إسلام ويب

كتاب الصلاة [2]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شعائر الإسلام الظاهرة وما تتميز به دار الإسلام عن دار الحرب شعيرة الأذان، ويعتبر من خصائص الرجال دون النساء. وله أحكام خاصة به تتعلق بصفات المؤذن، وصيغ الأذان والإقامة، وغيرها من الأحكام.

    1.   

    تعريف الأذان والإقامة وبيان فضلهما

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الأذان والإقامة: وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها، للرجال دون النساء ].

    قال الإمام ابن قدامة رحمه الله (باب الأذان والإقامة) وذكر هذا بين يدي أحكام الصلاة لأن الأذان والإقامة متصل بها، فهو دعوة إليها، وقيام إليها.

    تعريف الأذان

    سمي الأذان أذاناً؛ لأن الأذان إعلام بوقت الصلاة، ودعوة إليها.

    والأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قول الحارث بن حلزة وهو من شعراء المعلقات:

    آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء

    أي: أعلمتنا. وفي قول الله جل ذكره: وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:3]، أي: إعلام بالبراءة من المشركين.

    وهو نداء مخصوص في الشريعة يدعى به إلى الصلاة، وبهذا يعلم أن الدعوة إلى الصلاة لا تجوز ولا تصح أن تكون إلا بهذه الصيغة التي جاءت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الأذان تنوع في بعض جمله، أو تطبيقها، كما سيأتي عند أذان بلال وأذان أبي محذورة .

    اختصاص الأمة بالأذان دون غيرها من الأمم

    لكل أمة من الأمم -ولا سيما الأمم الكتابية- طرق في الدعوة إلى صلواتهم واجتماعهم؛ ولهذا لما كثر الناس: ( نظروا فيما يدعون به إلى الصلاة, فقال بعضهم: أن توروا ناراً، وذكر بعضهم الناقوس، وقال: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: قرناً مثل قرن اليهود ).

    فعلم بهذا أن الأمم الكتابية المنحرفة عن كتابها كانت تتخذ مثل هذه الطرق، فشرع الله سبحانه وتعالى بما أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الأذان المبارك الذي فيه تعظيم الله، وتوحيده، وتحقيق مقام النبوة والشهادة بأن محمداً رسول الله، وفيه دعوة إلى الصلاة؛ وهو المقصود الأعظم منه، وفيه بيان أن الصلاة هي الفلاح، وأنها هي النجاة، وهذا من تعظيم مقامها.

    ثم يختم بعد هذا بتعظيم الله وتكبيره، ثم كلمة التوحيد والإخلاص، فلابد أن يكون بعد هذا العمل الصالح تمامه الإخلاص لله وحده لا شريك له.

    فإذا تأملت في الأذان وجدت فيه من تحقيق التعظيم لله ورسوله ولدينه، بخلاف ما عليه منحرفة أهل الكتاب من الناقوس، وقرن اليهود الذين يصيحون فيه ويدعون به إلى صلواتهم, فليس فيها ما تألفه النفوس أو تألفه العقول، ولا يتضمن تعظيماً لله ولرسله، ولما شرع لعباده من العبادة الصحيحة.

    وإذا تحقق هذا علم أن الأذان المخالف في الدعوة إليه بأي صفة من الصفات يكون بدعة، ولذلك لا تجوز الزيادة فيه ولا أن تغير صيغه، ولا أن يزاد فيها ولا ينقص، ولا يستعمل في الدعوة إلى الصلاة إلا هو، فهو الأذان الذي شرعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكل طريقة تتضمن غير ذلك تكون مجانبة لهذا الأصل.

    والأذان والإقامة من الأعمال الصالحة؛ لأنها من عبادة الله سبحانه وتعالى.

    المفاضلة بين الإمامة والأذان

    اختلف الفقهاء رحمهم الله أي العملين أفضل: الإمامة في الصلاة أم الأذان؟ فبعد اتفاقهم على أن الإمامة في الصلاة والأذان والإقامة من الأعمال الصالحة، اختلفوا أيهما أفضل: الإمامة في الصلاة أو الأذان؟ وفي المسألة قولان للفقهاء، وهما روايتان عن الإمام أحمد.

    فالمشهور عند أكثر الأصحاب أن الأذان وما يتبعه من الإقامة أفضل من الإمامة؛ لأن ما جاء في النصوص من ذكر فضل الأذان لم يرد مثله أو ما هو أعلى منه في الإمامة.

    ومما يدل على فضل الأذان، ما جاء في حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، والذي رواه مسلم وغيره: ( المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة )، وهذا من أقوى الأدلة في فضل الأذان.

    والرواية الثانية: عن الإمام أحمد رحمه الله وهو القول الثاني للفقهاء: أن الإمامة أفضل؛ لما يكون عليه الإمام من الصفة، فقد جاء في حديث أبي مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله, فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة )، إلى آخره, فجعل النبي صلى الله عليه وسلم من صفات الإمام الشرعية من العلم والدين ما لم يذكر مثله في المؤذن، وأما من حيث العلم فقوله: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة )، فهذه صفة العلم.

    فإن قال قائل: فأين ذكر الدين في حديث أبي مسعود؟ فيجاب عليه بأوجه:

    الوجه الأول: كل وصف في العلم فهو وصف في الدين، فإن العلم هنا هو علم الشريعة، وهو عبادة، فكونه أقرأ لكتاب الله فهذا وصف علمي ووصف ديني، وكونه أعلم بالسنة فهذا وصف علمي ووصف ديني، ففي الصحيح وغيره عن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه )، فالعلم بالقرآن وقراءته، والعلم بالسنة من الدين، كما أنه مقام من العلم.

    الوجه الثاني: أن في حديث أبي مسعود من تفصيل الصفات ما يكون مطابقاً لذكر المسألة الدينية؛ وهو قوله: ( فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة )، والهجرة عمل ودين، ويتضمن هذا العمل والدين في الجملة مقاماً من العلم، وفي الصفة الأخرى كما في حديث أبي مسعود : ( فأقدمهم سلماً )، على رواية. أي: إسلاماً.

    وأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في الإمامة من الصفات ما لم يذكر مثله في الأذان.

    وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم الناس، وكذلك من بعده الخلفاء الراشدون، فدل على أن مقام الإمامة أفضل من مقام الأذان.

    وهذا الخلاف مشهور عند أكثر الأصحاب عن الإمام أحمد رحمه الله.

    التوفيق بين القولين في المفاضلة بين الأذان والإمامة

    وفيما يظهر أن الجزم بأحد الوجهين يقع النظر فيه من حيث النظر باعتبار العمل مجرداً، وباعتبار العمل قائماً بفاعله، وهذا يتجه فيه ما سماه بعض أهل العلم وجهاً ثالثاً في الخلاف، فقالوا: إن الإمامة أفضل لمن كانت له مناسبة، والأذان أفضل لمن كان له مناسباً، فلم يطلقوا على أحدهما أنه أفضل الآخر.

    وأما إذا اعتبرت من حيث التجريد، فعناية الشريعة بمقام الإمامة أظهر من العناية بصفة المؤذن، ومما يدل عليه ما جاء في حديث مالك بن الحويرث الذي رواه البخاري وغيره أنه لما أراد مالك وأصحابه أن ينصرفوا إلى أهلهم أوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلوا جماعة، فقال لهم: ( وليؤمكم أقرؤكم، وليؤذن لكم أحدكم )، فلما ذكر الإمامة اختار لها بالصفة وهو أن يؤم الأقرأ، ولما ذكر الأذان قال: ( وليؤذن لكم أحدكم ) مما يدل على أن أمره أوسع من حال الإمام، وهذا مستقر عند عامة أهل العلم.

    إذاً: فالمسألة من حيث الأدلة لا يظهر أن فضل المؤذن أعظم حتى ما جاء في حديث معاوية الذي ذكر فيه فضل الأذان، فليس فيه ما يدل على أن الأئمة لا يصلون إلى قدر من هذا الفضل، والخلاف في المسألة معروف، والراجح في مذهب الإمام أحمد عند أصحابه أن الأذان أفضل.

    وهذه مسألة ليس من الضرورة الجزم فيها؛ لأنه إذا خوطب الإنسان من جهة اختياره فالأمر يعتبر بالصفة؛ فمن كانت صفة الإمامة له أفضل اعتنى بمقامها، ومن كان عنده القدرة على التفرغ لشأن الأذان فهو أفضل؛ لأن الأذان يرتبط به وقت دخول الصلاة، ويرتبط به الصيام، فالناس يعرفون به مواقيت الصلاة، ويبنون عليه أمر الصيام.

    تقديم الأذان أو تأخيره احتياطاً

    ولذلك فالمؤذن لا ينبغي له التساهل في الأذان، ولا سيما في المواسم التي يتحرى فيها الناس الصلاة أو الصيام كرمضان مثلاً.

    لأن بعض المؤذنين يتأخر في الأذان في رمضان بعض الشيء، وهذا خطأ؛ لأن كثيراً من الناس لا يعتبرون بالأجهزة التي قد يعرفون بها المواقيت، وهذا هو الأصل الشرعي في أنهم يعتبرون بالأذان، فإذا تأخر دقائق أحياناً, وسمع أنه يؤذن بعد ذلك، ظنوا أن وقت الفجر دخل الآن، في حين أنه قد يكون دخل الوقت قبل ذلك، فيكون هذا سبباً في أن أصحاب البيوت المجاورة لا يمسكون إلا عند سماع الأذان، والمؤذن قد تأخر أربع دقائق أو خمس دقائق.

    والعكس كذلك، مما يقع من بعض المؤذنين فإنهم يؤذنون قبل دخول الوقت بدقيقتين مثلاً، وهذا خطأ؛ لأن بعض الناس ينتظر سماع المؤذن، وخاصة ممن يسهرون، فبعضهم -هداه الله- لا يدقق على مسألة السنة، وإنما يريد سماع الأذان فإذا سمعه صلى الفجر.

    وهذا قد يقع أحياناً بغض النظر عن كونه خلاف الفاضل، وقد يكثر أحياناً، فإذا أذن قبل دخول الوقت قال: دقيقتان نجعلهما احتياطاً لصيام الناس، فيقال: أولاً: الاحتياط لصيام الناس خطأ؛ لأنه موقت، والله يقول: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ [البقرة:187]، وهذا حق لمن يأكل ويشرب.

    ثانياً: أن هذا الفعل يوقع البعض في لبس في مسألة تكبيرة الإحرام قبل دخول الوقت. وقد يقول قائل: هل الدقيقة والدقيقتان تؤثر؟

    فنقول: يجب على الناس أن يعتبروا بهذه المعايير في الأصل، فإذا وقعت حالات، كأن يكبر إنسان قبل دخول الوقت بدقيقة، فيقال: هذه وقائع أعيان لها فتواها.

    فلا يصح أن يوسع هذا المعيار عند الناس، فيقولون: الدقيقة والدقيقتان والثلاث والأربع ليس فيها شيء, فهذا منهج لا يصح تأسيسه ابتداءً، ولكن إذا وقعت بعض قضايا الأعيان فإنها تقدر بقدرها، كأن يتقدم بدقيقة فهل تؤثر أو لا تؤثر؟ فهذا يقدر بفتوى، ولكن على الناس أن يعتبروا بالمعايير المنضبطة، وكلما كانت هذه المعايير أكثر اطراداً وجب التزامها.

    1.   

    مشروعية الأذان والإقامة

    قال المصنف رحمه الله: [ وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها للرجال دون النساء ]، أي: الأذان والإقامة، وسيأتي صفتها، و(مشروعان) وهذه كلمة لا تدل على الفرض، وعبر المصنف بقوله: (مشروعان) لأن الفقهاء اختلفوا في حكم الأذان والإقامة، والراجح وهو الذي عليه الأكثر: أنهما فرض كفاية. والقول الثاني: أنهما سنة.

    والقول بأن الأذان والإقامة فرض كفاية، أي: فرض كفاية على الرجال المقيمين للصلوات الخمس المكتوبة، أما المسافر ونحوه فلا يعد في حقهم فرض كفاية، وإنما الأذان والإقامة فرض كفاية على الرجال المقيمين للصلوات المكتوبة.

    وقوله: (دون غيرها)، أي: غير المكتوبة فلا ينادى لها هذا النداء، إما لأنه لا يكون لها نداء قد عين؛ ولأن تعيين النداء عبادة ولا بد فيه من دليل، كصلاة العيد مثلاً: فإنه لا نداء لها.

    ومن الصلوات ما يكون لها نداء يخصها كصلاة الكسوف, فإنه ينادى لها بقول المؤذن: الصلاة جامعة، ولا ينادى لها بالنداء الذي يكون للصلوات المكتوبة.

    قوله: (للرجال دون النساء)؛ لأن الأذان تبع للاجتماع على الصلاة، وهو دعوة إليها، وكذلك الإقامة دعوة إلى القيام إلى الصلاة.

    معلوم أن صلاة الجماعة لا تشرع للنساء، وإنما يصلي النساء فرادى إلا إذا صادفن صلاة الإمام، فإذا دخلن المسجد فإنهن يصلين مع الإمام، وهذا هو الذي مضت به السنة, فإن النساء المسلمات كما روت عائشة وغيرها كن يشهدن الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم. فقد قالت عائشة رضي الله عنها: ( كان نساء المسلمات يشهدن صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس ). فمما تواترت به السنة أن المرأة تصلي في المسجد مع الإمام، وقد فعله نساء النبي صلى الله عليه وسلم ونساء الصحابة، فهو سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن منع المرأة من ذلك، فقال كما في حديث ابن عمر : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله )، إلا إذا قام السبب الشرعي البعيد عن التكلف فعندها يصح للولي أن يمنعها، وهذا خلاف الأصل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ).

    وإنما نقول: (البعيد عن التكلف)؛ لأن بعض الرجال يذكر سبباً هو في الأصل متعلق بها، وهو شرعي، لكن فيه تكلف، كأن يقول لها: لا تذهبي إلى المسجد؛ لأن هذا فيه فتنة، فالفتنة بالمرأة في أصل الشرع أمر لا ينفك عنها؛ لأن المرأة قد تكون محلاً للفتنة، ولكن ليس بالضرورة أنها لا تكون إلا فتنة.

    فيكون فيه وجه من التكلف، بمعنى: أنها إذا خرجت بسترها من بيتها، أو بسيارة زوجها أو ولدها أو ما إلى ذلك ودخلت من مدخل النساء وخرجت منه وانتهى الأمر فأين الفتنة فيه؟

    والقول بأنه تكلف؛ لأنها إذا أرادت امرأته أو أخته أو زوجته أن تخرج إلى العمل، أو إلى السوق، أو إلى المناسبات لا يقول: هذا فيه فتنة! فهذا يكون فيه ازدواجية أو نقص في الفقه الشرعي، فلا يجوز للرجل أن يمنعها إلا إذا تحقق المقتضى الشرعي, وإن كان قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث جابر وغيره من وجوه رواها أصحابه -رضي الله عنه- أن صلاة المرأة في بيتها أفضل.

    فهذا هو الأصل في أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، ولكن إذا قام المقتضي الشرعي ورغبت المرأة أن تصلي مع الإمام فلها ذلك، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله سلم يقر النساء على ذلك، وكان هذا مشهوداً زمن النبوة فضلاً عما بعده.

    إذاً: المرأة لا يشرع لها نصب الجماعة.

    وأما ما جاء في حديث أم ورقة فهي حال عارضة فعلتها تارة، ولم يكن هذا شأناً دائماً، ولم يأمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم سائر المسلمين، وإنما استأذنته أم ورقة فأذن لها في ذلك تارةً، أما أن يكون هذا معتاداً، أو يقال: هو الفاضل؛ فهذا خلاف ما مضى عليه العمل في زمن النبوة، فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الحجرات إذا لم يصلين معه ما كن يجتمعن على الصلاة، وتكون عائشة مثلاً أو غيرها إمامة لهن.

    وكذلك نساء الصحابة لم يكن يجتمعن في الحجرات والبيوت مع تلاصق البيوت، ودخول بعضهم على بعض، وسقوط الكلفة بين الجيران في الزمن الأول بل كانوا كالأقارب.

    فمع وجود هذه الأحوال من التداخل بينهم فلم يكن هذا شأناً معروفاً, فدل على أنه ليس من السنة، وإنما استأذنته أم ورقة فأذن لها، كما أن عائشة لما استأذنته أن تعتمر بعد الحج فأذن لها، ولا يقال إن هذا من السنة.

    لكن لو أن النساء اجتمعن عرضاً فلهن ذلك؛ وبعض الفقهاء يمنع من ذلك مطلقاً، ولكن حديث أم ورقة يجعل هذا مما يجوز على وجه الندرة، أما أنه سنة فليس بسنة، إنما المرأة سنتها أن تصلي في بيتها أو تصلي مع الإمام.

    والأصل أن صلاتها في بيتها أفضل، ولكن إذا قام المقتضي الشرعي المرجح للخروج عن هذا الأصل فمثلاً لو كانت صلاتها مع الإمام أنفع لفقهها في القرآن، أو أقوى على قيامها الليل فأرادت أن تستتم ذلك، أو ما إلى ذلك، فهذه معتبرات شرعية، والشريعة وسعت في ذلك.

    والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه قال: ( وصلاتها في بيتها أفضل )، إلا أنه كان يحمد للنساء على ما هن عليه من مجيئهن في كثير من الحال إلى المسجد، بشرط ألا يطغى هذا طغياناً بالغاً، وإنما يكون على طريقة الصدر الأول في زمن النبوة أنهن يصلين في بعض الأحوال، ويكون هذا مقدراً بقيام المناسبة أو المقتضي له.

    إذاً: المرأة لا يشرع لها صلاة الجماعة.

    حكم الأذان والإقامة

    قال المصنف رحمه الله: [ وهما فرض على الكفاية، إن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام ].

    قوله: (وهما فرض كفاية)، الفرض في الأصول: إما أن يكون فرض عين، وإما أن يكون فرض كفاية.

    وفرض العين، هو ما كان واجباً على الأعيان، وأما الكفاية: فهو الأمر الذي إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

    ومراد المصنف في قوله: (وهما فرض) أي: أن الأذان والإقامة واجبان؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة.

    والقول الثاني أنهما من السنن.

    وفي المسألة قول ثالث وهو قول من يقول: بأنهما واجبان في كل جماعة.

    والقول الأول الذي ذكره المصنف هو الذي عليه الأكثر من الفقهاء، وهو مذهب الإمام أحمد، وهو أظهر الأقوال, فإن الأذان والإقامة فرض كفاية على الرجال المقيمين للصلوات المكتوبة، فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

    فإذا قلنا: إنه فرض كفاية فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين فلا يجوز للمؤذن أن يهجر الأذان، أو يهجر الإقامة، أو لأهل المسجد أو للجماعة أن يهجروه مطلقاً؛ لأنه وإن كان هذا الفعل في الأصل سنة، فإذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، إلا أن بعض السنن لا يجوز مفارقتها؛ لما تتضمنه المفارقة من نصب فعل على خلاف الشريعة، وهذا المعنى قد يفوت أحياناً على بعض من ينظرون في المسائل الفقهية.

    فلو صلى جماعة بغير أذان ولا إقامة فعلى مذهب الإمام أحمد والجمهور هل يأثمون أو لا يأثمون؟

    فالقول الأول: لا يأثمون، وعلى القول: بأن الأذان والإقامة واجب لكل جماعة يأثمون.

    ولكن إذا قيل: إذا قام به من يكفي فإن هذا لا يعني: أن يكون تركه كترك آحاد السنن فيكون سائغاً مطلقاً، لذلك فإن الجهر بالقراءة في صلاة المغرب والعشاء والفجر، والإسرار في صلاة الظهر والعصر سنة، ولهذا فلو أن الإمام نسي فابتدأ بآية من الفاتحة في صلاة الظهر جهراً فإنه لا يسجد سجود السهو؛ لأنه ترك سنة.

    ولكن لا يجوز لأحد أن ينصب هذا الفعل مكانه؛ لأنه لا يكون بذلك قد ترك سنة، بل نصب فعلاً آخر على خلاف الشريعة.

    إذاً: فالراجح أنهما فرض كفاية خلافاً لمن قال: بأنهما واجبان في كل جماعة، وخلافاً لمن قال من الفقهاء: إنهما سنة.

    وقوله: (إن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام)، فالشعائر الظاهرة التي هي من فروض الكفايات إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام، وقول المصنف: (قاتلهم الإمام)، وهذا القتال له ترتيب يذكر الفقهاء كثيراً في أحكام قتال أهل البغي، ومنه ألا يقاتلوا ابتداءً، وسيأتينا إن شاء الله تعالى.

    وأخذوا من ذلك أن ترك الشعائر الظاهرة ولا سيما ما كان منها من فروض الكفايات يكون تعطيلاً لشعائر الإسلام.

    ومن أدلة هذا ما جاء عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر, فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار، قال: فسمع رجلاً يقول: الله أكبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: على الفطرة )، أي: أن هذه كلمة على الفطرة وليست دليلاً على الدخول في الإسلام، ( فقال: لا إله إلا الله أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خرجت من النار، قال: فنظروا فإذا هو راعي معزى ) والحديث رواه مسلم وغيره، فأخذ منه بعض أهل العلم قتال الطائفة الممتنعة، والاستدلال بهذا ليس بالضرورة أن يكون تاماً، وإنما معتبر هذا الحكم أنه يقاتل أهل بلد لتركهما؛ لأن فروض الكفايات إذا اتفق أهل بلد على تركها ألزمهم الإمام به، ولو اقتضى ذلك المقاتلة، وليست معنى المقاتلة القتل، فلا يستلزم من قولهم: المقاتلة أنها تباح دماؤهم، وإنما المقصود إلزامهم به حتى ولو أدى إلى المقاتلة وهذا له شرط لابد من مراعاتها.

    1.   

    أخذ الأجرة على الأذان والإقامة

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما في أظهر الروايتين، فإن لم يوجد متطوع رزق الإمام من بيت المال من يقوم بهما ].

    لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لــعثمان بن أبي العاص كما في السنن وغيرها: ( واتخذ مؤذنا ًلا يأخذ على أذانه أجراً )؛ لأن الأذان والإقامة من أعمال القرب المحضة.

    وذكر عن الإمام أحمد -كما أشار المصنف- روايتين في ذلك، وهما قولان للفقهاء: والمسألة هي هل يجوز أخذ الأجرة أو لا يجوز؟ فالجمهور على أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليهما، وهذا هو الراجح؛ لما جاء في حديث عثمان بن أبي العاص ، ولأنهما من أعمال القرب.

    قوله: (فإن لم يوجد متطوع، رزق الإمام من بيت المال من يقوم بهما).

    فالرزق الذي يذكره الفقهاء هنا ليس أجرة، وإنما الأجرة هي: أن يشترط المؤذن أخذ الأجرة على أذانه فإذا قال المؤذن لجماعة المسجد، أو لأهل الحي، أو لمن عمر المسجد: لا أكون مؤذناً إلا أن تعطوني في الشهر كذا وكذا! أو أعطوني كذا وكذا وأكون لكم مؤذناً! فهذا هو المقصود بالأجرة، وهذا لا يصح في أصح القولين.

    أما ما يجريه الإمام أي: الحاكم المسلم من بيت مال المسلمين فإنه يكون رزقاً ولا يدخل في معنى الأجرة.

    ولذلك مما مضى عليه العمل في هذه البلاد من أن الأذان أو الإمامة لا تعد وظيفة؛ لأنه لا يجمع في النظام بين وظيفتين! وهذا المنهج في الحقيقة منهج فاضل، وإنما يعطى الإمام أو يعطى المؤذن رزقاً من بيت مال المسلمين، لكن لا يكون اعتبارها اعتبار الوظائف التي تخضع لطبيعة الوظيفة، وأن الإنسان يتكسب من خلالها، وتكون من بيت المال أو من غير بيت المال كالوظائف فيما يسمى القطاعات الخاصة وغير ذلك.

    إذاً: فما يأخذ المؤذن من بيت المال يكون رزقاً، فهذا لا بأس به، وهو من الإعانة على البر والتقوى إذا صلحت النية، ومن كان غنياً عنه فتركه أو جعله في باب من أبواب البر فهذا من الصدقة.

    1.   

    صفات المؤذن

    قال المصنف رحمه الله: [ وينبغي أن يكون المؤذن صيتاً، أميناً، عالماً بالأوقات ].

    قوله: (وينبغي أن يكون المؤذن صيتاً)، عبر المصنف بكلمة: (وينبغي)، لأن هذا ليس على سبيل الشرط، فكل مسلم يصح أذانه، حتى الفاسق؛ لأنه إذا صحت إمامته فأذانه من باب أولى، وأظهر القولين: أن الفاسق تصح إمامته، فكذلك يصح أذانه من باب أولى؛ لأن الشارع كما سبق معنا في حديث مالك بن الحويرث وحديث أبي مسعود لم يجعل في المؤذن من الصفة ما جعلها في الإمام.

    فهذا هو السبب الذي جعل المصنف رحمه الله، يقول: (وينبغي أن يكون المؤذن صيتاً)؛ لأنه يراد به أن يسمع الناس، (أميناً)؛ لأنه يراعي الوقت ولا سيما في الزمن الأول، فإنهم يعتبرون ذلك لأنه يرقب الشمس وما إلى ذلك.

    وأما إذا عرف أنه على خلاف الأمانة فلا يصح ذلك.

    فإذاً: قوله: (وينبغي) هذا الاستعمال لا ينفي اللزوم، لكنه يستلزمه، وإلا فإن قوله: (أميناً)، يستلزم ذلك، فمن ثبتت الشهادة عليه بخلاف الأمانة في الأوقات فلا يصح أن يكون مؤذناً.

    تقديم الأفضل عند التنازع

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن تشاحى فيه اثنان، قدم أفضلهما في ذلك، ثم أفضلهما في دينه وعقله، ثم من يختاره الجيران، فإن استويا أقرع بينهما ].

    (فإن تشاحى فيه اثنان) أي: في الأذان، (قدم أفضلهما في ذلك)، لكن التقديم فيه ليس كالإمامة؛ لأن الشارع لم يرتبهم ترتيباً، ومما يدل على التيسير فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ مؤذناً أعمى، وهو ابن أم مكتوم , والأعمى كما هو معلوم لا يستطيع أن يرقب الشمس إلى آخره، فكان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان غالب حال الأذان هو أذان بلال , لكن كان يؤذن، وكان يخبره الناس بذلك، وكان يؤذن لصلاة الفجر، وكان بلال رضي الله تعالى عنه يسبقه بالأذان الأول؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال )؛ لأن بلالاً كان يؤذن الأذان الأول.

    ففعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن أم مكتوم يدل على التيسير في أمر الأذان.

    1.   

    كلمات الأذان والإقامة

    قال المصنف رحمه الله: [ والأذان خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه، والإقامة إحدى عشرة كلمة، فإن رجع في الأذان أو ثنى الإقامة فلا بأس ].

    قوله: (والأذان خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه). ورد الأذان عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، وعرف بعد ذلك بأذان بلال وأذان أبي محذورة , ثم في أذان أبي محذورة اختلاف، وعلى هذا فتكون الصيغ متعددة.

    فأما أذان بلال فهو الذي أذن به في المدينة, وبقي يؤذن به إلى أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم. وأذان أبي محذورة أذن به في مكة، وهذا وهذا كلاهما ثابت في الصحيحين وغيرهما من وجوه.

    أقوال أهل العلم في صيغ الأذان وتقديم بعضها على بعض

    وقد اختلف الفقهاء في أيهما أفضل؟

    فذهب الإمام أحمد رحمه الله وهو مذهب أبي حنيفة أيضاً وجماعة من السلف والخلف إلى أن المقدم هو أذان بلال.

    وذهب مالك و الشافعي إلى أن المقدم هو أذان أبي محذورة ، ولا فرق بين الأذانين في الجملة, فإن الصيغ في الأصل تامة بين الأذانين، لكن يختلفون في تكرار بعض ألفاظه أو في الترجيع.

    والترجيع: أن يأتي بالشهادتين يخفض بهما صوته، ثم يرفع بهما صوته.

    وأذان بلال خمس عشرة جملة كما ذكر المصنف، وهو الأذان المعروف الآن، وهو الذي رجحه الإمام أحمد رحمه الله وكثير من الأئمة.

    وذكر الإمام ابن تيمية وغيره أن لأهل العلم في مثل هذا طريقة، وهي: أنهم يقولون: إن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات على صفات متنوعة تكون جميع هذه الصفات مشروعة ويعمل بها، وهذا الذي ذكره الشيخ تقي الدين رحمه الله وذكره ابن القيم وطائفة، ليس محل إشكال، ولا سيما على مذهب الإمام أحمد رحمه الله لأنه لا يمنع صفة من هذه الصفات.

    وإنما إذا قيل: إن جميع، هذه الصيغ يكون معتبراً، فليس جميع ما في هذا الباب على رتبة واحدة، وهذا معنى لم ينفه ابن تيمية رحمه الله، وقد نبه إليه على سبيل التحقيق الحافظ ابن رجب رحمه الله في القواعد، فقال ابن رجب : إن أصل الإمام أحمد يتفق مع هذه الطريقة وأن هذه الأوجه تكون في العبادات المتنوعة، فيقال: الأصل أنها مشروعة، وهذا أصل في مذهب الإمام أحمد.

    وذكر ابن تيمية رحمه الله أن هذا من طريقة الإمام أحمد على الصحيح، لكن هذا الأصل لا يفهم منه أنه لا يفضل صيغة من هذه الصيغ.

    ففي بعض العبادات يكون الفاضل متنوعاً فيشرع للمكلف أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، وهذا مرة.

    وفي بعض العبادات ربما يقال: كلاهما مما شرع، ولكن يقام على واحد منهما، وهذا الذي ذهب إليه الإمام أحمد في الأذان، وهو أنه رأى الإقامة على أذان بلال؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقي بالمدينة سنين، وإنما يؤذن بهذا الأذان إلى أن توفي الرسول عليه الصلاة والسلام، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بلالاً أو ابن أم مكتوم يوماً أن يؤذنوا بهذه الصفة أو أن يؤذنوا بهذه الصفة.

    فإقامة النبي صلى الله عليه وسلم عليه على هذا الأمر في المدينة هو الذي جعل الإمام أحمد يرجح هذه الصيغة، وهذا هو الراجح وهو أن أذان بلال هو الأفضل، وإن كان ما ورد في أذان أبي محذورة هو من الصيغ المحفوظة, وعمل بها طائفة من أهل العلم وأهل الأمصار، ولهذا ذهب مالك و الشافعي إليه.

    وإنما اختلف مذهب الشافعي عن مذهب مالك في أن الشافعي يجعل التكبير في أوله أربعاً مع الترجيع، فجعل التكبير في أوله أربعاً كما في أذان بلال، وجعل مالك رحمه الله التكبير في أول الأذان مرتين فقط.

    فــــالشافعي يتفق مع أذان بلال, وهذه رواية في حديث أبي محذورة. فمذهب الجمهور أن التكبير يكون في أوله بأربع، سواء على كونه هو أذان بلال على مذهب أحمد و أبي حنيفة ، أو على كونه وجهاً في حديث أبي محذورة، وهذا على مذهب الشافعي ، وعند مالك أن أوله يكون التكبير مرتين.

    والفرق بين أذان بلال وأذان أبي محذورة عند مالك من وجهين: الفرق الأول: من جهة التكبير في أوله، فأذان بلال أربع، وعند مالك أن التكبير في أذان أبي محذورة مرتين.

    الفرق الثاني: عند مالك الترجيع، فأذان بلال لا ترجيع فيه.

    وعند الشافعي يكون الفرق في الترجيع.

    الراجح في مسألة صيغ الأذان

    هذا جملة الخلاف في ذلك، وإذا قيل: ما الراجح منه؟

    فيقال: إن جميع صيغ الأذان صحيحة، ولكن السنة من حيث الراجح هو أذان بلال , إلا إذا مضى أهل مصر من الأمصار على أذان كأهل المغرب، ففي بلاد المغرب يؤذنون بأذان أبي محذورة، وفي كثير من الدول الإسلامية يؤذنون بأذان أبي محذورة تبعاً لمذهب مالك ولغيره.

    فلا ينبغي أن يخالف ما عليه أمر العامة، فإن الأذان من الأمور العامة للمسلمين, فلا ينبغي أن ينصب فيه ما لا يعرفه العامة من صيغة قد يستنكرونها، والنبي عليه الصلاة والسلام قد اعتبر ذلك؛ ولأنه لا يتضمن ترك مشروع أو تعطيله؛ ولأن الصفة الأخرى كافية، والنبي صلى الله عليه وسلم قد ترك أن يعيد بناء البيت على قواعد إبراهيم, وقال لــــعائشة: ( إن قومك حديث عهدهم بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم ) .

    فكذلك طالب العلم لا ينبغي له أن يأتي في مثل هذه المسائل الواسعة ما تنكره قلوب العامة، وهذا الأمر لا يتضمن إقراراً لباطل، إنما هو إقرار لأمر مشروع، والقول: بأن هذا أفضل أو هذا أفضل ليس مما يجزم به على كل حال, وإنما هو من باب الترجيح.

    التثويب في أذان الفجر

    قال المصنف رحمه الله: [ ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم مرتين ].

    وهذا ما يسمى عند الفقهاء بالتثويب، ومحله الصحيح أن يقال في أذان الصبح بعد حي على الفلاح، فيقول المؤذن: الصلاة خير من النوم مرتين، وهو مشروع عند الجمهور.

    ويقول بعض أهل الكوفة: إن التثويب هو أن يقول بين الأذان والإقامة: الصلاة خير من النوم، وكأنه نداء خاص، وهذا خلاف ما ورد، فالذي ورد في السنة هو ما ذهب إليه الجمهور.

    وذكره المصنف أنه يقال في أذان الصبح في النداء الثاني، وهو الأذان الذي يكون بدخول الوقت، ويسمى عند الفقهاء التثويب، وثبت ذلك من فعل مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم. والتثويب كما هو ظاهر من كلام المصنف خاص بصلاة الفجر فلا يقال في غيرها.

    إذاً: ذهب بعض أهل العلم إلى كره التثويب، والراجح أنه مشروع، وهو الذي عليه الجمهور، وكرهه بعض أهل العلم، وبعضهم جعله بين الأذان والإقامة.

    ولكن الراجح: أنه مشروع لمجيء السنة به.

    1.   

    صفات الأذان والإقامة ووقتهما

    قال المصنف رحمه الله: [ ويستحب أن يترسل في الأذان، ويحدر في الإقامة ].

    طريقة إلقاء الأذان

    كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لمؤذنه: أذن أذاناً سهلاً! فالأذان يرفعه من كان عنده صوتاً ويترسل في إلقائه, ولكن ترسلاً معقولاً ولا يكون ترسلاً مبالغاً فيه؛ لأن هذا لم يكن مألوفاً عند السلف رحمهم الله، ولأن هذا ليس من طرق العرب في إلقائها الكلام.

    فالترسل: هو ألا يستعجل الأذان فيحدره حدراً مثلما يفعله بعض العامة، فلا ترى فرقاً بين طريقة أذانه وطريقة إقامته، وهذا الفعل خطأ.

    وكذلك بعض الناس أحياناً يؤذن فيترسل ولكنه يخرج عن الترسل إلى التلحين الزائد، والتكلف في إلقاء الأذان تكلفاً طويلاً، وهذا كما قال عمر بن عبد العزيز لمؤذنه: أذن أذاناً سهلاً وإلا اعتزلنا، فيكون معتدلاً في إلقائه ويحدر في الإقامة.

    إذاً: فالتكلف في الأذان والتطويل المبالغ فيه ليس مما يعرف ولا مما تعرفه العرب كما قال عمر بن عبد العزيز لمؤذنه.

    لأن العرب لم تكن لم تألف هذا الإلقاء، وإنما هذا الإلقاء كانت تعرفه بعض الأمم، فلا إفراط ولا تفريط.

    وبعض الناس يلقي الأذان كأنه ينادي نداء سريعاً يحدره، وربما كان أقوى من درجة الحدر، فلا تستطيع أن يتابع أحياناً، وهذا ما يفعله بعض العوام وهو خطأ، وإنما المشروع كما قال الفقهاء: أن يترسل في الأذان، يلقيه بشيء من الترتيل المعتدل ويحدر في الإقامة.

    ارتفاع المؤذن في مكان عال واستقباله للقبلة

    قال المصنف رحمه الله: [ قال: ويؤذن قائماً متطهراً على موضع عال مستقبل القبلة ].

    قوله: (ويؤذن قائماً)، هذا هو السنة, ولو أذن جالساً صح، ولكن من السنة أن يؤذن قائماً، وحكى ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك.

    وقوله: (متطهراً) فلو أذن على حدث صح ولكنه خلاف السنة، (على موضع عال)، أي: ليسمع، واليوم في كثير من أحوال المسلمين لا يحتاجون إلى هذا الارتفاع لوجود هذه المكبرات، فإذا قام المقتضي فعل ذلك، (مستقبل القبلة)، وهذا من سنن الأذان، وليس من شرطه.

    الالتفات عند الحيعلة

    قال المصنف رحمه الله: [ فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً، ولم يستدر ].

    (ولم يستدر)، أي: لم يستدر بجسده؛ لما جاء في حديث عبد الله بن زيد قال: ( فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا )، فهذا الالتفات من سنن الأذان.

    وضع السبابة في الأذان أثناء الأذان

    قال المصنف رحمه الله: [ ويجعل إصبعيه في أذنيه ].

    وهذا لا ينبغي تركه حتى لمن يؤذن بالمكبر؛ لأنها هيئة وضعها الشارع، أما أن يقال: إنه من أجل رفع الصوت، فهذا يحتمل الأمر له، ولكن هل يكون لهذا المعنى وحده، فلو قدر جدلاً أنه لهذا المعنى وحده، فهل يترك عند وجود المكبرات؟

    والمتأمل لهذه المقدمات يجد أنها كلها محل نظر، أما من حيث النتيجة فإن الذي يظهر أن المؤذن ينبغي له أن يضع أصبعيه في أذنيه على ما جاءت به السنة، ولو كان يؤذن بالمكبر؛ لأنها هيئة، وكذلك الالتفات.

    تولي المؤذن للإقامة ومكان إقامتها

    قال المصنف رحمه الله: [ ويتولاهما معاً، ويقيم في موضع أذانه إلا أن يشق عليه ].

    هذا الذي مضت به السنة، وقد جاء في حديث زياد بن الحارث الصدائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أذن فهو يقيم )، لكن الحديث فيه ضعف، لأن فيه زياد بن عبد الرحمن بن أنعم، ولكن دليل ذلك هو أن السنة مضت بهذا، ولو أقام غيره صح، ولكنه خلاف السنة.

    وقوله: (ويقيم في موضع أذانه إلا أن يشق عليه).

    وهذا إذا تيسر لأن المنارة لم تكن موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يعلو على شيء يدرك إمامه فيه، أما إذا صعد على المنارة فإن المنائر قد تكون في بعض المساجد بعيدة عن أهل المسجد، فلا يسمعونه، ولذلك فإن الإمام أحمد وسع في ذلك، والمصلحة والمتيسر أنه يقيم في موضعه؛ لأنه يؤذن داخل المسجد.

    وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016170616

    عدد مرات الحفظ

    723788142