إسلام ويب

التوبة وآثارها [2]للشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعتبر الذنوب أثقالاً يتحملها الإنسان ولا ينفك عنها إلا بالتوبة النصوح، والتوبة رحمة من الله للعباد يفرح بها الرب إذا وفق العبد لها. ومفتاح التوبة الأعظم الندم، ثم الإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة إليه، وإعادة الحقوق والمظالم للناس.

    1.   

    الاستعداد لرمضان بالتوبة والعمل الصالح

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الإخوة! في الخطبة الماضية تحدثنا عن العلم الباعث على التوبة، وهو إيقان الإنسان بأن ذنبه سبب لبواره وخسارته في الدنيا والآخرة، وأن السيئة سبب للحرمان من المحبوب: محبوبه في دنياه، ومحبوبه في أخراه، فإذا أيقن الإنسان هذا اليقين، وإذا وقر في قلبه هذا العلم تألم لفوات المحبوب، فإن النفس بطبيعتها تريد الوصول إلى محبوباتها، فإذا فاتها شيء مما تحبه تألمت وتحسرت.

    مفتاح هذا الندم، مفتاح هذا الحسرة، أن يعرف الإنسان أن الذنب هو الحائل بينه وبين المحبوبات، فإذا علم ذلك تندم على ما سلف منه من الذنوب والسيئات.

    اليوم نتحدث عن الحال الذي يلحق ذلك العلم، الهيئة والصفة التي يتصف بها الإنسان إذا وقر في قلبه ذلك الاعتقاد وهو التوبة إلى الله، الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، لا سيما ونحن نستقبل شهر رمضان.

    شهر رمضان شهر فيه المسابقة إلى الخيرات، يستعد الناس لهذا الشهر على اختلاف أصنافهم, فرجال الإعلام منذ شهور وهم يستعدون لبرامج هذا الشهر، وأصحاب المجمعات الغذائية منذ شهور وهم يستعدون لتوفير الطلبات، وأرباب الملابس والأزياء وهلم جرا، كذلك ربات البيوت يشترين كل ما يشتهين استعداداً لهذا الشهر، فما هو حال هذا الصائم من الاستعداد لهذا الشهر؟!

    استعد كل الناس إلا الصائم، إلا من رحم الله، استعد كل الناس إلا من قصد هذا الشهر.

    رمضان شهر المسابقة إلى الخيرات، والمسابقة تقتضي أن يتخفف الإنسان قبلها، ولذلك كانت من عادة الناس أنهم إذا سابقوا بين الخيل يضمرونها قبل السباق، يعني: يمنعونها من الأكل فترة من الزمن، ويخففون عليها المطعوم فترة من الزمن لتخف وقت المسابقة، فإذا جرت سبقت، فكانوا يسابقون بالخيل المضمرة.

    وتضمير هذا الإنسان من ذنوبه وسيئاته قبل أن يدخل ميدان السباق، هذا هو الاستعداد الحق الذي ينبغي لكل عاقل حريص على نجاة نفسه أن يأخذ نفسه به بالجد والحزم فيما بقي من الليالي والأيام قبل قدوم شهر رمضان.

    1.   

    الذنوب وأثر التوبة في محوها

    الذنوب سماها الله عز وجل في كتابه أثقالاً, فقال سبحانه وتعالى وهو يتكلم عن المشركين: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت:13]، الذنوب أثقال، تثقل كاهل هذا الإنسان، فلا يستطيع أن يقدم على عمل وهو سهل يسير؛ لأنه مثقل، كما سماها الله عز وجل في مواطن كثيرة من الكتاب أوزاراً، والوزر يعني الشيء الثقيل: يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام:31]، هذه الأثقال والأوزار حق على العاقل أن يتخلص منها قبل أن يدخل ميدان السباق لييسر الله عز وجل له الأمر.

    الذنوب تحرم الإنسان من العمل الصالح

    نحن بحاجة أن ندرك هذه الحقيقة، فكم حرم الإنسان من عمل صالح بسبب ذنب أذنبه يوماً من الأيام على اختلاف مراتب الناس، الصالحون قد يحرمون الارتقاء في الدرجات بسبب ذنوبهم.

    يقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: حرمت قيام الليل سنة بذنب أذنبته. قيل له: وما ذلك الذنب؟ قال: دخلت السوق فرأيت رجلاً يبكي، فقلت في نفسي: إن هذا يرائي، فحرمه الله عز وجل طاعات عديدة بسبب هذا الذنب. وكم تكلم الصالحون عن آثار ذنوبهم، كيف فعلت بهم؟ وكيف حرمتهم أنواع الخيرات؟

    ولذلك يقول الغزالي رحمه الله: كم من أكلة منعت قيام ليلة، وكم من نظرة منعت قراءة سورة. كم يأكل الإنسان أكلة واحدة من الحرام فتؤثر فيه وتبطئ به، وتحول بينه وبين عمل صالح كان معتاداً عليه، فيحرم قيام الليل بسبب تلك الأكلة، وكم من نظرة حرم بسببها الإنسان قراءة سورة!

    وكم نرى في حياتنا الواحد منا يرى في نفسه، يرى الناس وهم يتسابقون إلى الخيرات وهو مقيد ومكبل لا يقدر على شيء، يرى الناس وهم يتسابقون إلى المساجد وهو لا يرغب في هذا الخير، ويرى الناس وهم مكبون على كتاب الله يقرءونه ويتدبرونه وهو لا يجد في نفسه رغبة لذلك.

    جاء رجل إلى الحسن رحمه الله فقال: يا أبا سعيد ! إني أبيت معافىً، وأعد طهوري -أي: أجهز ماء الوضوء- ثم أريد قيام الليل فلا أستطيع أن أقوم الليل، قال: أنت رجل قيدته ذنوبه.

    الذنوب قيود, الذنوب أثقال، فإذا أراد الإنسان أن يسير سيراً حثيثاً، إذا أراد الإنسان أن يسابق إلى الله فإن خير ما يعينه أن يتخلص من هذه الأوزار, وأن يتخفف من هذه الأثقال, ومفتاح هذا التوبة إلى الله, الرجوع إلى الله، فإن التوبة باب التغيير، التوبة تغير الإنسان, وتغير سجلاته، وتغير حاله مع الله تعالى.

    تبديل السيئات حسنات بالتوبة

    التوبة هي مفتاح التغيير، ولا تغيير إلا بها، تغير حال الإنسان نفسه، فإن الله عز وجل وعده بأنه إذا تاب فإنه سيبدل سيئاته حسنات؛ كما قال سبحانه وتعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:70]، تتبدل السيئات حسنات، والعلماء مختلفون في كيفية هذا التبديل، كيف تتبدل السيئات إلى حسنات؟

    فبعضهم يقول: يوفقه الله فيشتغل بالحسنات بعد أن كان مشتغلاً بالسيئات، فبدلاً من أن يكسب السيئات يصير حاله مخالفاً لذلك متبدلاً فيكتسب الحسنات.

    وبعضهم يقول: يبدل حاله ويبدل سجلاته، حتى السجلات فإن ما كان فيها قد دون من السيئات يمحه الله عز وجل ويثبت مكانه حسنات، وهذا ما دل عليه الحديث، فإن الله بفضله وكرمه يبدل سجلات عباده الذين يريد لهم هذا التبديل فيغير سيئاتهم حسنات؛ كما جاء في الحديث في قصة آخر رجل يدخل الجنة: ( إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة )، هكذا قال عليه الصلاة والسلام: ( رجل يؤتى به فيقال )، يعني: يقول الله عز وجل لملائكته, ( فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه, وأخفوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار الذنوب، فيقال له: أأنت فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ فيقول: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: لا يستطيع أن ينكر )، لا يقدر أن ينكر؛ لأن الشهود كثير, ( أأنت فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ثم يقول الله عز وجل له: قد بدلت سيئاتك حسنات )، قال عليه الصلاة والسلام وهو يصفه وقت عرض الذنوب عليه، قال: ( وهو مشفق من ذنوبه الكبار ) يعني: خائف أن تعرض عليه الذنوب الكبار، فهو يقر بالصغار، وخائف ينتظر أن تعرض عليه الكبار، فإذا تجاوز فرح؛ لأن الله عز وجل لم يعرض عليه ذنوبه الكبار.

    لكن بعد أن يبشر بهذه البشارة العظيمة، ويخبر بأن سيئاته بدلت حسنات يقول كما قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقول: يا رب! إني قد فعلت ذنوباً لا أراها هاهنا )، أين ذنوبي الكبار ما دامت ستبدل حسنات فأنا أطالب بها وأطالب بأن تعرض, ( أين ذنوبي الكبار، فضحك عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه ).

    هذا إخبار منه عليه الصلاة والسلام بأن الإنسان يتبدل، الإنسان يتغير في الدنيا وفي الآخرة، يتبدل حاله وتتبدل سجلاته بهذا العمل العظيم وهو التوبة إلى الله تعالى، يبدل الله علاقته به، فإن الله عز وجل يحب عبده الطائع، فإذا عصاه أبغضه، فإن الله عز وجل يبغض الفحشاء ويبغض فاعليها، لكنه إذا تاب تغير حاله مع الله، فبدلاً من أن كان عدواً لله صار بعد توبته ولياً من أولياء الله، وبعد أن كان بغيضاً لله صار حبيباً من أحباب الله، كل هذا بهذا العمل البسيط وهو التوبة، سهل يسير لمن سهله الله عز وجل له.

    ألم يقل سبحانه وتعالى في كتابه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، في سبعة وثمانين موضعاً في القرآن يذكر سبحانه وتعالى التوبة، مرة يأمر بها، ومرة يحث عليها، ومرة يخبر بأنه تواب رحيم، ومرة يخبر بأنه يحب أصحابها, في سبعة وثمانين موضعاً من القرآن، يقلب سبحانه وتعالى الحديث عن التوبة ويصرفه وينوعه ترغيباً للعباد في الإقبال على هذه العبادة, إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، وقال عليه الصلاة والسلام: ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) .

    وأي تغيير في الإنسان أعظم من هذا بعد أن يكتسب الذنوب والسيئات أعماراً مديدة وسنوات طويلة، يبدل الله عز وجل كل هذا الحال فيصير كمن لا ذنب له, ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ).

    قصة تائب بني إسرائيل

    وقد ألف العلماء مؤلفات سردوا فيها أخبار التائبين وحالهم مع الله تعالى بعد التوبة، وممن فعل هذا ابن قدامة رحمه الله، فألف كتاباً سماه التوابين, ذكر فيه أخبار التائبين، وأورد فيه قصصاً غريبة مستغربة في أخبار الأمم السالفة، وأخبار التائبين من هذه الأمة.

    ومن عجيب ما وقفت عليه في هذا قصة رجل من بني إسرائيل زمن موسى عليه السلام، هذا الرجل كان يجاهر الله عز وجل ويبارزه بأنواع المعاصي والسيئات بعيداً عن أعين الناس، أصابت بني إسرائيل السنون, ونزل بهم القحط, فخرج بهم موسى يصلي صلاة الاستسقاء ويدعو الله تعالى ليغيثهم, فأوحى الله إليه: لا أسقيكم وفيكم عبد يبارزني بالمعصية حتى يخرج من بين جموعكم، هذا العبد الذي أسر معصيته بينه وبين الله, لكنه سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، وإذا شاء أن يفضح عبده فضحه على رءوس الأشهاد، فأمره بأن يخرج إذا أرادوا السقيا.

    فقال موسى: يا رب! وكيف أبلغهم وهم سبعون ألفاً؟ قال: يا موسى! عليك النداء وعلينا البلاغ، فقام موسى ينادي في الناس: أيها العبد الفاسق! اخرج حتى تسقى بنو إسرائيل. التفت الرجل وهو يعلم حاله، التفت يميناً ويساراً من هذا الذي سيخرج فلم يخرج، فعلم أنه هو المقصود.

    هنا أحاطت به ونزلت به أنواع الهموم, سيفضح ويكشف أمره على رءوس الأشهاد، ويحضر فضيحته بنو إسرائيل جميعاً، فلم يعلم إلا أنه لا طريق إلا أن يتوب إلى الله، لا سبيل إلا أن يصلح ما بينه وبين الله, قال رحمه الله: فأدخل رأسه في ثوبه حزيناً نادماً باكياً، وقال: يا رب! عصيتك فأمهلتني, وأنا أتوب إليك فتقبلني برحمتك يا أرحم الراحمين. قال: فلم ينته من كلامه حتى اجتمعت السحب في السماء وأمطروا مطراً غزيراً.

    فقال موسى: يا رب! أغثتنا ولم يخرج منا أحد! فقال له: بالذي منعتكم سقيتكم. أي: أن الرجل الذي كان سبباً للمنع هو الذي كان سبباً للسقيا، والرجل الذي حرمتم وعوقبتم بذنبه هو الذي نزلت بكم بركات عمله الصالح, إنها التوبة.

    التوبة عنوان الرحمة

    التوبة أيها الأخ الكريم! عنوان ظاهر على سعة رحمة الله تعالى، فإنه من رحمته جل وعلا أن يهيئ للإنسان مناسبات وظروفاً يغير فيها حاله، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل )، فلا تزال أبواب السماء مفتوحة أمام التائبين ليلاً ونهاراً، والمحروم من حرم هذا الخير بعد أن يدعى إليه.

    من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه يفرح بعبده إذا تاب، يفرح ولكنه فرح الكرام، فعادة الإنسان الكريم الفرح إذا نزل به الضيف، وكانت عادة كرام العرب كما روي عن حاتم الطائي أنه كان يقول لعبده المملوك له: أوقد النار فإذا جلبت ضيفاً فأنت حر؛ وذلك لفرحه بإكرام الضيفان، وهذه عادة أهل الكرم, والله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.

    من رحمته أنه يفرح إذا تاب العبد، ليس فرحاً لحاجته إلى هذا العبد؛ فإنه لا تنفعه طاعة الطائعين, كما لا تضره معصية العاصين، ولذلك يقول في الحديث: ( إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني )، وكما قال الله سبحانه في الحديث القدسي: ( لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه )، مع غناه سبحانه وتعالى، مع عليائه وكبريائه يفرح إذا تاب إليه العبد, ( وهو أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته في أرض فلاة وعليها طعامه وشرابه، فأضلها وعليها الطعام والشراب، فبينما هو كذلك ينتظر الموت إذا هو براحلته على رأسه, فقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك ).

    هذه الفرحة العظيمة رحمة الله عز وجل, ومن رحمة الله عز وجل أنه يفرح بتوبة العبد فرحاً أشد من فرح رجوع هذه الراحلة إلى صاحبها، هذا عنوان واسع على رحمة الله، المحروم من حرم نفسه الخير بعد أن دعي إليه.

    من رحمة الله جل وعلا أن هيأ لك الأسباب، وأمدك سبحانه وتعالى بالقوى التي تطاوعك وتقيلك إلى الوصول إليه سبحانه وتعالى, فاحمل نفسك بجد العزم على أن تتوب وتصلح ما بينك وبين الله، فإنه لا أحد ينتفع بهذا كما تنتفع به أنت، والموفق من استمع القول فاتبع أحسنه.

    أقول ما تسمعون, وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه, إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    فقه التوبة ومعانيها

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    في التوبة أحكام لا بد أن يعلمها الإنسان حتى يؤدي هذه العبادة على وجه مقبول، فالتوبة عبادة كغيرها من العبادات لها شروط وأركان، إذا استكملت أركانها قبلت، وإذا انتقص منها شيء ردت على صاحبها.

    في التوبة معان لا بد أن يكون الإنسان المؤمن منها على بصيرة:

    أركان التوبة

    أول هذه المعاني: أن التوبة لها أركان، كما أن الصلاة لها أركان، فالصلاة لا بد فيها من استقبال القبلة، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود وقراءة التشهد والسلام لتصح، كذلك التوبة لها أركان لا بد منها لتصح، ولا تقبل إلا باستيفاء هذه الأركان، وهذه الأركان ثلاثة إذا كان الذنب من حقوق الله تعالى، وأربعة إذا كان الذنب من حقوق العباد.

    أما إذا كان الذنب من حقوق الله فلا بد من أمور ثلاثة:

    أولها: الندم على ما فات، فإن التوبة معناها الأكبر أن يندم الإنسان على عصيانه لله، ومن لم يندم فليس بتائب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ( الندم توبة )، الذي يتحدث بذنوبه ويضحك منها فرحاً بأنه فعل كذا وكذا، حتى لو ترك هذه الذنوب فإنه ليس بتائب، فعنوان التوبة الندم، والندم عمل القلب، نار تشتعل في القلب وتحرقه بسبب فعله لتلك الذنوب والسيئات، والتائبون هنا يتفاوتون تفاوتاً بعيداً، بعضهم تشتعل نار الندم في قلبه فلا تدعه ينام الليل.

    وأنتم جميعاً تعلمون قصة المرأة الغامدية التي زنت ولم يعلم بزناها أحد, فجاءت إلى رسول الله فقالت: ( يا رسول الله! طهرني )، مع أنها في بحبوحة من أمرها، كان لها أن تستر نفسها، وليس عليها إثم، إذا تابت وندمت وسترت على نفسها، ولكنها ضعفت أمام هذه النار المشتعلة في قلبها, نار الندم، فذهبت إلى رسول الله تريد أن يقيم عليها الحد، فقال لها: ( اذهبي حتى تضعي حملك. وذهبت ووضعت الحمل وجاءت بالرضيع، فأمرها أن تذهب حتى تفطمه، فجاءت بالرضيع بعد أن فطم وفي يده كسرة خبز -لتخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أصبح في غنى عنها، بعد هذا كله أمر عليه الصلاة والسلام بإقامة الحد عليها- فرجمت حتى ماتت )، لكنه قال عليه الصلاة والسلام وهو يصلي عليها: ( لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لكفتهم ) تابت توبة لو وزعت على المذنبين والعصاة في المدينة كلهم لوسعتهم، وما ذاك إلا لشدة ندامتها.

    ومثلها ماعز زنى فجاء مقراً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام يقرره ويلقنه الحجة، يقول له: ( لعلك قبلت، لعلك لعلك، وهو يقول: لا يا رسول الله )، يعني: أنا مصر على أنني فعلت كذا فطهرني، فأمره بأن يذهب مرة حتى راسل قومه عليه الصلاة والسلام، هل تعلمون بعقله بأساً؟ ليتأكد من أنه بكامل قواه العقلية، جاء الرجل وأقيم عليه الحد، لكنه تاب توبة لو وزعت على أهل المدينة لكفتهم.

    التوبة مفتاحها الأعظم الندم، لا يطالب الإنسان بأن يكشف نفسه, وأن يفضح نفسه، فإنه مأمور بأمر الله بأن يستر على نفسه، ( فمن أصاب شيئاً من هذه القاذورات فستره الله فليستتر بستر الله عليه ), كما قال عليه الصلاة والسلام، لكنه مطالب بالندم، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ( الندم توبة ).

    الركن الثاني من أركان التوبة: الإقلاع في الحال، فإن الندم إذا وجد في القلب لا يمكن أن يجتمع معه فعل المعصية في الحال، فلا بد أن يعزف الإنسان عن الذنب وأن يفارقه ويهجره.

    والركن الثالث ركن متعلق بالمستقبل: أن يعزم بقلبه أنه لن يرجع إلى هذا الذنب ما بقي له شيء في هذه الحياة، فإذا استكملت هذه الأركان صحت التوبة وقبلت، وإذا صحت التوبة وقبلت فبشارة الله عز وجل لكل التائبين أنه سبحانه وتعالى لا يرد تائباً، وأنه سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعاً: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] .

    اقرأ القرآن بتدبر تجد أن الله عز وجل دعا المجرمين جميعاً على اختلاف أصنافهم إلى التوبة، دعا اليهود، ودعا النصارى، ودعا عباد الأوثان والأصنام، دعا قطاع الطريق، ودعا شراب الخمر، ودعا السراق، ودعا الزناة.. دعا كل أصناف المجرمين في القرآن إلى التوبة، لم يستثن منهم صنفاً، ثم أعلن هذا الإعلان العام: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] .

    فليس هناك ذنب يعلو على التوبة مهما عظمت الذنوب، ومهما كثرت وتعاظمت فإن التوبة بإذن الله تمحوها، ولكن اللبيب العاقل من أخذ نفسه بجد وحزم قبل أن يقول: رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100]، فيقال له: كَلَّا [المؤمنون:100] .

    إذا كان الذنب فيه حق للعبد فهناك أمر رابع لا بد منه، وهو التخلص من الحقوق، رد المظالم إلى أهلها، والمظالم أنواع وألوان: مظالم مالية، ومظالم بدنية، مظالم في السمعة، مظالم في المال، مظالم في العرض، وهذه المظالم لا بد من التحلل منها، فإذا كان مالاً سرق أو انتهب أو اغتصب أو اعتدي عليه فإن عليه أن يعيد هذا المال إلى أصحابه بأي طريقة تمكن بها من الإرجاع، ليس عليه أن يفضح نفسه، ليس عليه أن يخبر المظلوم بأن هذا المال سرقته منك، أو أخذته منك خلسة، المهم أن يرجع المظلمة إلى أصحابها، وعليه أن يستر نفسه.

    وإن كان في العرض طلب منه أن يستسمحه إذا كان في الاستسماح مندوحة، يعني: لم يترتب عليها مفسدة، فإذا ذمه أو اغتابه أو أصابه في عرضه؛ فعليه أن يطلب منه السماح، إذا كان يعلم بأن إخباره له لا يترتب عليه مفسدة، فإذا علم أنه سيغضب منه أو ستفسد العلاقة بينه وبينه, أو ستثور العداوات والبغضاء، فعليه أن يدعو له سراً، وأن يذكره بمحاسنه في المواطن التي ذكره فيها بما يسوءه، فإن هذا شيء من رد المظالم إلى أصحابها.

    وقد وعد الله سبحانه وتعالى بأن من أخذ حقوق الناس يريد أداءها ثم لا يقدر على أدائها أدى الله عز وجل عنه.

    هذه الأمور الأربعة لا بد فيها لتصح التوبة، فإذا فعلها الإنسان فليبشر بتوبة الله تعالى عليه، وإذا تاب الله عليه تغيرت الأحوال، وسعد في الدنيا وسعد في الآخرة.

    اشتراط التوبة من جميع الذنوب

    هناك أمر مهم يكثر السؤال عنه دائماً عند الحديث عن التوبة، وهو أن بعض الناس يذنب أنواعاً من الذنوب فتراه يقع في الربا، ويرتكب الزنا، ويقع في الغيبة والنميمة، ويعاقر ألواناً من السيئات والمعاصي، ويخوفه الشيطان من التوبة، ويقول له: بأنك لا تستطيع أن تتوب من هذا كله، ونحن نقول: يجب عليك أن تتوب من هذا كله، فإن الله أمر بالتوبة النصوح، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8].

    لكن إذا لم تقدر على هذا فعليك أن تتوب من كل ذنب تقدر على التوبة منه، عليك أن تأخذ نفسك بالجد والحزم لتتخلص من ذنوبك ولو شيئاً فشيئاً، وما من ذنب تتوب منه إلا قبل الله عز وجل توبتك منه، فيقبل الله توبة المرابي إذا تاب ولو أنه باق على بعض الذنوب، ويقبل توبة شارب الخمر إذا تاب ولو أنه باق على ذنوب أخرى، ويقبل توبة الزاني إذا تاب ولو أنه لا يزال مصراً على ذنوب أخرى، يقبل توبته من ذنبه ذاك إذا توفرت فيه شروط التوبة الأربعة التي ذكرناها. فعلى الإنسان أن يأخذ نفسه بالجد ليتخلص من ذنوبه، إما كلها وإما ما يسره الله تعالى عليها.

    مكيدة شيطانية للحيلولة بين العبد والتوبة

    وهناك محذور آخر ومكيدة أخرى من مكائد الشيطان يحول بين الإنسان والتوبة، يقول له: أنت كذاب تريد أن تتوب اليوم، وأنت تعلم أنك ستقع في الذنب بعد غد، تريد أن تتوب اليوم وأنت تعلم أنك ستعود إليه، هذه مكيدة من مكائده، ومصيدة من مصايده عليك أن تتنبه لها.

    عليك أن تتوب الآن فإنك لا تدري هل تعيش إلى الغد أو لا تعيش؟ عليك أن تندم الآن وتعزم يقيناً أنك لن ترجع إلى هذا الذنب, فإذا صدقت أعانك الله، وإذا قدر الله عز وجل عليك أن وقعت في الذنب مرة أخرى فاعلم أن عليك أن تتوب مرة أخرى، وهكذا حتى يأتيك الأجل وأنت على التوبة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: ( أذنب عبد ذنباً فقال: يا رب! أذنبت ذنباً فاغفره لي، قال الله: علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعاقب بالذنب غفرت لعبدي، قال: ثم أذنب ذنباً- وقع فيه مرة أخرى- فقال: يا رب! أذنبت ذنباً، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب، يغفر الذنب ويعاقب بالذنب، غفرت لعبدي، وفعلها ثالثة، فقال له سبحانه وتعالى في آخر الحديث: اعمل ما شئت فقد غفرت لك )، يعني: ما دمت تتوب توبة صحيحة كاملة.

    إذا ضعفت بعدها، إذا أزلك الشيطان بعدها وأغراك بالمعصية ووقعت في المعصية ثانية وتبت ثانية، فإن الله يغفر لك ثانية وثالثة، فإنه لا يتعاظمه ذنب, ولا تكبر عليه سبحانه وتعالى سيئة، وسمى نفسه التواب الرحيم: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:3]، (إليه المصير)، وستعرض عليه الأعمال, فهنيئاً لمن سابق وبادر وتاب قبل أن يوافيه الأجل.

    يا نفس توبي قبل ألا تستطيعي أن تتوبي

    واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب

    إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب

    لا ندري متى تهب علينا هذه الريح؟ لا ندري متى تهب علينا ريح المنية ويأتينا الأجل؟

    فإذا كنا لا نعلم فعلينا أن نسابق ونبادر إلى التوبة، والله يتوب على من تاب.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    يا حي يا قيوم! برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا خير الراحمين! اغفر لنا ذنوبنا كلها, دقها وجلها، وأولها وآخرها، وسرها وعلانيتها.

    اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أسرفنا وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت.

    رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات, إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، واخذل الكفرة والمشركين، أعداءك أعداء الدين.

    اللهم يا حي يا قيوم أيد المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين!

    اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم، وامكر لهم ولا تمكر عليهم، وكن لهم ولا تكن عليهم.

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

    وصل وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770