إسلام ويب

صراع مع الشيطانللشيخ : فهد أبا حسين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أقوى صراع عرفته البشرية هو الصراع القائم بين آدم وإبليس، وهذا الصراع هو ابتلاء للأمة جمعاء، وبالرغم من ضعف الشيطان وهوانه فقد نشر شباكه ووضع حباله، ليتصيد بها الناس، والناس في ذلك بين هالك وناجٍ، فمن هلك في الدنيا فله الهلاك في الآخرة، ومن نجا في الدنيا فله النجاة في الآخرة.

    1.   

    بداية الصراع مع الشيطان

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فاتقوا الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أمة الإسلام: إن أقوى صراع عرفته البشرية منذ مئات السنين، وتجرعت ويلاته عبر ترادف الأزمان وتعاقب الأيام, هو الصراع القائم بين آدم وإبليس، وبين ذرية آدم وذرية إبليس.

    أما بداية ذلك الصراع فهو ما أخبر الله عنه في كتابه العزيز حين قال: قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [الأعراف:24] لقد هبطوا جميعاً إلى الأرض آدم وزوجه، وإبليس وكبره؛ ليصارع بعضهم بعضاً، وليعادي بعضهم بعضاً، صراعاً ليس للشباب فقط، ولا للنساء فقط، ولا للشيوخ والولدان، بل لهم جميعاً؛ لتدور المعركة بين الحق والباطل، والخير والشر، وليعُمَّ الابتلاء في الأرض: وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    ولنعد للوراء قليلاً، لننظر قبل الهبوط أي شيء كان؟ وأي أمر حدث في السماء؟ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر:28-35] فسأل الله أن يُنْظِره: قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ [الحجر:36-37] فأقسم قسماً أمام ملك الملوك، أقسم بعزة الله جل وعلا: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:16-17] لآتينهم فلأشككنهم في آخرتهم، ولأرغبنهم في دنياهم، ولأقذفنَّ عليهم الشبهات، ولأزيننَّ لهم الشهوات، فقال الله جل وعلا: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً [الأعراف:18] مذموماً مطروداً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ [الأعراف:18].

    ووقفة أمام هذا الحدث وهذه القصة التي لا يسدل ستارها إلا بعد بيان حقيقة هذا المخلوق الضعيف: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76] وأن قوته لا تظهر إلا على الضعفاء من الناس، أما من قوي إيمانه وتوحيده، فإن الله ناصره: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ [الحجر:42].

    ثم بعد هذا الحدث توالت النذر الإلهية للتذكير لا للتخويف: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ [الأعراف:27] وبين الله لنا أن عدونا الحقيقي هو الشيطان: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً [فاطر:6].

    1.   

    مداخل الشيطان وجنوده

    ومن هنا دارت رحى المعركة ليتواجه كل واحد من البشرية جميعاً مع الشيطان، ولو حدقت هنالك النظر, ودققت هنالك البصر؛ لوجدت أن الشيطان مع ضعفه قد نشر شباكه، ووضع حبائله، والناس بين هالك وناج، فأقوام صرعى تحت أقدام الشيطان، وأقوام قد صرعوا الشيطان تحت أقدامهم، وأقوام بين أولئك وأولئك، فتارة يسقطون وتارة يستيقظون، ولا تسل بعد ذلك عن القتلى، ولا عن أحوال الأسرى، أجلب عليهم بخيله ورجله فقذف في القلوب الشبهات, وزيَّن لهم اللذات, فنشر حبائله في المجتمعات.

    النظر الحرام

    فالنظر سهم من سهام إبليس مسموم، والمرأة إذا خرجت استشرفها الشيطان؛ فكان من أعظم حبائله النساء، ومن أعظم مداخله النظر إلى النساء، فكم أردت تلك النظرات من قتيل! وكم أعلَّت من قلب سليم! وكم أوجعت من جسم صحيح! النظر الحرام جند من جنود الشيطان، فجمَّل لضعفاء النفوس المناظر البشعة، والأفلام الآثمة، والمسلسلات الماجنة، والمجلات الهابطة، والصور الخليعة، وصور النساء السافرات في المجلات المغرية، وفي الشاشات .. زيَّن لهم النظر إلى تلك الفنانة الآثمة، والمذيعة المتبرجة، والراقصة الساقطة.

    الغناء

    ونادى الشيطان بمزماره وهو الغناء, فزين لهم الطرب والغناء، وصدَّهم عن الهدى؛ فأسكَر القلوب الضعيفة، وملأها بالعشق وحب الصور؛ فانطفأ في قلوب الضعفاء نور الإيمان، وأنبت في قلوبهم النفاق والعصيان، فصاد الشيطان بمزماره قلوب المبطلين، وصدَّ به قلوب الجاهلين عن سماع كلام رب العالمين، فإذا بالمتطلعين للشهوات يعكفون على الفسوق والعصيان .. فالغناء هو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا, كاد به الشيطان النفوس الضعيفة، فأوحى إليها الشهوات الباطلة، فقبلت النفوس وحيه، واتخذت لأجله القرآن مهجوراً.

    الخلوة المحرمة وسقوط الحجاب

    وزيَّن لهم الاختلاء المحرم، فاختلى الرجل بالمرأة، واختلى الرجل بالخادمة، واختلى السائق بالمرأة في السيارة، فكان الشيطان ثالثهما.

    زيَّن لهم سقوط الحجاب، وما أدراك ما سقوط الحجاب؟! فتن ورذيلة، وإسقاط للعفة والفضيلة.

    زيَّن لهم الاختلاط بين الرجال والنساء، وكانت هذه الأمة أخشى ما يُخشى عليها فتنة النساء، ومن هنا كان الشيطان يترصَّد بالنساء أيما ترصد؛ فكان من حبائله جريمة الزنا التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: (يا أمة محمد! والله ما من أحدٍ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته).. (يا أمة محمد! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً, ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى).

    جريمة الزنا التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: (من زنى وشرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه).

    جريمة الزنا التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: (ولا فشا الزنا في قوم إلا كثر فيهم الموت) قال ابن القيم رحمه الله: ومن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا، بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات ومتجملات: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32].

    قطيعة الأرحام وشرب المسكرات

    وزيَّن لهم قطيعة الأرحام، وأكل الحرام، وملأ بطونهم بالحرام.

    وزيَّن لهم شرب الدخان والمسكرات، فكم جرت من الويلات والحسرات!!

    تزيين الشهوات وتجميلها

    زيَّن لهم هذه الشهوات، فجمَّلها في قلوب أقوام من المسلمين، وحسَّنها في أعين فئام من المستسلمين، فسحر عقول البشرية، فلا إله إلا الله كم فتن بهذا السحر من إنسان! وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان؟! كم أظهر الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة، وشنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة؟! فسلك بأقوام إلى الضلال كل مسلك، وألقاهم في مهلك بعد مهلك.

    فكيف أمنه فئام من الناس، وبسببه أخرج الأبوان من الجنة وهو صاحب قابيل حين قتل أخاه، وصاحب قوم نوح حين أغرقوا، وقوم عاد حين أهلكوا بالريح العقيم، وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة، وصاحب الأمة اللوطية الذين خسف بهم وأتبعوا بالحجارة، وهو صاحب كل هالك ومفتون؟!

    الغفلة وتخويف المؤمنين بأولياء الشيطان

    ومن أعظم الجنود التي يرسلها الشيطان: جندي الغفلة, حتى إذا غفلت قلوب بني آدم عن مراقبة الله، وتذكر الآخرة، تمكَّنت من إغوائها الشياطين.

    ومن حبائله: أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه؛ فلا يجاهدونهم، ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر: إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] يخوف أولياءه، أي: يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم، ولهذا قال سبحانه: فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175] فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوي خوفه منهم.

    جنود الشيطان من الإنس

    ومن أعظم مكائد الشيطان أن جَنَّدَ له من الإنس جنوداً يتكلمون بلسانه، ويكتبون بقلمه.. دعاة إلى أبواب جهنم.. دعاة إلى الضلالة، يُحلون الحرام، وما عرفوا الحلال من الحرام، فدعوا إلى الشرك بالله باسم التبرك بقبور الصالحين، ونادوا إلى التبرج والسفور باسم التحرر والتحضر.. الخمر عندهم شراب روحي.. ينادون إلى ترك الأب لرعيته باسم الحرية لأبنائه.. يتهكمون بالأخيار، ويسخرون بكلمات الأحبار، فما حال أولئك عند ذلك المشهد العظيم فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء:94-95].

    ألا فإن كل لسان دعا لنداءات الشيطان فسوف يُسأل!

    ألا فإن كل يد كتبت أو رسمت فسوف تُسأل!

    ألا فإن كل يد تهكمت بأحكام الشريعة فسوف تُسأل!

    ألا فليحذروا من قوله تعالى: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [التوبة:82]!

    فيا من توليتم الشيطان وتركتم الطريق إلى الرحمن! تذكروا قول المولى جل وعلا: وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً [النساء:119].. يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً [النساء:120-121].

    هنا تنتهي في هذه الدنيا المعركة بين البشرية والشيطان؛ لينتقلوا إلى دار غير هذه الدار، وأحداث غير هذه الأحداث.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين, أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حسرة أتباع الشيطان وفرحة أولياء الرحمن

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وقائد الغر المحجلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    إخوة الإيمان اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، يوم أن تنتقل البشرية إلى الدار الآخرة، ويجتمع الناس أمام رب العالمين، كل هذه الجموع وكل هذه الأمم تجتمع في مكانٍ واحد؛ لكي يبدأ الحساب، وما أدراك ما الحساب؟! وتجازى كل نفس بما كسبت، إنه اليوم الذي جمع الله فيه الأولين والآخرين، هناك حيث تغص الحناجر بغصصها، هناك: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:16-17].

    الأمم جاثية على ركبها من شدة الهول والأمر.. وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28] يجتمع في ذلك الموقف العظيم الفقراء والأغنياء.. الرجال والنساء.. العبيد والأحرار.. الرؤساء والضعفاء، ساكتين منصتين.. خاشعة أبصارهم.. خاضعة رقابهم.. جاثين على ركبهم.. عانية وجوههم إلى الحي القيوم، لا يدرون ما الذي سيقضى فيهم، ولا ماذا سيفعل بهم، قد انشغل كل بنفسه وشأنه، حتى إن الرجل لينظر إلى ولده وزوجته فينشغل عنهما.. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95] فحوسب الخلائق فرداً فرداً.

    تخلي الشيطان عن أتباعه يوم القيامة

    فلما انتهى الحساب، وفصل بين الخلائق أمام رب الأرباب، في ذلك اليوم العظيم يتكلم الشيطان، كما قال الله تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22] لم أربطكم بالسلاسل لتعبدوا غير الله.. ما ألزمتكم بأكل الربا.. ما رفعت لكم كأس الخمر.. لم أجبركم على فعل جريمة الزنا.. وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22] وسوست في قلوبكم.. زينت لكم الشهوات.. قذفت في قلوبكم الشبهات.. قربت إليكم المعاصي والسيئات.. دعوتكم إلى المحرمات، فندموا هناك أي ندم، وتحسروا بما جنت أيديهم، وبكوا بكاءً مريراً، ولا والله لا ينفعهم البكاء.

    قال الشيطان بعد ذلك: فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [إبراهيم:22] أنتم الذين أقبلتم إلى الحرام وفعلتموه ومشيتم إليه.. مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم:22] ما أنا بمنقذكم مما أنتم فيه، وما أنتم بمنقذي: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22].

    ختم على أفواههم، وغُلَّت أيديهم، فجمعوا هنالك يساقون إلى النار أمماً تلو أمم, يتقدمهم الشيطان وقد أُلبس ثياباً من النار، وهو ينادي: يا ثبوراه! وهم ينادون: يا ثبورهم! لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:14].

    فلو رأيتهم وقد وقفوا على جوانبها، والملائكة تدفعهم إلى تلك النار الفظيعة.. لو رأيتهم وقد تساقطوا في تلك الدركات يتجلجلون في أوديتها، ويتحطمون في دركاتها.. قد شُدَّت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي.. يُسحبون فيها مغلولين تَغلي رءوسهم كغلي القدور: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22].

    ومع ذلك العذاب يأتي التوبيخ من الله الجليل: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:60-65].

    حال من عصى الشيطان واتبع سبيل الرحمن

    أما من عصى الشيطان، واتبع سبيل الرحمن، فأولئك الذين قال الله عنهم: أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:41-49].

    صبروا في هذه الدنيا على الطاعات، وابتعدوا عن المعاصي والشهوات؛ فكان جزاؤهم: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:23] أولئك الذين قال الله عنهم: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35].

    اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك.

    اللهم أعذنا وذرايتنا وأهالينا من الشيطان الرجيم, اللهم إنا نعتصم بك من الشيطان الرجيم, اللهم آمنا يوم الخلود، واحشرنا مع الركع السجود، في جناتك جنات الخلود.

    اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً متقبلاً، ودعاءً مستجاباً.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم وارض عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007983308

    عدد مرات الحفظ

    720885241