إسلام ويب

تفسير سورة الروم (13)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يمر الإنسان بمرحلة الطفولة ثم الفتوة ثم الشيخوخة، متقلباً بين الضعف والقوة، فالمؤمن يسخّر حياته كلها لعبادة الله تعالى، والكافر يجعل كل ذلك في خدمة أهوائه وشهواته، ويوم القيامة يقسم أنه ما لبث في الدنيا غير ساعة من نهار، فيسكتهم المؤمنون ببيان زيف ظنهم، وكذب قولهم: لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث، فيخرسون لهول الفاجعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    هيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات من سورة الروم ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الروم:54-57].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم:54] هذا الخبر الإلهي وحده يكفي لأن يؤمن الإنسان بربه ويتعرف عليه، ويسأل عن محابه ومكارهه ليفعل المحبوب لله ويتجنب المكروه لله.

    هذا يكفي مع الأدلة والبراهين الساطعة كالشمس تدل على أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق، ولكن نسبة المؤمنين إلى الكافرين واحد في الألف، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

    اللَّهُ [الروم:54] هل غير الله فعل هذا الفعل؟ لا. الذي فعل هذا الفعل هو الذي يستحق أن يعبد ويطاع ويحب، هو الذي ينبغي أن نذكره ولا ننساه، ونشكره ولا نكفره.

    اللَّهُ [الروم:54] جل جلاله وعظم سلطانه هو الَّذِي خَلَقَكُمْ [الروم:54].

    أسألكم: من خلقكم؟ هل خلقتكم الجبال أم التلال أم البحار أم كواكب السماء أم الشمس والقمر؟ من؟ الله.

    أما إن قلت: أبي. نقول: وأبوك من خلقه؟ الله. والأب لا يخلق، ولا الأم تخلق.

    إذاً: آمنا بالله.

    خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [الروم:54] أي شيء أضعف وأحقر من قطرة المني؟ لا شيء.

    ثم تتكون قطرة المني هذه مضغة ثم تصبح جسداً، ثم يخرج من بطن أمه، ثم كذا سنة وهو من أضعف ما يكون، ضعف كامل من كونه نطفة إلى أن يبلغ السابعة أو الثامنة من عمره أو العاشرة.

    ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم:54] الشبيبة وهي قوية، والشاب قوي في فعله. من قواه؟ من وهبه شبابه؟ من أعطاه قدرته؟ ليس إلا الله. إذاً: لا إله إلا الله.

    ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54] إذا تجاوز الإنسان الأربعين من عمره تجاوز الشبيبة ودخل في الكبر والسن ... وهكذا حتى يصبح ضعيفاً ثم يصبح هرماً لا يعرف ما يقول ولا ما يفعل.

    من الذي فعل بالبشرية هذا؟ الله. فلم لا يسألون عنه؟ هل جاءكم يهودي أو نصراني سألكم عن الله؟ لا يسألون.

    كذلك كان المشركون والكافرون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الديار كانوا لا يسألون ولا يعرفون.

    يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [الروم:54] خلقه في العوالم كلها، إذا شاء تعالى أن يخلق شيئاً والله لا يعجزه شيء، والله ليخلقه كما أراد!

    إذا أراد أن يخلق شيئاً يوجده من العدم؛ لأن قدرته لا حد لها، لا يعجزه شيء، ومن أراد أن ينظر فلينظر إلى كوكب الشمس، من كوكبه؟ من ملأه ناراً؟ من علقه في السماء؟ من جعل له ذلك المسير الدهر كله؟ من فعل هذا؟

    الواجب علينا إذا ذكرنا هذا أن نخر على الأرض صاعقين.

    وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم:54] صفتان جليلتان عظيمتان:

    الْعَلِيمُ [الروم:54]: بكل شيء من الذرة إلى المجرة في الكون كله، ما أوجد وما لم يوجد بعد.

    الْقَدِيرُ [الروم:54] أي: قدير على إيجاد أي شيء، قدير على أن يميت الناس ويحييهم، وكيف لا وقد أوجدهم وخلقهم وما كانوا شيئاً ثم أماتهم رغم أنوفهم ولم يبق واحداً حياً، أيعجز هذا أن يعيدهم مرة ثانية؟! أعوذ بالله.

    كيف يكذبون بالدار الآخرة؟

    كيف ينكرون البعث والجزاء وهم يشاهدونك لم تكن موجوداً؟

    من أوجدك قادر على أن يوجدك مرة ثانية، ولم يوجدك فقط بل أماتك، ولو اجتمعت الدنيا كلها على ألا تموت لا تنفعك.

    من أماتك؟ الله الذي أوجدك أماتك، ولا يعجز عن إعادة حياتك.

    ولهذا ختم هذا بقوله: وَهُوَ الْعَلِيمُ [الروم:54] بخلقه الْقَدِيرُ [الروم:54] على ما يشاء.

    ومن ذلك: إعادة الناس بعد ما يفنون، ويموتون، ويتمزقون، ويصبحون رفاتاً وتراباً، والله ليعيدنا كما كنا، وذلك لعظيم قدرته وعلمه فهو لا يغيب عنه شيء أبداً من ذواتنا. إذاً: فلنقل لا إله إلا الله!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون)

    ثم يقول تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ [الروم:55] رغم أنوفنا، رضينا أم أبينا، آمنا أم كفرنا، والله لتقوم الساعة، وتلوح آياتها وعلاماتها، ويفنى هذا الكون كله؛ فلا سماء، ولا أرض، ولا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ [الروم:55] ساعة القيام بين يدي الله للحساب أولاً ثم الجزاء ثانياً، ولا جزاء بدينار ولا درهم، وإنما بالنعيم المقيم في دار السلام فوق الكون، وإما بالجحيم والعذاب الأليم في أسفل الكون.

    وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ [الروم:55] ماذا يحصل؟ ماذا يتم؟ ماذا يوجد؟

    قال: يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55] يحلف المجرمون.

    من هم المجرمون يرحمكم الله؟

    الكافرون.. المشركون.. العصاة.. الفاسقون، الذين أجرموا على أنفسهم فحولوها إلى عفن ونتن، وأبعدوها عن الطهر والصفاء بالشرك والكفر والمعاصي.

    هؤلاء هم المجرمون، ووالله ليقسمون بعدما يقفون من قبورهم فيقولون: ما لبثنا غير ساعة، ولهذا ثلاثة أمور مما فتح الله علينا:

    أولاً: أن هناك خمدة تخمد العذاب قبل قيام الساعة بوقت فتنام فيها الأرواح. وهذه الخمدة ليس فيه عذاب.

    وهذا ذكره غير واحد من المفسرين، فتلك الخمدة كالنوم، فمن ثم إذا استيقظوا قالوا: ما لبثنا غير ساعة.

    وهذا واضح وظاهر أيضاً وصحيح.

    والخمدة من خمد الشيء إذا هدأ وهمد. فهي همدة قبل البعث، لا ندري كم مقدارها، فلما يبعثون يقولون: ما لبثنا غير ساعة. أي: تلك الساعة التي خمدوا فيها وما بقي عذاب يصب عليهم؛ لأن الكافرين في عذاب الله من ساعة أن تؤخذ الروح من البدن فتلقى في جهنم في عوالم الشقاء والعياذ بالله، فإذا خمدت تلك الساعة يقولون: والله ما لبثنا غير ساعة؛ لطول مشاهدة العذاب أمامهم، فلما فتحوا أعينهم على جهنم؛ والعذاب يقولون: ما لبثنا غير ساعة.

    أي: في هذه اللحظة فقط ينسون الدنيا وعذاب القبر؛ لهول ما يشاهدون.

    ثانياً: مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55] يستصغرون الفترة التي قضوها في هذه الدنيا ويعتبرونها كساعة فقط؛ وسبب ذلك رؤيتهم للعذاب أمامهم، وهذا شأنهم أيضاً: الكذب، والقول بالباطل، ولا تعجب منهم.

    ثم قال تعالى: كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [الروم:55] هكذا كانوا في الدنيا يكذبون ويقولون الباطل، عاش خمسين سنة فيقول: ما عشت إلا ساعة. عاش مئات السنين فيقول: أنا ما عشت إلا يوماً. وهو كاذب.

    كَانُوا يُؤْفَكُونَ [الروم:55] يصرفون عن الحق وعن العلم ويقولون بالباطل شأنهم في الحياة الدنيا فهم في الآخرة كذلك، قالوها، قالوا: ما لبثنا غير ساعة، فقال تعالى: كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ [الروم:55]، أي: ينصرفون ويصرفون عن الحق، ويقولون الباطل والكذب، وذلك لفساد قلوبهم، وظلمة نفوسهم، بسبب كفرهم ومعاصيهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث...)

    ثم قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ [الروم:56] وهم:

    أولاً: الملائكة.

    ثانياً: الأنبياء والرسل.

    ثالثاً: العلماء العارفون بالله.

    رابعاً: المؤمنون الصالحون.

    ماذا يقولون؟ يا من يقول: ما لبثنا غير ساعة لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ [الروم:56] وهذا يوم البعث؛ فأبطلوا دعواهم.

    لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الروم:56] في كتاب المقادير التي قدرها الله، لبثتم إلى يوم البعث.

    ويصح أن نقول: فقد لبثتم إلى يوم البعث في كتاب الله، فهذا يوم البعث.

    والشاهد عندنا: أن أهل العلم مفضلون مكرمون، وشهادتهم ربطت بشهادة أهل الإيمان، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم:56]. وهنا يجب أن نعرف أن بقاء الجهل فينا حرام.

    والله العظيم لا يحل لمؤمن ولا للمؤمنة أن يعيش جاهلاً، فلابد من العلم ولو تركب دابتك أو سيارتك وتقرع باب العالم الفلاني لتسأله ويعلمك!

    لا يحل الجهل أبداً، واسمع قول العلماء والأنبياء والملائكة لهم: وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم:56] لو كنتم تعلمون ما قلتم: لبثنا غير ساعة.

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) والمسلمة تابعة للمسلم، فهيا نطلب العلم.

    ما العلم هذا؟ ليس صناعة، ولا زراعة، ولا خياطة، ولا ولا.. إنما هو العلم الذي تعرف به الله بصفاته وجلاله وكماله، معرفة تكسبك حبه والخوف منه، فتطيعه بفعل ما يحب وترك ما يكره!

    هذا هو العلم ومصدره: قال الله وقال رسوله، لا يوجد في كتاب غير كتاب الله، ولا في هدي غير هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    لو أن أهل القرى والمدن كما كررنا القول -والله يشهد- إذا صلوا المغرب اجتمعوا على عالم يعلمهم كتاب الله وسنة رسوله من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء كل ليلة طول العمر ما بقي في القرية جاهل ولا جاهلة، ولا يبقى في حي من أحياء المدن جاهل ولا جاهلة، وإذاً لانتفى الجهل ووالله لا زنا، ولا ربا، ولا سرقة، ولا غيبة، ولا نميمة، ولا تلصص، ولا إجرام، ولا شح، ولا بخل، ولا كذب، ولا ولا.. أبداً.

    هذه سنة الله فقد قال تعالى وقوله الحق: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]. ولكن هناك إعراض كامل حتى في عصر التقدم والطائرات والسيارات لا يجتمعون على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وحتى طلاب العلم وشبيبة المسلمين أكثرهم تائهون في طلب العلم، ولا واحد في المائة يطلبه من أجل أن يحب الله، ويحب ما يحب، من أجل أن يفعل المحبوب ويترك المكروه، ولا يخطر بباله هذا أبداً، فهمه الوظيفة، نتعلم لنتوظف فقط.

    والوالد يأخذ ولده يقول له: تعلم.. تعلم.. تعلم هكذا لتكون كذا وكذا.. لا يقول: تعلم لتعرف ربك، لتوحده، لتصلي وتصوم، ويشاهده لا يصوم ولا يصلي ويسكت.

    وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الروم:56] أيام كنتم في الدنيا كنتم جهلة .. أصحاب ظلمة في القلوب والنفوس، فلهذا ضللتم حتى اليوم، جهلتم هذا الجهل وقلتم: ما لبثنا غير ساعة.

    وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ [الروم:56] أبشروا يا علماء.. يا أهل الإيمان، فلهذا يصح هذا الخبر في المؤمنين، والمؤمنات، وأهل العلم، والملائكة، والأنبياء، والرسل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون)

    ثم قال تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الروم:57].

    فَيَوْمَئِذٍ [الروم:57] أي: يومئذ تقوم الساعة، ويقول: المجرمون ما لبثنا غير ساعة فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ [الروم:57].

    من هم الذين لا ينتفعون بالمعذرة إذا اعتذروا .. إذا قالوا: سامحنا يا رب.. ما عرفنا.. ضللونا.. جهلونا.. قالوا فينا كذا.. صرفونا عن العلم.. كذا؟ من هؤلاء الذين لا تنفعهم معذرتهم؟ الظالمون الذين ظلموا، والله لا تنفعهم معذرة.

    ظلموا من؟ أنفسهم.

    كيف ظلموها؟ صبوا عليها أطنان الذنوب والآثام، فأصبحت مظلمة عفنة منتنة، ما أصبح نور العلم يتخللها وينزل فيها أبداً.

    وهكذا المشركون ظالمون.. الكافرون ظالمون.. الفاسقون ظالمون.. المجرمون ظالمون؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه.

    خذوا هذه القاعدة يرحمكم الله: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. فلو أنك الآن تزحزح إخوانك وتنام هذا ظلم؛ لأن هذا المكان ليس مكاناً للنوم.

    الآن لو تدخل أصبعيك في أذنيك وتغني هذا ظلم. إذاً: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

    أمرك الله أن تأكل من الحلال فإن أكلت من الحرام فقد وضعت الشيء في غير موضعه!

    أمرك الله ألا تنطق بالسوء فنطقت بالسوء فقد وضعت الشيء في غير موضعه!

    أمرك الله أن تصلي الصلاة في وقتها فتأخرت عنها أو لم تصل وضعت الشيء في غير موضعه!

    وهكذا.. قاعدة عامة: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

    والعبادة تكون لله؛ لأنه الخالق الرازق، فإن عبدنا عيسى أو أمه أو عبد القادر أو رسول الله أو فاطمة أو فلاناً فقد وضعنا العبادة في غير موضعها، وهذا هو الظلم، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    ووجه ذلك مشرق جداً! خلقك ورزقك ووهبك حياتك من أجل أن تذكره وتشكره فتركت ذكره وشكره فقد ظلمت الله عز وجل، فكيف إذا عبدت غيره؟ ظلم فوق الظلم، فهو وضع الشيء في غير موضعه.

    هكذا يقول تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [الروم:57]، لا تقبل منهم معذرة إذا اعتذروا، ولا يجدون من يعتبهم ويخفف عنهم، لا يقبل منهم عتب أبداً ولا استعتاب؛ لأن المصير ثبت وهو جهنم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [هداية الآيات

    من هداية هذه الآيات:

    أولاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة العقلية التي لا ترد بحال ]. تقرير عقيدة البعث الآخر والجزاء فيه بالجنة أو النار!

    يا عباد الله! بلغوا البشرية أنهم سيبعثون أحياء، وسيسألون، وسيحاسبون، وسيجزون إما بالسكنى في عالم السماء، أو في طبقات الأرض السفلى؛ في الجنة أو النار!

    علموهم هذا، فهذه العقيدة إذا فقدها الإنسان أصبح كالكلب.. كالخنزير، والله لا يوثق فيه، ولا يعول عليه، ولا ولا.. أبداً؛ لأنه فقد عقيدة أنه سيسأل عن كسبه وعمله، وسيجزى به يوم القيامة، فلهذا كما قلنا: السورة المكية كلها تعالج هذه الحقيقة، فإن فقد الإنسان الإيمان بيوم القيامة فهو شر الخلق، ولا يوثق فيه، ولا يعول عليه في شيء أبداً؛ لأنه لا يخاف العذاب، ولأنه ما آمن به.

    [ ثانياً: بيان أطوار خلق الإنسان من نطفة إلى شيخوخة وهرم ].

    بيان خلق الإنسان، وترتيب خلقه، فالله القادر على إيجاد نطفة ثم تتحول إلى طفل ثم إلى شاب ثم شيخ كبير ثم إلى هرم .. القادر على هذا لا يعجز عن إعادة الناس مرة ثانية، سيوجدنا كما أوجدنا في الدنيا.

    فهذه آيات دالة على قدرة الله التي تقتضي أن يوجد الخلق مرة ثانية ليحاسبهم ويجزيهم.

    قال الشيخ في النهر غفر الله له ولنا ولوالدينا أجمعين: [ روي أن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان ، وبأخي معاوية ].

    هذه أم المؤمنين تحت الرسول صلى الله عليه وسلم تدعو هذا الدعاء: اللهم أمتعني برسولك، وأمتعني بأبي، وأمتعني بأخي، فسمعها الرسول تدعو بهذا الدعاء [ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( لقد سألت الله تعالى لآجال مضروبة، وأرزاق مقسومة، ولكن سليه أن يعيذك من عذاب جهنم وعذاب القبر ) في الصحيح ].

    علمها فقال: أنت سألت الآجال المعدودة، والأرزاق المحدودة، ولكن سليه النجاة من عذاب النار، فهذا أولى بك.

    وهذا دليل قاطع على وجود عذاب في القبر، والله الذي لا إله إلا هو ليسأل المرء في قبره، وإما ينعم وإما يعذب.

    وقد ذكر هذا؛ لأن بعض الطائشين قالوا: ليس هناك عذاب في القبر. وهذا جهل منهم مركب، فرد عليهم بهذا الحديث.

    [ ثالثاً: فضل العلم والإيمان وأهلهما ] فاللهم اجعلنا منهم! اللهم اجعلنا منهم!

    يا أبنائي! اطلبوا العلم وليس شرطاً في المدارس والكليات، أبداً، وإنما اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فتعلمون!

    كن صادقاً فقط واسأل الشيخ: ما حكم كذا..؟ هل يجوز كذا..؟ فهذا هو العلم.

    اسأله لم خلقنا؟ يقول لك: خلقنا للعمل. والعمل أين جزاؤه؟ في الدار الآخرة. وهكذا .. فتصبح عالماً.

    [ رابعاً: ] وأخيراً [ بيان أن معذرة الظالمين لا تقبل منهم ولا يستعتبون فيرضون الله تعالى فيرضى عنهم ] لا تقبل معذرتهم يوم القيامة أبداً مهما كانت أحوالهم في الدنيا؛ لأن المعذرة في الدنيا وليست في الآخرة.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315050

    عدد مرات الحفظ

    723595310