إسلام ويب

كتاب الصلاة [4]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد فرض الله عز وجل الصلاة، وجعل لها شروطاً لا تصح إلا بها، ومن تلك الشروط دخول وقت الصلاة، وقد بينت السنة النبوية حدود وقت كل صلاة بداية وانتهاء، وأن الأفضل في كل صلاة أداؤها في أول وقتها إلا العشاء فتأخيرها أفضل عند عدم المشقة.

    1.   

    شرط الطهارة لصحة الصلاة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب شروط الصلاة: وهي ما يجب لها قبلها، وهي ست: أولها دخول الوقت. والثاني: الطهارة من الحدث ].

    الشروط عند الفقهاء لا تصح الصلاة إلا بها، فلا تصح الصلاة إلا بشرطها، وهي ما تكون قبلها، فيكون الشرط في الأصل خارجاً عن الماهية، وسابقاً لوقوع الماهية، بخلاف الركن فإنه مبنى وجود الماهية، وهذا يفرق بين ما تسميه ركناً، كالقيام والركوع والقعود في الصلاة فهذه أركان؛ لأنها مبنى الماهية في الصلاة، وأما الشرط: فهو ما يكون سابقاً من جهة وجوده، فمثلاً: الوقت يسبق في وجوده ابتداءك الصلاة، وكذلك الطهارة تسبق ابتداءك الصلاة، الاتجاه للقبلة تبتدئ الصلاة، ولهذا عبر بقوله: (وهي ما يجب لها قبلها) وتستدام فيها. لكنها تميز عن الركن من هذا الوجه.

    قوله: (وهي ست) أي: شروط الصلاة عندهم ست.

    قوله: (أولها: دخول الوقت، والثاني: الطهارة من الحدث).

    أما الطهارة فقد سبقت، وقد جرت عادة أكثر الفقهاء: أنهم يبتدئون كلامهم في فروع الفقه بكتاب الطهارة.

    وهي شرط لصحة الصلاة بالإجماع، لقول الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ[المائدة:6]، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ).

    والطهارة من أفضل الأعمال عند الله سبحانه وتعالى، فهي عبادة، ولهذا وجب عند الجمهور أن تكون الطهارة بنية، فلو فعلت بدون نية لم تصح، ولهذا جاء في حديث أبي مالك في الصحيح: ( الطهور شطر الإيمان ).

    1.   

    شرط دخول الوقت لصحة الصلاة

    وأما الوقت فلا بد من المواقيت التي جعلها الله سبحانه وتعالى مواقيت للصلاة، والمواقيت ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع من جهة جملتها، وإن كان في بعض تفاصيلها بعض الخلاف، وإلا فجملتها جاءت في مثل قول الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، فهذا بيان في أن الصلاة لها مواقيت.

    وجاء في السنة تفصيل ذلك متواتراً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأخص ما في المواقيت حديثان من جهة التفصيل وهما: حديث جبريل الذي رواه جابر بن عبد الله ، وهو مخرج في مسند الإمام أحمد والسنن في صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم عند البيت، فقد صلى به يوماً في ابتداء الوقت، وصلى به اليوم الثاني في آخر الوقت، إلا ما كان من صلاة المغرب فإنه صلى به في وقت واحد. ويعرف هذا بحديث جبريل، وجاء معه أيضاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه مسلم وغيره، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر )، أي: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الرجل كطوله، ( ووقت العصر ما لم تصفر الشمس )، أي: من خروج وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس، وهذا وقت الاختيار كما سيأتي.

    ( ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق )، أي: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق، ولهذا صار مذهب الجمهور أن المغرب فيها قدر من الوقت، وليس الوقت فيها واحداً كما ذهب إليه طائفة، لكنه وقت ضيق، أي: هو أضيق الأوقات، لكنه من غروب الشمس ما لم يغب الشفق، وقد اختلفوا في الشفق كما سيأتي.

    ( ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل )، وفي رواية من حديث عبد الله بن عمر : ( إلى نصف الليل الأوسط )، وجاء في حديث جبريل: (إلى ثلث الليل)، فهنا إذا قلنا: إلى ثلث الليل، أو إلى نصف الليل، فهذا محل خلاف بين الفقهاء، ومنهم من قال: إلى نصف الليل، ومنهم من رد ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو (إلى نصف الليل الأوسط) إلى أن المقصود بنصف الليل الأوسط هو الثلث الأول من الليل، وليس إلى النصف بمعنى النصف الذي يذكرونه في مثل انصراف الضعفاء والنساء من مزدلفة.

    وهذا الخلاف يسير وليس هو بذلك الخلاف المغلق؛ لأنه عند عامة أهل العلم أن وقت العشاء يمتد إلى الفجر، لكنه ليس وقت الاختيار، بل وقت الاضطرار، وعليه فهذا فيه بعض التجوز.

    لكن العشاء يشرع تأخيرها، فهل تؤخر إلى نصف الليل؟

    قيل: لا تؤخر إلى نصف الليل، وإنما تؤخر إلى ما يكون اليقين عليه من السنة، أما ما فوق ذلك فلا تؤخر إليه.

    فإذاً: هذا الخلاف ما بين ثلث الليل ونصفه إنما هو في وقت الاختيار إلى أي وقت ينتهي، أما إذا قيل فيما يشرع من التأخير قصر عن نصف الليل إلى ثلثه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه أخر الصلاة إلى نصف الليل، وإنما الذي حصل أنه إلى ما دون ثلث الليل من جهة تمامه، إنما هو تأخير دون تأخير، لكنه ليس هو المعتاد، فيكون إلى ثلث الليل وما دونه، هذا من حيث المشروع، وأما من حيث وقت الاختيار فهذا هو محل سعة؛ لأن النصوص فيه ليست صريحة بوجه واحد.

    فهذا جملة ما يتعلق بأمر المواقيت، وأن أكثر كلام الفقهاء فيها هو ما بين حديثي عبد الله بن عمرو، وحديث جبريل.

    1.   

    ذكر مواقيت الصلوات المفروضة

    قال المصنف رحمه الله: [ والصلوات المفروضات خمس ].

    كلام المصنف يدل على أن غير هذه الصلوات الخمس ليست فرضاً، وهذا هو الراجح: أن الفرائض هي الصلوات الخمس، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت، وكما جاء في حديث الأعرابي، كما في الصحيحين أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ( هل عليّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع ).

    ولكن قول الفقهاء: (والصلوات المفروضات خمس)، لا يستدرك عليه الجمعة؛ لأنهم لا يقصدون أن الجمعة لا تدخل في ذلك، وإلا فإن الجمعة فرض بشرطها، وهذا متفق عليه، لكن الجمعة لها من الشرط ما ليس لهذه الصلوات الخمس، فإن الصلوات الخمس واجبة على الأعيان، بخلاف الجمعة، فإن لها شروطاً هي واجبة بشروطها، فيشترطون لها أن يكون الناس قد استوطنوا، وأن يكونوا أهل قرية، وأن يجتمع العدد، على اختلاف المذاهب في بعض هذه الشروط، لكن الجمعة إذا تم شرطها فهي من الفروض المتعلقة بالأعيان أيضاً، وأما ما عدا ذلك فهو من السنن المؤكدات تارة، أو دون المؤكدات تارة، كما في الوتر، وكما في صلاة العيد فإنها من مؤكد السنن، وقال بعضهم: إنها فرض كفاية، وهو قول مشهور لطائفة من أهل العلم، لكنها ليست فرضاً عينياً، وهي إلى فرض الكفاية والسنة المؤكدة أقرب، وإن كان بعضهم جعلها فرضاً عينياً، لكن الجماهير على خلاف ذلك.

    وقت صلاة الظهر

    قال المصنف رحمه الله: [ الظهر وهي الأولى، ووقتها من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، بعد الذي زالت عليه الشمس ].

    الظهر تسمى الأولى، كما جاء في حديث أبي برزة : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر إذا زاغت الشمس التي تدعونها الأولى )، فالظهر تسمى الأولى وإن كانت الفجر قد سبقتها، لكن هذا مما مضى في اللغة.

    قوله: (ووقتها من زوال الشمس) زوال الشمس هو تحول الشمس عن وسط السماء إلى جهة المغرب، فإنها تشرق من المشرق ثم تتوسط السماء، فإذا توسطت السماء ثم بدأت تتحول، فما بعد هذا التحول هو زوال الشمس.

    قوله: (إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الذي زالت عليه الشمس) أي: بعد فيء الزوال، فابتداؤها من أول الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، فيحتسب هذا القدر اليسير، وهو قدر محدود جداً ليس بالغ التأثير، ووقت الظهر بين هذين، أي: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء مثله، وقد اتفق حديث جبريل مع حديث عبد الله بن عمرو في وقت الظهر.

    الوقت الأفضل لأداء صلاة الظهر

    قال المصنف رحمه الله: [ والأفضل تعجيلها، إلا في شدة الحر والغيم لمن يصلي جماعة ].

    قوله: (والأفضل تعجيلها) أي: الظهر، وهو الأصل في الصلوات الخمس، أن الأفضل فيهن التعجيل، إلا ما جاء الدليل على خلاف ذلك، وهذا مطرد في الشريعة: أن الأصل في العبادات والخير وغيرها من القرب هو المبادرة، إلا ما دل الدليل على مشروعية التأخير فيه، ولكن الفقهاء إذا قالوا: (والأفضل تعجيلها) فإنهم لا يريدون بالتعجيل الذي يعطل الصفة التي جاءت الشريعة عليها، بمعنى: لا يشرع التعجيل الذي إذا زالت الشمس أذن فأقام، فمثل هذا التعجيل ليس مشروعاً بالإجماع؛ لأن بين يديها سنناً، فالمشروع هنا في التعجيل ما كان على وصف الشريعة، وليس المقصود أنه لا يجعل بين يديها سنة من باب الحرص على تعجيلها، فهذا التعجيل لا يكون هو المشروع.

    قوله: (إلا في شدة الحر) لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة )، ووقت الظهر ينتهي إلى أن يصير ظل كل شيء مثله على رأي الجمهور، وهو الراجح، وهذا هو المعتبر؛ لأن الأحاديث صريحة بذلك.

    قوله: (والغيم لمن يصلي جماعة)، الغيم قيده المصنف لمن يصلي جماعة، انفكاكاً عمن يصلي منفرداً فلا يشرع له التأخير، وهذا محل خلاف في المذهب، فبعض أصحاب الإمام أحمد يجعلون تأخيرها مشروعاً مطلقاً في شدة الحر. والقول الثاني وهو المشهور: أن ذلك خاص بمن يصلي جماعة، وهو الأقرب.

    وقت صلاة العصر

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم العصر وهي الوسطى. ووقتها من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس، وعنه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه. ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس، وتعجيلها أفضل بكل حال ].

    قوله: (ثم العصر وهي الوسطى) قال الله جل وعلا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، وقد اختلفوا في المقصود بالصلاة الوسطى، والجمهور على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وهذا هو الراجح، لما جاء في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في غزوة الأحزاب: ( شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً )، فصلاة العصر هي الصلاة الوسطى في كتاب الله، وهذا من تخصيصها بهذا الفضل الذي اختص بذكره في القرآن، ولها فضل من هذا الوجه، وإن كان لغيرها فضل من وجوه أخرى، فالفجر لها فضل؛ لأنها ذكرت في القرآن في قول الله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ[الإسراء:78]، وكذلك العشاء لها فضل، وهكذا يكون التفضيل من وجه دون وجه.

    قوله: (ووقتها من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس) وعليه لا يعد الوقت بين الظهر والعصر وقتاً للصلاة، فبخروج وقت الظهر يبدأ وقت العصر، وهذا الذي دلت عليه النصوص في حديث جبريل، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وهو الذي عليه جماهير الفقهاء، وهو المعتبر أنه بخروج وقت الظهر يدخل وقت العصر، وعليه فلا يكون ثمة فارق، والدليل على ذلك أنه في حديث جبريل قال: ( فصلى العصر لوقت الظهر بالأمس )، بمعنى: أنه اعتبرهما بمثابة الوقت الواحد، وهو ليس كذلك في الحقيقة، لكن هذا بيان على أن الوقت يتصل بهذا الوقت، بمعنى: أنه لا يوجد قدر من الوقت يمكن أن تقع الصلاة فيه لا يسمى وقتاً للظهر ولا للعصر، كما هو مذهب الجماهير، وهو الذي دلت عليه النصوص.

    وقوله: (إلى اصفرار الشمس) نص على الاصفرار عملاً بحديث عبد الله بن عمرو، وفيه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ).

    قوله: (وعنه إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه) لحديث جبريل، فاختلفت الرواية عن الإمام أحمد على هذه تارة، وعلى هذه تارة؛ لاختلاف الرواية في السنة، فحديث جبريل على الثاني، وحديث عبد الله بن عمرو على الأول الذي هو الاصفرار، وليس بينهما ذلك الفرق البين، ولذلك فهذا الأمر فيه سعة؛ لأنه لا يزال وقت الاختيار، وإلا فوقت الاضطرار إلى غروب الشمس بلا إشكال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر )، والحديث في الصحيح، فهذا صريح في أن العصر وقتها يمتد إلى غروب الشمس، لكن ما جاء في حديث جبريل وحديث عبد الله بن عمرو هو وقت الاختيار، فلا يجوز التأخير بعده إلا لضرورة.

    قوله: (وتعجيلها أفضل بكل حال) وهذا قد حكي الاتفاق عليه.

    1.   

    وقت صلاة المغرب

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم المغرب، وهي الوتر، ووقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر ].

    قوله: (ثم المغرب وهي الوتر) أي: وتر الصلاة، فإنك إذا نظرت إلى الصلوات الخمس وجدت صلاة المغرب هي وحدها الوتر منهن.

    قوله: (ووقتها من مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر) الجمهور على أن المغرب في وقتها القدر من السعة، وليس وقتاً واحداً، وقالت طائفة من أهل العلم من أهل المدينة وغيرهم: بأن وقتها واحد، وهذا خلاف مذهب الجمهور؛ لأنه جاء في حديث عبد الله بن عمرو : ( ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ).

    ومبنى قول طائفة من أهل العلم بأن وقتها واحد، قالوا: لأنه ورد في حديث جبريل: ( أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم المغرب في وقتها بالأمس )، فما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في وقت المغرب تعدداً في الوقت كما في بقية الصلوات، فصار هذا مبنى لطائفة من أهل العلم الذين قالوا: إن وقتها واحد، ولكن ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو هو صريح في أن وقتها يمتد، وإن كان امتداده ضيقاً، لكنه يمتد إلى مغيب الشفق، مع أن الوقت من غروب الشمس إلى مغيب الشفق ليس وقتاً واحداً، بمعنى: ليس وقتاً لا يكفي إلا لإيقاعها مرة واحدة، وهذا ظاهر.

    ولهذا فإن الراجح وهو الذي عليه الجمهور: أن وقتها وإن كان ضيقاً لكنه ليس واحداً كما قالت طائفة، وأما حديث جبريل فهذا من باب المبادرة، بمعنى: لم يكن ثمة فارق بين، واللغة فيها تجوز، أو أنه تنبيه في التشريع على مشروعية تعجيلها، لكنه لا يدل على نفي ما زاد على ذلك، وقد جاءت الأدلة الأخرى بصريح إثباته.

    ولكن الجمهور لما قالوا: إن وقتها ما لم يغب الشفق قد اختلفوا في المراد بالشفق: أهو الحمرة أو البياض؟ والذي عليه أكثرهم، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أن الشفق هو الحمرة، وهذا هو الراجح في اللغة، وعليه يكون وقت المغرب من غروب الشمس ما لم يغب الشفق الأحمر، فقول المصنف: (ووقتها من مغيب الشمس) هذا بالإجماع أن وقت المغرب لا يبتدئ قبل ذلك، وقوله: (إلى مغيب الشفق) خلافاً لمن قال: إن وقتها واحد، وقوله: (الأحمر) خلافاً لمن قال: إن الشفق هو البياض كما هو اختيار ابن المنذر وهو قول الإمام أبي حنيفة، لكن الجمهور على خلاف ذلك وهو الراجح.

    أفضل وقت لأداء صلاة المغرب

    قال المصنف رحمه الله: [وتعجيلها أفضل، إلا ليلة جمع لمن قصدها ].

    قوله: (وتعجيلها أفضل) أي: تعجيل المغرب، لكن التعجيل المشروع هو: ما وافق تعجيل الشريعة، وينتظر بين يديها لقدر صلاة، لكن الانتظار بين يدي المغرب ليس بقدر الانتظار بين يدي صلاة الظهر، وإلا فكل صلاة من الصلوات الخمس إذا قالوا: يشرع تعجيلها فإنهم لا يريدون بهذه المشروعية أنها تقع فور الانتهاء من الأذان؛ لأن بين يدي كل واحدة من هذه الخمس صلاة، فضلاً عما يكون من لازم الطهارة بعد الأذان، فإن الناس يتطهرون لصلاتهم في الغالب بعد دخول الوقت، ومن تطهر قبل دخول الوقت يشرع له تجديد الطهارة، فلا بد من هذا الاعتبار، لكن الصلاة التي بين يديها هي في المغرب أضيق، وإن كانت الصلاة التي بين يدي المغرب ليست راتبة لكنها مشروعة، ولهذا جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء)، ولكن أعجل ما يكون من الصلوات الخمس هي المغرب، حتى قال الإمام أحمد في بعض أجوبته: إنه بقدر ما يصلي ركعتين بعد انتهاء المؤذن من أذانه، فإذا انتهى المؤذن من أذانه صلى ركعتين، ثم أقيمت الصلاة.

    قوله: (إلا ليلة جمع لمن قصدها) أي: ليلة المزدلفة لمن كان حاجاً، فإنه في مسيره من عرفة بعد غروب الشمس إلى المزدلفة لا يقع منه أنه يعجل المغرب، فهذا التأخير هو الموافق للسنة، ما لم يصل إلى خروج وقت الاختيار، فإذا صار الناس في عرفة مثلاً وخشوا خروج وقت الاختيار في صلاة العشاء فلا يشرع تأخيرها إلى مزدلفة، بل يصلون حيث كانوا، سواء كانوا في عرفة، أو كانوا في طريق يعبرون فيه من عرفة إلى مزدلفة ويمكنهم الصلاة فيه، فلا يؤخرون الصلاة إلى وقت الاضطرار، ولكن لو أخرها من أخرها إلى وقت الاضطرار، وصلاها بالمزدلفة فهذا من جملة العذر، لكن إذا تكلمنا فيما يشرع وما هو الأفضل، فمن حبس في عرفة، وتعطل مسيره من عرفة، ووصل إلى ثلث الليل، أو إلى نصفه فإنه يصلي بعرفة، ولكن لو أنه لم يفعل ذلك وما صلاها إلا بالمزدلفة فهذا قد خالف، ولكن صلاته تصح؛ لأنه كان في جملة العذر؛ لأن بعض الناس يرى أن السنة ألا يصلي إلا في المزدلفة، حتى لو ما وصل إلا الساعة الواحدة ليلاً مثلاً بعد نصف الليل، وهذا لا يظهر، ووقت الاختيار يعتبر ما بعده وقت اضطرار لأهل الأعذار، وإن كان المتعمد من غير ذوي الأعذار لو أخر الصلاة إلى وقت الاضطرار صحت صلاته؛ لأنه لا يزال في الوقت، لكنه قد خالف بتركه وقت الاختيار إلى وقت الاضطرار.

    وقت صلاة العشاء

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم العشاء، ووقتها من مغيب الشفق الأحمر إلى ثلث الليل الأول، وعنه نصفه ].

    قوله: (إلى ثلث الليل الأول، وعنه نصفه) أي: إلى نصفه، والعشاء هي آخر الصلوات، ولها من الفضل في أنها أثقل الصلاة على المنافقين، فهي عنوان الإيمان.

    وهذا التردد في كلام المصنف، في ذكره للروايتين عن الإمام أحمد هو متفرع عن حديث جابر وحديث عبد الله بن عمرو، فعلى حديث عبد الله بن عمرو إلى نصفه، وعلى حديث جابر إلى ثلثه الأول.

    ثم قال: [ ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني، وهو: البياض المعترض في المشرق ولا ظلمة بعده. وتأخيرها أفضل ما لم يشق ].

    قوله: (ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني) احترازاً عن الفجر الكاذب، وهو المعتبر في الفجر، فإذا ذكر الفجر في الشريعة فهو: الفجر الصادق، ولهذا وصفه بقوله: (وهو البياض المعترض في المشرق)، كما جاء في حديث جابر بن سمرة في الصحيح: ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا )، أي: يعترض، قال: وحكاه حماد بيديه معترضاً.

    قوله: (ولا ظلمة بعدها) أي: بعد الفجر الثاني.

    قوله: (وتأخيرها) أي: العشاء (أفضل ما لم يشق)، فتأخير صلاة العشاء أفضل ما لم يكن فيه مشقة، لكن إنما تؤخر فيما دون ثلث الليل الأول، ولا يزاد عن ذلك؛ لأن بعض الناس من العامة قد يتوهم أنها تؤخر فيؤخرونها إلى ما بعد نصف الليل أحياناً، ويقولون: العشاء تأخيرها أفضل، فهذا خطأ، إنما تؤخر لما دون ثلث الليل.

    وقت صلاة الفجر

    قال المصنف رحمه الله: [ ثم الفجر، ووقتها من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، وتعجيلها أفضل وعنه: إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار ].

    وقت الفجر من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو : ( ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس ).

    قوله: (وتعجيلها أفضل) هذا الذي عليه الجماهير خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجلها، وفي حديث عائشة في الصحيح: ( كان النساء المسلمات يشهدن صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرفن متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس )، فقول عائشة : ( ما يعرفهن أحد من الغلس ) دليل على التعجيل بصلاة الفجر، وهذا الذي مضت به سنة الخلفاء الراشدين، اقتداءً بنبيهم عليه الصلاة والسلام، وهو الذي مضى عليه الصحابة أيضاً، وأما حديث رافع : ( أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر ) فهو حديث قد اختلف في ثبوته، فقد رواه الترمذي وغيره من أهل السنن، وتفسيره إنما هو في تحقق دخول الوقت.

    قوله: (وعنه: إن أسفر المأمومون فالأفضل الإسفار) هذا رأي لطائفة من أهل العلم، والراجح هو الأول؛ لأن الفجر يشرع تعجيلها، لكن التعجيل الذي يشرع هو ما كان على صفة الشريعة، سواءً على صفة الشريعة مما كان الشارع يفعله، أو على صفة الشريعة مما كان الشارع يقصد إليه، فما كان الشارع يفعله مثلاً: أن الفجر بين يديها راتبة، وأن الناس يأتونها من بيوتهم، يعني: لا يأتي في العادة الناس إليها من جوار المساجد، إنما يأتونها من الأسواق، ومن بيوتهم وعقب نوم، فالشارع قصد أيضاً إلى حفظ مقام هذه الصلاة من جهة اجتماع الناس عليها، وعليه لا يعجل الإمام تعجيلاً يكون فيه مشقة على المأمومين، لكن لا يفرط في التأخير، وإذا أعطى وقتاً يكون مناسباً لكثرة الناس، ولعددهم؛ ولأجل أن يجتمعوا عليها فلا شك أن هذا يوافق الشريعة في مقصدها.

    وعلى كل حال الاعتبار بحال المأمومين هذا أمر مقدر في الشريعة، ولهذا جاء في الصحيح عن جابر: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطئوا أخر )، فالالتفات إلى حال المأمومين، والنظر في شأنهم سنة نبوية، فلا تكون الصلاة كأن الناس يلزمون بها كرهاً، فاعتبار حال المأمومين هذا أمر مقدر، وهو سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يكون اعتباراً مقتصداً، ولا يكون اعتباراً لبعضهم، ويكون فيه مشقة للبعض الآخر، لأن الاعتبار بحال المأموم من مقاصد الشريعة، وقد جاءت به سنة خاصة كما في الحديث السابق من حديث جابر بن عبد الله وغيره.

    1.   

    القدر الذي تدرك به الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن أدرك تكبيرة الإحرام من صلاة في وقتها فقد أدركها ].

    هذا هو المذهب عند الحنابلة، أن الصلاة تدرك بتكبيرة الإحرام، لما جاء في حديث أبي قتادة : ( فما أدركتم فصلوا، وما سبقكم فأتموا )، وفي رواية: ( وما فاتكم فاقضوا )، والشاهد قوله: ( فما أدركتم فصلوا )، فسماه إدراكاً، ولهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد : أن تكبيرة الإحرام تدرك بها الصلاة، وتدرك بها الجماعة، ومن أدرك تكبيرة الإحرام من صلاة في وقتها فقد أدركها، فيكون هذا إدراكاً في الوقت كما هو المقصود من كلام المصنف، وهو أيضاً في المذهب إدراك للجماعة.

    وكلام الفقهاء في الوقت أوسع منه في الجماعة، بمعنى: أن طائفة قالوا: تدرك الجماعة بركعة، والوقت يدرك بتحريمة، لكن المشهور من المذهب: أن الوقت والجماعة كلاهما يدركان بتكبيرة الإحرام.

    وقد جاء في الصحيحين ما يدل على اعتبار الركعة: ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، وجاء في الصحيح أيضاً: (من أدرك سجدة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك سجدة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)، وهل المقصود بالسجدة هنا السجدة التي تقع من آحاد فعل الصلاة، أو المقصود بالسجدة الركعة؟ هذا محتمل في اللغة؛ لأنه مشترك فيهما، ولهذا يسمى الركوع سجوداً: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [ص:24] أي: ساجداً، فهذا مما تحتمله اللغة.

    1.   

    الصلاة في أول الوقت بين الشك واليقين

    الصلاة عند الشك في دخول الوقت

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن شك في دخول الوقت لم يصل حتى يغلب على ظنه دخوله ].

    قوله: (ومن شك في دخول الوقت) فلا يصح له أن يصلي بالشك، لكن هل يكتفي بغلبة الظن أم لا بد من اليقين؟ الحالات ثلاث: الشك واليقين، وبينهما غلبة الظن.

    أما الشك فلا يعمل به، فإذا كان شاكاً هل الوقت دخل أو لم يدخل، فلا يصح له أن يدخل الصلاة بالشك، فإن ارتقى شكه إلى اليقين، بأن زال الشك وحصل اليقين فبالإجماع أنه يصلي، فإن كان بينهما، أي: بحالة فوق الشك لكنه دون اليقين، وهو ما يسمى بغلبة الظن، فهذا فيه خلاف بين الفقهاء وهما روايتان عن الإمام أحمد، والمشهور من المذهب أنهم يقولون: يصلي بغلبة الظن، ولكنهم يستدركون فيقولون: لو بان له إذا صلى بغلبة الظن خلاف ذلك وجبت الإعادة، فهذا التنبيه يدرأ به عن هذه الطريقة الخطأ، أي: أنهم لا يقصدون أنه إذا اعتبر غلبة الظن أقام عليه، بل يقولون: لو بان له خلاف ذلك فإنه يعيد؛ لأنه من حيث الوقت، مع أن كلامهم في الصلاة في الغالب ما يعتبرون بمسألة غلبة الظن، ولذلك: إذا شك هل صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ وعنده غلبة ظن أنها أربع، فالجمهور وهو مذهب الإمام أحمد : أنه يعتبرها ثلاثاً، ولا يبني على غلبة الظن، وهذا هو الراجح.

    إذاً: لماذا لا يعتبر بغلبة الظن في هذه؟ وهنا قالوا: يكفي غلبة الظن، وهذا من الأمثلة في المنهج الفقهي التي تبين لطالب العلم طريقة الاستدلال عند السلف الأول من متقدمي أئمة الفقهاء وفقهاء المحدثين؛ لأنه قد يعترض معترض على هذه الطريقة مثلاً في المذهب وهي ليست للإمام أحمد وحده، بل للجمهور، فيقول: لماذا قالوا: إذا شك أهي ثلاث أم أربع، وعنده غلبة ظن، فلماذا أسقطوا غلبة الظن هنا؟ مع أن حديث عبد الله بن مسعود في صحيح البخاري وغيره قال: ( إذا شك أصلى ثلاثاً أم أربعاً فليتحر الصواب )، فأمره بالتحري، وجاء في حديث أبي سعيد : ( إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، وليسجد سجدتين قبل السلام )، فقال: (فليطرح الشك) أي: يبني على اليقين، فيعتبرها ثلاثاً لا أربعاً، ( وإن كان صلى أربعاً، كانتا ترغيماً للشيطان )، وإلا كان إتماماً لصلاته، ولكن الإمام أحمد والجمهور ردوا حديث ابن مسعود إلى معنى حديث أبي سعيد ، وقالوا: التحري بمعنى البناء على اليقين، وأسقطوا رتبة غلبة الظن في هذا المحل، وإن كان عن الإمام أحمد رواية، وكما هي اختيار الموفق صاحب المقنع أنها للإمام، فيعمل بغلبة الظن، وعللوا ذلك بأن الإمام له من ينبهه، ولكن المعتمد في المذهب: أنه حتى الإمام لا يعمل بغلبة الظن، بل يعمل باليقين، وهذا الذي عليه الجمهور من الفقهاء، والسؤال هنا: لماذا مع ورود حديث يشعر بالعمل بغلبة الظن وهو حديث ابن مسعود، ردوه إلى حديث أبي سعيد وجعلوه في حكم الشك، ولكن هنا لماذا أعملوا غلبة الظن في مواقيت الصلاة مع أنه لم يرد حديث في ذلك؟

    الذي يظهر لي والله أعلم أنهم اعتبروا ذلك في الوقت؛ لأن الوقت هو إقبال هذه الآيات التي جعلها الله في الكون علامات، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم )، فهذا إقبال يكفي فيه غلبة الظن؛ لأنه بعد هذه الغلبة من الظن لا بد أن يقع اليقين، وكيف يقع اليقين؟ يقع بأنه قد فعل ذلك في الوقت أو قبل الوقت، ولذلك استدركوا فقالوا: إن بان خلاف ذلك وجب عليه الإعادة، فإن لم يبن دل على أنه إنما صلى في الوقت، فصار باعتبار العمل بغلبة الظن بين المسألتين، وهذا الفرق من جهة الاعتبار.

    وعلى كل حال فهذا الذي ذكره المصنف: أنه يكفي غلبة الظن هو المشهور من المذهب، والرواية الثانية عن الإمام أحمد وهي قول طائفة من الفقهاء، وقد اختارها أبو عبد الله ابن حامد من أصحاب الإمام أحمد : أنه لا بد من اليقين في دخول الوقت.

    الصلاة بشهادة الغير على دخول الوقت

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن أخبره بذلك مخبر عن يقين قبل قوله، وإن كان عن ظن لم يقبله ].

    المعنى: أنه لا يعمل برأي غيره بالظن، وإنما يكفي الظن إذا كان منه، ولكن لو أخبره ثقة في دينه وفهمه عن يقين جاز له أن يكون مقلداً له.

    ثم قال: [ ومتى اجتهد وصلى فبان أنه وافق الوقت أو ما بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزئه ].

    قوله: (وإن وافق قبله لم يجزئه) بل يجب عليه أن يعيد.

    مقدار الوقت الذي به تلزم الصلاة قضاء للمجنون والحائض

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة ثم جن، أو حاضت المرأة لزمهم القضاء ].

    قوله: (ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة) أي: تكبيرة الإحرام، (ثم جن) أي: حصل له جنون، (أو المرأة حاضت لزمهم القضاء) وهذا الذي عليه المذهب، والقول الثاني: أنه لا يلزمهم إلا إذا أدركوا من الوقت ما يمكن الأداء فيه.

    إذاً على المذهب: أنه إذا أدركت الحائض من الوقت قدر تكبيرة الإحرام لزمها القضاء.

    وعلى القول الثاني في مذهب الإمام أحمد وهو قول طائفة من الفقهاء: أنه إذا أدركت ما يمكنها الأداء فيه، أي: أداء الصلاة كاملة.

    وهناك قول ثالث: أنه لا يلزم القضاء إلا إذا تضايق الوقت عما يمكن الأداء فيه.

    والمسألة ليس فيها نص صريح من الشريعة، لكنها راجعة عندهم إلى التأصيل فيما يتعلق الوجوب به، هل الوجوب يتعلق بابتداء الوقت، أو يتعلق بما هو من فعل الصلاة بقدرها، أو يعتبر في الواجب الموسع في آخره؟ هذا تأصيل منقول في علم الأصول، ويتفرع عليه مثل هذه الفروع، وإلا ليس هناك معين من جهة النصوص، لكن ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك سجدة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)، و ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، مع أن إدراك ركعة -حتى لو قلنا: إن السجدة بمعنى الركعة على الحديث الآخر- ليس هو ما يمكن الصلاة فيه، بل ما دون ذلك.

    1.   

    مقدار الوقت الذي به تلزم الصلاة أداء لمن طرأ عليهم التكليف

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو طهرت حائض قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة لزمهم الصبح، وإن كان قبل غروب الشمس لزمهم الظهر والعصر، وإن كان قبل طلوع الفجر لزمهم المغرب والعشاء ].

    قوله: (إذا بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو طهرت حائض قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة لزمهم الصبح) أي: بقدر تكبيرة الإحرام، وهذا هو الراجح، ومثله في الظهر والعصر، لكن إذا كانت الصلاة تجمع إلى ما قبلها فإن الحائض إذا أدركت قدر تكبيرة الإحرام قبل غروب الشمس فإنها تصلي الظهر والعصر، وهذا الذي عليه عامة الفقهاء، وهو المعتبر، كما قال الإمام أحمد : عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن، وعليه جماهير الأئمة.

    إذاً: إذا أدركت الحائض فهذا ما سبق الخلاف فيه أنه مذهب الجماهير.

    1.   

    قضاء الفوائت من الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن فاتته صلوات لزمه قضاؤها على الفور مرتباً، قلت أو كثرت. فإن خشي فوات الحاضرة، أو نسي الترتيب سقط وجوبه ].

    قوله: (من فاتته صلوات لزمه قضاؤها) هذا محل إجماع من حيث الأصل، أن الصلاة الفائتة يجب قضاؤها، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )، إنما يوجد بعض الخلاف فيما إذا غلب فوات الصلاة هل يكفي له توبة؟ هذا قول لبعض الفقهاء، وإن كانت المسألة من المسائل الكبار التي ينبغي ألا يتعجل في مخالفة الجماهير فيها.

    قوله: (على الفور) أي: ليس على التراخي، وهذا الذي عليه الجمهور، أن القضاء يكون على الفور، (مرتباً) أي: فلا يسقط الترتيب، لكن الفور معتبر بقدره أيضاً، ومعتبر بتفسير الشريعة للفور في مثل هذه الحال، ففرق بين من فاتته صلاة أو صلاتان، وبين من فاته عدد كبير من الصلاة، ففورية هذا ليس كفورية هذا، ولهذا قال بعضهم: يجب الفور إلى خمس صلوات، وما زاد بعد ذلك فإنه يسوغ فيه التراخي، لكن الأظهر أن يقال: الفور واجب، لكن الفور يقدر بقدره.

    وقوله: (مرتباً) هذا الذي عليه الجمهور أن الترتيب واجب، لكنه يسقط بنسيانه، فلو نسي الترتيب صحت الصلاة، فهو ليس شرطاً، بل هو واجب يسقط بنسيانه، بخلاف الشرط فلا يسقط بنسيانه.

    قوله: (قلت أو كثرت) أي: يجب الفور والترتيب قلت الصلاة أو كثرت، وهذا هو الراجح، وهو مذهب الإمام أحمد ، لكن بعض الفقهاء فصل على خلاف ذلك.

    قوله: (فإن خشي فوات الحاضرة، أو نسي الترتيب سقط وجوبه) أي: إذا خشي فوات الحاضرة فإنه يقف عن فور الفائتة، وكذلك إن نسي الترتيب صحت الصلاة؛ لأنه ليس شرطاً.

    وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007986460

    عدد مرات الحفظ

    720897214