إسلام ويب

فضل عشر ذي الحجةللشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من محبة العبد لربه أن يقبل على الاستجابة له بطاعته وإخلاص الدين له، ومن ذلك استغلال أيام عشر ذي الحجة، فهي فرصة لا تعوض للإقبال على جميع الأعمال الصالحة من صلاة وذكر وصدقة وحج وصلة للأرحام وغيرها، أما الصيام فهو مستحب عند عامة الفقهاء، ولا ينبغي تشويش الناس وتثبيطهم تجاه عبادة الصيام لفهم أو اجتهاد قد يضر ولا ينفع، مع ما فيه من مخالفة لقول عامة الفقهاء.

    1.   

    الحرص على الأعمال الصالحة في عشر ذي الحجة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد, وآله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فنحمد الله جل وعلا على نعمه، ونسأله أن يرزقنا شكرها, وإن من نعم الله على عباده المسلمين أن بلغهم أشهر الحج، فيما سبق، وبلغهم هذه العشر المباركة وهي عشر ذي الحجة.

    ومعلوم أن هذه العشر هي عشر فاضلة، وقد فسر طائفة من المفسرين من الصحابة وغيرهم بعض مواطن القرآن بها فيما ذكر الله من الأيام التي عظمها في كتابه.

    وهذه الأيام قد جاء ذكرها صريحاً في السنة، وهي مذكورة أيضاً على التصريح في القرآن باعتبار ما هو من آحادها، فإن هذه العشر فيها يوم الحج الأكبر وهو يوم العيد. ويوم الحج الأكبر عند جمهور أهل العلم هو العاشر من ذي الحجة.

    وفيها قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وغيرهما: ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر )، وفي رواية: ( ما من أيام العمل فيها أفضل عند الله من هذه العشر. قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ).

    فهذا الحديث بوجهي الرواية فيه: ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله، أو أفضل عند الله )، فيه بيان لمشروعية العمل الصالح في هذه العشر، وهذا من صيغ العموم، فيعلم به أن جميع الأعمال الصالحات مشروعة في هذه العشر إلا ما دل الدليل على تخصيصه على القاعدة والترتيب المعروف في الأصول، أن العام لا يخص منه شيء إلا بدليل, كنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يومي العيدين، فالعاشر من هذه العشر لا يصح صومه؛ لأنه يوم العيد، ويوم العيد كما هو معروف لا يصح صومه، فهذا خص من عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من أيام العمل الصالح )، فالعمل الصالح هنا عام في الأعمال الصالحة.

    ومثله مما يخص على الراجح: صيام يوم عرفة لمن كان حاجاً، فإنه لا يشرع وإن كان لا يحرم، لكن السنة اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ألا يصام يوم عرفة لمن كان حاجاً، فإنه حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم فطره فيه في حجة الوداع.

    وهذه الأعمال الصالحة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من أيام العمل الصالح )، يقع فعل المسلم لها باعتبار أصل المشروعية للأعمال الصالحة، سواء كانت هذه المشروعية على سبيل الفرض، فإن أفضل ما تقرب به العبد إلى الله الفرائض، فيعتني بالفرائض ويحافظ عليها كما يحافظ عليها من قبل، فهذا نعمة من الله وفضل من الله أن جعل العمل الصالح فيها له هذا الامتياز، وهو محبة الله وكونه أفضل عند الله سبحانه وتعالى، فهذا من جهة الفرائض كما جاء في الصحيح وغيره: ( وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه, ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فالتقرب إلى الله يكون بالفرائض، ويلي الفرائض أصول السنن، ويلي أصول السنن المشروعة المستحبة جملة البر والخير الذي يتقرب به ويقصد به وجه الله.

    فهذا مما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه، وينبغي لطلبة العلم أن ينبهوا ويذكروا إخوانهم، وينبهوا العامة من المسلمين على العناية بهذه العشر، وعلى ما جاءت به الشريعة من العناية من جهة الإقبال على الأعمال الصالحات التي يحبها الله، والتي فضلها الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    وقفات مع القائلين بعدم مشروعية الصيام في العشر

    عدم فعل الطاعة لعدم ورود فعل الطاعة من النبي

    لا يلزم لكون العمل في هذه العشر مما يفعله المسلم من الأعمال الصالحة، لا يلزم أن يكون حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله في هذه العشر بعينه؛ لأنه شرع بسنته من حيث الأصل، وأكد في سنته في هذه العشر بحديث ابن عباس .

    وإلا لو قيل: إن المسلم لا يحرص على العمل فيها، ولا يقبل على طاعة فيها إلا طاعة حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله لها بعينها لترك كثير من العمل، ولخص كثير من العموم على غير وجه التخصيص الصحيح، فإن السنة كما هو متفق عليه تثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل في كلام الشارع إذا كان عاماً أن يحمل على عمومه، وهذا ندب من النبي صلى الله عليه وسلم، فإخباره أن الأعمال الصالحة فيها أفضل أو أحب إلى الله هذا يدعو المسلم إلى المسارعة في الخيرات، ولا يلزم أن يقول: هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا أو لم يفعله؟ لأنا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أتقى العباد، وأتقى الخلق لله، ولا شك أنه أقبل في هذه العشر على الخير، لكن نقل من ذلك شيء، ولم ينقل من ذلك شيء، لظهور الأعمال الصالحة، فعدم النقل ليس نقلاً للعدم.

    وربما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بعض العمل لحكمة؛ لأنه على مقام التشريع والنبوة؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها: ( وإن كان ليدع العمل مخافة أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم أو أن يشق عليهم ). فمثل هذه المقاصد قد تقع في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم.

    وعليه فمن اشتغل بعد الفرائض بالصيام، أو اشتغل بقراءة القرآن، أو اشتغل بالذكر، أو اشتغل بنوافل الصلاة، والصدقة، وصلة الأرحام، وكل أعمال الخير التي شرعها الله ورسوله.. وما إلى ذلك؛ فإن هذا من الإقبال الشرعي، ومن الاستجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل أو أحب على الله ) ، فإن هذا خبر، ولكن هذا الخبر يتضمن دعوة المكلفين إلى الإقبال على الأعمال الصالحات في هذه الأيام التي يحب الله جل وعلا العمل الصالح فيها من العباد، فهذا خبر ولكنه يتضمن ندباً وحثاً للمكلفين أن هذه الأيام يحب الله جل وعلا العمل الصالح فيها من عبده. فكل عمل صالح شرعه الله ورسوله فهو في هذه العشر مشروع إلا ما خصه الدليل كما سبق كصيام يوم العيد.

    وأما ما لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله بعينه فهذا ليس تخصيصاً لهذه الطريقة، وليس هو على قواعد الأصول يعد من التخصيص.

    استحباب عامة الفقهاء لصيام العشر

    لقد استحب عامة الفقهاء -رحمهم الله- الصيام في هذه العشر خلا يوم العيد, مع أن عائشة روت كما جاء في الصحيح: ( ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط )، فما تذكره عائشة رضي الله عنها لا يخص به الحديث، فهذا التخصيص ليس صواباً، بل عائشة رضي الله عنها روت حالاً، ولا يلزم أن تكون هذه الحال قد استقرت في رواية غيرها، فإنما تروي ما بلغها وما أدركته، ولو كان لها من القرب من النبي صلى الله عليه وسلم ما هو معروف من جهة أنها زوجه رضي الله تعالى عنها، إلا أنها في بعض المسائل من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم نفت في حال، ثم أثبت غيرها حالاً آخر للنبي صلى الله عليه وسلم، وربما نفت عائشة ثم أثبتت هي نفسها، كما نفت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى فقالت: ( ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى قط، وإني لأسبحها )، فروت مرة: ( كان يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله)، وروت مرة : (كان لا يصلي الضحى إلا أن يجيء من مغيبة).

    فحكاية آحاد الصحابة لحال على خلاف الأصل هذا لا يلزم منه القطع بانتفاء هذا الفعل في سائر الحال، ولا يكون تخصيصاً للندب والمشروعية، ولهذا استقر عند عامة أهل العلم -رحمهم الله- أنه يشرع الصيام في هذه العشر، وإن كان لا يخص الصيام دون غيره إلا ما خصه الدليل كصيام يوم عرفة فإنه مندوب إليه بخصوصه.

    وأما جملة الصيام في العشر فإنه مثل بقية الأعمال لا يخص دون غيره؛ لأن هذا التخصيص يحتاج بهذه الطريقة إلى دليل، وإنما يقال: الصيام مشروع، والصلاة مشروعة، وقراءة القرآن مشروعة، والصدقة مشروعة، وصلة الأرحام مشروعة، وطلب العلم مشروع، وكل عمل صالح فهو مشروع بأصل المشروعية.

    فأصل المشروعية لا يزال ثابتاً، وهذا الحديث أكد أن هذه التي شرعت قبل دخول هذه العشر، إذا فعلها المكلف في هذه العشر فإنها مما يحبه الله، وإلا فأصل المشروعية ثابتة قبل حديث ابن عباس ، فإن من يصلي لله قبل دخول العشر يصلي بما شرع الله من الصلاة، أي: من الدليل المقتضي لمشروعية الصلاة فرضاً ونفلاً، والصيام كذلك.

    ولا يخص شيء إلا ما خصه الشارع، وما خص الشارع عملاً نهى عنه في هذه العشر إلا كما سبق الإشارة إليه، كما جاء في نهيه عن صيام يوم العيد، فهذا مستقر عند العلماء، وأجمعوا على أن يوم العيد لا يصام.

    ومثله: ما كان في عرفة للحاج، بخلاف غير الحاج فإنه يتأكد في حقه الصيام، وأما الحاج فالأولى أن لا يصوم، ولكن لو صام لم يحرم على الراجح، بل عند عامة أهل العلم لا يحرم صومه للحاج، لكن الأولى أن لا يصوم اقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويتفرغ لنسكه، ويتفرغ لكونه أقوى في قربه وعبادته في عرفة وتقربه إلى الله سبحانه وتعالى.

    فمثل هذا المعنى مما ينبغي للمسلمين أن يعتنوا بمثل هذا الفقه، وينبغي لطلبة العلم أن يدعوا عامة المسلمين إلى تعظيم هذه السنن وهذه الآثار، وما مضى عليه جماهير الفقهاء -رحمهم الله- بل عامة الفقهاء في هذه المعاني.

    مساوئ الأخذ بالآراء المخالفة لطريقة عامة الفقهاء

    بعض طلبة العلم تجده يتتبع بعض الرأي الخاص، ثم يميل إلى ترجيحه بحسب فهمه العلمي، ويكون على خلاف طريقة عامة الفقهاء أو جماهير الفقهاء، وترك العامة له لا يزيدهم خيراً، بل يحولون من سنن كانوا يتمسكون بها إلى تركها، فهذا لا أدري ما المصلحة الشرعية فيه، فإنه ليس عليهم في دينهم شيء من الآصار والأغلال، ولذلك إذا قيل للناس: إن الصيام مشروع في هذه العشر، وإن كذا مشروع، وإن كذا مشروع، ثم يتكلف البعض في فهم النصوص ويقول للناس: إن الصيام لا دليل عليه، فهذا ما الذي جاء به من الخير؟ هل كان الصيام من الآصار والأغلال التي أسقطت عن الناس؟ الله ما فرض عليهم إلا صيام رمضان، ولكنه عمل يتقرب به إلى الله. ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم )، وكان كثير الصيام، وهو من سنن المرسلين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183].

    فهذه المواسم من الخير ينبغي أن يكون طلبة العلم على حسن فقه فيها، وليس طالب العلم إذا لاح له فهم عارض بادر إلى نشره، وتجد أنه قبل سنة أو سنتين أو ثلاث ما كان عنده هذا الرأي، ثم يلوح له فهم عارض لو كان الناس على خطأ في دينهم فلا شك أن البيان هنا واجب، وعلى أهل العلم أوجب.

    ولكن بعض هذا الفهم العارض الذي يخالف ظاهر السنن، ويخالف ما مضى عليه سواد الفقهاء، وجماهير الأئمة كالأئمة الأربعة أو أكثرهم، فهذا مما لا ينبغي التكلف فيه حتى لا يفوت على كثير من العامة هذه الأبواب من الخير، هذا من جهة.

    ومن جهة ثانية حتى لا يضطرب أمر العامة، فإن العامي لا يدرك هذا الوجه ولو كان نظراً لبعض الفقهاء يكون صاحبه قد اجتهد فأخطأ، وقد يكون من الاجتهاد السائغ فيكون مأجوراً عند الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن العاص : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر )، وقال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله. وقد رواه البخاري معلقاً.

    فهذا الاضطراب يقع عند العامة، ويسبه فهم بعض طلبة العلم فهماً في الدين ولو كان رأياً لبعض فقهاء أهل الرأي، أو بعض أهل الحديث وغيرهم، وهو على خلاف ما عليه العامة، وخلاف ما عليه عملهم، وقبل ذلك كله أنه على خلاف ظاهر السنن، فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يقول: ( ما من أيام العمل الصالح )، وهذا خبر أن الله جل وعلا يحب الأعمال الصالحة من عبده، وهذا هو الأصل، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على خلقه أنه اصطفى لهم، وخص لهم من هذه الأفعال ما تكون موجبة لمحبته ومرضاته، وهي الأعمال الصالحة التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا، فيتقرب العبد إلى ربه، كما قال الله جل وعلا: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54].

    ومن محبة العبد لربه أن يقبل على الاستجابة له بطاعته وإخلاص الدين له، فهذه الأعمال تزكي النفوس، فمن اشتغل بالصلاة أو بالصيام أو بذكر الله أو بالصدقة، فضلاً عن الفرائض فإنها هي الأصل، فهذا كله من المشروع، ولا يجوز لطالب العلم أن يضيق على العامة بتكلف عرض له، فهذا مما لا ينبغي أن يصير إليه الناظر، إلا ما استثني بنص واستقر فهمه عند الفقهاء كما تكلموا فيما سبق من المسائل.

    وكذلك في مناسك الحج لا ينبغي كثرة الشذوذ عن المشهور عند جماهير الفقهاء، وهنا نرى كثرة الآراء التي صارت عند بعض الناس، وهي آراء تخالف ما عليه الجماهير لفهم عرض لطالب علم، ولو قلد فيه بعض الفقهاء.

    فإن مثل هذه المسائل من الدين: الصلاة، والصيام، والحج، وهي مباني الإسلام، وإذا وقعت نفلاً فإنها من أصول النوافل ومن أمهات النوافل، فهذه لا ينبغي أن يزاحم ما عليه سواد الفقهاء والمحدثين في فهمهم لها بأفهام تعرض.

    ثم إن العامة -كما قلت- يضطربون فيقولون: كنا نفعل كذا نظنه صحيحاً وبان أنه خطأ، والعامة لا يفهمون إلا صحيحاً أو خطأ، وكنا نظن أن هذا يجب وبان أنه لا يجب، وكنا نفعل كذا وبان أن طريقتنا خطأ، فهذا يضعف مقام استقرار الدين في نفوس الناس.

    وهنا تظهر مسألة نشوء التمذهب في الأمة في القرون المبكرة بعد صدر الإسلام، مع أن التمذهب في الحقيقة على خلاف الأصل، لكن لما كثر الناس نجد أنه ما انتظم الاجتهاد لكثير منهم إلا بمثل هذه الطرق أو المدارس الفقهية، ولما استقر ذلك وجدنا أن عامة علماء المسلمين على مر القرون ما صاروا ينكرون هذا التمذهب، أو يدعون العامة إلى تركه؛ لأن هذا أضبط لدين الناس بهذه الطريقة، وإن كان التمذهب بهذا لا يكون تعبداً بقصد اتباع فلان وفلان من الرجال، فإنه لا يتعبد إلا باتباع من بعث الله من الرسل، فهؤلاء هم الذين يجب الاقتداء بهم على الإطلاق. لكن هؤلاء أخذوا عنهم، وأخذوا عن سنتهم، وهم فقهاء مجتهدون في فهم سنن الأنبياء، وسنة خاتمهم عليه الصلاة والسلام.

    ولذلك إذا مضى العامة في بلد على مذهب أحد من هؤلاء الأعيان من أئمة الإسلام ترك الناس على ما هم عليه إلا ما كانت السنة على خلافه، فإن الإمام والعالم قد يفوته بعض السنن لكثرة الرواية، وتنوع موارد الرواية في الأمصار، وهذا شأن معروف، فإذا كان ثمة سنة ظاهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو وإن لم يعمل بها بعض أعيان المجتهدين فإنه لا يقال بتركها لترك فلان لها.

    لكن إذا كان الأمر على عكس ذلك، أي: أننا وجدنا أن جماهيرهم وأن ظاهر السنن على هذا المعنى، فإذا لاح لطالب علم فهم فأدنى العقل والحكمة أن يتروى في ذلك ويتبصر، ولا يستعجل القول، ثم لو حدث به ولا بد فإنه لا يقدمه بين يدي الناس على أن هذا هو الراجح على الإطلاق، وأنه يجوز كذا، فيتوهم العامة أن ما كانوا عليه لم يكن صواباً، أو لم يكن من الدين، أو كان خطأ، مع أن ما هم عليه هو قول جماهير أئمتهم وفقهائهم، وربما كان هو مذهب العامة من أهل العلم.

    لذا ينبغي لطلبة العلم أن يحسنوا اللغة مع عامة المسلمين، فما كان من الأخطاء، أو كان من الآصار التي فيها عنت على الناس فهذا يحصل إذا كانت قد توهم بعض الناس شيئاً من الدين، ولو قلد فيه فقيهاً وهو من الآصار فهذا رفعه حسن، وكذلك ما خالف ظاهر السنن، فهذا رفعه حسن ولو ألفه الناس.

    لكن إذا كان على خلاف ذلك، كعبادة شرعها الله في كتب الأنبياء جميعاً، مثل: عبادة الصيام شرعت في كتب الأنبياء، وشرعت في هذه السنة المباركة، وفي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الأنبياء أهل صيام، وأهل صلاة، فإذا أقبلت هذه العشر وقام العامة يعتنون بها بمثل هذه الأعمال، وشوش عليهم ببعض هذا الكلام الذي لا ينبغي أن يصدر، فهذا مما يؤكد.

    1.   

    وقفة مع المتساهلين بالأضحية وبعض أحكامها

    جاء في السنن الأخرى كالأضحية أنها من السنن المؤكدة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال بعض أهل العلم بوجوبها، فهنا يعتنى بتذكير الناس بها؛ لأن بعض الناس صار يتساهل بالأضحية مع قدرته المالية، فهي سنة مؤكدة، وحافظ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو حنيفة بوجوبها، وهي من التوحيد لله سبحانه وتعالى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا [الحج:37].

    فهذه الشعيرة يجب أن يحافظ على إحيائها.

    كذلك ما يتبعها من بعض السنن والأحكام الشرعية التي وردت في هذا كحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان له ذبح يذبحه فإذا هل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من بشره شيئاً )، وقد رواه الإمام مسلم وغيره.

    والجماهير من أهل العلم على العمل بهذه السنة، وهو أن لا يأخذ من شعره ولا من بشره، سواء قالوا بأن ذلك مستحب أو قالوا بأن الأخذ يكره، أو قالوا بتحريم الأخذ، فهذه أقوال قالها العامة من الفقهاء.

    فعامة الفقهاء على الاعتبار بهذه السنة، لكن منهم من يجعل هذا الأخذ تحريماً كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    ومنهم من يقول: إن ذلك يكره كما هو أحد القولين في المذهب، وهو مذهب الإمام الشافعي ، وأحد القولين في مذهب مالك ، وجعله كثير هو مذهب مالك ، أو أن ترك الأخذ من المستحبات ومن الشعائر المستحبة كما هو رأي أيضاً لجماعة من أهل الرأي ولطائفة من أصحاب مالك وبعض أصحاب الشافعي كذلك.

    إذاً عامة الفقهاء وأكثر الفقهاء وجماهيرهم يعتبرون بهذا المعنى إما استحباباً لترك الأخذ، أو كراهةً للأخذ، أو تحريماً له، ولا مانع أن يبين للعامة أن هذا ليس شرطاً لصحة الأضحية، فهو بالإجماع ليس بشرط.

    ولذلك لو أنه أخذ من شعره صحت أضحيته، وكان تاركاً لما جاءت السنة به، سواء قيل: إن هذا على سبيل الاستحباب، أو أنه يستحب أن لا يأخذ، أو قيل: يكره أخذه، أو قيل: حتى يحرم كما هو المذهب، فإنهم لا يبطلون الأضحية به، ولو قالوا: يحرم كما هو عند أحمد والظاهرية، فهذا ليس شرطاً.

    وكذلك من أخذ في أول العشر، ثم طرأ له نية الأضحية بعدما أخذ كما في اليوم الثامن أو حتى يوم العيد، أو ما طرأ له أن يضحي إلا في يوم الذبح بعد يوم العيد، فإن أيام الذبح يوم العيد ويومان بعده، وقيل: ثلاثة، لكن الراجح: أنها يوم العيد ويومان بعده كما هو المذهب عند الإمام أحمد وهو مذهب الجمهور من الفقهاء.

    فمن طرأ له الذبح بعدما أخذ أو حتى بعد انتهاء العشر في يوم الذبح فهذا لم يقع في ترك سنة ولا فعل مكروه فضلاً عن محرم.

    فهذا التوازن مما يحصل للناس أن يعتبروه، أما أن يتعامل مع هذا كأنه من الآصار على الناس أنهم يتركون الأخذ من الشعر في هذه العشرة أيام، وكأن الناس يتسابقون إلى ما هي الآراء الفقهية؟ وهل يوجد من يجوز ذلك؟ فقد وجد من الفقهاء من يجوز ذلك، ومن يبيح ذلك.

    فما دام أن عندنا سنة ظاهرة خفيت على بعض العلماء، أو أنهم تكلموا في صحة الحديث، واجتهد بعضهم في التردد في رفعه، والقول بأنه موقوف على أم سلمة , فهذا من الأقوال والاجتهاد الذي صاحبه يكون مأجوراً في الأصل، لكن هذا العمل مما ليس فيه من الآصار على الناس شيء.

    وفيه أيضاً من شعور الناس بأن هذا يفعلونه على سبيل التقرب لله، فيحيون مثل هذه السنن في نفوسهم، وإن كان هذا لا يحدث في الدين شيء من أجل هذا الشعور أو هذا المعنى في النفوس.

    لكن المقصود: أن هذا يقع فيه مصلحة للناس إذا تدينوا لله به؛ لأن صفة الدين هكذا في جميع موارده أنه مصلحة، وأنه خير للعباد، وليس فيه شيء من الآصار والأغلال ولله الحمد.

    المقصود: أن طالب العلم ينبغي له أن يتروى في أمر العامة؛ لأن العامة إذا قيل لهم: يجوز في المذهب الفلاني، أو يجوز عند العالم الفلاني فعل كذا، ما أحسنوا كما يحسن طالب العلم، حتى المتكلم بهذا الكلام لا بد أن يفرق ما هي الأقوال؟ ولذلك لو قيل للعامة: يجوز ذلك عند بعض العلماء، لكن لو جئتهم وقلت: أكثر العلماء يقولون: يكره ذلك، أو لا يحسن ذلك، أو قال بعضهم بتحريم ذلك، تغير رأيهم، وتغير تعاملهم.

    1.   

    مراعاة أهل العلم لحال العامة عند النظر في المسائل الفقهية

    خطاب العامة فيه سياسة شرعية، كما قال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله)، ولو أن كل طالب علم عرض له فهم على خلاف فهم العامة وهو لا يخالف سنة صريحة، وليس فيه شيء من الآصار والأغلال، وليس فيه عنت على الناس، والعنت على الناس لا يقع في الشريعة، ولهذا من صفة النبي صلى الله عليه وسلم: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157] .

    ولا يوجد في قول مشهور للفقهاء وعليه جماهيرهم فيه شيء من الآصار والأغلال أبداً، فضلاً عن السنن، فإن السنن النبوية بريئة من الآصار والأغلال، حتى أقوال الجماهير لا يقع فيها هذا الوصف، فقد يشذ بعض الآراء الفقهية التي فيها شيء من العنت على الناس، فهذا ينبه إليه، أو يكون الناس يفوتهم مقام من الخلاف، أما إذا كان على خلاف ذلك فتشتيت حال العامة في نظري هذا أمر لا يحسن.

    ولهذا كان العلماء يعتبرون بمثل ذلك، ولما قدم بعض أهل العراق إلى المدينة، وفعل بعض الفعل في الصلاة على خلاف ما عليه أهل المدينة نهاه الإمام مالك فلما قال: إن علماء العراق يقولون لنا ذلك، قال الإمام مالك : سله في العراق. لأنه إذا فتح هذا الباب لا ينتهي.

    ولهذا أحياناً العامة لا يحسنون التعامل مع الآراء الفقهية، وليس هذا ذماً للعامة، لكن هذا معيار طبيعي، وليس قدحاً في عقل أحد، أو في دين أحد، فكما أن العالم في الشريعة لا يحسن البحث في كلام الأطباء، ولا يحسن البحث في كلام الفيزيائيين، ولا يحسن البحث في كلام الكيميائيين، فكذلك الشريعة تقرب للناس بحسب الطرق التي هي مستقرة عند العلماء من حسن السياسة وحسن التأتي، وإذا كان القول -كما قلت- يقع فيه عنت شديد، أو خالف ظاهر سنة فلا يترك بيانه ونشره لأنه يخالف المذهب الفلاني أو المذهب الفلاني؛ لأن السنن مقدمة على المذاهب وعلى أصحاب المذاهب بلا شك.

    لكن ليس بحثنا في هذا إنما البحث فيما كان خيراً للناس، ثم يتردد فيه البعض، ويخالف في فهمه الأكثر من الفقهاء والأئمة، ثم يذكر ذلك للعامة بلغة لا يحسنون فهمها، ويفهمون عنها أن هذا لا يكون مشروعاً بها.

    فنسأل الله لنا وللجميع التوفيق والسداد. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على النبي محمد وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315048

    عدد مرات الحفظ

    723546903