد الله بن المعتز أشعر منه، فقال: وما ذاك؟ قيل: إنه متقن في الوصف والتشبيه، فقال: أنشدوني من شعره فأنشدوه قوله في هلال شوال:

    وانظر إليه كزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر

    فقال: أنشدوني غيره، فأنشدوه في وصف السفينة:

    كأن آذريونها والشمس فيه كالية مداهن من ذهب فيها بقايا غالية

    فقال: يا ويلتاه! هذا ملك وصف متاع بيته، وأنا سوقة أصف ما أرى، ولكن انظروا إلى قولي:

    إن أنسى لا أنسى خبازاً مررت به يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر

    ما بين رؤيتها في كفه كـــرة وبين رؤيتها قوراء كالقـمر

    إلا بمقدار ما تنداح دائــــرة في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر

    فلذلك لا شك أن البيئة مؤثرة كذلك في الثقافة.

    1.   

    تطور حضارات البشر

    يمكن أن نقسم تطور حضارة البشر في المجال الثقافي إلى أطوار، فمثلاً:

    حضارة الرومان

    من أشهر ثقافات البشر: الثقافة الرومانية، وهذه الثقافة كانت تعتمد في أصل نشأتها على الحس، فكل الأمور غير المحسوسة لا يعتبرونها، فكانوا يعبرون عن المعاني بنحوت وأشكال وصور. فعندهم الخير يصور في تمثال، والشر يصور في تمثال، والجمال يصور في تمثال، والقبح يصور في تمثال، فنحتوا كثيراً من التماثيل التي ما زالت قائمة إلى الآن، وكانت حياتهم تقوم على أن كل ما لا يراه الإنسان أو يسمعه لا يمكن أن يصدقه، وكانوا يعطلون جانباً مهماً من موارد الثقافة وهو: جانب العقل.

    حضارة الإغريق

    ثم جاءت حضارة الإغريق اليونان فكانوا على العكس من حضارة الرومان، حيث اعتمدوا الجانب العقلي فقط، وأهملوا الجانب الحسي، فرأوا أن الحس إدراكه إدراك ناقص، ولذلك دائماً إذا قرأت في المنطق لدى المسلمين، وهو مترجم عن المنطق اليوناني فإنك تجد أنهم يقولون: إن الحس لا يمكن أن يقطع به؛ لأن الراكب السائر في الليل يرى القمر كأنه يمشي، والقمر ثابت في مكانه. هذا تصورهم، والقمر طبعاً يمشي لكن ليس المشي الذي نشعر به.

    وكذلك الشمس فهي تجري لمستقر لها: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40]، لكن نحن لا نشعر بجريانها لو نظرنا إليها بالواقع؛ لأن الأرض أيضاً تتحرك، ولكن مع ذلك إذا كان دونها غمام، فإن الإنسان يرى كأنها تتحرك بتحرك الغمام، والشيء الذي يراه الإنسان من بعيد يرى حجمه صغيراً، وكلما اقترب إليه ازداد حجمه، حتى يصل إلى مدى البصر في القرب، وهذا يدل على أن الرؤية مشككة، والناس في الألوان متفاوتون، فالإنسان إذا كان يضع النظارات وينظر، فسيرى الأشياء على شكل معين، وإذا أعاد النظارات رآها على شكل آخر، وهذا يدل على أن الحس مشكك، ومثل ذلك سماع الأصوات، فالصوت الذي يسمعه الشجي ليس مثل الصوت الذي يسمعه الخلي، كما قال الشاعر:

    شجى قلب الخلي فقال غلا وضرح بالشجي فقال لاح

    فكل يتأثر حسب حاله، فبعض الأصوات تكون جميلة عند بعض الناس، وتكون قبيحة ساذجة عند آخرين، ولذلك يقول الشاعر:

    رب ورقاء هتوف في الدجى حركت غصناً فهاجت شجن

    فبكائي ربما أرقهــــا وبكاها ربما أرقنــــي

    ولقد تشكو فما أفهمهـا ولقد أشكو فلا تفهمنـي

    غير أني بالهوى أعرفهــا وهي أيضاً بالهوى تعرفنـي

    ونظير هذا أيضاً قول أبي فراس الحمداني :

    أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا أتشعرين بحالي

    أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا تعالي أقاسمك الهموم تعالي

    أيضحك مأسور وتبكي طليقة ويسكت محزون ويندب سالي

    وفي العصر الحديث جاءت الثقافة الغربية معتمدة على موروث الرومان، فالعالم الغربي اليوم ثقافته معتمدة على المنهاج التجريبي، فكل ما ليس خاضعاً للتجربة لا يحكم به.

    وهذه الثقافة قد غزت البلدان الإسلامية بسبب انتصارها التكنلوجي، وما نشرته من المنافع للناس.

    1.   

    نظرة الثقافة الإسلامية للإنسان

    وفي مقابلها الثقافة الإسلامية، وهي ثقافة شمولية، ترى أن الإنسان مؤلف من ثلاثة عناصر هي:

    العقل الذي شرف به على سائر الحيوانات.

    والروح: التي هي نفخة غيبية من أمر الله.

    والبدن: الذي هو من تراب. وكل واحد من العناصر الثلاثة له إدراكه، فالعقل إدراكه عن طريق تركيب الجزئيات حتى يتكون منها كلياً، فتقام الحجة بذلك، والبدن إدراكه عن طريق الحس، أي: الحواس الخمس، والروح إدراكها عن طريق الوجدان الذي يدرك به الإنسان اللذة والألم، فكل له إدراكه، ولا يمكن أن نعطل واحداً من هذه الوسائل، فيحصل العلم لدى الإنسان بالعقل في المعقولات، ويحصل العلم لدى الإنسان بالحس في المبصرات، والمسموعات، والملموسات، والمشمومات، والمذوقات، ويحصل العلم لدى الإنسان بالوجدانيات؛ وهي ما يجده في نفسه من اللذة والألم والرضا والغضب، وغير ذلك.

    ومن هنا فالجميع غير معطل، فالثقافة الإسلامية تأخذ من كل هذه المناحي، وتجمعها، وتنسب الحكم لها جميعاً؛ ولذلك تجدون أن الثقافة الإسلامية أوسع الثقافات؛ لأنها تشارك الثقافة التي تنبني عن المنهاج التجريبي، وتشارك الثقافة التي تنبني على الحكم العقلي، وتزيد على الثقافتين معاً.

    أقسام الأحكام في ثقافة الإسلام

    فالأحكام في ثقافة الإسلام ثلاثة:

    حكم شرعي: وهو الذي لا يتوقف على عادة ولا على عقل، بل هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث إنه مكلف به، كاعتماده على الوحي المنزل فقط.

    حكم عقلي: وهو قضية لا تتوقف على شرع، ولا على عادة، قضية ما يحتمل الصدق والكذب، لكنها لا تتوقف على شرع، أي: لا ينزل بها الوحي، ولا تتوقف على عادة، أي: لا تحتاج إلى التجربة.

    حكم عادل: وهو إثبات أمر بأمر أو نفيه بواسطة التكرر مع صحة التخلف، كما لم نجربه من الأدوية، والمنافع التي لم ينزل بها وحي أنها علاج لكذا، والعقل لا يثبت أنها علاج لكذا، ولكن التجربة أثبتت ذلك، وإثبات التجربة دائماً قابل للتشكيك، فأقوى تجربة لدى البشر مثلاً: أن النار تحرق، وأن الإنسان إذا فقد المعاش يموت، لكننا جربنا أن إبراهيم عليه السلام رمي في النار فلم يحترق، فانخرمت التجربة بخارق العادة هذا، وجربنا أن عزيراً مكث مائة عام لم يأكل ولم يشرب، ومع ذلك لم يمت، وأن أصحاب الكهف مكثوا ثلاثمائة وتسعة أعوام، ومع ذلك لم يموتوا، فدل هذا على أن الحكم العادي قابل للتخلف.

    وعلى هذا فقد قال الإمام الغزالي رحمه الله: العقل وحي من الداخل والوحي عقل من الخارج، فيقع التكامل ما بينهما، فالعقل تنوير للإنسان من الداخل في محيطه وإطاره، والوحي عقل للإنسان من الخارج، يأتيه فينوره بالمجال الذي لا يصل إليه العقل، فالإنسان دائرة صغيرة من الوجود، في دائرة كبيرة من العدم، فما قبل وجوده وما بعد نهايته لا علم له به عن طريق العقل، ولا عن طريق الحس، فلا يمكن أن يدركه إلا عن طريق الوحي.

    ولذلك جاء في القرآن خبر ما قبلنا، وخبر ما بعدنا، فالقرآن تحدث عن قصص آدم، وعن قصص بني إسرائيل، وعن شأن عاد وثمود، وعن الأمم السابقة، وتحدث أيضاً عن مشاهد القيامة، وما يحصل فيها، وهذه الأمور لا مجال للعقل فيها، فالعقل في مجال النقليات ليس له مشاركة؛ ولذلك فإن مجال الاجتهاد في الدين منه ما يمكن أن يصل إلى التناقض في الظاهر، فما من إنسان إلا وهو مجتهد؛ لأن له حظاً من الاجتهاد يميز به من يستفتيه؛ لأنه إذا جاء إلى هذه الجماعة يريد استفتاءً في صحة الصلاة أو طهارة، من الذي يستفتي من بين الجماعة؟ سيختار إنساناً منها، بم اختاره؟ لم يختره بعقل قطعاً؛ لأن العقل لا يقتضي أن فلاناً بذاته هو المفتي، ولم يختره بوحي؛ لأن الوحي ليس فيه: ألا تستفتوا إلا فلاناً، إذاً: ما اختاره إلا باجتهاد.

    فإذاً القدر الذي يختار به العامي من يستفتيه قدر من الاجتهاد يتساوى فيه الناس جميعاً، ولا ينزل الإنسان عن هذا المستوى من الاجتهاد، كذلك المجتهد المطلق يحتاج إلى التقليد؛ لأن النقليات كلها ليس للاجتهاد فيها مجال، فالإمام مالك رحمه الله فيما يتعلق بالأحاديث التي يرويها يقلد نافعاً ، ويقلد ابن شهاب في روايتها؛ لأنه لم يلق الذين رووا عنهم من التابعين ومن الصحابة، وإنما حدثوه فصدقهم، فكان مقلداً لهم.

    ومثل ذلك البخاري رحمه الله في ما ينقله من الجرح والتعديل في أقوام لم يلقهم، فإنه ما جرحهم إلا عن طريق الرواية.

    وهكذا فالجرح والتعديل، وما يتعلق باتصال الإسناد وانقطاعه، وما يتعلق بالتدليس؛ سواء كان تدليس إسقاط، أو تدليس تسوية، ونحو ذلك. فإنها لا تؤخذ إلا عن طريق التلقي، والأمر فيها تقليد مطلق.

    فلذلك لا مجال لأن تحكم أنت الآن بجرح أحد التابعين أو أتباع التابعين؛ لأنك لم تلقه، ولم تلقَ من لقيه، ولا تعرف شيئاً عن التزامه حتى أنه لو لم يرد اسمه لما ثبت لديك وجوده أصلاً. فإذاً أنت محتاج لتقليد حتى لو كنت مجتهداً مطلقا في النقليات كلها.

    ومن هنا فالمجتهد له حظ من التقليد، والمقلد له حظ من الاجتهاد، وهذه هي القاعدة التي نريد الوصول إليها.

    ثم بعد هذا جاءت الثقافة الإسلامية منبنية أيضاً على قواعد وهي:

    الانطلاق من الدليل في الثقافة الإسلامية

    الانطلاق من الدليل، ومعرفة الحق بالحق، ومعرفة الرجال بالحق، فالشارع الحكيم لم يحل الناس على جهالة، بل قال: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].

    وأقام الله الحجج الواضحة القاطعة للنزاع في كتابه على كل ما أراد إثباته لعباده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الاحتجاج والاستدلال، فقد سألوه عن بيع الرطب بالتمر، فقال: ( أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذاً ).

    وعندما سألته الخثعمية فقالت: ( يا رسول الله! إن فريضة الله بالحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يمسك نفسه على الرحل، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فأد الذي عليه، فدين الله أحق بالوفاء ).

    فتعلم الناس هذه القاعدة وهي قاعدة الانطلاق من الدليل، وأن كل مالم يقم عليه دليل، فهو مردود على أصحابه كما قال البوصيري :

    والدعاوي ما لا تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء

    وكذلك الانطلاق من أن الحق يعرف بالحق، فقد قال الله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7].

    وسر التكرار في الفاتحة مع أن الفاتحة هي ملخص القرآن بكامله، فجميع علوم القرآن في هذه الفاتحة، السبع المثاني التي تقرءونها، والأصل في الملخصات ألا يكون فيها التكرار، فجاء التكرار في الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7]؛ لأن البدل من قبيل التكرار؛ لأنه هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة، فنحتاج إذاً إلى حكمة هذا التكرار، وحكمة التكرار أن نعلم أن الصراط لا يعرف بالذين اتبعوه، وإنما يعرف الصراط بالصراط: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]. فإذا عرفنا ما المستقيم عرفنا الذين اتبعوهم به فقلنا: (( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )). فزالت الشبهة بذلك، ومن هنا يعرف الحق بالحق، ويعرف الرجال بالحق.

    إعمال العقل في الثقافة الإسلامية

    ومن هذه القواعد التي تقوم عليها الثقافة الإسلامية بعد ذلك: إعمال العقل، فالله سبحانه وتعالى حضنا على التدبر في تفهم كتابه فقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، وقال: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص:29]. وقال: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2].

    فهذا القرآن وإن كان بلسان عربي مبين إلا أن أساليبه متنوعة، فمنه ما هو محكم، أي: واضح الدلالة، ومنه ما هو متشابه، أي: خفي الدلالة، والمتشابه منه ما يكون متشابهاً في وقت من الأوقات يزول عنه بعد ذلك.

    وكذلك تفاوت الأوامر، فبعضها يأتي بصيغة: (كتب) أو (فرض)، وبعضها يأتي بصيغة: (افعلوا) ونحو ذلك، فتكون متفاوتةً، فمنها ما هو واجبات، ومنها ما هو سنن، ومنها ما هو مندوبات، وكذلك النواهي منها ما يأتي بلفظ: (لا تفعلوا)، ومنها ما يأتي بالأمر بالترك، والاجتناب، ويأتي توارد الصياغتين معاً، كما في حدود الله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا [البقرة:187]، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229].

    ونحو هذا من الأساليب المتكررة في القرآن فإنا نرجع فيه إلى إعمال العقول، فقد قال الله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83].

    فالمجال هنا لذوي الاستنباط، أما من سواهم فلا يصلحون لذلك، ولم يأمر الله بالرجوع إلى علمهم، ولم يكل إليهم فهم كتابه وأداءه، ولهذا فإن هذا الوحي المقدس المطهر هو أشرف ما في الأرض، ولم يكن الله ليأتمن عليه المفلسين، بل يختار له من كل جيل خيرة ذلك الجيل، ولهذا أخرج أبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد و الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين )، فالذين يختارهم الله سبحانه وتعالى لأمانتهم على هذا الوحي، ولإتمانهم على هذا الدين، لا يمكن أن يكونوا من المفلسين، ولا من خاربي الذمم، بل لا بد أن يكونوا من المبرزين الذين توكل إليهم الأمور، فأحدكم الآن لو كان يملك مالاً ثميناً، أو أحجاراً كريمة، أو ذهباً فأراد أن يأتمن عليها إنساناً فإنه يختار لها أهل الأمانة والثقة، والله سبحانه وتعالى هو أعلم ببواطن الناس وسرائرهم، فأنت يمكن أن تنخدع بمظهر الإنسان، فيكون مظهره لا يدل على مخبره، والله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية؛ فلذلك لا يأتمن على وحيه المفلسين، وإنما يختار لحمل هذا الوحي مراضيهم كما قال تعالى: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68]، وقال: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124].

    قابلية الثقافة الإسلامية للتطور

    وهذه القواعد تدل على قابلية الثقافة للتطور دائماً بحسب المستجدات، فهذا الدين عندما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل مضروباً في الوحيين الكتاب والسنة، والصحابة رضوان الله عليهم أخذوا وتلقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذين الوحيين ورووهما، وارتووا بما فيهما من العلم، ورباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذين الوحيين تربية مخالفة لما كانوا عليه في الجاهلية، فهذا عمر بن الخطاب الذي كان يصنع صنماً من التمر ويسجد له ويعبده فإذا جاع أكله، أصبح بعد هذه التربية يقول للحجر الأسود: ( والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ).

    وهذا علي بن أبي طالب وهو من هذه الأمة الأمية التي لا تحسب ولا تكتب، بعد هذه التربية يقف على المنبر خطيباً فيقول: الحمد لله الذي يجزي كل نفس بما تسعى، وإليه المآب والرجعى، فيقول له قائل: يا أمير المؤمنين! هالك عن زوجتين وأبوين وابنتين، فيقول: صار ثمنها تسعاً.. ويستمر في خطبته.

    فهذه التربية غيرت حياتهم، ونصوص الوحيين يبحث فيها من جهتين من جهة الورود وجهة الدلالة، والصحابة رضوان الله عليهم لم يحتاجوا إلى البحث في الجهتين، أما جهة الورود فلسماعهم من الرسول المعصوم الذي زكى الله منطقه فقال: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[النجم:3-4].

    وأما جهة الدلالة فلأنهم أهل اللسان العربي على وجه السليقة، ومن المعلوم أن الكتاب والسنة إنما أنزلا باللسان العربي، وجاء التابعون بعد الصحابة فلم تشتد حاجتهم إلى البحث في الجهتين معاً، أما جهة الورود فلسماعهم من الصحابة المعبرين بتعبير الله؛ لأن الله تعالى يقول: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، ويقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة:96].

    فبثبوت الرضا لهم دلالة على نفي الفسق عنهم؛ لأن المحل القابل للصفة لا يخلو منها أو من ضدها، وإذا انتفى الفسق وجبت العدالة؛ لأنها ضد الفسق، فقد قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة:96]. وقال: إنه رضي عنهم، فدل هذا على أنهم حل عليهم الرضا، وإذا حل عليهم الرضا ارتفع عنهم الفسق جملة وتفصيلاً، ولم يحتج التابعون كذلك حاجة قوية إلى البحث في جهة الدلالة؛ لأن واقعهم لم يختلف عن واقع نزول الوحي، وحياتهم لم تتطور تطوراً مغايراً لذلك، ولم يتجدد في زمنهم من اللوازم إلا الشيء اليسير الذي يحتاج إلى الاجتهاد.

    اجتهادات الصحابة

    ومع ذلك لا ننكر أن الصحابة اجتهدوا في قضايا جديدة، وأن التابعين اجتهدوا في قضايا جديدة، لكنها كانت محصورة يسيرة، فقد اجتهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في التدبر، فاستخرج من القرآن أقل أمد الحمل، وأنه ستة أشهر، وذلك جمعاً بين قول الله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً[الأحقاف:15]، وقوله تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان:14]، فإذا أخذت عامين من ثلاثين شهراً لم يبق إلا ستة أشهر، وقد حدد الله أن المدة كلها للحمل والإرضاع: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف:15]، ثم حدد الانفصال عامين، فلم يبق إلا ستة أشهر، فدل هذا على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر.

    اجتهادات التابعين

    ونظير ذلك أيضاً اجتهادات التابعين في هذه الأمور، لكن لما جاء أتباع التابعين اشتدت حاجتهم إلى البحث في الجهتين، أما جهة الورود؛ فلأنهم لم يلقوا الرسول المعصوم، ولم يلقوا الصحابة المعدلين، وإنما لقوا التابعين، وفيهم العدول وغير العدول، فقالوا: سموا لنا رجالكم، فمن كان مقبولاً قبلناه، ومن كان مردوداً رددناه.

    وكذلك اشتدت حاجتهم إلى البحث في جهة الدلالة؛ لأن واقعهم تغير وقد اختلطت الحضارات، وفتحت الشام والعراق ومصر، ووصل سكان الجزيرة العربية إلى البلاد الباردة، ففتحوا أذربيجان، وفتحوا أماكن نائية، وأصبح كل شيءٍ متغيراً، فأثبت الثوابت لدى الناس ظرف الزمان والمكان، فإذا كان ظرف الزمان والمكان في الصيف والشتاء يتناقضان، ويتداخلان، كما قال الشاعر:

    وهو شتاء وصيفهن شتاء

    فمعنى ذلك أن ما سوى ذلك من حياة الناس ستختلف، فإنهم عندما انتقلوا عن جزيرة العرب التي تعودوا فيها على وقت محدد للزوال، ووقت محدد للغروب، ووقت محدد لطلوع الشمس، ووقت محدد لغياب الشفق، وتعودوا فيها على الفصول الأربعة، وانتقلوا إلى البلاد الباردة التي لا يجدون فيها هذا البون بين الفصول، ولا يجدون هذا التفريق بين الأوقات. ورأوا أيضاً الاختلاف في المكان، فقد كانوا يسكنون في بيوت العرب المعروفة، وقد نظمها أحدهم بقوله:

    مظلة من شعر ومقلة من حجر

    وخيمة من شجر بجاد صوف مقند

    قبة جلد أحمر عن ابن كلب ...

    هذي بيوت العرب

    فبيوت العرب التي كانوا يسكنونها هي هذه الأمور، فحين انتقلوا منها إلى الحضارات، وسكنوا في العمائر الشاهقة، ورأوا المدن المشيدة التي تجري من تحتها الأنهار، وتقام على الأنهار القناطر، تغير ظرف الزمان والمكان بالنسبة إليهم، فاحتاجوا حينئذٍ إلى فقه جديد.

    وهذا الفقه كما ذكرنا هو حاجة فأنتج، والاختراع إنتاج الحاجة، فبدأت المذاهب من أتباع التابعين، ولم يكن لها انتصار، فقد كان عدد كبير من علماء أتباع التابعين من الذين يجتهدون، ولهم آراء ولهم مذاهب، ونحن نعلم أن الذين اجتهدوا من الصحابة كان عددهم يسيراً، وقد حصرهم ابن حزم في ثمانية عشر، و النسائي أوصلهم إلى اثنين وعشرين، فالذين روي عنهم الإفتاء من الصحابة لم يتجاوزوا هذا العدد.

    والتابعون عدد من اجتهد منهم كثير لا يمكن حصره، لكن ذكر عدد من الأئمة أن الذين روي عنهم الإفتاء من التابعين كانوا مائة وسبعين رجلاً تقريباً، وكذلك أتباع التابعين أهل الاجتهاد فيهم ينبغي أن يكون ضعف ذلك، أو أكثر، فانظروا إلى البون بين الصحابة والتابعين، إذا كان المجتهدون من الصحابة فقط اثنين وعشرين، وكان المجتهدون من التابعين مائة وسبعين، فالنسبة تتكرر إذا طبقنا نظرية السكان مثلاً، على هذا التطور الديمغرافي الذي حصل، وسنجد النسبة تتضاعف، وقد اشتهر عشرة من المجتهدين في ذلك الزمان، وقد نظمهم السيوطي بقوله:

    والشافعي ومالك والحنظلي إسحاق والنعمان وابن حنبل

    وابن عيينة مع الثوري وابن جرير مع الأوزاعي

    والظاهري وسائر الأئمة على هدى من ربهم ورحمة

    فهؤلاء الأئمة المجتهدون أنتجوا لهذه الأمة مذاهب، وهذه المذاهب ليست ديانات، فالدين واحد، وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، لكن هذه المذاهب مدارس، أي: أنها طرق لفهم النصوص، ولا تعدو ذلك، فالنصوص ينبغي أن تغطي كل حياة الناس، فما من واقعة ولا نازلة إلا ولله فيها حكم، والاجتهاد هو اقتصاد الشريعة، فالاقتصاد في علوم الدنيا هو: العلم الذي يمكن من خلاله تغطية الحاجيات غير المحصورة من الموارد المحصورة.

    حاجة الأمة للاجتهاد

    والاجتهاد هو: العلم الذي من خلاله تغطية اللوازم والوقائع غير المحصورة من النصوص المحصورة، فنصوص الوحي محصورة لا تزداد، فإن آيات القرآن بالعد الكوفي ستة آلاف ومئتان وأربع عشرة آية، وبالعد المدني ستة آلاف ومائتان وأربعة وثلاثون آية، وآيات الأحكام منها لا تتجاوز خمسمائة آية، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي وصلت إلينا توقع السيوطي رحمه الله أنها تتجاوز ثلاثمائة ألف حديث، وعندما جمع الجامع الكبير لم يصل إلا إلى مائة وعشرة آلاف حديث فقط.

    وأحاديث الأحكام توقع البيهقي أن تكون أحد عشر ألف حديث، ولم يحصرها مع أنه جمع فأوعى في كتاب السنن الكبرى، لكن مجموع ما ذكر أنه يمكن أن يصل إليها أحاديث الأحكام أحد عشر ألف حديث، ومواقع الإجماع محصورة يسيرة، فاحتجنا إلى تغطية اللوازم الغير المحصورة من النصوص المحصورة، فجاء الاجتهاد تغطية لذلك، فأخرج الله لهذه الأمة الأئمة الجهابذة الأعلام المجتهدين، الذين بذلوا الجهود في سبيل النقل والرواية، وبذلوا الجهود أيضاً في سبيل الاستنباط والدراية، ففي سبيل النقل والرواية ردوا عن الحديث الوضع، ونقلوا القرآن بالتواتر، وطهروا السنة مما ألصقه بها الأدعياء.

    ولذلك قال العراقي رحمه الله في الألفية في ذكر الوضع:

    فقيض الله لها نقادها فبينوا بنقدهم فسادها

    فالنقاد قيضهم الله سبحانه وتعالى لهذه السنة، فبينوا بنقدهم فساد تلك الأحاديث الموضوعة.

    أكتفي بهذا القدر، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042181044

    عدد مرات الحفظ

    731361615