إسلام ويب

كتاب الطهارة [3]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجوز اتخاذ الآنية إلا ما حرمه الشرع؛ لحكمة بالغة. ومما يباح الآنية من جلد الميتة إذا دبغ، وللفقهاء هنا خلاف.

    1.   

    الآنية وما يتعلق بها من أحكام

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الآنية.

    كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله، ولو كان ثميناً كالجوهر ونحوه ].

    قوله: (باب الآنية).

    هذا الباب يذكر فيه الفقهاء أحكام الآنية من جهة ما يصح منها، وما لا يصح، وإن كان الأصل فيها الإباحة.‏

    ضابط ما يباح استعماله واتخاذه من الآنية

    قوله: (كل إناء طاهر)، أي: بقي على الأصل في كونه طاهراً.

    قوله: (يباح اتخاذه واستعماله)، فيجوز اتخاذه، ويجوز استعماله في الطهارة وغيرها.

    قوله: (ولو كان ثميناً) وهذا فيه يسير من الخلاف، ولكن عامة أهل العلم عليه.

    قوله: (كالجوهر ونحوه)، فكل إناء طاهر، فإنه يباح اتخاذه، ويباح استعماله في الطهارة وغيرها، ولو كان هذا الإناء ثميناً، فأما مالم يكن ثميناً فإنه مجمع عليه بيّن، وحكي عن بعض المتقدمين أنهم كرهوا بعض الأعيان، لكن هذا يكاد أن يكون مما شذ من القول الذي لا ينقض الإجماع، فلا يجعل الإجماع محفوظاً، فالأصل أن الإجماع محفوظ؛ لأنه مستقر في الشريعة، وإنما الذي جاء فيه خلاف من المحفوظ هو ما كان من الآنية الثمينة، فإن كراهة ذلك حفظ عن بعض السلف، وأما ما لم يكن ثميناً فلا يصح أن يكون خلافه معتبراً، بل هو خلاف شاذ؛ لأن الأصل مستقر به في الشريعة، وليس فيه شبه بما نهى عنه الشارع من الذهب والفضة، فلا يصير الخلاف فيه محفوظاً، بل هو خلاف شاذ.

    وأما ما كان ثميناً فإن وجه الشبه فيه قائم، وإن قيل: إن الراجح ما عليه عامة أهل العلم من أنه يصح اتخاذه واستعماله ولو كان ثميناً، لكن الخلاف فيه محفوظ.

    فإذاً: هما وجهان: ما كان من الآنية طاهراً وليس ثميناً، فهذا يباح اتخاذه واستعماله إجماعاً، وقد حكي في النحاس كلام لبعض المتقدمين ينقل عن بعض الأعيان، فهذا لا يقطع الإجماع على الصحيح، وأما إذا كان ثميناً فإن فيه بعض الخلاف وإن كان مرجوحاً، إلا أن هذا الخلاف محفوظ في كراهة بعضه، وهذا معنى قول المصنف: (كل إناء طاهر يباح اتخاذه واستعماله ولو كان ثميناً)، ومعتبر ما عليه العامة من أهل العلم حتى في الثمين، أو ما عليه الإجماع، ومستنده أن هذا هو الأصل الذي جاءت به الشريعة، وما كان من النهي فهو خروج أو استثناء من الأصل.

    استعمال آنية الذهب والفضة

    قال المصنف رحمه الله: [ إلا آنية الذهب والفضة ].

    الآنية إذا كانت من الذهب والفضة فإن اتخاذها محرم، وكذلك استعمالها في حق الرجال والنساء سواء فيما ذكر المصنف، وهذه الجملة التي ذكرها هي ما عليه الجماهير من أهل العلم، والتي جاءت بها السنة في الصحيحين وغيرهما من غير وجه، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب بآنية الذهب والفضة، كما جاء في الصحيحين من حديث حذيفة : ( لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة )، وجاء من حديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم )، فالثابت في الصحيحين وغيرهما النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وكذلك على الصحيح أن اتخاذها منهي عنه، وأن استعمالها منهي عنه، وهذا الذي عليه الجماهير من السلف والخلف، وهو الراجح من أقوال الفقهاء.

    وفصل بعض الفقهاء في بعض ذلك، ولكنه خلاف ما عليه الجمهور، وخلاف ما يقتضيه ظاهر الدليل، فإن الدليل وإن كان صريحاً أو نصاً في الأكل والشرب، إلا أنه بظاهره يقتضي النهي عما زاد على ذلك من اتخاذ أو من أوجه الاستعمال، ولا يقال: إن الدليل جاء مختصاً بالأكل والشرب، فإن هذا ليس بجواب؛ لأنه ليس على سبيل التخصيص، وإنما لا بد من اعتبار أن هذا هو أخص أوجه الاستعمال في آنية الذهب والفضة، فإن الإناء عادةً إنما هو للأكل أو الشرب، وحيث ذكر الشارع الأكل والشرب فإن هذا باعتبار أنه من جملة الاستعمال في الإناء.

    ولهذا لا يختلف المذهب في تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة، كما يحرم أيضاً استعمالها، ولكن بعض أهل العلم فصل في ذلك، فمنهم من سوغ في الاتخاذ ونهى عن الاستعمال، ومنهم من جعل الاستعمال في الأكل والشرب، فهذه أقوال معروفة للفقهاء، وما ذكره المصنف هو الذي عليه الجمهور، وهو الأظهر.

    المضبب من الآنية بالذهب والفضة

    قال المصنف رحمه الله: [ والمضبب بهما، فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها على الرجال والنساء ].

    قوله: (والمضبب بهما) فإنه يحرم اتخاذه، وذلك أنه داخل في النهي، واستثنى الفقهاء من ذلك الضبة اليسيرة من الفضة لحاجة، وهذا الذي استثناه فقهاء المذهب، وهو الصحيح في مذهب الإمام أحمد أن الاستثناء يختص بالضبة اليسيرة من الفضة لحاجة؛ لما ثبت في الصحيح عن أنس رضي الله عنه ( أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة )، فإن كانت كثيرةً أو لا حاجة إليها أو كانت من الذهب لم تصح، ويجعلون ما يسوغ في الآنية هو الضبة اليسيرة، فهذا وصف بأن تكون يسيرةً وخرج به الكثير، وأن تكون (من الفضة) فخرج به الذهب، وأن تكون (لحاجة) فخرج به غير الحاجة.

    والقول الثاني في مذهب الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله أنه يسوغ للحاجة ولو لم يكن يسيراً، فإذا كانت تقتضيه الحاجة ساغ ولو لم يكن يسيراً.

    الوضوء من آنية الذهب والفضة

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن توضأ منهما فهل تصح طهارته؟ على وجهين ].

    قوله: (فإن توضأ منهما)، أي: إن توضأ من إناء الذهب والفضة، فهل تصح الطهارة أو لا تصح؟ على روايتين، فمنهم من قال: إن الطهارة لا تصح، وألحقوها بما استقر عندهم في الصلاة في الدار المغصوبة، فإنهم لم يصححوها، وقالوا: إذا توضأ منها صار كمن صلى في الدار المغصوبة.

    والرواية الثانية عن الإمام أحمد : أن الصلاة تصح، إذا توضأ من آنية الذهب أو الفضة؛ لأن الذي يرفع به الحدث -وهو الماء- طاهر في نفسه، وإذا أصاب إناء الذهب أو إناء الفضة لم يغير ذلك، ولم يغير وصفه عن كونه طاهراً مطهراً، وصارت الجهة منفكة، وأما قياسها بالصلاة في الدار المغصوبة، وإن كان الجمهور يقولون: لا تصح الصلاة فيها لكنه ليس ذلك الحكم مستقراً حتى يخرج عليه، ومع هذا التقدير، أي: لو قدر أن الصلاة في الدار المغصوبة جزم بعدم صحتها، قيل: بين الصلاة في الدار المغصوبة والوضوء في إناء الذهب والفضة فرق؛ لأن المحل في الدار المغصوبة يكون متصلاً به ماهية العبادة، بخلاف الإناء. وهذا على كل حال يحتمل الفرق من جهة أن الصلاة في الدار المغصوبة على قول الجمهور بأنها لا تصح.

    فإذاً: في المسألة روايتان، والراجح منهما أنه لو توضأ في إناء الذهب والفضة صح وضوءه، ولا تلازم هنا بين النهي الذي هو من الأحكام التكليفية، وبين الحكم الوضعي من جهة صحة الطهارة؛ لعدم اللزوم بينهما.

    قال المصنف رحمه الله: [ إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة، كتشعيب القدح ونحوه، فلا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال ].

    قوله: (إذا لم يباشرها بالاستعمال)، هذا استثناه كثير من الأصحاب، والقول الثاني: أنه لو باشره بالاستعمال صح ذلك.

    ثياب الكفار وأوانيهم

    قال المصنف رحمه الله: [ وثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها ].

    الكفار على وجهين، أو على ضربين: إما أن يكونوا من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وإما أن يكونوا ليسوا كذلك، أي: من عبدة الأوثان وغيرهم، فمن كان من أهل الكتاب، فالذي عليه الجماهير من أهل العلم أن آنيتهم وثيابهم طاهرة، ولا ينتقل عن هذا الأصل الذي يقدر في آنيتهم وثيابهم إلا حيث علم خلاف ذلك، ولا تختلف الرواية عن الإمام أحمد في جواز الأكل فيها أو في أن آنية أهل الكتاب -في قول المصنف- وثياب الكفار وآنيتهم طاهرة، وإن كان الأصل يعرض معه ما يكون مانعاً من جهة العلم بنجاستها تارة أو غلبة الظن تارة، ولكن الأصل فيها أنها طاهرة، وذلكم أن الله جل وعلا، كما في كتاب الله أباح طعام أهل الكتاب: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهمْ [المائدة:5].

    وكذلكم ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح وغيره من وجوه، أنه أكل من آنية أهل الكتاب، كما في أكله من ما أضافه اليهود وغير ذلك، وما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتقون آنيتهم، فآنية أهل الكتاب طاهرة ما لم تعلم نجاستها.

    وكذلك ثيابهم التي يصنعونها أو التي يلبسونها، إلا ما كان ملاقياً لمحل العورات والنجاسات، فهذا فيه استثناء عند كثير من الفقهاء، وكره الإمام أحمد رحمه الله ما كان من ثيابهم يلاقي العورة والنجاسة؛ لعدم تحرز كثير منهم في ذلك. فالأصل في ثياب أهل الكتاب وآنيتهم الطهارة ما لم تعلم نجاستها؛ لحديث عبد الله بن مغفل ، في يوم خيبر قال: ( دلي جراب من شحم، فأخذته فالتزمته فالتفت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إلي وتبسم )، وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن المغفل أن يتقي الإناء، فدل على أن الأصل في آنيتهم الطهارة، وكما في الصحيح من حديث عائشة : ( أن يهودياً دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ -يعني عائشة - فقال اليهودي: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، ثم عاد اليهودي في اليوم الثاني ودعا النبي صلى الله عليه وسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ -يعني عائشة - فقال اليهودي: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا -أي: لم يجب دعوته- وفي اليوم الثالث قال اليهودي: نعم، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى دعوته )، ومعلوم أنهم بالضرورة يأكلون في آنيتهم، ولا يختصون بآنية يستصحبونها، فآنية الكفار وثيابهم طاهرة إذا كانوا من أهل الكتاب، أما إذا كانوا ليسوا من أهل الكتاب، كعبدة الأوثان ونحوهم، فهؤلاء الخلاف فيهم أشهر.

    والراجح: أنهم كأهل الكتاب من جهة أن الأصل في آنيتهم وفي ثيابهم الطهارة إلا إذا علم نجاستها؛ لأنه لم يثبت ما يدل على الخروج عن هذا الأصل، وهي أن أهل الكتاب أبيحت آنيتهم، مع أن منهم من يأكل الخنزير، ويأكلون ما يذبح على غير الوجه الصحيح، ولما كان المسلمون بمكة ما كانوا يتقون آنية الكفار من مشركي العرب، مع أنه جرت عادة العرب في ضيافتهم، وما كانوا يتقون الأكل أو الدخول إلى البيوت أو اللباس أو ما إلى ذلك.

    وثياب الكفار التي سميت في السنة، هي الثياب التي نهى عنها الشارع بخصوصها، وهي التي تسمى ثياب الكفار على معنى النهي الشرعي، كما في الثوب المعصفر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى على عبد الله بن عمر ثوباً معصفراً قال: ( إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها )، فثياب الكفار هنا، لا يراد بها ما يلبسونه عادةً، وإنما يراد بها ما خرجوا فيه عن وصف الشريعة في ما أبيح من اللباس، كالنهي عن الحرير، أو النهي عن المعصفر ونحو ذلك؛ ولهذا يعلم أن الصحابة رضي الله عنهم لما أسلموا وكانوا في جاهلية، أو من كان منهم في جاهلية، ما أمروا بغسل ثيابهم اتقاءً لما كان من حالها قبل ذلك، فهذه المقتضيات الشرعية إذا استقرئت بان لك أن الأصل في ثياب الكفار وآنيتهم الطهارة، إلا إذا علم خلاف ذلك، ولكن قد يختلف الفقه في تقدير هذا العلم، كما اختلف في تقدير العلم بنجاسة الماء إذا وقعت فيه النجاسة، فهذا وجه يقع فيه قدر من الاختلاف في تقدير العلم.

    قال المصنف رحمه الله: [ وعنه ما ولي عوراتهم كالسراويل ونحوه، لا يصلى فيه ].

    قوله: (وعنه)، أي: عن الإمام أحمد رواية، وهذا كرهه أكثر الفقهاء، كما كرهه أبو حنيفة و الشافعي ، وجاء أيضاً عن الإمام مالك كذلك، أن ما كان يلي العورات فإنه يكره.

    استعمال آنية من لا تحل ذبيحتهم

    قال المصنف رحمه الله: [ وعنه أن من لا تحل ذبيحتهم لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم إلا بعد غسله ].

    قوله: (وعنه أن من لا تحل ذبيحتهم) من ليسوا من أهل الكتاب كالمجوس وعبدة الأصنام.

    قوله: (لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم إلا بعد غسله)، وهذا رواية عن الإمام أحمد ، وقول لطائفة من السلف والخلف، والراجح كما سبق خلاف ذلك، والصحيح من مذهب أحمد رحمه الله: أن آنية الكفار مطلقاً الأصل فيها الطهارة وإن كانت الأدلة في أهل الكتاب أظهر، لكن حتى في غير أهل الكتاب، فإن الصحابة -كما سبق- ما أمروا بغسل آنيتهم بعد إسلامهم، وما أمروا بغسل ثيابهم بعد إسلامهم، وما نهوا عن اتقاء ثياب أو آنية أو طعام المشركين، أي: ما كان من الطعام الذي لا يكون فيه ذبح، ما كانوا ينهون عن اتقاء ذلك في بيوت من كان مشركاً من أهلهم وذويهم.

    ما يباح من أطعمة الكفار

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة ونحوها ].

    قوله: (ولا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة ونحوها)، هذا على الرواية الثانية، قد يشكل على البعض وهو أقوى ما جاء في الباب على خلاف الأصل الذي سبق، وهو حديث أبي ثعلبة الخشني، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله! إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها )، وهو حديث ثابت في الصحيح، وقد يبدو لبعض الناظرين أنه يشكل على ما سبق.

    والتحقيق أنه ليس كذلك، وهو حديث على وجهه ولا سيما أن حديث أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه، إذا تأملته وجدت فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها )، والسنة بينت فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أكل من آنية أهل الكتاب، فدل على أن حديث أبي ثعلبة ليس هو في اعتبار صحة الاستعمال من عدمه، وإنما هو في تأديب المسلمين أن يختصوا عن هؤلاء القوم من أهل الكتاب حتى لا تغلب مخالطتهم لهم؛ ولهذا قال: ( إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها )، فهذا على التنزيه والتأديب؛ لأن السنن السابق ذكرها في فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيما كان من أمر اليهود، وفي حال المسلمين، وفي حال من كان مشركاً، بُيّن فيها أن الأصل هو الطهارة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسلها ولم يأمر باتقائها، فحمل حديث أبي ثعلبة رضي الله عنه على هذا المعنى من التنزيه وليس على تصحيح الفعل من عدمه.

    1.   

    تطهير جلد الميتة بالدباغ

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ ].

    قوله: (ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ)، وهذا هو الصحيح في مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وقد نص عليه في رواية الجماعة، وهذا هو المعتبر في المذهب: أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وقال طائفة من الأصحاب: إن الإمام أحمد رحمه الله رجع عن هذه الرواية إلى أن جلد مأكول اللحم يطهر بالدباغ، هذه طريقة طائفة من الأصحاب، هو أيضاً كما مذهب الأوزاعي ، ولكن الصحيح في المذهب خلاف ذلك، والمعتبر في مذهب الإمام أحمد : أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وهذه المسألة من مفردات مذهب الإمام أحمد عن الجمهور، أن جلد الميتة مطلقاً سواء كانت الميتة مأكولة اللحم أو ليست كذلك، وسواء كانت طاهرة في حال الحياة أو ليست كذلك، فالمذهب بهذا الوصف وبهذا المعنى من المفردات عن الأئمة الثلاثة.

    أقوال العلماء في طهارة جلد الميتة بالدباغ

    وهذه المسألة فيها نحو ثمانية أقوال للفقهاء، أشهرها: أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وهذا هو المذهب، وهو قول طائفة من السلف والخلف.

    القول الثاني: أنه لا يطهر بالدباغ إلا إذا كان مأكول اللحم، وهذا مذهب الأوزاعي وجماعة، ورجحه الشيخ تقي الدين رحمه الله، و ابن تيمية في بعض كتبه وجواباته.

    القول الثالث: أنه لا يطهر جلد الميتة بالدباغ إلا ما كان طاهراً حال الحياة، وهذا أوسع من القول الثاني، فالقول الثاني: يقولون إلا مأكول اللحم، والقول الثالث يقولون: إلا ما كان طاهراً حال الحياة، كالخيل مثلاً فإنه ليس مأكول اللحم عند الجماهير، ولكنه طاهر حال الحياة، فهذا قول أوسع، وهذا أيضاً رجحه ابن تيمية في بعض جواباته.

    القول الرابع: أن جلد الميتة يطهر بالدباغ ويستثنى من ذلك الكلب والخنزير.

    فهذه الأقوال الأربعة هي الأقوال المشهورة من أقوال أئمة الفقهاء، وفي المسألة أقوال فوق ذلك.

    وإذا نظرت المسألة من حيث الأصل صارت على وجهين: إما أن يقال: إن جلد الميتة يطهر بالدباغ، أو إن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، فإذا أردنا ذكر الأصل في ذلك، فهل الأصل: أن جلد الميتة يطهر، أو أن جلد الميتة لا يطهر؟ الأصل أن جلد الميتة نجس، وهو قدر منها؛ ولهذا احتيج إلى ذكر الدباغ في طهارته، فإذاً الأصل أن جلد الميتة نجس، وحيث كان الأصل أن جلد الميتة نجس فإنه لا يقال: بأن الدباغ يطهره إذا ثبت من الدليل ما يقتضي ذلك، وإذا نظرت الأدلة في هذا وجدت أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالانتفاع بجلود الميتة ثابت، كما في حديث ابن عباس المتفق على صحته: ( تصدق على مولاة لـميمونة بشاة، فماتت فمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به، قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها )، فهذا صريح أنه يصح الانتفاع بجلد الميتة.

    ولكن هل الحديث على حرف: ( هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به )؟ أو الحديث على حرف: ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ).

    فالأحاديث التي فيها ذكر الدباغ، إذا نظرنا إلى المسألة باعتبار رأي المحدثين، فالمحدثون على رأيين في الجملة: من أئمة الحديث من يرى أنه لا يصح في الدباغ حديث، وهذه طريقة أحمد في أجوبته، وهي طريقة البخاري فيما يظهر من صنيعه في صحيحه؛ لأن الإمام البخاري أخرج حديث ابن عباس وفيه: ( هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به )، ولم يذكر حرف الدباغ، وأخرجه مسلم في صحيحه بلفظ: ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به )؛ ولهذا ليس حكيماً أن يقول الباحث، أو الناظر: إن حديث ابن عباس : ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه، فانتفعتم به )، متفق عليه؛ لأنه يوهم أن الشاهد منه متفق عليه، والشاهد فيه حرف الدباغ، وهو ليس متفقاً عليه، فلم يخرجه البخاري .

    فإذاً الإمام أحمد كان يرى أن أحاديث الدباغ معلولة، وحيث كانت معلولة فإن الأصل يقتضي عدم طهارة جلود الميتة، ولا سيما مع حديث عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى جهينة : ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب )، وهو حديث وإن ضعفه كثير من المتأخرين إلا أن أحمد في أجوبته احتج به، وقال: إنه جيد، فجود إسناده الإمام أحمد واحتج به، و أحمد إذا احتج بحديث لا يكون من البين الضعف أبداً، بل في الجملة يكون راجحاً من جهة ثبوته، فاحتج به الإمام أحمد ، وهو الأصل كما ترى، ولم يثبت في طهارة جلود الميتة بالدباغ عند التحقيق حديث وهذا الحرف وإن كان في صحيح مسلم ، إلا أن فيه إعلالاً من جهة، ومن جهة أخرى من حيث ما يقتضيه من الدلالة، فإنما فيه الانتفاع، فليس في حديث ابن عباس إذا اعتبرنا رواية مسلم ليس فيه أنه طاهر، وإنما فيه: ( هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به )، فغاية ما فيه من الحكم هو الانتفاع، والانتفاع لا يستلزم الطهارة؛ ولهذا خص الفقهاء ممن جعل جلود الميتة لا تطهر بالدباغ -كما هو مذهب الإمام أحمد - أنه يباح اتخاذها والانتفاع بها في اليابسات؛ لأنه لا يتعد أثرها، بخلاف غير اليابسات فإنها توجب تعدي النجاسة؛ ولهذا قال: ويباح اتخاذه في يابس إذا كان من حيوان طاهر في الحياة، عملاً بمثل حديث شاة ميمونة ، من حديث ابن عباس .

    فإذاً: حديث عبد الله بن عباس حرف الدباغ فيه معلول على الراجح، ولم يذكره البخاري في صحيحه، وعلى تقدير التصحيح لما جاء في حرف مسلم وهذه الزيادة، قيل: هذا في الانتفاع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ( هلا أخذتم إهابها، فانتفعتم به، قالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها )، وبين أيضاً من هدي الصحابة أنهم كانوا يتقون ذلك، وإنما رخص النبي صلى الله عليه وسلم لما يصاحب حالهم من الحاجة في الانتفاع، فإذاً ترى أن الأحاديث التي جاءت في الدباغ على وجهين:

    إما أحاديث فيها الانتفاع، وهذا لا يمنعه من يقول: بأن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ.

    أو أحاديث فيها أن جلد الميتة يطهر بالدباغ، وهذه ليس شيء منها محفوظ على الراجح، وإن جود بعض أسانيدها بعض الحفاظ، لكن الراجح: أنه لا يثبت حديث صحيح أن الدباغ يكون مطهراً للإهاب.

    وبعضهم أجاب عن حديث عبد الله بن عكيم بأنه ضعيف كما سبق، وهذا فيه نظر، وبعضهم أجاب عنه بأن الإهاب اسم للجلد قبل الدبغ، وهذا ذكره بعض أئمة اللغة، ولكن الذي في حديث عبد الله يدل على نفي الطهارة، وتخصيصه بأن الإهاب اسم للجلد قبل الدبغ، هذا محتمل من جهة اللغة، لكن سواء قدر أن حديث عبد الله بن عكيم ثابت أو قدر أنه غير ثابت، فإن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ باعتبار الأصل، وهذا أجود في الاستدلال؛ لأن هذا هو الأصل، وليس ثمة ما ينقل عنه، وإنما غاية ما جاء صحيحاً في جلود الميتة، هو تجويز الانتفاع بجلد مأكول اللحم، وهذا ثابت في السنة، ويقول به الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة؛ ولهذا مذهبه أنه يسوغ الانتفاع بها، أي: بجلود الميتة في اليابسات، إذا كان من حيوان طاهر في الحياة.

    استعمال المدبوغ في اليابسات

    قال المصنف رحمه الله: [ وهل يجوز استعماله في اليابسات بعد الدبغ؟ على روايتين ].

    هذا فيه روايتان عن الإمام أحمد ، والراجح أنه يجوز استعماله بعد الدبغ في يابس إذا كان من حيوان طاهر في الحياة، والدبغ يخففه، ويمنع تعدي النجاسة فيه، لكنه لا يجعله طاهراً.

    قال المصنف رحمه الله: [ وعنه يطهر منها جلد ما كان طاهراً في حال الحياة ].

    وهذه رواية قوية في مذهب الإمام أحمد، ونص بعض المحققين من الأصحاب على أن أحمد رجع إليها، وإن كان هذا خلاف رأي الجمهور منهم، لكنها روايات قوية في مذهب الإمام أحمد وهي مذهب طائفة من الفقهاء، واختارها الشيخ تقي الدين رحمه الله.

    تطهير جلد غير المأكول بالذكاة

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة ].

    وهذا قول الشافعي والإمام أحمد وهو الراجح: أنه لا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة، فغير المأكول لو ذكي لا يزال ميتة، كالسباع -مثلاً- لو ذكيت فإنها لا تزال ميتة، فالذكاة لا تبيح ولا تطهر جلد الميتة، لا تطهر إلا ما كان مأكولاً.

    والقول الثاني: وهو مذهب مالك و أبي حنيفة أنها تطهره؛ لحديث ( ذكاة الأديم دباغه )، فشبه الدباغ بالذكاة، وهذا على كل حال أحد القولين للفقهاء، والراجح ما سبق؛ لأن الذكاة لا أثر لها في تطهير اللحم، ولا في إباحة الأكل، فكذلك لا يتعدى أثرها إلى الجلد، فإنه بالإجماع إذا ذكي السبع وذبح كما تذبح بهيمة الأنعام لما كان لحمه طاهراً، فأثرها لا يتعدى، وتخصيص الجلد بها بعيد، والحديث الذي ورد وإن كان فيه وجه من التشبيه، إلا أنه ليس من التشبيه الذي يقع على التقدير من القياس، فضلاً عن من تكلم في ثبوته.

    1.   

    حكم لبن الميتة وأجزائها

    قال المصنف رحمه الله: [ ولبن الميتة وأنفحتها نجس في ظاهر المذهب، وعظمها وقرنها وظفرها نجس، وصوفها وشعرها وريشها طاهر ].

    قوله: (ولبن الميتة وأنفحتها نجس في ظاهر المذهب)، وهذا هو الراجح، وهو الذي عليه مذهب الجمهور.

    مالك و الشافعي و أحمد على الصحيح من المذهب، أن لبن الميتة وأنفحة الميتة نجس؛ لأنه جزء منها، والله جل وعلا يقول: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ [البقرة:173]، والميتة نجسة بنص القرآن، والأصل فيها النجاسة بالإجماع، ولبنها منها.

    ورخص فيه أبو حنيفة عملاً بظاهر فعل بعض الصحابة: أنهم ما كانوا يتقون أكل الجبن في بلاد الكفار، وفي أنفحة الميتة ما ليس مذكى .. إلى آخره، فما كانوا يجعلون له حكم الميتة إذا كان غير مذكى على الوجه الشرعي. ولكن مثل هذا يكون بعيداً، فإن الأحكام إذا اقتضاها ظاهر دليل من أدلة الكتاب أو السنة أو استصحاب العموم البين في التحريم ما خرج عن هذا العموم بالتخصيص في مثل هذا، فإن هذا يحتمل أنهم يتقوه أو لم يتقوه، أو بان لهم في ذلك تقدير، وليس هذا من الشيء المستقر حتى يقال: إن مذهب الصحابة المستقر يخصص به العموم، فهذا عند التحقيق ليس له مثال مطابق، وإن كان أهل الأصول يسمون هذه المسألة، ففعل بعض الصحابة لا يكون مخصصاً للعموم بهذا الاعتبار، لو قدر أن محل الفعل ليس مطابقاً لمحل العموم، وهذا يحتاج إلى تقرير وتحرير أكثر.

    إذاً: الراجح أن لحم الميتة ولبنها نجس. ‏

    عظم الميتة وقرنها وظفرها

    قوله: (وعظمها وقرنها وظفرها نجس)، وهذا أيضاً مذهب الجماهير، وهو مذهب مالك و الشافعي و أحمد ؛ لأنه جزء منها، فإن عظام الميتة منها، فيدخل في الأصل وليس ثمة دليل يرفع هذا الاقتضاء، وهذا الذي عليه الجمهور خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله، فإن أبا حنيفة يجعل عظم الميتة طاهراً، إذا كان يابساً صار طاهراً في مذهب الإمام أبي حنيفة ، وهذا اعتبروه بوجه من التعليل، وأن النجاسة تتصل بدمها ورطوبتها إلى آخره، لكن هذا بعيد، فإن الحكم بنجاسة الميتة هو الأصل، والشارع نهى عنها نهياً عاماً، وما خص منها شيء.

    صوف الميتة وشعرها وريشها

    قوله: (وصوفها وشعرها وريشها طاهر)، وهذا مذهب أحمد و مالك و أبي حنيفة ، وقدروا ذلك من حيث الاستدلال على طريقتين: منهم من يستدل ببعض الآثار في ذلك، ولا يثبت منها شيء، في تخصيص الشعر والريش ونحو ذلك.

    والوجه الثاني: الاعتبار بأنها في حكم المنفصل عنها، فلا تكون داخلة في اسم الميتة التي وقع عليها الحكم بالنجاسة، فهي في حكم المنفصل؛ ولهذا قالوا: إن صوف الميتة وشعرها طاهر، وهذا الذي عليه الجمهور خلافاً للإمام الشافعي ؛ ولذلك ترى أنه فيما يتعلق بأحكام الميتة من جهة الطهارة وعدمها أوسع المذاهب في ذلك هو مذهب أبي حنيفة ، وأضيقها مذهب الشافعي ، وأوسطها مذهب أحمد و مالك وهو أجود هذه الطرق الثلاث.

    1.   

    الاستنجاء وما يتعلق به من أحكام

    قال المصنف رحمه الله: [ باب الاستنجاء ].

    قوله: (باب الاستنجاء)، الاستنجاء: هو ما يكون من الطهارة بالماء، ويتميز عن الاستجمار بأنه يكون بالحجارة؛ ولهذا يقولون: الاستنجاء والاستجمار بهذا المعنى من الاصطلاح، وإذا قالوا: باب الاستنجاء فيذكرون فيه أحكام الاستجمار، ولا يقصدون به تخصيص ذلك بالأحكام التي يستعمل فيها الماء وحده.

    دعاء دخول الخلاء

    قال المصنف رحمه الله: [ يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم ].

    قوله: (بسم الله) هذا جاء في حديث علي في السنن، والأصل يقتضيه وشواهد الشريعة تقتضيه، حتى إذا قيل: إن حديث علي فيه نظر من جهة ثبوته -وهو كذلك- لكن شواهد الشريعة تقتضيه، لكونه محلاً للشيطان، فإن مما يطرد الشياطين ويقطع شأنهم التسمية، كما جاء في حديث سليمان بن صرد رضي الله تعالى عنه في التسمية والتعوذ.

    وأما قوله: (اللهم أني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، فهذا متفق عليه من حديث أنس ، والذي عليه كثير من أهل العلم واللغة: أن (الخبث) بالضم وبعضهم يسكنها، والخبائث: ذكران الشياطين وإناثهم، وسواء أدرك المكلف المقصود بالخبث والخبائث أو لم يدرك، فإن أمر الله سبحانه وتعالى يمضي بإجابة دعوته.

    النهي عن إدخال ما فيه ذكر الله تعالى إلى الخلاء

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يدخله بشيء فيه ذكر الله تعالى إلا من ضرورة ].

    وذلك تعظيماً لذكر الله واسم الله، وشواهد الشريعة وقواعدها تقتضي ذلك، وجاء في حديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه )، كما رواه ابن ماجه وغيره، لكن ذكر الإمام أحمد وكبار المحدثين، أنه لم يصح في ذلك شيء، فليس فيه شيء محفوظ؛ ولهذا استحب أحمد في بعض الروايات عنه: أن يجعل فصه إلى باطن كفيه، وهذا من الأدب، فمثل هذه المسائل معتبرة بشواهد الشريعة وأدبها.

    ورخص كثير من السلف في الخاتم يدخل به الخلاء؛ لأنهم يجعلون ذلك ليس مما ينافي الأدب مع ذكر الله، ولمضي حال كثير من الصحابة ومن سبقهم به، ولكن استحب الإمام أحمد في بعض الروايات كما سبق: أن يجعل فصه إلى باطن كفه.

    تقديم الرجل اليسرى عند الدخول والعكس عند الخروج من الخلاء

    قال المصنف رحمه الله: [ ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج ].

    لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة في الصحيح قالت: (كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله )، وما كان خلاف ذلك، فإنه يقدم فيه اليسرى، فعند دخوله الخلاء تقدم اليسرى؛ لأنه ليس محلاً مرغوباً في الأصل، وعند الخروج منه تقدم الرجل اليمنى، على خلاف المسجد كما هو محرر.

    آداب قضاء الحاجة

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ].

    وأيضاً هذا من الأدب؛ لأنه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فيما روى الإمام أبو داود ، وهذا وإن لم يكن إسناده متيناً، إلا أن هذا مما يقتضيه الأدب، فإن الأصل النهي عن كشف العورات.

    قال المصنف رحمه الله: [ ويعتمد على رجله اليسرى ].

    هذا جاء في حديث سراقة ولا يثبت، وهذا إن لم يقع به علم من جهة الطب، لا يكون له مشروعية أو قصد، لأنه معنى في الاستحباب وليس محصلاً من جهة الإدراك بعموم الشريعة أو اقتضاء قواعدها، كالنهي عن دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله، فهو معنى مختص من الفعل، فإن لم يثبت فيه حديث ولم يثبت، وأقوى ما فيه حديث سراقة وهو ضعيف، رواه الطبراني وغيره ولا يصح، بل هو بين الضعف، وإن لم يثبت به في معنى مصحح عند الاطباء لا يكون لاستحبابه أو القصد إليه مشروعية.

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يتكلم ولا يلبث فوق حاجته ].

    قوله: (ولا يتكلم)، لما ثبت في حديث عبد الله بن عمر : ( أن رجلاً مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه السلام )، أخرجه مسلم في صحيحه، ولو كان الكلام مخففاً فيه لذكره النبي صلى الله عليه وسلم بجوابه لسلام هذا الرجل، ومنهم من قال: إن هذا لكون السلام يتضمن ذكر الله، فلا يكون كعموم الكلام. والأصل أن ذلك يكون على الكراهة لا على التحريم، فقوله: (ولا يتكلم) أي: لا ينبغي له ذلك؛ لأن هذا خلاف المروءة، لكن لو احتاج إلى شيء من ذلك صح له ولا شك، وزالت الكراهة، ولكن هذا كله مبني على الكراهة وليس على التحريم أن يتكلم.

    قوله: (ولا يلبث فوق حاجته) أيضاً لأن هذا ليس له ما يستدعيه، فينبغي ألا يزيد عن حاجته، وهذا هو الأصل في صحة الأبدان.

    دعاء الخروج من الخلاء

    قال المصنف رحمه الله: [ وإذا خرج قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ].

    وذلك لما جاء في حديث عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك )، وفي حديث أنس : ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ).

    اختيار المكان المناسب لقضاء الحاجة

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن كان في الفضاء أبعد واستتر وارتاد مكاناً رخواً ].

    أيضاً هذا من الآداب التي جاءت بها الشريعة، أن يبعد دون مبالغة، فإن بعض الناس يبالغ في الإبعاد إلى قدر من الوسوسة، وهذا لا أصل له، وثبت في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه في الصحيح: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم خلف حائط، قال: فقام كما يقوم أحدكم، فبال فانتبذت منه، فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبيه حتى فرغ )، فهذا ثابت في الصحيح، فإذاً يكون هذا على قدر من الاقتصاد، ويفرق بين البول والغائط.

    النهي عن التخلي في الحجر أو في طريق الناس وظلهم

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يبول في شق ولا سرب ولا طريق ولا ظل نافع ولا تحت شجرة مثمرة ].

    لأن هذه مظنة إما أنه يفوت بها قدر من الخير لبني آدم كالبول في الظل والطريق، أو أنه فيه احتمال للأذى كالبول في الشق ونحوه، وفي النهي عنه أحاديث كحديث عبد الله بن سرجس وغيره.

    استقبال الشمس والقمر عند قضاء الحاجة

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يستقبل الشمس، ولا القمر ].

    هذا كرهه طائفة من الفقهاء، والقول الثاني: عدم كراهة ذلك؛ لعدم صحة شيء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يصح في النهي عن استقبال الشمس والقمر شيء، بل لك أن تقول: إن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة واستدبارها، يستلزم في بعض الحال ما يكون من استقبال الشمس أو القمر، وأما ما قاله بعض الفقهاء: لأن فيهما من نور الله، فهذا لا معنى له، بل هي خلق من خلق الله سبحانه وتعالى، ولا يثبت فيها شيء، ولا يتعبد بمثل هذا التعليل.

    استقبال القبلة واستدبارها

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء، وفي استدبارها فيه واستقبالها في البنيان روايتان ].

    أما استقبال القبلة في الفضاء وهو ما قابل البنيان، فالمذهب مستقر على تحريمه ومنعه؛ لحديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله )، فاستقبالها مستقر في مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    وأما الاستدبار فجاء في حديث جابر ، وجاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيح، فالمذهب عند أحمد مستقر في المنع من استقبال القبلة، وأما الاستدبار أو الاستقبال في البنيان ففيه روايتان، وهما قولان للفقهاء في المسألتين.

    فأما المسألة الأولى: وهي الاستدبار ففيها روايتان، والراجح في المذهب أن الاستدبار كالاستقبال ينهى عنه، ولا سيما أن حديث أبي أيوب فيه الوجهان: ( لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائطـ، ولكن شرقوا أو غربوا )، ففيه الوجهان، وكذلكم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في غير هذا الحديث.

    وأما ما يتعلق بحال الفضاء والبنيان والتمييز بينهما فإن الجمهور من الفقهاء يميزون بين الفضاء والبنيان، وهذا هو مذهب مالك و الشافعي ، ورواية عن الإمام أحمد ووجه هذا التميز ما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه، وحديث عبد الله بن عمر .

    فإذاً: عندنا حديث أبي أيوب : ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها )، فالحديث في الاستقبال والاستدبار، وإنما ترددت الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله، لأن طريقته في الفقه أنك قد ترى حديثاً واحداً، فتستقر الرواية عنه في بعض دلالته دون البعض الآخر، كهذا الحديث: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها )، فالاستقبال قد استقرت الرواية عن أحمد فيه، والاستدبار صار فيه روايتان مشهورتان؛ لأن ما جاء في حديث عبد الله بن عمر إنما هو في الاستدبار.

    وهذا له نظائر في آراء الإمام أحمد ، ومن نظائره ما جاء في حديث أبي ذر : ( إذا قام أحدكم يصلي فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود، قيل: يا أبا ذر ! ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الكلب الأسود شيطان ).

    فالمقصود أن الإمام أحمد الصحيح في مذهبه والذي عليه الجماعة من أصحابه: أن الصلاة يقطعها الكلب الأسود؛ ولهذا جاء في إحدى نصوص الروايات عن أحمد أنه قال: أما الكلب فنعم، وأما المرأة والحمار ففي نفسي منهما شيء. ففي نفسه رحمه الله منهما شيء؛ اعتباراً بما جاء في حديث ابن عباس في الحمار أنه ( أقبل وهو راكب على أتان، فمر بين يدي بعض الصف ) كما في صحيح البخاري . والمرأة لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: لما قالت: شبهتمونا بالحمير والكلاب .. إلى آخره.

    على كل حال، الراجح أن الاستدبار كالاستقبال؛ لأن الحديث واحد.

    وأما في الفضاء والبنيان، فالجمهور يرخصون في البنيان، وإن كانوا ينهون عنه في الفضاء، إما نهي تحريم أو نهي كراهة، وموجب هذا التفريق ما جاء في حديث ابن عمر ، قال: ( كنت يوماً عند حفصة فرقيت على ظهر بيتها، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته )، وإذا كان في المدينة مستقبل بيت المقدس صار مستدبر الكعبة، وهذا حديث ابن عمر متفق عليه، لكنك ترى أن حديث ابن عمر ليس من الأفعال التي أظهرها الشارع، وكأنه إنما وقع اتفاقاً لما رقى ابن عمر على ظهر بيت، وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم الذي فيه القول: ( لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها )، فهذا وإن كان ثابتاً من جهة الإسناد إلا أنه حكاية حال فتخصيصه للعموم ليس ذلك البين تماماً، ليس كما لو نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم قول صريح في ذلك، أو إقرار صريح في ذلك، وإنما هو حكاية حال، وهذا يحتمل أنه يغيب بعض أمره، بمعنى أنه ربما كان منحرفاً شيئاً، وإذا تباعد المكان ولم يكن ابن عمر ليتتبع في نظره جلوس النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد أنه أصابه عرضاً وانحرف عنه، أي: أصابه فجأةً وانحرف عنه؛ لأنه ليس مناسباً أن يقدر خلاف ذلك.

    فالمقصود أن تخصيص حديث أبي أيوب ، وكذلكم ما جاء في حديث سلمان وحديث أبي هريرة في النهي عن استقبال القبلة، بحديث جابر وحديث عبد الله بن عمر ، فإنما فيه حكاية فعل، والجمهور رأوا التخصيص في ذلك.

    والقول الثاني: أن الأمر على إطلاقه، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    فهذه مسألة على كل حال الخلاف فيها قوي، لكن أردت من ذكر هذا المعنى: أن التخصيص بحديث ابن عمر وحديث جابر ليس هو التخصص البين، فإن قيل به فهذا قول وجيه، وهو مذهب الجمهور مالك و الشافعي ورواية عن أحمد : وهو التميز بين الفضاء والبنيان، هذا الذي عليه أكثر الفقهاء، وهو قول وجيه، لكنه ليس ذلك البين كما قد يتأتى لبعض الناظرين أن هذا كأنه صريح في جمع الأدلة، بل هذا حكاية حال، وحكاية الحال ليست كما لو جاء النقل مستقراً.

    نقف عند هذه المسألة، ونستكمل إن شاء الله في ما يأتي وبالله لتوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    طريقة أهل الحديث في الحكم على أحاديث الدباغ

    السؤال: ذكرتم أنه لم يثبت في الدباغ حديث، وقد جاء في رواية ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح مسلم : ( ويأتون بالسقاء يجعلون فيه الودك، فقال ابن عباس : قد سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: دباغه طهوره ).

    الجواب: نعم هذا جاء في صحيح مسلم ، وجاء في صحيح مسلم أيضاً : ( هلا أخذتم بهذا فدبغتموه )، لكن أنا ذكرت أن أهل الحديث لهم طريقتان:

    الطريقة الأولى هم الذين يصححون حديث الدباغ؛ ولهذا ذكرها مسلم في صحيحه، وإلا فالدباغ فيه نحو خمسة عشر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه طريقة لكثير من متقدمي أهل الحديث أو متأخريهم، و مسلم منهم.

    والطريقة الثانية: عدم تصحيح أحاديث الدباغ، وهذه طريقة محفوظة عن الإمام أحمد ، وهي ظاهر صنيع البخاري ، ولكنها محفوظة عن الإمام أحمد في جواباته: إنه لا يصحح في الدباغ شيء، فعلى كل حال هذه طريقة وهذه طريقة.

    لبس الأحذية المصنوعة من جلد الخنزير

    السؤال: هل يجوز لبس الأحذية التي صنعت من جلد الخنزير أو الثعبان؟

    الجواب: لبس الأحذية المصنوعة من جلد الخنزير لا يصح.

    أكل اللحوم المستوردة

    السؤال: هل يجوز أكل اللحوم والدجاج التي تأتي من الكفار، خاصةً أن الغالب عليهم ذبحها بالصعق الكهربائي أو غير ذلك؟

    الجواب: الأصل في أهل الكتاب أن طعامهم حل لنا، ما دام أنها من بلاد أهل الكتاب، فهذا هو الأصل إلا حيث علم علماً مختصاً معيناً غير ذلك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016494877

    عدد مرات الحفظ

    723817433