إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 14للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الحاكم مهما بلغ من الحكمة والحنكة والقوة في إدارة شئون بلاده إلا أنه يحتاج إلى من يعينه على ذلك، ويشير عليه إذا طلب المشورة، ويكون عينه التي يراقب بها أحوال الناس، واليد التي تمسك بزمام الأمور، وهؤلاء هم من يسمون بالبطانة والخاصة، ولشدة أهمية هذا المقام فقد حذر الله عباده المؤمنين من اتخاذ بطانة من أهل الكفر، لأنهم لا يتورعون عن غش المؤمنين، ولا يقصرون في استغلال الفرص لإفساد أحوالهم، والنيل من دينهم.

    1.   

    حرمة اتخاذ البطانة من غير المؤمنين, وبيان أثرها السيئ

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان.

    ونداء الأمس تضمن أمرين عظيمين: الأول: تقوى الله عز وجل، إذ هي سبيل النجاة، وسلم تحقيق الولاية بعد الإيمان، وسلم الوصول إلى رضا الله عز وجل.

    والأمر الثاني: الوفاة والموت على الإسلام، ولنذكر النداء من جديد، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. فقد أمرنا عز وجل بأن نتقيه بإسلام قلوبنا ووجوهنا له، فأسلم تسلم، وآمن تأمن، فنتقي الله عز وجل بطاعته وطاعة رسوله فيما يأمران به وينهيان عنه، هذه هي التقوى، وبها نتقي غضب الله وعذابه، والوفاة على الموت تتطلب منا مواصلة التقوى بلا انقطاع؛ حتى يوافينا الأجل ونحن لله مطيعون، وبذلك نموت على الإسلام.

    أما نداء اليوم فهو [ النداء الرابع عشر: في حرمة اتخاذ البطانة من غير المؤمنين، وبيان أثرها السيئ. الآية (118) من سورة آل عمران ] فهيا نتغنى بهذا النداء حتى نتمكن من حفظه وفهمه إن شاء الله [ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118] ].

    معاشر المستمعين والمستمعات! هذا النداء نادانا به الله، فهو الذي قال لنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . والحمد لله أن الله نادانا فشرفنا وأكرمنا ورفع من قيمتنا، وإلا فنحن لسنا شيئاً حتى ينادينا رب السماوات والأرض، ورب كل شيء ومليكه، فقد حصل لنا هذا الشرف بالإيمان، ولو لم نكن مؤمنين لما كنا أهلاً لأن ينادينا رب العالمين، فلنحمد الله على نعمة الإيمان، وليس هناك نعمة أجل ولا أعظم من نعمة الإيمان؛ لأنها الخطوة الأولى في تحقيق ولاية الرحمن.

    والخطوة الثانية: هي تقوى الله عز وجل، فإذا كان مؤمناً متقياً فهو لله ولي.

    فلنفهم هذا النداء وما تضمنه علنا نرتفع بعد أن هبطنا لمخالفتنا لتوجيهات ربنا، فهذا النداء موجِه لنا، فينبغي أن يسمعه كل مسئول وكل ذي مسئولية في العالم الإسلامي، وأن يحفظه عن ظهر قلب، وأن يعيش على نوره؛ ليسلم من أعداء الإسلام الخادعين الماكرين، ولكن القرآن اليوم يقرأ على الموتى لا على الأحياء! فوا أسفاه!

    سر نداء الله لأهل الإيمان

    قال: [ الشرح ] يقول الشارح وفقنا الله وإياكم لمرضاته: [ اذكر أيها القارئ والمستمع الكريمان! ] لأن هذه النداءات الذي يحسن القراءة يجب أن يقرأها، والذي لا يحسن القراءة يجب أن يقول لمؤمن: اقرأ علي نداءات ربي، وأسمعني ما ناداني ربي من أجله، وعلمني حتى أقوم بالواجب إن كان واجباً، وهذا ممكن، فلا يعقل أن يناديك سيدك وتلوي رأسك وتعرض عن ندائه، وأنت تعلم أنه ما ناداك إلا لإسعادك وإكمالك .. إلا لنجاتك مما تخاف وترهب .. إلا ليكملك في آدابك وأخلاقك ومعارفك، فاسمع نداءاته، وقد جمعت وهي تسعون نداءً إلهياً، ويجب على كل مؤمن أن يسمع هذه النداءات ويقرأها، وإلا فهو عاص لربه، فهو يناديه ولا يسمع، ويعلمه ويهديه ولا يقبل، ولن يسعد هذا العبد [ ما سبق ] في النداءات الثلاثة عشر الأولى التي تقدمت [ من أسرار نداءات الرحمن في كتابه ] أي: القرآن [ للمؤمنين به وبلقائه ] وكلها أسرار وحكم، والله لا ينادينا لا لشيء، وهذا مستحيل، فالله تعالى منزه عن اللهو واللعب، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل يناديهم لسر، ومن جملة الأسرار [ إن منها إنذارهم وتحذيرهم من كل ما يرديهم أو يشقيهم ] فهو ينادينا ليأمرنا بشيء إن فعلناه كملنا وسعدنا، أو لينهانا عن شيء إن ابتعدنا عنه وتركناه نجونا وسلمنا، أو ليبشرنا حتى تنشرح صدورنا وتطمئن نفوسنا ونقبل على طاعة ربنا، أو لينذرنا من مخاوف ومصاعب ومتاعب، إذا لم نتفطن وننتبه لها وقعنا في الفتنة والهلاك والدمار، هذه هي أسرار نداءاته.

    تحذير الله لعباده المؤمنين من اتخاذ بطانة من غيرهم

    قال: [ وهاهو ] ذا [ تعالى هنا في هذا النداء يناديهم ] أي: عباده المؤمنين ويحذرهم [ ليمنعهم ويحرم عليهم اتخاذ بطانة من غير المؤمنين كاليهود والنصارى والمشركين ] ومعنى اتخاذهم بطانة: [ يطلعونهم على بواطن أمورهم وأسرار دولتهم، وبخاصة الأسرار الحربية والمالية؛ فإن في هذا خطراً عظيماً على الدولة المسلمة، قد يؤدي بها إلى التلاشي بعد الفرقة والهزيمة، والعياذ بالله ] تعالى [ من كل شر وسوء يصيب الإسلام وأهله ودولته.

    إذاً: [ فلنتأمل ] يا معشر المؤمنين! [ قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران:118] ] فهذا نهي، ولو قال أحد: لا، سأتخذ بطانة، فقد كفر، ولم يبق مسلماً؛ لأنه يرد على الله، ويتمرد عليه ويعصيه، وأما إذا لم يرد على الله، ولكنه لم يسمع نداه، ولم يقبل توجيهاته لأحوال وظروف فهو خاسر هالك، ولا نقول بكفره [ فالبطانة من يطلع على بواطن الأمور وخفاياها ] أي: خفايا أمورك السرية [ ومن دوننا هم قطعاً الكفار ] فقد قال: لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ [آل عمران:118]، أي: من غير المؤمنين من إخوانكم، والذين دوننا الكفار [ وسواء كانوا أهل كتاب ] وهم اليهود والنصارى [ أو مشركين ] أو مجوساً، ولا فرق بين الكفار، فالكفر ملة واحدة، فلا يؤمَن كافر، ولا نطلعه على بواطن أمورنا وخفايا أسرارنا، هذا توجيه الله، وليس توجيه عالم أو سياسي.

    حرص الكافرين على إفساد أمور المؤمنين

    قال: [ ولنتأمل قوله ] تعالى: [ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا [آل عمران:118]، أي: لا يقصرون في إفساد أموركم عنكم بشتى الوسائل ] والله لا يكذب، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فقد يفسدونها [ تحت شعار العلم والمعرفة، أو النصح والتوجيه ] الآن، وقد انهار البناء الإسلامي وسقط بهذه المعاول والفئوس الهدامة؛ لأننا اتخذناهم خبراء ومستشارين وموجهين، وغير ذلك، وكأن هذا القرآن ما يقرأ على البشر، وهذا صحيح، فهو لا يقرأ إلا على الموتى.

    حب الكافرين المشقة للمؤمنين

    قال: [ ولنتأمل قوله تعالى: وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ [آل عمران:118] ] أي: أحبوا، فود الشيء يوده إذا أحبه [ أي: أحبوا حباً عظيماً كل ما يوقعكم في العنت والمشقة ] والعنت والمشقة بمعنى واحد [ حتى تحرموا سعادة الدنيا وهناءها ] وقد حرمناهما [ وتصبحوا عالة عليهم ] أي: فقراء يعولونكم [ ومحتاجين إليهم؛ لتذلكم الحاجة، وتهينكم بين أيديهم ] وهذا والله قد وقع، وإياك أن تقول: إنهم لا يريدون هذا، فإنك تكفر بذلك؛ لأن الذي قال هذا هو غارز غرائزهم وطابع طبائعهم، ويستحيل أن يكون غير هذا، ومعنى هذا: ألا نثق في يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ولا مشرك أبداً، وإن وثقنا بهم وقد وثقنا واتجهنا نحوهم وساسونا هبطوا بنا، وقد هبطنا، وقد بلغنا الآن أن يهودياً في هذا الصباح في صلاة الصبح فعل في القدس عجباً، فالضحايا أكثر من خمسين، والجرحى ثلاثمائة وزيادة، ولم يتحرك العالم الإسلامي، ولم تطر طائرة الليلة في الساعة الثالثة ليلاً لتحوم على سماء تل أبيب وتدمر اليهود نهائياً، ووالله لن نتحرك؛ لأننا أموات، وقد أخذ أرواحنا اليهود والنصارى، ومن زمان ونحن عبيد وذيول نمشي وراءهم، وقد حصل هذا لأننا أعرضنا عن كتاب الله، ولم نجتمع عليه ولا تدارسناه، ولا عرفنا ما يحمله، فتفرقت الكلمة وساءت الحال، وأصبحنا في حال يرثى لنا.

    شدة بغض الكافرين للمؤمنين

    قال: [ ولنتأمل قوله تعالى: قَدْ بَدَتِ [آل عمران:118] ] أي: ظهرت [ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران:118]، أي: قد ظهرت البغضاء وهي شدة بغضهم لكم؛ لأنكم مسلمون وهم كافرون ] فإذا كنت بصيراً ذا نور وسمعت كلامه وهو يدعي النصح والإرشاد فتتصور أنها بغضاء وعداوة، وأما الذي تخفيه صدورهم فلن تقدره، ولن تقوى على إحصائه ومعرفته، بل هي أكبر مما تفهم من لسانهم، وهذا لأنكم أيها المؤمنون! تريدون أن تسودوا وتقودوا، وتكملوا وتسعدوا، وتنزلوا الفراديس العلى، وهم محرمون من كل ذلك، ومصيرهم عذاب أليم أبدي لا ينتهي، فهذا يحملهم على عداوتكم وبغضكم، وهذه هي العلة الأولى؛ لأنكم مسلمون قلوبكم ووجوهكم لله، فوالاكم وأحبكم ورفع شأنكم، وهم كفروا به فأهانهم وأذلهم ومسخهم، ولذلك يبغضونكم [ وقال ] تعالى: [ بأفواههم ولم يقل: بألسنتهم إشارة إلى أنهم إذا تكلموا لكم ناصحين ومعلمين يتشدقون بالكلام، فتمتلئ أفواههم به؛ إظهاراً للرغبة في نفعكم وخيركم ] فعدل عن هذا إلى هذا؛ لأن القرآن سما فوق كل فصاحة وبيان؛ لأنه كلام الرحمن خالق اللغات وأهلها [ والمتأمل الواعي البصير تبدو له البغضاء واضحة من كلامهم، وما تخفي صدورهم من التغيظ عليكم والبغض لكم أكبر مما يظهر من كلامهم ] والله العظيم.

    معاشر المستمعين والمستمعات! هذا درس سياسي، وهذا كلام الله ونداء الرحمن للمؤمنين، فيجب أن يعرفه كل مؤمن ومؤمنة، ولا يجوز الكلام في الدرس، وهو حرام، وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204]. ولا نلوم أحد تكلم لأننا ما علمناه [ ولنتأمل قوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ [آل عمران:118] ] الواضحات البينات؛ لتأخذوا بسبيل النجاة وطريق الخلاص من أعدائكم [ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران:118] ] والمسلمون اليوم لا يعقلون، وأنا لا أزعم أنهم يعقلون أبداً، إلا إذا قالوا: الله أكبر ورددها العالم الإسلامي، وأما ماداموا دويلات وأحزاباً وجماعات وطرقاً مختلفة، بل وقبائل وعناصر ووطنيات فهم لا يعقلون، ولو أسلموا قلوبهم لله لما عرفت غير الله، ولو أسلموا وجوههم لله لما اتجهت صوب شيء إلا صوب الله، وبذلك يصبحون جسماً واحداً، ولكن القلوب تفرقت، فهذا إلى الشهوة، وهذا إلى الدنيا، وهذا إلى ليلى، وهذا إلى كذا، والوجوه كل له جهة، ولن نجتمع ونحن هكذا، والعلة هي الجهل، فنحن ما عرفنا الله معرفة حقة حتى نعطيه قلوبنا ووجوهنا، وإنما عرفنا الدنيا والطعام والشراب والنكاح كالبهائم.

    الحكمة من منع الله لنا من اتخاذنا بطانة من غيرنا

    [ فلننظر ] بأبصارنا وبقلوبنا وبصائرنا [ فتتجلى لنا نعمة الرحمن الرحيم بعباده المؤمنين، إنها منته تعالى علينا حيث منعنا من اتخاذ البطانة من غيرنا؛ صرفاً للشر والأذى عنا، وإبقاء على نورنا وهدايتنا وكرامتنا. إنه يعقب على نعمة البيان والهداية بقوله: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ [آل عمران:118] الكاشفة لنا عن مخبئات أعدائنا لنا من الحسد والكره والغيظ والبغض، إن كنا نعقل عنه سبحانه وتعالى ما ينزله علينا ويخاطبنا به؛ إكراماً منه لنا، فلله الحمد والمنة ] وأين العالم الإسلامي؟ فهذه نداءات الرحمن المفروض أن توجد عند كل مؤمن والله العظيم، فسيدك ومولاك ومربيك ناداك تسعين نداء لإكمالك وإسعادك وأنت لم تحفظ نداء واحداً، ولم تصغ أو تسمع إلى نداء، فأنت عاق وهارب وآبق، ولو كنا أحياء لطبع هذا الكتاب بعشرة آلاف مليون؛ حتى يوضع عند رأس كل مؤمن؛ ليعرف ما ناداه ربه من أجله، والذي ما يقرأ لابد وأن يقول: من فضلك تعال أسمعني ما ناداني ربي به، وعلمني ماذا يريد مني، فأنا عبده وهو سيدي.

    أهمية هذا النداء في حفظ دولة الإسلام

    قال: [ ألا ] وقد ألفنا كلمة ألو؛ لأنها في التلفونات، وقد ألفها النساء والرجال، وأما ألا في القرآن فلا نفهم معناها؛ لأننا ما سمعنا بها أبداً، فنحن لا نسمع من يقول: ألا تسمعون [ فليعلم هذا ] النداء الرابع عشر من نداءات الرحمن بما فيه [ كل مسئول في دولة الإسلام ] وبلغوهم إن استطعتم، ولو كان كل الحكام في العالم الإسلامي يشترون هذه النداءات ويبعثون ائتونا بهذه النداءات الربانية؛ لأن فيها هداية الله لإكمالنا وإسعادنا وانتشار ظل دولة الإسلام في العالم، وهم لن يفعلوا إلا إذا فعلنا نحن المحكومون، فلو فعلنا هذا لهم فهم سيفعلون، ونحن لا نقرأ ولا نكتب ولا نتعلم، وهم أبناؤنا وآباؤنا، فكلنا من بيت واحد [ وليعمل به ] لا مجرد أن يعلم فقط [ ولا يعرض عنه ولا يتنكر له؛ فإنه المناعة التامة للحفاظ على دولة الإسلام وقوتها وامتداد ظلها في العالمين ] ولن يستطيع اليهود أن يبولوا علينا، ولن يستطيع أبيض ولا أسود أن يعتدي على شرفنا ودولتنا وإيماننا وطهارة أرواحنا، ولما أخذ بهذا أصحاب رسول الله وأحفادهم وأبناؤهم وصل ظل الإسلام إلى وراء نهر السند شرقاً وإلى الأندلس غرباً في خمسة وعشرين سنة فقط، وليس في سبعين عاماً؛ لأنهم أخذوا بهذه النداءات، وحفظوها وفهموها، وسيتبين لكم مواقفهم.

    أهمية اتخاذ الحاكم للبطانة الصالحة

    قال: [ ولنورد ] من أورد الشيء يورده ليشاهد [ أخيراً ما يثبت به ما بيناه من هداية هذه الآية الكريمة الحاملة للنصيحة والتوجيه الرباني لأمة الإسلام، فهذا البخاري يروي في صحيحه تعليقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة ) ] أي: دون النبي سواء كان حاكماً ملكاً أو سلطاناً، والذي بغض إلى العالم كلمة ملك أو سلطان وأحل محلها رئيس الجمهورية والله العظيم لبنوا عمكم اليهود، فقد قالوا في مجالسهم الخاصة وتوجيهاتهم: رجل الدين - سواء مسلم أو صليبي- أبقر بطنه واستخرج وأمعاءه واخنق بها ملكهم؛ لأن الملك بشرفه يستحي أن يعربد، ويحافظ على مكانته، فهو ليس كرئيس ينتخب من الغوغاء والأباطيل، ولا كرامة له ولا شرف، ولا يهمه شيء.

    ورجال الدين هم الذين وقفوا في طريق بني إسرائيل حتى لا يجددوا عهد مملكتهم، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين، وثلاثة أرباع أوروبا لا يؤمنون بالله ولا بعيسى، والعهر والحرام هناك نشرهما هذا النوع من البشر، فقد قالوا: نحول البشرية إلى بهائم ويومئذ نركبها، وحتى نستطيع ذلك لا بد أن ننزع منها كلمة تدين بالمرة، فقالوا: لا إله والحياة مادة، وهم الذين أوجدوا البلشفية والشيوعية وصفقوا لهما، ودعنا من هذا، ولنمشي مع الهداية الإلهية، وهذا من باب البيان فقط.

    ومرة احتج علي طالب علم وقال: الله عز وجل يقول: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً [النمل:34]. فقلت له: هذه كلمة بلقيس اليمنية، وهي تعني: بالملك الحاكم، فالحكام إذا لم تصطلح معهم ودخلوا البلاد عنوة يفعلون بها ما يفعلون، فقالت: هيا نتفق مع نبي الله سليمان أحسن من أن يدخل بجيوشه ويعزون الذليل ويذلون العزيز، ولو يجتمع حكام العالم اليوم ما كانوا بلقيس اليمنية.

    وعندها موقف تصرفت فيه والله تصرف الحكماء، وهو: لما أحضر عرش بلقيس أمام الملك سليمان عليه السلام سألها: أهكذا عرشك، وكان عرشها في اليمن، وهو يخاطبها في القدس فقالت: كأنه هو؛ لأنها لو قالت: هو لقالوا: هذه مجنونة؛ إذ كيف يأتي وينقل ويصل، فهذه سفيهة، ولو قالت: لا، هذا مستحيل لقالوا: هذه مجنونة، فهي تنكر عرشها بين يديها، لكن قالت: كأنه هو، وهذا يذكرنا ونحن نعايش هبوطنا أيام أن أعلنوا عن وصول القمر الروسي الأول والأمريكاني، وكنا خائفين من أن نهبط من جديد، فنقول للمسلمين: ممكن يجوز، وإياك أن تقول: طلعوا وأنت لم تحضر ولم تشاهد، فلا تكن ممن يريدون الهبوط بالمسلمين لينتهي كمالهم وشرفهم، وتفرض في قلوبهم الخوف والفزع، بل قل كما قالت ملكة سبأ: ممكن يجوز، وإذا عاثوا في العالم الإسلامي فلا تتمدح بأمجاد أعدائك وغيرك يندب، فاستح، وتعلن أنهم طلعوا القمر ووصلوا، وكذا الإذاعات والصحف، وشاء الله أن نعثر على مجلة صينية، والصين ضد القوتين العظميين روسيا وأمريكا، فهي القوة الثالثة، ووالله أني قرأت بلساني وعيني أن هذه دعوى طلوع القمر ما هي إلا تمثيليات، ولا يمكن أن يطلعوا القمر ولا طلعوا، وإنما هي تمثيليات في الجبال فقط؛ من أجل أن يهيمنوا على قلوب البشر، فرفعت بذلك معنويات الصين بكامله، والمسلمون منهارون يصفقون بأمجاد عدوهم، فادفع هذا عن المؤمنين ولا تتكلم فيه، وتمضي الأيام والأعوام وتتضح اللعبة، ومنذ سنتين أو ثلاث بطل أمريكا قال: هذا كله ألاعيب وتمثيليات، فنحن ما طلعنا ولا عرفنا. وأقول هذا لتعرفوا مستوانا؛ لأننا هبطنا عن نور القرآن وسلم الهداية، فالقرآن يقرأ على الموتى فقط، وقالوا: القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر.

    قال: [ ( إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله ) ] وحكامكم أيها المسلمون! لم يتخذوا بطانة من العلماء الصلحاء الربانيين يستشيرونهم في مهام دولتهم إلا نادراً، والنادر لا حكم له، فافهموا هذا [ من هنا وجب على كل من ولي أمر المسلمين ] وليس شرطاً أن يكون ملكاً فقط أو سلطاناً، فقد يكون شيخ قرية أو عمدة أو أمير منطقة، فعلى كل من ولي أمر المسلمين [ أن يعرف هذا، ويحذر من بطانة السوء، فلا يقبل اقتراحاتها ولا توجيهاتها، ويقبل ما تقدمه البطانة الصالحة، ويشكرها عليه، ويقربها منه، ويدنيها إليه ] ووالله ما عرف حكام المسلمون هذا، فهم لم يتعلموا في حجور الصالحين، بل هم مثلنا، فهم أبناؤنا وإخواننا، حتى ما نكرب كثيراً ونحزن، فهذا هو حال أمة محمد بعد أن صرفوها عن الكتاب والسنة، ورموها في أودية الشرك والضلال والبدع والخرافات أكثر من سبعمائة سنة.

    [ وهذا عمر رضي الله عنه ] ولو يجتمع أهل الأرض اليوم والله ما كانوا عمر في إيمانه وصلاحه وفهمه وبصيرته وهداه، فـعمر كان إذا نظر نظرة وقال كذا كان كما قال، وولده عبد الله هو الذي قال: ما قال أبي في شيء أظنه كذا إلا كان كما ظن، وهذا النور موجود في الصيدليات الإسلامية، وأنتم ما اشتريتموه ولا قبلتموه، واسمع قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]. والفرقان هو الذي تفرق به بين كل متلابسات ومشتبهات، وتميز به بين الحق والباطل، والنافع والضار، والصالح والفاسد طول حياتك، وهذا النور لا يجعله أحد سوى الله، وهذا يحصل فقط بتقوى الله، فالمتقي قلبه كله كتلة من نور، وهذا النور يسري على سمعه وبصره ومنطقه، فتتجلى فيه حقائق النور بكاملها، والتقوى تورث هذا؛ لأن التقوى هي عمل عبادات وطاعات تنتج هذا النور، ومع تجنبه للمعاصي يبقى النور يزداد دائماً حتى يغلب على حياته. فـعمر [ قال له أحد رجاله: إن هاهنا رجلاً من نصارى الحيرة ] والحيرة بلد ما بين حضرموت والعراق، وهي صحراء، [ لا أحد أكتب ولا أخط بالقلم منه ] يعني: يحسن الكتابة والخط بالقلم [ أفلا يكتب عنك ] يا عمر ؟ [ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين ] وهذا الكلام والله عرفه اليهود والنصارى أكثر مما عرفه المسلمون مائة مرة، ونحن هذا أول يوم نسمع فيه هذا الكلام، وكل ما من شأنه أن يبقي كمال الأمة ويزيد فيه عرفوه وحطموه [ وجاء أيضاً أبو موسى الأشعري ] رضي الله عنه وأرضاه وكان خيراً ليناً طيباً طاهراً [ بحسَّاب نصراني ] والحساب هو من يحسن الحسابة، أو من يحسب الشيء ويعده [ لـعمر رضي الله عنه فانتهره ] عمر بصوت عالٍ [ وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله ] وأبعدهم [ ولا تكرمهم الله وقد أهانهم الله ] وأذلهم [ ولا تأمنهم وقد خونهم الله ] وهذه يحفظها دعاة اليهودية والنصرانية أكثر منا، وينظرون إلى ماضينا، ويضحكون على مستقبلنا وما نحن فيه.

    [ قل لي أيها المؤمن! أبعد هذا يجوز اتخاذ بطائن من غير أهل الإسلام، يطلعون على بواطن أمور الدولة والأمة؟ والجواب: لا، لا، وليس معنى هذا أن لا نستخدم غير المؤمنين إذا دعت الحاجة إلى استخدامهم ] بل نستخدمهم [ وإنما لا نطلعهم على بواطن أمورنا ] وأسرار دولتنا [ ولا نضعهم في مقاعد التكريم والإكبار والإجلال ] والإعزاز، ونهين المسلمين [ ونترك أهل العلم والإيمان ] وهذا هو المطلوب [ وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042373588

    عدد مرات الحفظ

    731448608