إسلام ويب

رحمة الضعفاءللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا أراد الله أن يسعد عبداً من عباده ملأ قلبه رحمة، حتى يعظم خيره، ويضاعف أجره؛ فكم من رحماء توطنوا القبور وأمامهم بشرى ما قدموه من القول والعمل، فكم من أرملة ترفع كفها داعية بالخير لهم، وكم من يتيم ومحروم يسأل الله أن يملاً مضاجعهم مضاجع الروح والريحان. إنها الرحمة التي ينبغي للمسلم أن يتخلق بها، وأن يكون من أهلها.

    1.   

    من آثار الرحمة

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يليق بجلال ربنا وعظمته وكماله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبدٍ يخاف من لقائه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله، وعلى من سار على نهجه ومنواله.

    أما بعد:

    فأحييكم بتحية الإسلام: تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً [النور:61] السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وفي بداية هذا اللقاء .. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي المشايخ الفضلاء الذين تسببوا في هذا اللقاء خيراً، وأسأل الله العظيم أن يكتب لكم الخطا، وأن يوجب بها الحب والرضا، فإن الدنيا فانية وكل ما عليها زائل، ولا يبقى إلا ما أريد به وجه الله، ومن ابتغى ما عند الله أقر الله عينه، والقليل من العبد في معاملته مع الله كثيرٌ عند الله بمنه وفضله وكرمه، فقد تكون الخطوة إلى طاعةٍ وبر موجبةً لمحبة الله للعبد محبةً لا يسخط بعدها أبداً، وقد تكون الكلمة من محبة الله لا يلقي لها العبد بالاً يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، فأسأل الله العظيم أن يجعل أعمالنا مقبولةً عنده، وهو أهل الفضل والتكريم.

    أيها الأحبة في الله: إن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة لعلمه سبحانه أن عباده أفقر ما يكونون إلى رحمته .. كتب على نفسه الرحمة وقسمها بين خلقه وعباده، فإذا أراد الله أن يسعد عبداً من عباده ملأ قلبه بالرحمة، حتى يعظم خيره، ويضاعف أجره، وتكفر خطيئته وترفع درجته.

    إنها الرحمة التي قام عليها الإسلام وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].

    إنها الرحمة التي لا تنـزع إلا من شقي، قال: (يا رسول الله! إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحداً، قال: أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟!).

    إنها الرحمة التي إذا دخلت إلى القلوب اطمأنت وانشرحت، وإلى الخير سابقت وأسرعت فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران:159] من دخلت في قلبه الرحمة صار ليّن القلب يهش لطاعة الله، ويبش في مرضاة الله، سباقاً إلى كل شيءٍ يشتري به رحمة الله.

    الرحمة هي: أمرٌ غيبـي لا يعلمه إلا الله علام الغيوب، الله أعلم كم أسكن من رحمته في القلوب، فإذا أراد سبحانه بعبده خير الدنيا والآخرة جعل حظه من ذلك وافراً، فمن سكنت في قلبه الرحمة رحمه الله في الدنيا والآخرة.

    رحمه الله في الدنيا فلطف به في النكبات، وأحاطه بلطفه ورحمته، كما رحم المؤمنين والمؤمنات هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60] ورحمه الله عند موته فلطف به في السكرات وأحسن له الخاتمة، قال بعض أهل العلم: أشهد أني ما علمت إنساناً رحيماً فساءت خاتمته. فغالباً ما يكون المرحوم الذي ملئ قلبه بالرحمة قرير العين عن ربه، حتى في آخر لحظات عمره، إذا أسكن الله الرحمات في قلب عبده رحمه في لحده، ورحمه في قبره حتى بدعوات المؤمنين والمؤمنات.

    فكم من رحماء توطنوا القبور وهم بشرى ما قدموه من القول والعمل، ماتوا وما ماتت مكارمهم، ماتوا وقد أتبعهم الله بصالح الدعوات، فكم من أرملة ترفع كفها إلى الله داعيةً بالخير لـه، وكم من يتيمٍ ومحروم يسأل الله أن يجعل مضاجعهم مضاجع الروح والريحان والنعيم والجنان.

    إنها الرحمة التي ينبغي للمسلم أن يتخلق بها، وأن يكون من أهلها.

    1.   

    المحتاجون إلى الرحمة

    العصاة والمذنبون من أحوج الناس للرحمة

    وأحوج الناس إلى الرحمة هم العصاة والمذنبون، ولكنهم يحتاجون إلى رحمة التوجيه والهداية لطاعة الله، فإن الإسلام رحمة، والهداية والالتزام رحمة، وهناك أممٌ تنتظر منك أن تدلهم عليها، وأن تهديهم بإذن الله إليها، وأن تأخذ بمجامع قلوبهم إلى الله، فتحببهم في طاعة الله ومرضاته، قال صلى الله عليه وسلم: (أنا رحمة مهداة).

    هذا الالتزام وهذه الاستقامة وهذه الهداية رحمة منحها الله لك، فإذا أردت أن ترحم بها عباده رحمك الله عز وجل، وبارك لك فيها، فما دعيت إلى هدىً إلا كان لك أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيء.

    الرحمة أفضل ما تكون بالدلالة على الخير، فكم من أناس هدوا إلى سواء السبيل، ودلوا إلى المَعلَم والدليل فأصابوا رحمة الله العظيم الجليل.

    والعصاة والمذنبون وإن أذنبوا وأخطئوا لكنهم ينتظرون الكلمة وينتظرون التوجيه والله يعينك ويسددك ويلهمك ويوفقك، ومن كان لله كان الله لـه، فقد تتكلم بالكلمة داعياً إلى رحمة الله، يكتب الله بها رضوانه إلى يوم أن يلقاه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يكتب الله لـه بها رضوانه إلى يوم يلقاه) قد تمر على العاصي، وهو في غفلته وشهوته وسكرته فتوقظه من الغفلة وتنبهه من المنام، وتأخذ بمجامع قلبه إلى الله، فتقول لـه: اتقِ الله، واعلم أنك صائرٌ إلى الله، وأن الله سائلك ومحاسبك ومجازيك، فترعد فرائصه من خشية الله، وقد تخرج منك لا تلقي لها بالاً ويكتب الله عز وجل بها رضوانه.

    الوالدان والأقارب أولى الناس أن يرحموا

    أحوج الناس إلى رحمتك أقرب الناس منك، وأولى الناس بذلك الوالدان إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:23-24].

    كان أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه إذا دخل على أمه قال: [السلام عليكم ورحمة الله وبركاته! رحمكِ الله يا أمي كما ربيتيني صغيراً، فكانت تقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته! رحمك الله يا بني كما بررتني كبيرة].

    فأحوج الناس إلى رحمتك الوالدان، وذلك بقضاء حوائجهما، والسعي في تفريج الكربات عنهما، وإدخال السرور عليهما، حتى قال العلماء: من الرحمة أن لا تظهر لهما ما أنت فيه من الشجى والحزن، فإذا كنت مهموماً محزوناً فعليك أن تحرص كل الحرص ألا يريا منك الحزن وألا يريا منك الألم، فإنهما يتألمان أشد من ألمك.

    الرحمة بالوالدين تكون بقضاء الحوائج في الدنيا، وكثرة الدعاء لهما في الآخرة، فإذا كانا أمواتاً فإنهما أحوج ما يكونان إلى دعوة صالحة منك، أن تسأل الله أن يصب عليهما شآبيب الرحمات، وأن يجعل القبور لهم رياضاً من رياض الجنات، فتلك رحمة أودعها الله في قلوب الأبناء والبنات، لو أن الإنسان سبق والديه، فمات قبلهما لتفطر القلب من الوالدين، وللهجت الألسنة صباح مساء بالترحم عليه.

    ومن أحوج الناس إلى رحمتك أبناؤك وبناتك، وإدخال السرور على الأبناء والبنات واللطف بهم والتيسير لهم، وإدخال السرور عليهم من أجلِّ ما تشرى به رحمة الله، ولذلك ثبت بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قصت عليه عائشة رضي الله عنها: (أن امرأةً دخلت عليها ومعها بنتان، فاستطعمت أم المؤمنين ، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدةٍ منهما تمرة ثم أخذت الثالثة تريد أكلها، فاستطعمتها إحدى البنتين فأطعمتها، فعجبت أم المؤمنين رضي الله عنها من صنيعها، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصت عليه الخبر، فقال عليه الصلاة والسلام: أتعجبين مما صنعت؟ إن الله حرمها على النار بتمرتها تلك).

    الرحمة بالأبناء والبنات حسنةٌ عظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: (من ابتلي بشيءٍ من هذه البنات فأدبهن فأحسن تأديبهن، ورباهن فأحسن تربيتهن، إلا كن له ستراً من النار).

    وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إمام الرحماء بولده صلى الله عليه وسلم، ولذلك ثبت عنه (أنه كان يقبل الحسن والحسين، فدخل عليه الأقرع فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فقال: أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك).

    وتوفي ابنه إبراهيم ففاضت عيناه من الدمع صلى الله عليه وسلم، فقيل: (ما هذا يا رسول الله؟ قال: رحمة أسكنها الله في قلوب عباده).

    فمن أراد أن يكون رحيماً فليبدأ بأولاده، وليبدأ بأهله وزوجه، فإن الرحمة بالأقربين من أعظم الحسنات، ومن أجلِّ الطاعات، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).

    أحوج الناس إلى رحمتك إخوانك وأخواتك، فيتفقد الإنسان حوائج الإخوان والأخوات، ويدخل السرور عليهم ابتغاء رحمة الله، لا من باب القرابة، ولكن من باب الطاعة والقربة والمحبة وشراء مرضاة الله عز وجل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عن صدقة القريب: (إنها صدقةٌ وصلة) فكل ما تقدمه لإخوانك وأخواتك وقرابتك مما تُشْتَرى به رحمة الله، كل ذلك إنما يكون عن رحمة أسكنها الله في قلبك.

    وكم من أناس هدوا إلى سواء السبيل، ولكنهم في غفلة عن حقوق الإخوان والأخوات، فقد تجد الإنسان حليماً رحيماً بالغرباء، ولكنه فظٌ غليظ بالأقرباء، فأول ما يبدأ الإنسان بقرابته من أهله وولده ووالديه، وإخوانه وأخواته، فإذا انطلق المسلم من بيته حليماً رحيماً فتح الله له أبواب الرحمة مع المؤمنين والمؤمنات، من ابتدأ ببيته فكان والداً رحيماً، وكان أخاً رحيماً، وكان كذلك ابناً رحيماً بوالديه، فتح الله له أبواب الرحمة مع المؤمنين والمؤمنات، والله تعالى ييسر لليسرى من جاهد نفسه على ذلك.

    الضعفاء والمساكين والأرامل من المتعطشين للرحمة

    ينبغي للمسلم أن يبدأ أول ما يبدأ بالقرابة، فإذا وفقه الله برحمة الأقرباء، نظر الإنسان إلى أحوج الناس للرحمة، وقد ثبتت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل الإحسان إلى الضعفاء وإدخال السرور عليهم، وكما أن المسلم يرجو رحمة الله في سجوده وركوعه، فإنه يشتري رحمة الله في اللطف والإحسان بضعفة المسلمين، وقد ابتلى الله الأغنياء بالفقراء، وابتلى الأقوياء بالضعفاء، ورفع درجات بعضهم على بعض ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.

    فالسعيد العاقل من تزيده نعمة الله تواضعاً لعباد الله، ومن تزيده نعمة الله توطئة للكنف لعباد الله وإماء الله، يشتري رحمة الله بالإحسان إلى الضعفاء والفقراء والبؤساء، فيكفكف دموع اليتامى، ويجبر قلوب الأرامل والثكالى، يشتري بذلك رحمة الله.

    وقد أثر عن علي بن زين العابدين رحمه الله أنه كان إذا جن عليه الليل حمل الطعام على ظهره إلى بيوت الأرامل والأيتام -وكان إماماً من أئمة المسلمين، وعلماً من أعلام الدين ومع ذلك تواضع لله عز وجل؛ لعلمه أن الله يحب منه تلك الخطوة، ولعلمه أن جبر تلك القلوب يجبر الله به كسر العبد في الدنيا والآخرة- فخرج رحمه الله في الظلام بعيداً عن الرياء والسمعة والثناء، يشتري بذلك رحمة الله سبحانه، فلما توفي رحمه الله فقدت تلك البيوت من كان يقرع عليهم في جوف الليل، وفي بعض الروايات: كان ما يقرب من ثلاثين بيتاً من ضعفة المسلمين، كان يمشي إليها بخطواته، فمات رحمه الله وما ماتت تلك الخطا، وسيراها بعينيه في يومٍ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

    المشي إلى الضعفاء، والمشي إلى البؤساء له لذة يعرفها من يعرفها .. المشي إلى المحرومين البائسين له رحمة يجدها من وجدها، فهؤلاء الأئمة الأخيار الصفوة الأبرار، عرفوا مقدار المعاملة مع الله، فاختاروا لنهارهم العلم والعمل، واختاروا لليلهم جبر القلوب المكسورة، وإدخال السرور عليها، فلما أرادوا أن يغسلوه رحمه الله خلعوا ثيابه فوجدوا ظهره متشحطاً من كثرة ما حمل عليه من الطعام، فرحمه الله برحمته الواسعة!

    كانوا أئمة في الإحسان وجبر القلوب، قد تمر على أرملة في ليلة ظلماء، وقد لا يكون عندها الطعام وهي في شدة الحاجة وشدة المسغبة، فتصيبها برحمة ساقك الله عز وجل بها من طعام أو مال، فتقف حائرة لا تدري ما الذي تقدمه لك، فلا تجد إلا أن ترفع كفها إلى الله داعيةً لك بخيري الدنيا والآخرة، فترجع إلى بيتك قرير العين عن الله، تقول: ربي إني لما أنزلت إليّ من خيرٍ فقير.

    فجبر مثل هذه القلوب وإدخال السرور عليها عظيمٌ عند الله سبحانه: (مرت بغي من بغايا بني إسرائيل على كلب فرأته في شدة العطش والهاجرة يلهث -يأكل الثرى- فنـزلت فملأت موقها من الركية -أي البئر- وسقت الكلب، فشكر الله لها -أي أن الله أعظم منها هذه الرحمة- فغفر لها ذنوبها) وفي رواية: (فشكر الله لها -أي أن الكلب لا يدري كيف يجازيها فاتجه إلى الله جل جلاله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً فسأل الله أن يشكرها- فغفر الله لها ذنوبها).

    الله أكبر! لن تجد ألذ من ساعة -بعد الإيمان بالله عز وجل وحلاوة مناجاته- مثل ساعة تحس فيها أنك أدخلت السرور فيها على محزون، أو نفَّست كربة مكروب، أو قضيت ديناً عن مديون تشتت ذهنه وعظم همُّه وظنه فأصابه ذل النهار وهمُّ الليل، فجئت بكل عزيمة إيمانية صادقة، والله مطلعٌ على قلبك، وأنت ماضٍ إليه تشتري رحمة الله لا تريد ثناءً ولا سمعةً ولا رياءً ولكن تريده سبحانه، فيعظم الله لك الثواب والأجر، إنها رحمات يوفق الله لها من أحب، أعطى الله الدنيا لمن أحب ومن كره، ولم يعطِ الدين والرحمة إلا لمن أحب، فالإحسان إلى الناس خاصةً الضعفاء والبؤساء أمرٌ عظيم.

    ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الإحسان إلى الأرملة والقيام على حوائجها ينزل صاحبه منزلة الصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر، قال صلى الله عليه وسلم: (الساعي على الأرملة واليتيم: كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر) وكان بعض العلماء يفضل السعي في قضاء حوائج المسلمين، حتى إن بعض أئمة السلف كان يفضل قضاء حاجة الأرملة على الاعتكاف في المسجد؛ لأنها إذا سألت ربها وابتهلت إلى خالقها سألت من قلب ودعت بصدق، فينال الإنسان بهذه الدعوة خيري الدنيا والآخرة.

    الأيتام من أشد المحتاجين إلى الرحمة

    أيها الأحبة في الله: أحوج الناس هم الضعفاء الأيتام، واليتيم قد انكسر قلبه بفراق أبيه، فهناك يتيمٌ لا يعرف أباه ألبتة، وهناك يتيم عاش مع أبيه أجمل اللحظات وقضى معه أفضل الساعات، وإذا به فجأة يختبئ عنه إذ صار في عداد الأموات، فأصبح منكسر القلب، مهموماً محزوناً يمضي مع الناس، فيرى كل ابنٍ مع أبيه، يمسح عليه ويحسن إليه، ويقف وحيداً فريداً كأنه يسائل أين أباه، وأين الرحمة التي أسدى إليه وأولاه، ولذلك إذا أراد الله بعبده الرحمة جاء إلى مثل هذا فمسح على رأسه، وجبر قلبه، وأحسن إليه بالقول والعمل، قال صلى الله عليه وسلم: (إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) فلليتيم حق ينبغي أن يحفظ، والله من فوق سبع سماوات يخاطب أفضل عباده وأشرفهم منزلةً عنده ويقول له: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9].

    يقول العلماء: أعظم ما يكون القهر لليتيم إذا جاء في شدة الحاجة والمسغبة منكسر القلب، مهموماً محزوناً فصفعته على وجهه فخيبت أمله، أصعب ما يكون على اليتيم إذا جاء في شدة الحاجة والضيق ملتجئاً إليك بعد الله سبحانه أن تفرج كربته وأن تحسن إليه، والأمل منعقد بك، وإذا بك تخيب أمله -لا قدر الله- وترده، فذلك أعظم ما يكون من القهر وهو قادرٌ على أن يقوم بحاجته.

    وعلى المسلم أن يعلم أن الله تعالى لا يمكن أن يوفق للخير إلا من أحب، ولذلك قال العلماء: إن السعي في حوائج الناس لا يكون إلا بقوة الإيمان، ورجاء ما عند الله سبحانه وتعالى.

    لن تجد إنساناً حريصاً على إسداء الخير إلى الناس، وتفريج كرباتهم، والعطف عليهم، وإدخال السرور عليهم، إلا مؤمناً يرجو الله والدار الآخرة.

    1.   

    أمور تعين على الرحمة

    قراءة كتاب الله عز وجل

    فمن أعظم الأسباب التي تعين على الرحمة وتيسر للإنسان طريقها: قراءة كتاب الله جل جلاله، قال العلماء: إن الرحمة لا تدخل إلى قلبٍ قاسٍ، والقلوب لا تلين إلا بكلام الله، ولا تنكسر إلا بوعد الله ووعيده وتخويفه وتهديده، فمن أكثر تلاوة القرآن، وأكثر من تدبر القرآن كسر الله قلبه ودخلت فيه الرحمة.

    تذكر مشاهد الآخرة

    كذلك من الأسباب التي تعين على رحمة الضعفاء: تذكر الآخرة، فإن العبد إذا تذكر مشاهد الآخرة، وصور نفسه كأنه قائمٌ بين يدي الله تجادل عنه حسنته، ويقف بين يدي الله عز وجل وقد نشر له ديوانه، وبدت له أقواله وأفعاله، إذا تصور مثل هذه المواقف قادته إلى الله وحببت إلى قلبه الخير وجعلت أشجانه وأحزانه كلها في طاعة الله ومرضاته.

    قراءة سيرة السلف الصالح

    ومن أعظم الأسباب التي تعين على الرحمة: قراءة سيرة السلف الصالح، الأئمة المهديين من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، والوقوف على ما كانوا عليه من الأخلاق الجميلة والآداب الكريمة، كل ذلك يحرك القلوب إلى الرحمة، ويجعل فيها شوقاً إلى الإحسان إلى الناس، وتفريج كرباتهم، وقل أن تجلس في مجلس فيذكر فيه كريمٌ بكرمه، أو يذكر المحسن فيه بإحسانه إلا خشع قلبك.

    فسير الرجال وسير الصالحين وسير الأخيار تحرك القلوب إلى الخير، والله تعالى يقول في كتابه: وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] فالله يثبت قلوب الصالحين على الصلاح والبر ما سمعوا بأمرٍ صالح وما سمعوا بسيرة عبدٍ صالح، نسأل الله العظيم أن يجعل لنا ولكم في ذلك أوفر العظة والعبرة.

    معاشرة الرحماء

    كذلك أيضاً مما يحرك القلوب إلى الرحمة والإحسان إلى الناس: معاشرة الرحماء، فانظر في إخوانك وخلانك، فمن وجدت فيه الرحمة ورقة القلب وسرعة الاستجابة لله، فاجعله أقرب الناس منك، فإن الأخلاق تعدي، فإذا عاشر العبد الصالحين أحس أنه في شوق للرحمة، وأحس أنه في شوق للإحسان إلى الناس، ودعاه ذلك إلى التشبه بالأخيار، فكم من قرينٍ اقترن بقرينه، كان من أقسى الناس قلباً، فأصبح ليناً لان قلبه بصحبة الصالحين.

    1.   

    نماذج من سير السلف في الرحمة

    كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أشد الناس قلباً وأعظمهم صلابة، فلما كسر الله قلبه بالإسلام، كان من أرحم الناس بالمسلمين رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه عاشر رسول الأمة وإمام الرحماء فتأثر به، حتى قال العلماء رحمهم الله: كان أرحم الناس بالناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة.

    عائشة رضي الله عنها وأرضاها يأتيها عطاؤها من أمير المؤمنين معاوية رضي الله عن الجميع -وهي صائمة- ثلاثون ألف درهم وهي في أشد الحاجة، فتوزعها على الفقراء إلى فلان وآل فلان، ولم تبق منها شيئاً حتى غابت عليها الشمس، فالتمست طعاماً تفطر عليه فلم تجد.

    الله أكبر! إذا نزع الله الدنيا من قلب عبده وملأه من آخرته، صارت أشجان الإنسان وأحزانه وهمومه كلها لله سبحانه.

    أثر عن الحسن أنه خرج من ماله مرتين لله عز وجل، وخرج عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وعن أبيه للجهاد في سبيل الله فأعد فرسه وفيه ألف دينار نفقته للجهاد، وعليه عدته وزاده، فجاءه رجلٍ يبكي، وقال: [يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن سبيل منقطع، قال: دونك الفرس بما عليه].

    وجاء رجل إلى عرابة وكان من الأجواد والأخيار ومن أهل البر والإحسان، وكان آية في الإنفاق والجود والكرم

    إذا ما راية رفعت لمجدٍ تلقاها عرابة باليمين

    وقد كان عرابة في آخر عمره فقيراً، أصابه العمى فكف بصره رحمه الله برحمته الواسعة، جاءه رجل فقير مدقع، فقال لـه: يا عرابة ! وهو ماضٍ إلى المسجد الحرام يتوكأ على عبدين من عبيده، وكانا آخر ما يملك، فقال: يا عرابة ! ابن سبيل منقطع، قال: دونك العبدين، قال: إنما أردت أن أختبرك، قال: إن لم تأخذهما فهما حران لوجه الله، ثم رجع يتلمس البيت ويتلمس الجدار، رضي الله عنهم وأرضاهم، كانوا أئمة ومشاعل خيرٍ وبر، وما زال الخير في الناس.

    أثر عن بعض من سلف أنه كان محسناً كريماً لا يسمع بأرملة إلا تفطر قلبه على الإحسان إليها، ولا يسمع بأيتام إلا غشيهم وزارهم وأدخل السرور عليهم.

    جاءه خبر أن في طرف المدينة بيتاً فيه أيتام، وهم في شدة الجوع والظمأ والبرد، لا يجدون طعاماً ولا لباساً، فقام رحمه الله وخلع ثياب الشتاء ولبس ثياباً رقيقة لكي يشعر بالبرد كما يشعرون، ونادى وكيله الذي يقوم على المال، وقال له: لقد بلغني أن بموضع كذا وكذا أيتاماً تعولهم أمهم، وهم لا يجدون الطعام ولا يجدون اللباس والكسوة، فاذهب إليهم وخذ شيئاً من مالي فأطعمهم واكسهم.

    فكانوا أئمة خير، وكانوا مشاعل طاعةٍ وبر، نسأل الله أن يبلغنا ما بلغوه.

    1.   

    وصايا للرحماء

    ضرورة الإخلاص

    أيها الأحبة في الله: الرحمة في الضعفاء لا يقصد بها ثناء الناس، ولا مدح الناس، فإذا زكاك الله أغناك عن عباده، وإذا زكاك مولاك أغناك عن خلقه، فاجعل أعمالك بينك وبين الله، واجعل صفحات البر والإحسان التي تقدمها للضعفاء والفقراء أكره ما يكون أن يعلم بها أحد، فتكره أن تراها عين أو تسمع بها أذن، وليكن في قلبك الشعور أن أحب ما يكون: أن تعمل هذه الحسنة وتقضي وتسد هذه الخلة، ولا يعلم بك أحد إلا الله جل جلاله، أولئك الذين يرجون رحمة الله.

    وإذا كان الإنسان يريد الرحمة على أتم وجوهها وأكملها، فليخلص لوجه الله، فما كان لله فإنه باقٍ إلى لقاء الله، وما كان لغير الله فإنه يزول بزوال الدنيا، ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه يؤتى بالكريم الجواد يوم القيامة، فيقول الله لـه: عبدي ألم تكن فقيراً فأغنيتك) الله أكبر! ما أعظم مشاهد الآخرة! ما أعظمها من ساعة إذا أوقف الله عبده وحاسبه وسأله وذكَّره نعمته! فقال: (عبدي ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ ألم تكن وضيعاً فرفعتك؟ ألم تكن .. ألم تكن .. قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت لي؟ قال: أنفقت لوجهك، وفعلت وفعلت، ولم أترك باب خيرٍ إلا فعلته، فقال الله: كذبت، فقالت الملائكة: كذبت، إنما أنفقت ليقال فلانٌ جواد وقد قيل.. اذهبوا به إلى النار) نسأل الله السلامة والعافية.

    اللهم لا تفضحنا يوم العرض عليك، اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وبصفاتك العلى، أن تجعلنا ممن قلت له: صدقت وبررت، وقالت الملائكة: صدقت وبررت (ويؤتى بالعبد الصالح فيعرفه الله نعمته، فيقول الله: ماذا عملت لي؟ فيقول: أنفقت لوجهك، وفعلت لوجهك، فيقول الله: صدقت، وتقول الملائكة: صدقت).

    فعلى الإنسان أن يحرص إذا فرج كربات الناس وأسدى للناس، ورحمهم وتولاهم أن تكون حسناته بينه وبين الله جل جلاله، ولا ينتظر من أحدٍ ثناء، ولكن ينتظر ثناء الله عز وجل، عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه (أن الله تعالى ينادي ويقول: يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي: يا أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيوضع لـه القبول في الأرض) نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، فلا يحبك الله إذا قدمت مثل هذه الحسنات إلا إذا رجوت بها وجهه سبحانه وتعالى فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110].

    الصبر والاحتساب عند رحمة الضعفاء

    الوصية الثانية: رحمة الضعفاء تحتاج إلى تعب ونصب وتضحية، ولابد للإنسان أن يصبر ويصابر، وأن يحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى، وكان بعض الأخيار ينشرح صدره إذا وجد في الطاعة تعباً ومشقة، حتى كان بعض العلماء يقول: يرجى القبول للإنسان إذا عظمت مشقته في الطاعة. فأعظم الناس في الخير من عظم بلاؤه فيه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (ثوابكِ على قدر نصبكِ).

    الرحمة بالبهائم

    وكما أن الرحمة تكون للعباد، تكون كذلك للبهائم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: (يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال عليه الصلاة والسلام: في كل كبدٍ رطبٍ أجر) وقد (دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، قال بعض العلماء: أخشى من هذا الحديث إنه ما نزعت الرحمة من قلب إنسان إلا ابتلي بالنار؛ لأنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنـزع إلا من شقي).

    فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يملأ قلوبنا بالرحمة، وأن يجعلنا من أهلها، وأن لا يجعلنا من الأشقياء والمحرومين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    وصية لصاحب القلب القاسي

    السؤال: أنا شابٌ مبتلى بقسوة القلب ولا أستطيع القراءة في الكتب النافعة، ولا تدري -حفظك الله- مدى تأثير ذلك عليَّ، فأنا أتمنى أن أكون من أهل العلم ولكن لا أستطيع، فلعلك من الرحمة بي أن تدلني على ما أسأل الله أن ينفعني به، ولك مني الدعاء، ومن الله المثوبة بإذنه؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعـد:

    فأما ما سألت عنه أخي في الله! من قسوة القلب: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11] والله لا يظلم العباد شيئاً، فأوصيك أخي في الله أن تنظر فيما بينك وبين الله، فقد يبتلى الإنسان بقسوة القلب بصلاةٍ أضاعها، أو زكاةٍ منعها أهلها، وقد يبتلى بقسوة القلب بأمٍ عقها أو أختٍ قطعها.

    وأوصيك أن تتفقد ما بينك وبين عباد الله من الحقوق والواجبات، فإذا أديتها فابشر برحمة الله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].

    فأوصيك أن تتفقد أول ما تتفقد: حقوق الله عليك، وحقوق الناس وحقوق الأقربين خاصة، فإذا وفقك الله ببر والديك وإدخال السرور عليهما، وكذلك صلة رحمك، فإن الله يرحمك: (إني أنا الله، خلقت الرحم اشتققت لها اسماً من اسمي، فأنا الرحمان وهي الرحم، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته) فقد تكون هناك عمة لا تصلها وتصاب بقسوة القلب، وقد تكون هناك أخت محرومة من زيارتك، فتكون قطيعتها سبباً في قسوة قلبك، وما من إنسان يجد في نفسه أثر ذنب فيحس أنه مقصر فيبحث عن سبب ذلك إلا وفقه الله ودله على الذنب الذي بينه وبين الله أو بينه وبين عباده.

    ثم أوصيك أخي في الله! إذا قسى قلبك أن تكثر من ذكر الآخرة، وأن تصور نفسك وكأنك في القبر وضجعته، أو في الحساب وشدته، أو على الصراط وكربته وزلته، صوِّر نفسك في مشاهد الآخرة، فإنها تكسر القلوب إلى الله، وأكثر من عيادة المرضى والنظر في أحوالهم حتى يلين قلبك، وأكثر من زيارة المقابر، وعُدَّ نفسك كأنك ذلك الرجل الذي دل إلى قبره، فإذا أحيا الله قلبك إلى مثل هذه المشاهد فقم لطاعته واستجب لرحمته، وأسأل الله بعزته وجلاله أن يكتب لك ذلك.

    ثم أوصيك وأكرر الوصية أن تكثر من الابتهال والدعاء لله سبحانه وتعالى أن يكسر قلبك بالرحمة؛ فإن الله تبارك وتعالى كريم جواد لا يرد سائله: (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) فنحن في ضلال إلا أن يهدينا الله، فلست أنا بالذي أهدي ولا بالذي يقوم على نفسه أو يقوم ببناية نفسه على الخير، إلا إذا هدى الله ووفق، فاستهدِ الله يهدك إلى الرحمة وإلى أبوابها وأسبابها ويجعلك من أهلها.

    وختاماً أوصيك أن تبحث عن قرين صالح تكن معه دائماً، لعل الله أن يحيي قلبك بصحبته. والله تعالى أعلم.

    نصيحة للعاق لوالديه

    السؤال: أنا طالب علمٍ ولكن بيني وبين والديَّ مشاكل، فتركتهم حتى إن أبي جاءني وبكى عندي فتركته، فما توجيهكم لي، وما الذي يكون عليَّ في هذه الحالة؟

    الجواب: باسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد..

    أخي في الله! اتق الله في أبيك، اتق الله قبل أن تحل بك نقمة من الله، فإن العقوق مفتاح للشر وسببٌ في سلب الخير والبر، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (أنه لا يدخل الجنة عاق) أيأتيك أبوك الذي تربيت بنعمته بعد نعمة الله؟ أيأتيك أبوك الذي وصاك الله عليه من فوق سبع سماوات أن تخفض له جناح الذل من الرحمة، وأن تقول: رب ارحمه كما رباني صغيراً؟ أيأتيك أبوك ويقف عليك، والواجب أن تأتيه وأن تذل عنده، وأن تخفض له جناح الذل، تشتري بذلك رحمة الله.

    أخي في الله: تدارك نفسك ومن هذه الساعة تتوب إلى الله، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه، وأحذرك من نقمة الله العاجلة، وعقوبته الآجلة أن تنزل بك، وعاهد الله من ساعتك هذه أن ترجع إليه، وأن تدخل السرور إليه، وأن تضحكه كما أبكيته، وأن تسره كما أحزنته، وأن تكرمه كما أهنته.

    اتقِ الله في والدك، وأحسن إليه كما أمرك الله، والله تعالى يبدل الإساءة بالإحسان لمن وقف في بابه يرجو الصفح والغفران.

    وأوصيك أخي في الله: أن تبادر بعد انتهاء الصلاة إلى والدك، وأن تجلس عند قدمه باكياً ذليلاً خاضعاً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] (قال: يا رسول الله! أتيت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد وتركت والديَّ يبكيان قال: أترجو الجنة؟ قال: نعم. قال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما، وأحسن صحبتهما) وفي الحديث الآخر: (قال: يا رسول الله! أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد قال: أحية أمك؟ قال: نعم. قال: الزم رجلها فإن الجنة ثم).

    فارجع إلى أبيك وتب إلى باريك وقل: يا رب! التوبة مما بدر مني وكان، وارجع إلى والدك فإن الله عز وجل يتوب على من تاب، وكم من عاق كسر الله قلبه بالقرآن ومواعظ أهل الإيمان، فرجع إلى والديه فعادت عليه الرحمة من الكريم الرحمان، فالله كريم جواد، فتب إلى الله وارجع إليه، وصدِّق هذه التوبة بالإحسان إلى والدك وإلى والدتك.

    أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقك لذلك.

    أخي في الله: فإن أردت أن تكون من العلماء فاعلم أنك لن تكون عالماً هادياً مهدياً إلى إذا هُدِيت في نفسك، ولن تكون هادياً مهدياً إلا إذا بدأت بأعظم حقٍ عليك وهو حق الله في توحيده والقيام بحقوقه وحدوده ورعاية محارمه سبحانه، ثم بِرُّك لوالديك، واعلم أنه لا علم بدون بر، وكم فتح الله لعلماء من الماضين -ممن عرفناهم من مشايخنا- من أبواب السعادة والخير والبركة في علمهم بفضله تعالى، ثم بدعاء الوالدين.

    وقد ذكر بعض العلماء حين كتب ترجمته بيده فقال: ما عرفت خيراً بعد الإيمان بالله أوصلني إلى هذا بعد توفيق الله مثل بري لأبي، فقد توفي وهو في النزع يدعو لي بالعلم والعمل، فبلغني الله فوق ما يرجو، وهو من العلماء الأفذاذ، وهذا لاشك أنه فضل.

    وأذكر رجلاً كان في ضعف وضيق، وفي شدة حال وبؤس، كان يذهب ويسعى لوالديه، فإذا جاء بالأجرة في يومه جاء ووضعها على الطاولة، ويستحي أن يمد يده لأبيه، فلما سألته وقلت: ولماذا؟ قال: أستحي أن أرفع يدي على يد أبي فتكون منة على والدي، قال: فكنت إذا وضعت لـه المال -يحكي لي ذلك وهو عالم من العلماء- بين يديه يدعو الله ويقول: اللهم ارزق ابني القرآن واجعله من أهله، فبلغ أكثر من عشرين عاماً وهو تائه في الأعمال، حتى شاء الله في يومٍ من الأيام وهو عائد من عمله، إذا به يلتقي بعالمٍ كان عمدةً في بلده في الفتوى، فقال: يا بني! ما هذا الذي أنت فيه؟ قال له: ما ترى إني أسعى للرزق، قال: هل لك أن تجعل لي يوماً من أسبوعك؟ قال: نعم، ونعمت عيني بذلك، فما زال يتردد على ذلك العالم، حتى جاء اليوم الذي يناقش فيه رسالته في الدكتوراه في تفسير القرآن العظيم، فلما دعي إلى المناقشة وجلس إذا بشيخه وأستاذه يقوم مهابةً له وإجلالاً لما كان فيه من العلم، وقال: تفضل يا شيخ فلان.

    ومن المعلوم أن الشيخ لا يتنـزل لطالبه في الغالب، وإذا به أمام الجمع قال: هالني ما رأيت فيه من العلم والمعرفة بكتاب الله فعظمته وأجللته، فلما قال لـه: تفضل يا شيخ فلان جلس يبكي، فقال: تبكي ونحن نريد أن نجلك؟ قال: ذكرت دعوة أبي رحمه الله: اللهم ارزق ابني القرآن واجعله من أهله، فبلغه الله تفسير كتابه وبلغه الله هذه المنـزلة العظيمة.

    بر الوالدين من فواتح الرحمة.

    فهذا من أعظم الأسباب ونحن في غفلةٍ عظيمة عنه، ولو لم نخرج من هذه المحاضرة إلا ونحن نعيد النظر في سلوكنا مع آبائنا وأمهاتنا، مع أمرٍ قرنه الله بتوحيده، وليس البر السكوت وأن تجلس مع الوالد والوالدة، إنما البر الذلة: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] ولا تنتظر من الوالد أو الوالدة أن يسألك حاجته، بل أنت الذي تمضي إليها وتقضيها وتدخل السرور عليه، ولا تعلم بشيءٍ يفرحه إلا كنت أسبق الناس إليه.

    أسأل الله العظيم أن يفتح لنا ولكم أبواب رحمته، والله تعالى أعلم.

    كيفية معاملة الخادم والأجير

    السؤال: فضيلة الشيخ طيب الله مسعاك، وكتب الله خطاك في موازين حسناتك، وقد قطعت الفيافي والقفار فجزاك الله خير الجزاء، كيف يعامل الإنسان منا خادمه وأجيره وعامله الذي أتى به من بلاده، خصوصاً وأن مقالةً نسمعها أن خفض الجناح لهم واللين معهم يجعلهم يتكاسلون ويتهاونون في أعمالهم، إجابةً منك تنفعنا وإرشاداً منك يرفعنا جزاك الله خير الجزاء؟

    الجواب: أشهد الله الذي لا رب غيره ولا إله سواه إني أحبكم جميعاً في الله، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا بهذا الحب في دار كرامته، ووالله ما قطعتها إلا وكأني بين أهلي وإخواني، والله أعلم مقدار سروري أن أراكم، وأن أجتمع بكم في بيتٍ من بيوته، وبعد فريضةٍ من فرائضه، وأسأل الله العظيم أن يمتعنا بكم في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.

    أخي في الله: ما سألت عنه من الأجير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يقول الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه فقد خصمته: رجلٌ أعطي بي ثم غدر، ورجلٌ أستأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفهِ أجره، ...) قال العلماء: في هذا الحديث دليل على عظم أمر الأجير، حتى إن الله سبحانه وتعالى صار هو الخصم لعبده، ومن كان الله خصمه فقد خصمه الله، ولذلك قال العلماء: السبب في هذا الحديث أن الأجير ضعيف، وغالباً إذا جاءه مستأجره، وقال له: افعل، أو اتفق معه على شيء لا يستطيع الأجير أن يقول لـه: أشهِد أو هلم نكتب؛ لأنه يخاف أن يذل أو يؤذى، ولذلك غالباً ما يجعل الله شهيداً وحسيباً على حقه، فتكفل الله جل جلاله أن يأخذ له بحقه في الدنيا والآخرة.

    فإذا كان أخوك في الإسلام قد قدم إليك من بلادٍ بعيدة، فارحم غربته، وارحم ما فيه من الحزن والألم من فراق الأهل والأوطان والأحباب والخلان، والله تعالى إذا ابتلاك بمجرد أن تتعاقد مع أحد فاعلم أنها ساعة امتحان، قبل أن تكون ساعة كسبٍ وتجارة، فالدنيا بجميع حركاتها وسكناتها امتحانٌ وابتلاء للعبد، فما رزقك الله الحياة إلا: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] قال بعض العلماء: قال الله: أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:2] ولم يقل أيكم أكثر؛ لأن الإحسان لا يرزقه إلا السعيد.

    فإذا جئت تعامل الأجير فاتقِ الله أولاً في العقد الذي بينك وبينه؛ فإن الله يخاطبك من فوق سبع سماوات، ويوصيك ويقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] فبينك وبينه الله في كل كلمةٍ تقولها، وفي كل شيءٍ تضعه بينك وبينه من شروط وحقوق، فتوفي ذلك على أتم وجه، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [مقاطع الحقوق عند الشروط].

    الأمر الثاني: إذا كلفته بالعمل فلا تكلفه فوق طاقته؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في العبد المملوك وهو ملكٌ للإنسان: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحته فليطعمه مما يطعم، وإذا كلفتموهم فأعينوهم) حتى إنه ندب أن تعينه إذا كلفته بالعمل، هذا وهو ملكٌ لك، وملكٌ ليمينك وتحت أمرك، فكيف بالأجير الذي ليس بينك وبينه إلا العمل.

    إياك ثم إياك أن تستطيل في عرض أخيك المسلم، إياك ثم إياك أن تظن أن كونه أجيراً يبيح لك عرضه؛ لأن الله حرم عليك ذلك، فلا تسبه ولا تشتمه ولا تهينه، ولا تخاطبه بالعبارة التي تحقره بها في لونه أو حسبه أو جنسه أو ذات يده، فإن الله مطلعٌ على ما في قلبك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) إياك أن تحتقره، أو تنظر إليه نظرة ازدراء وانتقاص، فإن الله يحاسبك، ولذلك يقول العلماء: هذه من أعمال القلوب التي يحاسب عليها العبد. لأنك إذا احتقرته في قلبك تأثرت في معاملته، ونظرت إليه ضعيفاً فغلبته لضعفه، أو فقيراً فأذللته بفقره.

    وعليك أن تعده أخاً لك في الإسلام، وتقوم معه على المعاملة التي بينك وبينه، وكن مسلماً كاملاً في إسلامك، قد سلم المسلمون من لسانك ويدك، إياك أن تمد يدك عليه بالسوء، أو تمد لسانك عليه بالسوء، فإن الله يأخذ الحقوق قصاصاً، وإن مما يهين ويدخل الرعب في قلوب الناس يوم القيامة ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجدون في صحائف الأعمال مثاقيل الذر من الأقوال والأفعال) أي: الأمور اليسيرة التي ما كانت تخطر لهم على بال، فلذلك يتقي الله الإنسان في مثل هذه الأمور.

    الأمر الرابع: أن الإنسان لا يلزم الأجير بشيءٍ لم يلتزمه، بل ينبغي عليه أن يتقيد فيما بينهما وبين العمل، وأيضاً على الإنسان أن ينظر إلى حال الأجير، فإذا وجده مهموماً محزوناً أدخل السرور عليه، ويرفق به ويرحمه، فإذا كان فيه شدة ظمأ أو شدة هاجرة جاءه بماءٍ بارد احتسبه شربة عند الله عز وجل، وكذلك طعام يدخل به السرور عليه.

    ولقد رأيت الوالد رحمه الله يأكل مع عماله في المزرعة، وهو عالم يشار إليه بالبنان في المدينة ، ولا يحس بغضاضة، بل يشعر بانبساط وبمحبةٍ وألفة، وما سقطت هيبته من قلوبنا؛ لأن الناس يظنون أن هذه المباسطة ذلة، ويقولون: القوة والعبوس والأذية والجفاء صفات الرجولة الكاملة، وكذبوا؛ لأن رسول الأمة صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً) ولذلك إذا عفوت عن أي مظلمة يقولون: هذا ضعيف، هذا جبان، هذا ليس عنده كمال رجولة، أو ليس برجل، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يكذب هذا فيقول: (ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً) يعني هذا الذي يظنه الناس ذلة هو عزة وكرامة لك.

    ولذلك يخرج الأجير من عندك وهو شاهد عند خلق الله، وبين يدي الله أنك صاحب عزة وكرامة، (قال: يا رسول الله! كيف أعلم إني أسأت؟ قال: سل جيرانك)، فإن قالوا: أحسنت فقد أحسنت، وإن قالوا: أسأت فقد أسأت، لا تستطيع أن تعرف الرجل على الحقيقة في كمال أخلاقه وجمالها وبهائها وحسنها مثل معاملته للعمال.

    نعم، كونه يكون حسن الأخلاق، كريم المعشر مع إخوانه وزملائه، هذا أمرٌ طبيعي؛ لأن القرين مع قرينه قد يخافه ويهابه، ولكن أين المحن وأين الابتلاء الصادق أن تسمع عماله يعطرون ذكره بالذكر الحسن، فهذا هو الذي يدل على أنه مؤمنٌ كامل الإيمان إن شاء الله.

    نسأل الله أن يجعلنا ذلك الرجل، والله تعالى أعلم.

    نصيحة لمن أراد التوبة من الذنوب والمعاصي

    السؤال: أنا شخصٌ عندي بعض المعاصي والذنوب وأريد أن أتوب منها، وأرجع إلى الله سبحانه وتعالى، فما نصيحتك لي جزاك الله خيراً؟

    الجواب: أوصيك أخي في الله! أن تقبل على الله تعالى، وأن تعلم علم اليقين أن الله يفرح بتوبتك أشد من فرحك أنت بنفسك، فالله يفرح بتوبة عبده أكثر من فرح الإنسان نفسه بتوبة الله عليه، وهذا من كرمه وفضله، وهو أغنى ما يكون عنا: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً).

    أشهد لله بذلك، أنه ما نفعته طاعتنا ولا ضرته معصيتنا، فما عليك إلا أن تشعر أن الله يحب منك هذه الخطوة، ويحب منك هذا الإقبال، وأن الله تعالى يرضى عما تقدم عليه من الإنابة إليه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53] علم أننا عباده وأننا أفقر ما نكون إليه، وأحوج ما نكون إليه، فهو يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل.

    اللهم لك الحمد على رحمتك، اللهم لا نحصي ثناءً عليك، كم من مسيءٍ مذنب إذا قال: أستغفر الله تلقاه الله بمغفرته، وكم من مخطئ عظمت عثرته وإساءته فقال: أستغفر الله من قلبه، فتلقاه الله برحمته، فليست هناك ساعة ألذ من ساعة التوبة والإنابة والشعور بالتقصير، فأبشر بخير.

    واعلم -أخي في الله- أن الشيطان سيحول بينك وبين الله بما يذكرك من المعاصي، فأقبل على الله فإنك سعيدٌ بربك، ولن يستطيع أحد أن يدخل بينك وبين الله جل جلاله.

    نسأل الله العظيم أن يتوب علينا في التائبين، وأن يجعلنا من عباده المنيبين، والله تعالى أعلم.

    ضرورة الصبر والاحتساب في الدعوة إلى الله

    السؤال: من الرحمة أن أرحم أهلي وأن أعاملهم بالحسنى وأدعوهم إلى الله، ولكن كلما فعلت ذلك أجد منهم قسوة وعدم قبول، فماذا أفعل وفقك الله وفتح عليك؟

    الجواب: أسأل الله العظيم أن يسددك ويسدد أمثالك بالخير والبر، المؤمنة الصالحة إذا صلح حالها نشرت الخير والصلاح في أهلها، وأقرب الناس منها، ورأت عظيم حق قرابتها عليها، فقامت بذلك الحق على أتم وجه، فقد زكى الله الصالحات من فوق سبع سماوات: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34].

    المرأة الصالحة يحترق قلبها على أهلها وذويها، مع ذلك لا تمل ولا تسأم ولا تضعف أبداً، بل إنها تشعر بالقوة، فكلما رأت الصدود والإعراض تقول: الله أكبر! الله فوق ذلك وأعظم وأجل من أن يخيبنـي، فيبقى عندها الشعور بحسن الظن بالله، وسيريها الله الساعة التي تقر فيها العين بهداية أهلها وذويها، وما ذلك على الله بعزيز، فإن لله حكماً عظيمة، فقد ترى قرابتك يعرضون عنك ولكن لحكمته سبحانه يؤخر هدايتهم، حتى يبتلي صبرك، ويبتلي صدقك، ويعظم أجرك، ويرفع من قدرك في الدنيا والآخرة.

    فاحتسبـي الأجر عند الله، وخذي من نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في صبره، بماذا آذوكِ؟ غاية ما يكون من الكلمات، والرسول صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته، وشج وجهه وسالت دماؤه، وقتل عمه وبقرت بطنه، فقال: (ربِّ اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون) فلا يخيب ظن الداعية بالله أبداً، بل إنه يتلقى مثل هذه المواقف بنفسٍ أبية وقلبٍ ثابت يحسن الظن بالله، ويعول في نجاحه على الله، والله مع عبده، والله مع الصابرين.

    فهذا من الصبر، بل قال بعض العلماء: ألذ ما وجدت من الصبر.. الصبر على الدعوة. بما فيه من استشعار أن الله يحب منك هذا الصبر من الكلمات الجارحة، والعبارات القاسية، والتذكير بالماضي المؤلم، وغير ذلك من التحقير والتسفيه، ومع ذلك لن تخيبي عند الله، ولذلك قال عروة : [والله ما قام عبدٌ في دعوته إلى الله مقام ذلٍ إلا أقامه الله مقاماً أعز منه] فلن تجد امرأة تهان بين أهلها، وهي تدعوهم حتى يأتي اليوم الذي تكون فيه درة بين من كان يهينها.

    وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا فقال: (قولوا لا إله إلا الله) فقال له أبو لهب : تباً لك ألهذا جمعتنا؟ فسفهه على رءوس الأشهاد، فمضت السنون تلو السنين، فوقف بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم على الصفا معه مائة ألف من أمته وأصحابه يفدونه بأرواحهم وأنفسهم، وقد أعاده الله مقام عزة وكرامة، وهذا هو دأب الله، ولكن الأمر يحتاج إلى صبر، ويحتاج إلى احتساب الأجر عند الله سبحانه وتعالى: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30].

    ومن كمال الإحسان: كمال الصبر واحتساب الأجر، فلابد للداعية من الرجال والنساء أن يكون محتسباً للأجر، وقد كان بعض العلماء يفرح بتأخر التوبة، يقول: ربما لو تابوا خدعت بنفسي، واغتررت بإنهم تابوا بحسن أسلوبي، ولكن الله سبحانه وتعالى قد يعصمني من فتنة، مع أن تذكيرك بالله واستدامة النصح له كله في ميزان حسناتك، فاثبتي ثبتكِ الله وثبت أمثالكِ على طاعته ومرضاته، والله تعالى أعلم.

    حكم مساعدة الناس بقصد المجاملة

    السؤال: أقوم في بعض الأحيان بتسليف بعض من يحتاج إلى المال، فيعرض عليَّ طلبه، فأقوم بتلبية حاجته، ولكن في بعض الأحيان أقوم بهذا العمل إما بقصد دعوي، أو بقصد المجاملة لهم، فهل أحصل على الأجر بالمجاملة لهم، مع العلم أن بعض المبالغ مضى عليها أكثر من ثلاث سنوات، وهل يجوز لي أن أنوي من الآن أنها تفريج ومساعدة، علماً إني أستطيع أن أذهب إليهم وأطلبهم ما سلفتهم إياه، وفقك الله ورعاك؟

    الجواب: يقول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه: (إنما لكل امرئٍ ما نوى) قال بعض العلماء: فيه دليل على أنه لا يكون للإنسان إلا ما نواه، إن كان للدنيا فللدنيا، وإن كان للآخرة فللآخرة، فإذا جاءك أحد وأحرجك فاجعل نية الآخرة هي الأصل، واجعل نية الدنيا تبعاً، أي: تعطيه ولكن تنوي أنك تحتسب أجرها وثوابها عند الله، وتجعل نية المجاملة تبعاً، وهذا لا يضر فيه، ولذلك قال الله عز وجل: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7] قال بعض العلماء: إنهم فضلوا أن ينالوا العير والغنيمة من المال، ومع ذلك كانت نيتهم في الأصل إغاظة العدو، وكسب مرضاة الله عز وجل، فلم يؤثر ما كان تبعاً.

    فنية الدنيا إذا كانت تبعاً لم تؤثر، لكن الذي يظهر من السؤال أنك مجامل، وأنك مستحٍ منهم، فإذا كان الأمر كذلك فهي نية دنيا، ولكن إذا نويت من الآن أن تجدد النية، وندمت على ما مضى وسألت الله فإن الله كريم، وفضل الله عظيم، وكونك تقول: إنه بإمكانك أن تأخذ المال منهم الآن، ولكنك تحتسب عند الله التخفيف عليهم، فأنت كذلك مثاب، فاحتسب من الآن، واسأل الله عز وجل أن يعوضك عما سلف وكان، والله تعالى أعلم.

    حكم المزاح مع الوالدين

    السؤال: إني أمازح والديَّ وأضحكهما وأرفع صوتي عندهما، وأعلم أنه يدخل السرور على قلبيهما، فهل عليَّ من حرج؟ وما ضابط المزاح مع الوالدين؟

    الجواب: من الحياء أن الإنسان لا يستطيع أن يمزح مع والديه، لكن إذا كان الوالد هو الذي يؤذي وهو الذي يمزح فتذل لـه فلا بأس، أما أن تأتي أنت وتمزح معه وتبدأه، فهذا أمر من الصعوبة بمكان، لكن إذا هجم عليك ومازحك وليس باليد حيلة فما حيلة المضطر إلا ركوبها، فعندئذٍ لا حرج أن تمازحه إذا ما غلبت على أمرك.

    وقد رخص العلماء في مزح الولد مع والده، وأنه لا حرج عليه في ذلك، لا سيما إذا علم أنه يدخل السرور عليه، ولكن الأفضل والأكمل أنه لا يبتدئ المزاح؛ لأن في ذلك إسقاطاً للهيبة، وذهاباً للحرمة، وقلَّ أن تمزح مع أحد كائناً من كان إلا وكان له بعض الأثر في نفسك.

    وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها تشريعاً للأمة، فالأكمل والأفضل أن الإنسان يحفظ لوالديه الهيبة، ويحرص قدر المستطاع أن يعوض عن هذه الكماليات بما هو أكمل وأفضل من القيام بحقيهما والرعاية لهما، وأسأل الله تعالى أن يجعلنا ذلك الرجل، والله تعالى أعلم.

    نصيحة لمن أراد ترك طلب العلم والدعوة بسبب الذنوب والمعاصي

    السؤال: أنا طالب علم وعندي رغبة في تحصيل العلوم النافعة، لكن في بعض الأحيان أتذكر ذنوباً ماضية، فأندم عليها أشد الندم، وأقول في نفسي: أنا لا أصلح أن أكون داعية، فضلاً عن أن أكون من العلماء، فيدخلني اليأس وتراودني نفسي على ترك الطلب، فما توجيهك لي حفظك الله؟

    الجواب: والله كلنا ذاك الرجل، إذا ذكرنا ما سلف من التقاعس في طاعة الله والتفريط في جنب الله، أشفق الإنسان على نفسه، حتى إنه يخشى أن يكون مستدرجاً من حيث لا يحتسب، وهذا الذي سألت عنه شيء من الإشفاق والخوف والوجل، فإن العبد الصالح دائماً يبكي على ما مضى، ويخشى مما سلف وكان.

    يحق لي يا عين أن بكيت أبكي لعلمي بالذي أتيت

    أنا المسيء المذنب الخطاء فـي توبتي عن حوبتي إبطاء

    من منا لم يذنب؟ ومن منا لم يسئ؟ إذا كان هذا الشعور الذي تشعره من الذنب والإساءة فيما سلف، وكان يحرّك الله به قلبك للإحسان وكمال العمل فهي رحمة من الله أسكنها في قلبك لكي تحتقر نفسك، وإذا احتقرت نفسك رفعك الله، إذا كان أهل العلم وطلاب العلم دائماً يشعرون بأنهم في الدون تواضعوا لعباد الله، وخرجوا للأمة مشاعل خير مليئة بقلوبٍ رحيمة حليمة بعباد الله وأوليائه، فعظم خيرهم وبرهم.

    إن كريم الأصل كالغصن كلما ازداد من خيرٍ تواضع وانحنى

    فيكسر القلوب ما إن يتذكر الإنسان ما كان عليه ويقول: من أنا حتى أعلم الناس وأوجههم؟ فإذا صار هذا الشعور يمنعك من الزيادة في طلب العلم، ويريد منك عدو الله إبليس أن يخذلك عن مجالسة العلماء وطلاب العلم فاعلم أنه مكرٌ من عدو الله، وأنه استدراج منه يريد أن يخذلك، فقل له: اخسأ عدو الله، فإن رحمة الله فيما ضيقت عليَّ، وكم من إنسان أذنب وتاب وتفطر قلبه من الذنب فغفر الله له من أول لحظة، ثم جعل الله أشجانه وأحزانه على الذنب رفعة له في الدنيا والآخرة.

    ولذلك يقولون: إن الذنب قد يعود برحمةٍ على الإنسان، وقد ذكر هذا غير واحدٍ من الأئمة، إذا استصعب هذا الذنب، ودائماً يجعله نصب عينيه لا من باب القنوط ولا من باب اليأس، ولكن من باب الاحتقار للنفس والازدراء بها والمحاسبة لها؛ فهذا شيءٌ طيب، أما أن يصبح الإنسان بمثل هذه المشاعر يقصر في الدعوة ويقصر في مجالس العلم، ولا يريد أن يحمل مشعل الخير للناس فلا، ويأبى الله ذلك؛ لأن هذا الشعور مكرٌ من الشيطان، ورحمة الله واسعة وفضل الله عظيم ومن منا لم يذنب.

    وانظر إلى ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، في جاهليتهم ثم غفر الله لهم في طرفة عين، فأسلموا وأسلمت لله قلوبهم وقوالبهم، فأقر الله عيونهم بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبرفعة الإسلام، وعوضهم الله في الفتوحات والغزوات مشاهد صدقٍ كان لهم فيها حسن البلاء وعظيم الأجر من الله سبحانه.

    فإياك ثم إياك أن يخذلك عدو الله، وكن مستصحباً هذا الشعور دائماً في مجالس العلم وتقول: يا رب كنت جاهلاً فعلمتني، وكنت ضالاً فهديتني، وكنت وضيعاً فرفعتني، فمن أنا لولا فضلك ولولا إحسانك؟! ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ، وتظهر ذلك لله، وقد قال بعض السلف: والله ما دخلت مجلساً ورأيت نفسي أصغر الناس إلا خرجت وأنا أعلاهم، ولا دخلت مجلساً وأرى نفسي أعلى القوم إلا خرجت وأنا أدناهم.

    وينبغي على طالب العلم دائماً أن يستصحب أنه وضيع إلا أن يرفعه الله، وأن يتواضع للناس، وأن يكون عنده مثل هذا الشعور الذي يحمله على مكارم الأخلاق وحسن المعاملة مع الله، والله تعالى أعلم.

    كيفية الجمع بين طلب العلم وبر الوالدين

    السؤال: قدمت لطلب العلم الشرعي وتركت والديَّ في منطقتي، فأيهما أفضل: طلب العلم أم بر الوالدين؟

    الجواب: الأفضل أن تطلب العلم وتبر الوالدين، فإن تيسر طلب العلم في بلدك مع بر الوالدين فهو أفضل، وأما إذا لم يوجد في بلدك من هو أعلم والناس بحاجة إلى علمك، فيجب عليك أن تخرج؛ لأنه تعلق بك حق أمة وأنت مسئول عنهم بين يدي الله، ولذلك قال الله في كتابه: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122] والله سائلك عن أمتك وجماعتك وأهلك ووطنك وقريتك ومن أنت معهم، فهذه مسئولية عظيمة.

    فإذا تعين عليك طلب العلم فقد قال العلماء: هذا يستثنى من استئذان الوالدين، هذه من المواضع التي تستثنى ولا يجب فيها استئذان الوالدين، ولكن الأفضل والأكمل أن تتلطف في أخذ رضاهم، فهذا أمرٌ ينبغي عليك أن تسعى فيه وتحرص على الجمع بين الحسنيين.

    وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، ويعلم الله سروري بلقاكم في هذا المجلس، وأسأل الله العظيم أن يجزي المشايخ كل خير، وأن يجزي مكتب الدعوة بـعنيزة كل خير، فقد كان له الفضل بعد الله في الدعوة إلى مثل هذه المجالس الطيبة المباركة، وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجمعنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله.

    نصيحة لاغتنام الفرص في مواسم الطاعة

    السؤال: قبل الختام نطلب من فضيلة الشيخ أن يوجهنا بنصيحة، ونحن نستقبل بعد أيامٍ إن شاء الله تعالى عشر ذي الحجة، وهي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم من أفضل الأيام التي يحب الله فيها العمل الصالح من عباده، كما أطلب منه كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يخص بها أخواتنا النساء في معاشرتهن ومسلكهن ودعوتهن ولباسهن فجزاه الله عنا خير الجزاء ولو أثقلنا عليه؟

    الجواب: أيها الأحبة في الله: إن الله تعالى من واسع رحمته بهذه الأمة اختار لها أزمنة محدودة، ومواسم معدودة يتسابقون فيها للطاعات، ويشمرون فيها عن ساعد الجد في المرضاة؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، فينبغي على الإنسان أن يهيئ نفسه لهذه المواسم.

    وإذا أراد الإنسان أن يوفق في موسم الطاعة فليستقبله أول ما يستقبله بالتوبة، فيكثر من الاستغفار؛ لأنه غالباً يحال بين الإنسان وبين التوبة بسبب الذنوب، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الحديث الصحيح: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا) فإن الذنب قد يحال بسببه بين العبد وبين الخشوع، وقد يحال بسببه بين العبد وبين منزلته في الجنة، فإياك ثم إياك أن تفتر عن ذكر الله بالاستغفار، والله تعالى يقول: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ [فصلت:6] فأكثر من الاستغفار والتوبة إلى الله عز وجل عما سلف وكان.

    ثانياً: عليك أن تحس بقصر الأجل وقصر العمر، فهي من أعظم الأمور التي تعين على مواسم الخير، والإنسان ما بينه وبين الآخرة إلا قبض روحه، والموت يأتي الصغير فلا ينظر إلى صغره، ويأتي الكبير فلا ينظر إلى كبره، وكم من ممسٍ كتب عليه ألا يصبح، وكم من مصبح كتب عليه ألا يمسي، والله أعلم، فكم من إنسان يضحك وإذا به في طرفة عين قد صار في عداد أهل الآخرة، قال بعض السلف: كم من إنسان يضحك بملء فيه وقد نسجت أكفانه من حيث لا يدري.

    فالإنسان إذا استقبل مواسم الخير وهو قاصر الأمل، يقول: لا أدري هل أعيش إلى الغد أو لا أعيش.

    الأمر الثالث مما يعين على اغتنام مواسم الخير: دعاء الله، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح يومه فيسأله التوفيق للطاعة والبر، وكان يسأل الله خير يومه أوله وآخره وفتحه ونصره ونوره وبركته وهداه، والله إذا رآك تقف في بابه تسأله من رحمته وهو الكريم سبحانه لا يرد من سأله، فقد تكفل الله لك أن يعطيك سؤلك أو يرفع عنك من السوء مثلما سألت، أو يدخرها لك بالآخرة في منزلة قد لا تبلغها بكثرة صلاةٍ ولا صيام.

    يقف الإنسان بين يدي الله ويقول: اللهم إني أسألك التوفيق في الخير، وكلما دخلت في موسم خير وبر تسأل الله أن يجعلك أسعد العباد، تقول: يا رب لا تجعلني بذنبي شقياً ولا محروماً، ولا تحل بيني وبين المسابقة في هذا الخير بما كان مني، فإن كنت أنا المقصر وأنا المذنب فأنت الكريم الجواد، فتستشعر بأنك أحوج ما تكون إلى رحمة الله بالدعاء.

    ثم تصور أخي في الله مما يلهب مشاعرك، ودعاء الله وسؤالك أن تخشى أن تكون أشقى الناس فتقول: يا رب لا تجعلني شقياً، امنن عليَّ بالتوفيق والتسديد والتأييد، ونحو ذلك من مسائل الخير المباركة.

    الأمر الرابع: الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المواسم، فأولى الناس بالرحمة والهدى والبر هو الحريص على التأسي بالكتاب والسنة، ولن تستطيع أن تنال الجنة ولا رحمة الله ولا محبته إلا من هذا السبيل الوحيد الفريد، صراط الذين أنعم الله عليهم، والذي اختاره الله لنبيه وختم به وأقفل جميع الأبواب، ولم يبق إلا باباً واحداً لا يدخله إلا من اتبع سنته وسار على نهجه وطريقته.

    وتحرص في كل موسم أن تسأل العلماء: ما هو هديه صلى الله عليه وسلم في القول والفعل؟! فإذا علمت هديه التزمت هذا الهدي فلم تزد عليه ولم تنقص منه، فإذا فعلت ذلك هديت، قال تعالى: وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف:158] .. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] فمن أراد أن يحبه الله فليتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يكون من هديه.

    وقد ندبنا صلى الله عليه وسلم إلى الاستكثار من الاستغفار في هذه العشر، فتستكثر من الخير في الأقوال والأفعال، فتبدأ أول ما تبدأ بعقيدتك، وهناك أعمال للقلوب من حب الله والخشوع والخضوع والبكاء من خشية الله، ونحو ذلك.

    ومن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، ما كان بين العبد وربه مما يزيد بتوحيد الإنسان وإيمانه بالله سبحانه وتعالى، فهذه الأمور من أعظم الأمور وأحبها إلى الله، ولذلك ذكر غير واحد من العلماء وأشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية : أن أعمال القلوب تفضل كثيراً على أعمال الجوارح، وذلك لما فيه من توحيد الله وإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى، والله تعالى ابتلى عباده بالإخلاص والتوحيد، وكلما كان القلب مستشعراً لمثل هذه المعالم من محبة الله والخوف والخشية كلما عظم الثواب عند الله عز وجل.

    فعندما تدخل المواسم عليك حاول قدر استطاعتك أن تكون أكمل الناس خوفاً من الله.

    وقف بعض السلف في يوم عرفه فقال: والله لو نادى منادي الله: قد غفرت لأهل الموقف إلا واحداً لعددت نفسي ذلك الرجل، فالإنسان لما تدخل عليه مواسم الخيرات ويحس أنه حقير، وأنه مقصر، وأن الله عز وجل لـه هيبته وله جلاله جل جلاله، وأنه ينبغي أن يهاب ويخشى، فمثل هذه الأمور من أحب الأعمال إلى الله وأعظمها ثواباً عند الله.

    الأمر الآخر: الأعمال الصالحة من الأقوال والأفعال، يحرص الإنسان عليها، فيبدأ كما ذكرنا بالوالدين والأقربين، ثم بضعفة المسلمين ليحسن إليهم ويتفقدهم ويقضي حوائجهم، ويحتسب الثواب عند الله سبحانه وتعالى، ثم يجتهد في الطاعات من ذكر الله، وكثرة تلاوة القرآن، فكل ذلك مما يحبه الله ويرضاه.

    وأما نصيحتي لأخواتي المسلمات: فأوصيهن ونفسي بتقوى الله الذي يعلم السر والعلانية.

    أخواتي المسلمات: إن الله أدبكن فأحسن تأديبكن بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأثنى على الصالحات في كتابه فقال: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [النساء:34].

    أختي المسلمة: سعادتك في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تكفل الله لمن اتبع كتابه بما يسعده فلا يشقى أبداً، وتكفل لمن اتبع كتابه بالنور والرحمة والشفاء والهدى والسداد في الدنيا والآخرة.

    يا أَمَة الله: اسمعي لكلام الله فإن سمعتِه يناديكِ فبادري بالاستجابة وبادري بالتطبيق والعمل.

    يا أَمَة الله: أحب الأعمال إلى الله إخلاص العبادة، فاحرصي على الإخلاص، وإياك والرياء والسمعة وطلب ثناء الناس، فما عند الناس يذهب ويبلى، وما عند الله يدوم ويبقى، وما كان لله قرت به العين بين يدي الله في يومٍ يبعثر فيه من في القبور، ويحصل فيه ما في الصدور، إن ربهم بهم يومئذٍ لخبير يوم تبلى السرائر.

    يا أَمَة الله: إن الله فرض عليكِ حقوقاً لوالديك فقومي بها على الوجه الذي يرضي الله من البر والإحسان، فرض الله عليكِ حقوقاً لبعلكِ فأحسني المعاشرة لـه بالمعروف مستجيبةً لأمر الله، فإن أقر الله عينك بالزوج الصالح الذي يفي لكِ كما وفيت فاحمدي الله على فضله، واسأليه الثبات على طاعته، وإن رأيت غير ذلك من إساءة في العشرة أو إساءة في القول والعمل فاعلمي أن الله لا يضيع لكِ الثواب، وأنكِ تحتسبي عند الله الأجر والمآب، فلا تضعفي ولا تجبني ولا تسيئي إلى العشير.

    أدي الأمانة إلى من ائتمنكِ ولا تخوني من خانكِ، فإن رأيتِ البعل يكرمكِ فأكرميه، وإن رأيته يهينك فإن الله لا يهينك، واعلمي أن الصبر على البعل في أذيته وإهانته وإذلاله لك فيه ثواب ومرضاة، فاحتسبـي عند الله أجرها، والله تعالى مطلعٌ على ما يكون فاحتسبي الأجر عند الله، وكما إنكِ ترجين الثواب في ركوعكِ وسجودكِ فإن صبركِ على البعل فيه ثوابٌ لكِ.

    يا أَمَةَ الله: إن الله فرض عليكِ حقوقاً لأبنائكِ وبناتكِ فاتقي الله في الأبناء والبنات، وأحسني تربيتهن والقيام على حقوقهن في الطعام والشراب والكسوة، وربيهن على طاعة الله ومرضاته، فكم من أمٍ صالحة هدت ودلت كتب الله لها ثواب ما هدت ودلت، وكم من عالم ثوابه في ميزان حسنات أمه، قالت أم سفيان الثوري وهو يتيم: يا بني اطلب العلم أكفك بمغزلي، رحمها الله برحمته الواسعة، كانت تشتغل بمغزلها وتطعم ابنها وهو يتيم حتى أصبح إماماً من أئمة المسلمين، وديواناً من دواوين العلماء العاملين، وكل ذلك في ميزان هذه المرأة الصالحة.

    يا أمة الله: إياك والنعرات والدعوات إلى السيئات والشهوات؛ فإن أهل الشهوة يريدون منكِ أن تميلي ميلاً عظيماً، يريد الله لكِ الطهر والعفاف، والخير والكفاف، فكوني لله يكن الله لكِ، اعلمي أن سعادتك في هذا الدين، فمهما رأيتِ من المهانة والمذلة فاعلمي أنها عزة وكرامة، وأن التمسك بالدين والاعتصام بحبل الله المتين قرة عينٍ لكِ في الدنيا والدين.

    أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يهدينا سواء السبيل، وأن يقيم لنا المعلم والدليل إنه المرجو الجليل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046947125

    عدد مرات الحفظ

    738328166