إسلام ويب

كتاب الصلاة [1]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ولعظيم منزلتها فقد جعل لها الشارع شروطاً وأركاناً وواجبات لا تصح إلا بالإتيان بها وتوافرها، ومن مظاهر أهميتها أنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها، كما يقتل تاركها على قول الجمهور سواء قلنا بكفره أم فسقه كما هو الخلاف المشهور.

    1.   

    تعريف الصلاة وأهميتها

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ كتاب الصلاة ].

    قوله: (كتاب الصلاة) الصلاة من مباني الدين، ومباني الإسلام، ومباني الإيمان.

    أما أنها من مباني الإسلام: فهذا مجمع عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر المتفق على صحته: ( بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج ).

    وأما أنها من مباني الإيمان: فدليل ذلك ما جاء في حديث وفد عبد القيس الذي أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس : (أن وفد عبد القيس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! إننا نأتيك من شقة بعيدة, وبيننا وبينك كفار مضر, ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام, فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به، قال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، ثم قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمساً من المغنم ... )، الحديث.

    فذكر الصلاة في مسمى ومباني الإيمان، فهي من أصول الإسلام، ومن أصول الإيمان، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف، ولم تظهر مخالفتهم في ذلك إلا في بعض علماء الكوفة، وأول من ابتدع ذلك حماد بن أبي سليمان وهو من علماء الكوفة وفقهاء الكوفيين، ولكن حماداً -رحمه الله- مخصوم بالإجماع قبله، فلا يكون قوله نقضاً للإجماع، ولا يكون قوله مؤخراً لثبوت الإجماع.

    فإن قيل: كيف يثبت الإجماع على مخالفة حماد وهو فقيه ومجتهد معروف؟

    قيل: إن حماداً مخصوم بالإجماع قبله، وهو إجماع الصحابة ومن بعد الصحابة قبل ظهور قلقلة حماد .

    وتعظيم الصلاة من تقوى القلوب، فإنها من أعظم شعائر الله التي شرعها الله سبحانه وتعالى، وقد فرضها الله جل وعلا على نبيه في السماء، وهذا إجلال لهذه العبادة، وقد فرضت على بني إسرائيل وشرعت لهم، وهي من العبادات التي كانت في شرائع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.

    والصلاة في اللغة: الدعاء، وتأتي على معنى يقارب ذلك، ومنه قول الله جل وعلا: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عمر في الصحيح لإجابة الدعوة قال: ( فإن كان صائماً فليصل )، أي: فليدع لمن دعاه.

    وتطلق في اللغة على ما هو مقارب لذلك، فتسمى البركة في اللغة صلاة.

    وأما سبب تسميتها كذلك فهذا بحث تحدث فيه كثير من أهل اللغة والفقه، وأتوا على معانٍ مقاربة جمهورها مناسب للمعنى الشرعي.

    1.   

    شروط وجوب الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ وهي واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء ] فالمسلم البالغ العاقل تجب عليه الصلاة.

    (إلا الحائض والنفساء) فإن الحائض والنفساء تتصف بالإسلام وهي حائض، وتكون بالغةً عاقلة ولا تجب عليها الصلاة، بل لا تصح منها، ولا يجوز لها أن تدخل في الصلاة، فإنها منهية عن ذلك.

    شرط الإسلام لوجوب الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: (على كل مسلم) وأما وجوبها على المسلم فإنه يخرج به الكافر، وما المقصود بعدم وجوبها على الكافر؟ هذا له احتمالان من حيث المعنى، وإن كان مقصود المصنف ظاهراً بأحدهما، فمقصوده بقوله: (وهي واجبة على كل مسلم) أن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بقضائها؛ لأنها لا تصح من كافر.

    فلو أسلم الكافر لم يجب عليه قضاء الصلاة، وليس معنى ذلك: أنه ليس مخاطباً بها، فهذا لم يرده المصنف، وهذه مسألة خلافية, وهي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ فهذه غير المسألة الأولى.

    أما أن الكافر إذا أسلم لا يقضي الصلاة فهذا بإجماع أهل العلم، وهذا لا خلاف فيه، وهو مراد المصنف هنا.

    وأما أنه هل هو مخاطب بها أو ليس مخاطباً بها؟

    فهذه مسألة سماها أهل الأصول, ويذكرونها في كتب أصول الفقه، والجمهور يقولون: إنهم مخاطبون بفروع الشريعة.

    ومنهم من قال: إنهم ليسوا مخاطبين. ومنهم من قال: إنهم مخاطبون بالنواهي دون الأوامر.

    وعلى كل حال فهذه مسألة مبحثها في علم الأصول.

    شرط البلوغ لوجوب الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: (بالغ) والبلوغ يثبت بأوجه كما هو معروف, إما ببلوغ خمس عشرة سنة، أو بالاحتلام، والمرأة تبلغ بالحيض، وكذلك شعر العانة علامة على البلوغ، فهذه الأوجه يثبت بها البلوغ، فلا تجب على من ليس بالغاً، وهذا الذي عليه عامة وجماهير أهل العلم.

    وذهبت طائفة أنها تجب على من بلغ عشراً، قالوا: لأنه جاء في حديث عمرو بن شعيب الذي جاء في السنن وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر )، قالوا: فلما أمر بالضرب وهو عقوبة، ولا تكون العقوبة إلا على ترك واجب.

    وهذا فيه نظر، فإن هذا الضرب ليس على سبيل العقوبة، وإنما على سبيل التأديب؛ ولهذا لا يفرضه القاضي، ولا تسمع فيه حجة، ولا تستدعى فيه بينة، ولا ينظر فيه بشهادة، وهو ليس على صفة القضاء، إنما هو من باب تأديب الوالد لولده.

    وهذا وجه معتبر أن الشريعة قد تأمر بذلك ويكون ضرباً مقتصداً، مثل الضرب الذي ذكر في حق النساء: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34]، فهذا الضرب ليس على سبيل العقوبة؛ ولهذا لا يجوز الزيادة به إلى أن يكون عقوبة، فليس المقصود منه العقوبة، وإنما هو شيء يسير يحصل به الدفع، ثم هو من السياسة الشرعية لا يصلح لكل النساء، ولا يصلح أن يكون أولاً، بل أوله: فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34]، فإن لم يصلح المرأة لا هذا ولا هذا -فإنه أي: الثالث المذكور في كتاب الله- لا يكون على سبيل العقوبة, وإنما على سبيل التعليم والتأديب، وهو من السياسة الشرعية أيضاً.

    فالشريعة ما ذكرته كصفة لازمة لكل الأحوال، فإن بعض النساء قد يكون مجرد أدنى ضرب لها يزيد الأمر سوءاً، وربما تطلب الطلاق وتلح به، وهذا يقع على الشخص ذاته؛ لأنها قد تكون تربت على خلاف ذلك تماماً، فقد لا تستوعب بحال من الأحوال، ولا شك أن كلما انفك الرجل عن ضرب المرأة فهذا هو الكرامة الصحيحة لها.

    والضرب المقصود به في الشريعة ليس هو الضرب الذي يقع به أذى عليها في جسدها، وليس هو الضرب الذي يقع عليها به أذى في كرامتها، كما لو ضربها ضرباً يسيراً أمام أبنائها، أو أمام أمه مثلاً، أو أمام والده مثلاً، فهذا حتى لو كان ضربه يسيراً فلا يجوز؛ لأن هذا وإن لم يقع به أذى في جسدها إلا أنه يقع فيه إهانة وإسقاط لكرامتها أمام والدته أو أخته أو نحو ذلك، فالشريعة راعت فيه قدراً من السياسة والصفة.

    فإن قيل: فإنه ذكر في القرآن مطلقاً ولم يقيد بمثل هذه القيود؟

    قيل: ما يكون معلوماً في مراد الشارع لا يحتاج إلى تسميته، وهذا بدهي في الخطاب، حتى في الخطاب الآدمي، فما بالك بخطاب الشارع، فالأوصاف التي تعلم لا يحتاج إلى تسميتها، وإلا لطال الخطاب لو أن الناس استعملوا ذلك فيما بينهم.

    فلو قلت مثلاً في الخطاب الآدمي لشخص -والشريعة أجل منه-: اذهب واشتر ماء للشرب! فجاءك وقد اشترى في شدة الحر ماءً ساخناً، وقال: إنك ما قلت ماءً بارداً، فهذا يقال: إن في عقله اضطراب؛ لأنه يعلم أنه لا بد أن يكون قابلاً للمقصود.

    فالمقصود -أنه أحياناً في بعض شبهات الكفار على الإسلام- يقال: إن الشريعة أو القرآن جاء بضرب المرأة، والقرآن لم يأت بضرب المرأة على هذا الإطلاق الذي يدعونه، إنما ذكر سياسة في حق المرأة الخارجة عن الاعتدال، وهي التي وصفت في القرآن بأنها ناشز وهي المرأة المخطئة في سلوكها.

    فالخطأ هنا ليس لجميع النساء، بل لجملة منهن، كما أن الرجال يخطئون بجملة من الأخطاء حتى في علاقتهم مع المرأة، وقد يتدخل السلطان أو القاضي في الأمر ويفسخ منه المرأة.

    وإيقاع الفسخ عليه أثقل من الضرب اليسير الذي لا يهين الكرامة ولا يؤثر في الجسد؟ فالفسخ أثقل في الشأن, وكونه يقال: إن هذا الرجل فسخت منه امرأته من قبل القضاء.

    ومع ذلك يثبت هذا على الرجل إنصافاً للمرأة؛ لأن بعض الرجال غير سوي، فإذا بلغ به الأذى في الدين، أو في العرض، أو في الجسد على المرأة مبلغاً لا يطاق فإنها يحق لها طلب الفسخ منه، ومعنى بلغ أذاه في الدين مبلغاً، يعني: ليس أدنى معصية تقع منه تطلب بسببها الفسخ، فإذا كان رجلاً لا يصلي ويفطر في رمضان، ولا يبالي بأصول الإسلام والإيمان، فهذه تفسخ منه، سواءً حكم بأنه كافر، أو قيل: بأنه ليس بكافر، فمتى ما طلبت أن تفسخ منه لا يرجع الخلاف إلى أنه: هل يكفر هذا أو لا يكفر؟ وما يقال بين الفقهاء في هذه المسائل.

    فإذا قالت المرأة للقاضي: أنا لا أريد أن أقيم مع رجل لا يصلي لله، ولا يصوم، رمضان، فهذا الخلل في دينه يسوغ لها طلب الفسخ منه، فإذا كان يقع منه ما هو فاحش في العرض من الخطأ في الضرب مثلاً، وإذا كان على أدنى شيء يضرب بما شاء، ويعتدي بما شاء من أنواع الضرب، فإن القاضي هنا ينظر فيه نظرة من السياسة الشرعية، فقد يأخذ عليه أشبه ما يكون بنوع من الالتزام، فإن عاد ساغ للقاضي هنا أن يفسخ المرأة منه، وإذا بان أنه لا يتأدب بالكف عن ذلك بالوعظ، فيعظه القاضي بالأول ويبين له ما قد يلحقه من العقوبة بعد ذلك، فإن عاود بعد ذلك ساغ هنا النظر في فسخ المرأة.

    المقصود: أن الشريعة أنصفت المرأة كما أنصفت الرجل، وليس صحيحاً أن الرجل هو الذي يخطئ والمرأة لا تخطئ، كما أن العكس ليس صحيحاً، أن المرأة هي التي تخطئ والرجل لا يخطئ، فكلاهما بشر، وكلاهما له نفس آدمية، منهم الصالح ومنهم دون ذلك، ومنهم المنضبط ومنهم غير المنضبط، وكما يقع الخير من الرجل يقع من المرأة، وكما يقع الشر من الرجل يقع من المرأة، والله تعالى كما ذكر فرعون في القرآن ذكر حمالة الحطب، وفي السورة نفسها ذكر أبا لهب وذكر زوجته، فهذا رجل وهذه امرأة. وذكر عيسى بن مريم، وذكر أمه في آية واحدة.

    وهذه التعليقات من أعداء الإسلام يشوشون بها على الإسلام، مع أن الإسلام فيه من العدل والتمام ما لا يبلغ نظر الفلسفات والنظريات التي هم يعيشون عليها الآن، فما كان فيها من العدالة لا يأتي على يسير من العدالة التي في دين الإسلام فضلاً عن أن يكون مقارناً أو مقارباً له.

    شرط العقل لوجوب الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: (عاقل) فالمجنون لا تجب عليه الصلاة، والفقهاء لم يختلفوا في المجنون، فالمجنون بالإجماع أن الصلاة لا تجب عليه، وأجمعوا على أن النائم تجب عليه الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، والحديث في الصحيح. ومحل الخلاف المشهور بين الفقهاء هو في المغمى عليه.

    ومما ينبه إليه هنا أن بعض كلام الفقهاء في الإغماء يقصدون به الإغماء الذي لا يطول عادة؛ ولهذا نجد أنهم يعللون من يذهب إلى أن المغمى عليه يقضي الصلوات التي كانت حال إغمائه كما هو المشهور في مذهب الإمام أحمد .

    وبعض أصحاب الإمام أحمد يعللون ترجيحهم لمذهب الإمام أحمد على مذهب مخالفيهم كالمالكية والشافعية. فيقولون: إن الإغماء لا يشبه الجنون لعدم طول مدته، فيشبه النوم في قصر مدته، فكأنهم يقصدون بالإغماء في هذه الحال ما عللوه بهذا الوجه، وكأنه يتجه أن مرادهم به ما لا يطول وهو الإغماء الذي يفيق منه عادة في مدة مقاربة أو قريبة؛ لأن ما يقع مما قد يسميه الناس أو الأطباء إغماءً كما هو معروف له حالان: فالإنسان قد يغمى عليه بسبب عارض، سواء كان بسبب فعل الآدمي أو بغير فعل الآدمي، وقد يسقط ويغمى عليه أياماً ثم يفيق.

    وقد يغمى عليه بما يستعمل عند الأطباء الآن لإجراء العمليات، وهو مغمى عليه حال ذلك وليس مفيقاً.

    ففي هذه الحال فيما يظهر لي أنه لا يستراب في أنه يجب أن يصلي الصلوات إذا كان تخدر مثلاً لعملية يوماً أو نحو ذلك ثم أفاق، فهذا تشبيهه بحال النائم متحقق، فيجب عليه قضاء الصلوات.

    وإنما محل التحرير إذا كان هذا طويلاً كبعض الناس الذي قد يغمى عليه سنة، أو ثلاث سنين أحياناً، أو نحو هذه المدد الطويلة، ثم يفيق بعد ذلك، فهل يلزمه أن يقضي أو لا يلزمه؟

    فهذه مدة فيها طول وبحاجة إلى مزيد من التأمل والنظر.

    لكن من حيث إطلاق الفقهاء لأحكام المغمى عليه يذكرون فيه ثلاثة أقوال:

    القول الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد أن المغمى عليه يقضي الصلاة.

    القول الثاني: أنه لا يلزمه ذلك، وهذا هو المشهور في مذهب المالكية والشافعية.

    القول الثالث: وهو مذهب الإمام أبي حنيفة أنه يُنظَر فإن أغمي عليه خمس صلوات فما دونها قضاها وإلا لم يلزمه. وهذه المسألة بحاجة إلى تحرير باعتبار أنما يسمى إغماءً يمكن تقسيمه إلى قسمين: ما يطول، وما لا يطول.

    فما لا يطول فهذا يتجه فيه القضاء. أما ما يطول فهذا محل بحث.

    قال المصنف رحمه الله: [ وتجب على النائم، ومن زال عقله بسكر أو إغماء أو شرب دواء ].

    قوله: (ومن زال عقله بسكر أو إغماء أو شرب دواء) حتى ولو كان بسكر فإنه تجب عليه؛ لأنه متعد به.

    صلاة الكافر والمجنون

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا تجب على كافر ولا مجنون، ولا تصح منهما ].

    قوله: (ولا تجب على كافر) كما سبق، وأما من حيث أنهم مخاطبون بفروع الشريعة فهذا محل خلاف، وفيه روايتان عن الإمام أحمد ، لكن قد أجمعوا على أنها لا تصح من كافر، ولكن إذا أسلم الكافر لم يجب عليه القضاء؛ لقول الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لــــعمرو بن العاص: ( الإسلام يهدم ما كان قبله ).

    قال: [ وإذا صلى الكافر حكم بإسلامه ].

    لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فله ما لنا وعليه ما علينا )، وفي رواية: ( فذلك المسلم )، والحديث رواه البخاري وغيره. فإذا صلى الكافر دل على إسلامه، فيثبت له الإسلام بالصلاة.

    صلاة الصبي ووقت وجوبها عليه

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا تجب على صبي، وعنه تجب على من بلغ عشراً ويؤمر بها لسبع، ويضرب على تركها لعشر ].

    قوله: (ولا تجب على صبي)، هذا هو الصحيح من المذهب، وعليه الجماهير من أهل العلم، بل عليه عامة أهل العلم.

    قوله: (وعنه تجب على من بلغ عشراً)، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( واضربوهم عليها لعشر ) قال بعض الأصحاب: إن الضرب يدل على أنه عقوبة، والعقوبة لا تكون إلا على ترك واجب، لكن هذا فيه نظر؛ لأن الضرب هنا على سبيل التأديب، وهو سائغ للوالد مع ولده ولو لم يبلغ عشراً، ولو أنه ضربه تأديباً بما يحفظ خلقه ويحفظ أدبه، ولو لم يبلغ عشراً صح ذلك.

    قوله: (ويؤمر بها لسبع، ويضرب على تركها لعشر) هذا سبق في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( مروا أولادكم بالصلاة لسبع ) هل هذا معناه: أن من دون السبع لا يؤمر بها؟ فهناك فرق بين أمره وبين إقراره على الصلاة، فإذا تشبث الصبي بالصلاة محاكاة لوالده أو والدته فإنه ينبغي حثه على ذلك، وإقراره على هذه الرغبة، لكن الأمر يحتمله ابن سبع، وبعض العلماء كالإمام مالك -رحمه الله- يقول: إن الصبي إذا ثغر، يعني: إذا سقطت أسنان الرضاع منه فإنه يؤمر بالصلاة.

    فعلى كل حال الشارع هنا قال: (مروا أولادكم) فهذا وقت الأمر، لكنه لا يعني: أن ما قبله ليس محلاً لتعليمه، بل هو محل الإقرار.

    بلوغ الصبي أثناء الصلاة أو بعدها

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها لزمه إعادتها ].

    قوله: (فإن بلغ في أثنائها) وإن كانت هذه حال نادرة (لزمه إعادتها)، إذا بلغ في أثنائها قالوا: لأنه صلى الأولى قبل البلوغ، كما لو بلغ بالاحتلام أو المرأة بالحيض، فلو صلت قبل أن تحيض ثم حاضت أثناء الوقت، قالوا: لزمها الإعادة؛ لأنها أدركت الوقت، والصلاة تجب عليها ببلوغها. قالوا: وأما صلاتها الأولى فإنها وقعت نافلة قبل أن تجب عليها؛ وهذا مذهب الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة ، والرواية الثانية عن الإمام أحمد وهي مذهب الشافعي : أنه لا يلزمها الإعادة.

    ولكن هذه مسألة نادرة الوقوع ربما، فإذا حصلت ووقع السؤال عليها فالفتوى بها بما ذهب إليه الإمام أحمد فيما يظهر أنه أحوط، وإلا فالنظر الفقهي من حيث قوته يحتمل القولين أو الروايتين عن الإمام.

    1.   

    تأخير الصلاة عن وقتها في حق من وجبت عليه

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها إلا لمن ينوي الجمع، أو لمشتغل بشرطها ].

    قوله: (ولا يجوز لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها), فإن الله جعل للصلاة ميقاتاً: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    وفي الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( وقت الصبح إلى أن تطلع الشمس، ووقت الظهر من زوال الشمس ) إلى آخر حديث عبد الله بن عمرو . وكذلك ما جاء في حديث جبريل وحديث جابر رواه الإمام أحمد وغيره، وفيه صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقال فيه: ( الوقت بين هذين) وفي الباب غير ذلك.

    فهذا مجمع عليه أن الصلاة لها مواقيت، وإن اختلف الفقهاء في بعض مفصلي مواقيتها, لكنهم مجمعون على ذلك، وجملة ذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.

    تأخير الصلاة لمن نوى الجمع بين الصلاتين

    قال المصنف رحمه الله: (إلا لمن ينوي الجمع)، وهو من يصح له الجمع، والجمع ثابت بالشريعة وله أسباب، والفقهاء فيه على أوجه في الرأي من جهة التوسع فيه ومن عدمه، فأغلق المذاهب فيه مذهب الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- فإنه يذهب إلى أنه لا جمع إلا جمع النسك بعرفة، وأوسع المذاهب في ذلك مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- ولا سيما إذا استعملت اختلاف الروايات عن الإمام أحمد ، فإذا استعملت اختلاف الروايات عن الإمام أحمد فمذهبه هو أوسع المذاهب في هذا.

    المقصود: أن المصنف يقول: (إلا لمن ينوي الجمع)، أي: من يصح له الجمع، وهذا فيه أعذار معروفة كالسفر، والمرض، والخوف، ونحو ذلك.

    تأخير الصلاة عن وقتها للمشتغل بشرطها

    قال المصنف رحمه الله: (أو لمشتغل بشرطها) وبعض الأصحاب يقيد ذلك بأن الاشتغال بشرطها الذي يحصله قريباً؛ ولهذا فإن صاحب الزاد -رحمه الله- لما لخص عن مقنع الموفق في كتابه زاد المستقنع، فهو تلخيص للمقنع كما هو معروف، والأصل في الملخص أنه يختصر، لكنه علق بعض التعليقات اليسيرة، ولذلك قال في مقدمته في الزاد لما قال: أما بعد، فهذا مختصر في الفقه من مقنع الإمام الموفق أبي محمد على قول واحد.

    لكننا نرى أن صاحب المقنع تارة يذكر الروايتين، واختصره الحجاوي على رواية واحدة هي المشهور عنده من المذهب، قال: على قول واحد هو الراجح في مذهب أحمد ، فاختار من طريقة صاحب المقنع.

    ثم قال: وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع، فحذف منه بعض المسائل ووصفها بأنها نادرة الوقوع.

    ثم قال: وزدت ما على مثله يعتمد.

    ومما أضافه هنالك أنه لما ذكر هذه المسألة في الزاد قال: أو لمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً، فإذا كان لا يحصله قريباً ما ساغ له أن يؤخرها عن وقتها، والوقت عند الفقهاء وقتان: وقت ضرورة، ووقت اختيار. ووقت الضرورة والاختيار يقع في العصر، ويقع في العشاء، والصحيح من مذهب الإمام أحمد : أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقت الاختيار إلى وقت الضرورة لغير عذر، فلا يجوز أن يصلي العصر إذا تفارط العشي حتى كادت أن تغرب الشمس.

    وفي حديث عبد الله بن عمرو : ( وقت العصر ما لم تصفر الشمس ) وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد أن وقت الاختيار إلى الاصفرار على حديث عبد الله بن عمرو . وفي المذهب رواية ثانية كما هو معروف.

    والمقصود: أن ما كان فيه الوقت اختياراً واضطراراً على الصحيح من المذهب فالاختيار هو اللازم، والاضطرار لأهل الأعذار فحسب.

    والقول الثاني: أنه يسوغ ذلك. وبعضهم سوغه مع الكراهة.

    1.   

    حكم جاحد وجوب الصلاة وتاركها تهاوناً

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن جحد وجوبها كفر ].

    وهذا مجمع عليه بين الفقهاء وأهل العلم: أن من جحد وجوب شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة كفر، والصلاة هي أظهر الشعائر العملية بعد الشهادتين، فمن جحد وجوبها كفر، وهذا لا خلاف فيه.

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن تركها تهاوناً لا جحوداً دعي إلى فعلها, فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله، وعنه لا يجب حتى يترك ثلاثاً ويضيق وقت الرابعة ].

    هذه مسألة تنتظم في نظرين:

    النظر الأول: أن من تركها تهاوناً لا جحوداً هل يقتل أو لا يقتل؟

    النظر الثاني: إذا قيل: إنه يقتل فعلى أي وجه يكون؟

    أما مسألة أنه يقتل أو لا يقتل؟ فهذه فيها خلاف مشهور، والذي عليه الأئمة الثلاثة وهو مذهب أحمد و مالك و الشافعي أنه يقتل، وإن كانوا مختلفين في شروط قتله، وفي اللوازم التي ينبني عليها ثبوت القتل، فإنه يدعى ويستتاب. ومتى يستتاب؟ هل بترك صلاة واحدة؟ أم بترك صلاتين تجمع الثانية فيها إلى الأولى؟ أم بترك صلاتين لا تجمع الثانية فيها إلى الأولى كالعصر والمغرب؟ أم بترك ثلاث حتى يضيق وقت الرابعة؟

    وكل هذه روايات عن الإمام أحمد وهي أقوال للفقهاء، وإن كان الذي حرره كثير من المتأخرين أنه حتى يضيق وقت الثانية التي تجمع إليها كالعصر مع الظهر، والعشاء مع المغرب.

    أما إذا كان وقت الثانية التي لا تجمع إليها فيجعلون دعوته إليها والاستتابة تكون بترك الواحدة.

    وهذا على كل حال إحدى الروايات؛ ولهذا فالمشهور عندهم حتى يتضايق وقت الثانية التي تجمع إليها، عند تحرير بعضهم، وقد أشار المصنف إلى بعض هذه الروايات.

    استتابة تارك الصلاة تهاوناً

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً، فإن تاب وإلا قتل بالسيف، وهل يقتل حداً أو لكفره؟ على روايتين ].

    ثم يستتاب ثلاثاً، ولا بد من استتابته، فإن أبى بعد الاستتابة والدعوة والبيان والوعظ فإنه يقتل، وفي مذهب الإمام أحمد يقولون: إنه يقتل كافراً. وقال أصحاب مالك و الشافعي : إنه يقتل تعزيراً مع الحكم بإسلامه.

    وبعض المحققين من أهل العلم استغربوا هذا التسلسل لدى بعض الفقهاء، من حيث أنه هل يتصور أن شخصاً يدعى إلى الصلاة ويستتاب على ذلك ثلاثاً، ثم يصر وما بينه وبين أن يسلم رأسه من السيف إلا أن يصلي، فيأبى حتى يقتل وهو ليس عليه إكراه، وليس عليه شيء، هل يتصور هذا؟

    يقول ابن تيمية رحمه الله: هذا فرضه أصحاب مالك وأصحاب الشافعي ، يقول: وهو غريب في الوقوع، بل لا يقع، فإن هذا لو أصر حتى يقتل علم أنه ما عاند هذه المعاندة وصبر على السيف إلا لأنه لا إيمان عنده بالصلاة، أما لو كان مؤمناً بالله حقاً، ومؤمناً بالصلاة حقاً، فما الذي يجعله يلجأ وهو بكامل عقله واختياره إلى أن يصبر على السيف؟ يقول: هذا خلاف الطبيعة الآدمية، ولا تصدر إلا عن شخص ليس فيه إيمان بها.

    بل يقول: إن الذي يتجه هو العكس أنه لو لم يكن مؤمناً بها ثم رأى السيف فسوف يؤمن بها؛ كما كان الرجل في حديث أسامة لما قال: ( لا إله إلا الله! قال: إنما قالها تعوذاً ) فهذا يحتمل وقوعه في الطبيعة الآدمية، لكن العكس لا يحتمل وقوعه في الطبيعة الآدمية، فهذا ما نبه عليه ابن تيمية رحمه الله.

    وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يقتل, وهو قول طائفة من علماء المدينة كـمحمد بن شهاب الزهري حيث ذهبوا إلى أنه يحبس ويعزر ولا يقتل.

    لكن ما أشار إليه الإمام ابن تيمية -رحمه الله- أن هذا مما يعتبر في النظر في هذه المسألة، ولهذا لم يقع أن أحداً دعي إلى الصلاة وصبر على ذلك.

    وإذا كان مسلماً فالأصل أنه يصلي، بمعنى: أن هذه المسألة لا ترد إلى البينات كما في عامة الأقضية، فلا ترد إلى البينات التي من جملتها الشهادة، فإن الشهادة تعتبر، ولكن إذا عارض الشهادة ما هو أقوى في هذا المحل, وإن كان في الأصل قد لا يكون هو الأقوى اعتبر تقديمه.

    والمقصود من هذا التعليق: أنه لو ادعي عليه بأنه لا يصلي ثم دعاه القاضي إلى الصلاة، فقال: إنه يصلي وإنه مسلم ويصلي ومعني بالصلاة، فشهد الشهود بأنه لا يصلي، فهل تقدم الشهادة أو يقدم قوله؟

    هنا جعل قوله إنكاراً لما ادعي عليه، فهل يعمل بالشهادة هنا باعتبار أن الدعوة قامت عليه ويكون حقيقة قوله أنه إنكار، أو يعتبر قوله ويقدم على الشهادة؟

    الراجح هنا: أنه يعتبر قوله، وقد نص على ذلك الإمام أحمد في مثل هذه المسألة تماماً في رواية محمد بن الحكم ، وقال: إنه إذا قال: إنه يصلي كفاه ذلك، ولو كانت الشهادة تكذبه فإنه يلتفت إلى قوله، ويدين في هذا فيما بينه وبين الله، ولا يجرى به على قاعدة الحقوق الآدمية كالأموال ونحوها حفظاً لدين الناس.

    بمعنى: أنه ما دام أنه يقول أمام القاضي: أنا مسلم وأنا أصلي، فمن قال: إنه لا يصلي فإنه كاذب عليه، ومفتر عليه، فيقبل قوله بهذا، ولو شهدت الشهادة على خلاف ذلك، ويدين فيما بينه وبين الله، فإن هذا إنما يدرأ عنه أمر الدنيا.

    وأما إذا تعدى الأمر إلى حق الآدمي كما لو كان له امرأة ساغ أن ينظر القاضي في مسألة فسخها منه إذا تضافرت البينة، لكن أنه يؤخذ بالقتل وهو يقول: إنه يصلي فلا يكون ذلك؛ لأن هذا حق الله -سبحانه وتعالى- ولكن إذا تعلق بحق الآدمي وحق المرأة اعتبر أمر الشهادة في هذا المحل خاصة، وهو حق المرأة معه.

    ولو تضافرت البينة أنه ما يصلي، والمرأة تقول: إنه ما يصلي أبداً، وتطلب الفسخ منه، ثم قال هو: إنه يصلي، أخذه القاضي بالشهادة في حق المرأة، لكن فيما يكون من دينه فإن قوله يعتبر إذا قال: إنه يصلي، وأجري على قوله ودين فيما بينه وبين الله.

    فهذه مسألة قد تخفى، وقد ذكر كبار المحققين من الأصحاب حكمها على الاختصاص، ونقلوا في ذلك عن الإمام أحمد النص عليها برواية محمد بن الحكم.

    وقوله: (ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً) أي: ثلاث ليال، والاستتابة هنا واجبة في الصحيح من المذهب، (فإن تاب وإلا قتل بالسيف وهل يقتل حداً أو لكفره؟ على روايتين) المذهب على الثاني أنه يقتل لكفره.

    والرواية الثانية: يذكرونها عن الإمام أحمد وسبق فيها ما أورده ابن تيمية على هذه الطريقة وهي المشهورة عند أصحاب مالك و الشافعي : أنه يقتل للحد وليس للكفر.

    نقف على أحكام الأذان، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015686733

    عدد مرات الحفظ

    723714829