إسلام ويب

تفسير سورة آل عمران [52-61]للشيخ : محمد إسماعيل المقدم

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ...)

    يقول الله تبارك وتعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52]. قوله تعالى: ((فَلَمَّا أَحَسَّ)) أي: علم وعرف عن طريق الحس والمعرفة والمعاينة. ((مِنْهُمُ الْكُفْرَ)) أي: من بني إسرائيل الذي ذكروا في الآيات السابقة في خطاب المسيح عليه السلام، وأرادوا أن يقتلوه عليه السلام. ((قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)) أي: من أعواني ذاهباً ومتوجهاً وملتجئاً إلى الله؛ لأنصر دينه. وقال بعض المفسرين: ((إِلَى اللَّهِ)) أي: من أنصاري مع الله، أو من ينصرني مع الله، أو: من أعواني ذاهباً ومتوجهاً إلى الله، لأنصر دينه، كما قال بعض الأنبياء عليهم السلام: قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80]. ((قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)) أي: نحن أعوان دينه. هؤلاء الحواريون هم أصفياء عيسى عليه السلام، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلاً. قيل: الحواريون مأخوذة من الحور وهو البياض الخالص، قيل: كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها. فالحواريون هم طائفة من بني إسرائيل انتدبت للإيمان بالمسيح عليه السلام، فعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. والحواري هو الناصر الذي يبالغ في النصرة، وهو الوجيه والخليل والحميم، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما من نبي بعثه الله إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يهتدون بهديه ويقتدون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف) .. إلى آخر الحديث. فدل على أن هؤلاء الأصفياء والخلص من الأصحاب ليست خاصة بالمسيح عليه السلام، وإن جاء إطلاق الحواريين على تلامذته الأقربين عليه السلام، وإنما كل نبي له حواريون وأصفياء وأنصار وأعوان من أصحابه. ((آمَنَّا بِاللَّهِ)) أي: صدقنا بالله. ((وَاشْهَدْ)) أي: يا عيسى. ((بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) أي: منقادون لرسالتك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول ...)

    بعد أن أشهدوا نبيهم عليه السلام على هذا الإيمان أشهدوا الله تبارك وتعالى فقالوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:53]. ((رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ)) من الإنجيل. ((وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ)) عيسى عليه السلام. ((فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)) أي: فليكن جزاؤنا على إشهادنا إياك وعلى إيماننا بك أن تكتبنا مع الشاهدين لك بالوحدانية ولرسولك بالصدق. وهؤلاء الشاهدون يحتمل أنهم الذين تقدم ذكرهم في قوله تبارك وتعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18]، أو اكتبنا مع الشاهدين أي: مع الأنبياء الذين يشهدون لأتباعهم أنهم آمنوا بهم وصدقوهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)

    قال تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران:54]. ((وَمَكَرُوا)) أي: كفار بني إسرائيل، مكروا بعيسى عليه السلام إذ وكلوا به من يقتله غيلة. الواو هنا تعود على الذين أحس عيسى منهم الكفر من بني إسرائيل. ((وَمَكَرَ اللَّهُ)) أي: في المقابل مكر الله سبحانه وتعالى بهم، بأن ألقى شبه عيسى على من قصد قتله، وهذا التفسير هو الذي اعتمده السيوطي . يقول القاضي كنعان : الصحيح أن الذي ألقي عليه شبه عيسى كان أحد تلاميذه من الحواريين، فقتلوا هذا الذي ألقي عليه الشبه ورفع عيسى إلى السماء، ونجاه الله سبحانه وتعالى من بين أيديهم. ((وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) أي: أعلمهم به، وهذه الصفة بلا شك أنها في حق الله تبارك وتعالى على ما يليق بجلال الله سبحانه وتعالى، كقوله تبارك وتعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142]، وكقوله تبارك وتعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15]. يرد علينا سؤال وهو: هل يجوز في الدعاء أن يقال: يا خير الماكرين امكر لي؟ الجواب: أجاز بعض العلماء ذلك، واستشهدوا بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح: (اللهم امكر لي ولا تمكر علي).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ...)

    إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران:55]. ((إِذْ قَالَ اللَّهُ)) أي: اذكر إذ قال الله: ((يا عيسى إني متوفيك)). نلاحظ في القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى ينادي عامة الأنبياء بأسمائهم: يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46] وقوله: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35] و(( يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ )) وقَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144]، وهكذا. أما نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم يناده الله تبارك وتعالى باسمه قط في القرآن الكريم، إنما ناداه بصفاته الشريفة كـ: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1] ويَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1] ويَا أَيُّهَا النَّبِيُّ [الأنفال:64]، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ [المائدة:41]، وهذا من كرامته على الله سبحانه وتعالى وبلوغه في الشرف مقاماً لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)) أي: قابضك. ((وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)) أي: من الدنيا من غير موت. ((وَمُطَهِّرُكَ)) أي: مبعدك. ((مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ)) أي: صدقوا بنبوتك من المسلمين. وهذه تشمل طائفتين: تشمل الطائفة التي آمنت بالمسيح عليه السلام ممن أدركوا بعثته، ووافقوه على دين الإسلام قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الطائفة الثانية التي شملتهم هذه الآية: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ) هم الذين اتبعوا رسول الله محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنحن المسلمين أيضاً ندخل في قوله تعالى: (( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ )) أي: الذين صدقوا نبوتك من المسلمين؛ لأننا اتبعنا المسيح عليه السلام على الحقيقة، وأما النصارى فهم أعداء المسيح عليه السلام يعاديهم ويبغضهم ويبرأ إلى الله منهم تماماً، كما أن اليهود يدعون كذباً مع اعتزازهم بموسى عليه السلام وأنهم على دينه وملته، كذلك نقول: نحن أتباع موسى على الحقيقة ونحن أولى به منهم، ولذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يعظمون يوم عاشوراء ويصومونه، فسألهم عن ذلك، فقالوا: (إنه اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون وقومه قال: نحن أولى بموسى منهم) وقال: (أنا أولى الأنبياء بالمسيح عليه السلام، ما بيني وبينه نبي) أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فإذاً: نحن أتباع المسيح، وأتباع موسى عليهما السلام؛ لأننا على نفس الدين الذي دعوا إليه، ولأننا نؤمن بالأنبياء كلهم، فالذي يكفر برسالة نبي واحد فإنه قد كفر بجميع الأنبياء، ويحبط كل إيمانه ويصير مرتداً، ومن كذب بنبوة المسيح فقد كفر، ومن كفر بالإنجيل الذي أنزله الله على عيسى فقد كفر ولا ينفع إيمانه بالقرآن ولا بالتوراة، بل الإيمان حقيقة متركبة من أجزاء مرتبطة ببعضها، لا ينفك ولا ينفصل بعض منها عن البعض الآخر. ((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: فوق الذين كفروا بك وهم اليهود، وكذالك ومن حرف دين المسيح من النصارى، فالذين اتبعوك يعلونهم بالحجة وكذلك بالتمكين لهم في الأرض. الذين كفروا بالمسيح قسمان: الأول: اليهود لعنهم الله فهم الذين كفروا بالمسيح وسبوه وسبوا أمه ورموها بالبهتان وبالإفك المبين. الثاني: الذين حرفوا دين المسيح من النصارى وعبدوه وألهوه. ((إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ)) هذا وعد لا يتخلف، وما نحن عليه من الضعف والوضع الذي يعيشه المسلمون الآن، فهذا ليس هو الأصل بل هذا من الاستثناءات؛ لأن الغالب والأصل أن المؤمنين دائماً فوق الذين كفروا، ولا يجوز أن يظن بالله سبحانه وتعالى أنه يدع المسلمين مقهورين إلى الأبد، بل لابد أن تعود الكرة كما قال تعالى: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8]. فمن سوء الظن بالله أن يظن أنه يمكن للكفار أن يستأصلوا المسلمين ويبيدوهم وترتفع كلمتهم عليهم، هذا خلاف الأصل. خاصة إذا قلنا: إن أحد ركني هذه الفوقية المقصود به العلو في الحجة والبيان، فهذا بلا شك قائم في كون المؤمنين والموحدين يعلون الكفار دائماً بالحجة والبرهان، كما بيناه وكما سيأتي تفصيله إن شاء الله. وأحياناً يعلونهم بالسيف، أما ما نحن فيه من أوضاع آخر الزمان فهي تخالف في القاعدة الأصلية. ((فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) أي: من أمر الدين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً ...)

    فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران:56]. ((فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا)) أي: بالقتل والسبي والجزية. ((وَالآخِرَةِ)) أي: بالنار. ((وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)) أي: مانعين يمنعونهم من هذا العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ...)

    وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران:57] وفي قراءة (فنوفيهم) بالنون. ((وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)) أي: يبغضهم. وهنا فسرها السيوطي بقوله: أي: يعاقبهم، (روي أن الله تعالى أرسل إليه سحابة فرفعته فتعلقت به أمه وبكت، فقال لها: إن القيامة تجمعنا، وكان ذلك ليلة القدر ببيت المقدس وله ثلاث وثلاثون سنة، وعاشت أمه بعده ست سنين)، والله أعلم بصحة ذلك؛ لأنه لم يثبت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. وروى الشيخان: (أنه ينزل قرب الساعة ويحكم بشريعة نبينا، ويقتل الدجال والخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية) ، وفي حديث مسلم : (أنه يمكث سبع سنين) وفي حديث عن أبي داود الطيالسي : (أربعين سنة، ويتوفى ويصلي عليه المسلمون) فيحتمل أن المراد مجموع مكثه في الأرض قبل الرفع وبعده.

    1.   

    أقوال المفسرين في مسألة رفع المسيح إلى السماء وتوفي الله تعالى له

    قضية رفع المسيح عليه السلام إلى السماء وتوفي الله سبحانه وتعالى إياه، اختلف المفسرون في تفسيرها. يقول القاسمي رحمه الله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران:55] أي مستوف مدة إقامتك بين قومك. والتوفي يطلق على الإماتة، وكذلك يطلق على استيفاء الشيء كما في كتب اللغة، يقول تبارك وتعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42] أي: أنه يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها، وذلك بالنوم، فهذا تشبيه للنائمين بالموتى، ومنه قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام:60]، أي: أنهم لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك. ثم بين سبحانه في بشارته بالرفعة إلى محل كرامته، ومجاورته لملائكته، ومعدن النزاهة عن الأدناس، وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:55]، أي: من مكرهم وخبث صحبتهم. هذه الآية الكريمة: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، ظاهرها يدل على أن الله تعالى فوق سماواته، كما قال تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158]، وفي قوله تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50]، وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة:5]، وقال تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك:16]، أي: من فوق السماء. وهو مذهب السلف قاطبة كما نقله الإمام الذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار). قال أبو الوليد بن رشد في (مناهج الأدلة): لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتون لله سبحانه وتعالى جهة الفوق حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشاعرة، كـأبي المعالي الجويني ومن اقتدى بقوله. إلى أن قال أبو الوليد بن رشد : والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء. الشرائع هنا بالمعنى الأعم لا تقتصر فقط على الشرائع التي هي بمعنى الأحكام الفقهية؛ لأن الشريعة تطلق أحياناً على كل الدين. يقول: والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماوات نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك بالمعقول. فإثبات العلو واجب بالشرع وبالعقل، وإبطاله إبطال للشرائع. يقول الدارمي : وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته. وقد بسط نصوص السلف الحافظ الذهبي في كتاب (العلو) فانظره. يقول القاسمي : هذا ولما كان ذوو الهمم العوالي أشد التفاتاً إلى ما يكون عليه خلفاؤهم من بعدهم، أراد الله تبارك وتعالى أن يبشر المسيح عليه السلام بذلك حتى يطمئنه، فقال تبارك وتعالى: (( وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )). ثم يقول: وكذا كان ولم يزل من انتحل النصرانية فهم فوق اليهود، ولا يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد. الحقيقة أن هذه الآية إحدى الآيات الأساسية في موضوع الإيمان برفع المسيح عليه السلام حياً، ونزوله وقتل المسيح الدجال في آخر الزمان. فهناك عدة آيات في موضوع رفع المسيح إلى السماء حياً، الآية الأولى هي هذه الآية من سورة آل عمران: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران:55]. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه الآية ما ملخصه: اختلف المفسرون في قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، وتقديره: يا عيسى إني رافعك إلي ومتوفيك، يعني بعد ذلك. أي: أن الله سبحانه وتعالى رفعه إليه وهو حي لم يمت إلى اليوم، وقد لقيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رحلة الإسراء والمعراج. قوله: ثم متوفيك بعد ذلك أي: حينما ينزل في آخر الزمان، فإنه يعيش من جديد ويحكم بالإسلام ثم يتوفاه الله تبارك وتعالى. يرد سؤال عابر: من آخر الصحابة موتاً؟ المسيح عليه السلام؛ لأن المسيح عليه السلام هو نبي وصحابي في نفس الوقت؛ لأن تعريف الصحابي ينطبق على المسيح؛ لأنه لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فترة -ولو كانت قصيرة- في ليلة المعراج مؤمناً برسالته، فهذا هو حد الصحابي وتعريف الصحابي، فلذلك عيسى نبي وصحابي، وهو لم يمت حتى الآن، فهو آخر الصحابة موتاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ))، أي: مميتك). وقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه قال: توفاه الله ثلاث ساعات منه أول النهار حين رفعه إليه. وقال ابن إسحاق أيضاً: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات ثم أحياه. قال إسحاق بن بشر عن إدريس عن وهب : أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ثم رفعه. قال مطر الوراق : ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ))، من الدنيا، وليس بوفاة موت. وقال ابن جرير : توفيه هو رفعه. وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام:60]، وقال تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من نومه: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا) .. الحديث . وعن الحسن أنه قال: ((إِنِّي مُتَوَفِّيكَ))، يعني: وفاة المنام، رفعه الله في منامه، قال الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود: (إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة) وهذا الحديث مرسل ضعيف. (( وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا )) أي: برفعي إياك إلى السماء، بعيداً عن هذه الصحبة من كفار اليهود. اختار الحافظ ابن كثير بعد هذا رأي الجمهور حيث فسر التوفي بالمنام، أي: ألقي عليه النوم، وأيده بقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ [النساء:159] معلوم أن الهاء في: (موته) يحتمل أنها تعود إلى المسيح، ويحتمل أن تعود إلى الكتابي، فإذا كانت الهاء عائدة على الكتابي فعندما يأتيه الموت يعلم بأن المسيح عليه السلام رسول الله، هذا معنى أحد القولين. (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل أن تقبض روح الكتابي سواء كان يهودياً أو نصرانياً ممن عبد المسيح، فسيكتشف الحقيقة ويعلم أن المسيح ما كان إلا عبداً رسولاً ويعلم أنه مات على الباطل وعلى الكفر. أو أن معنى قوله: (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت المسيح، وتكون هذه إشارة إلى نزوله في آخر الزمان. المسيح عليه السلام لم يمت بعد، وإنما سيموت بعدما ينزل إلى الأرض في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به في ذلك الوقت؛ لأنه سيكتشف أنه كان على ضلال وكفر مبين؛ لأن المسيح يضع الجزية عن النصارى وغيرهم من الملل الأخرى فلا يقبل منهم إلا الإسلام، فإما أن يسلم وإما أن يقتله المسيح عليه الصلاة والسلام كما ما هو معلوم في الأحاديث. على أي الأحوال فلفظ (ومتوفيك) في الآية هنا لفظ متشابه، فيحتمل أن يكون معناه التوفي بالنوم، أو التوفي بالموت، أو التوفي بمعنى القبض والاستيفاء. قوله: (( وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ))، بعض الناس فسرها بقوله: رفع روحه، أو رفع مكانته، وهذا إلحاد في آيات الله وتحريف للكلم عن مواضعه. وأقرب المعاني أن يقال: إن الآية فيها تقديم وتأخير بمعنى: إني رافعك إلي ومتوفيك، وهذا ما سيحصل حينما يتوفاه عند نزوله في آخر الزمان. أو التوفي يكون بمعنى الإنامة لا الإماتة، إذ لا معنى لرفعه إلى الله ميتاً، إذاً ما الخصيصة التي اختص بها المسيح عليه السلام إذا كان رفعه ميتاً؟! مع أن المراد بالرفع هو حفظه من اليهود وإنجاؤه من مكرهم حين أرادوا قتله. فإذا كان المسيح عليه السلام قد توفي بالإماتة، فأي إنجاء يكون في هذا؟ إنما يكون الإنجاء وتكون الآية والبشارة بأن يتوفاه الله سبحانه وتعالى ويرفعه إليه رفعاً حقيقياً. فعلى تقدير التوفي بالإماتة لا تكون تلك البشارة بالتطهير والإنجاء قد تحققت، بل يكون قد أعان اليهود على قصدهم، وهو أن يتخلصوا من عيسى عليه السلام إما بالموت أو بالقتل. وكيف يفهم خلاف ذلك من قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران:54] فإنه من المناسب لمكر الله المقابل لمكر اليهود أن يرفعه إليه حياً؛ لينزل في آخر الزمان فينتقم من هؤلاء الذين كادوا له وآذوه، فيقاتلهم على الإسلام وحده، فمن أبى منهم قتل. خلاصة الأقوال في هذه القضية: الأول: رأي الجمهور الذي اختاره ابن كثير ورواه عن الحسن : وهو تفسير التوفي بالإنامة، (( مُتَوَفِّيكَ )) أي: ملق عليك النوم. الثا

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم)

    قال تبارك وتعالى: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران:58]. ((ذَلِكَ)) أي: المذكور من أمر عيسى عليه السلام. ((نَتْلُوهُ)) أي: نقصه. ((عَليْكَ))، يا محمد ((مِنَ الآيَاتِ)). وقوله: ((ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ)) فيه إشارة إلى أنه لا مصدر لك كي تعلم هذه الأشياء إلا ما يطلعك الله سبحانه وتعالى عليه عن طريق الوحي. ((مِنَ الآيَاتِ)) حال من الهاء في (نتلوه)، وعامله ما في (ذلك) من معنى الإشارة. ((وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ)) أي: المحكم وهو القرآن الكريم، والمحكم بمعنى المعصوم من أن يتطرق إليه خلل. أو ((الْحَكِيمِ)) بمعنى: المشتمل على الحكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ...)

    إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59]. ((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى)) أي: إن مثل شأنه العجيب الغريب في إنشائه من غير أب. ((عِنْدَ اللَّهِ)) أي: في تقدير الله وحكمه. ((كَمَثَلِ آدَمَ)) أي: كشأن آدم أيضاً العجيب في خلقه من غير أب، وهو من تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم، ولا يستطيع أن يجيب، أي: أيهما أعجب وأغرب خلق آدم أم خلق المسيح عليه السلام؟ لا شك أن خلق آدم أغرب، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول لهم: إن كنتم تستدلون على ألوهية المسيح المزعومة بكونه خلق من غير أب، فكان أولى أن تعبدوا آدم؛ لأن آدم خلق لا من أب ولا من أم، فهذا هو المقصود. ثم شرع تعالى في تبيين وجه الشبه بينهما بقوله: ((خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)) أي: آدم، والمقصود هنا أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم على هيئة الإنسان وقالبه وشكله، لم يكن قد نفخ فيه الروح؛ لأن الآية تقول: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59] فكان. فالهاء هنا في قوله: ((خلقه)) تعود على قالب آدم، الذي هو العجين المعجون من طين. ((ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ)) أي: كن بشراً. ((فَيَكُونُ)) أي: فكان، وكذلك عيسى عليه السلام قال له: كن من غير أب، فكان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين)

    الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران:60]. أي: أمر عيسى عليه السلام، والذي قصصناه عليك من ربك هو الحق. (فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: الشاكين فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ...)

    فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61]. ((فمن حاجك)) أي: فمن جادلك من النصارى في عيسى. ((مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)) أي: من العلم بشأنه وبأمره. ((فَقُلْ تَعَالَوْا)) أي: فقل لهم تعالوا، والمقصود من هذا أن الله سبحانه وتعالى بعدما أقام عليهم الحجج على بطلان ما هم عليه من الارتياب في شأن المسيح عليه السلام، يأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم: لم يبق من تفسير لما أنتم عليه من الإصرار على الكفر إلا أنكم معاندون وجاحدون؛ لأنكم إذا كنتم جهلة فقد كان ما أقمته عليكم من الحجج يستوجب زوال وصف الجهل عنكم، أما وقد أقيمت عليكم الحجج الواضحة وما استطعتم لها رداً ولا دفعاً، فلم يبق منكم إلا العناد، فلا سبيل لرفع هذا العناد إلا بالمباهلة. أي: فقل لهم: أيها المجادلون ((تعالوا)) أنا ادعوكم إلى الفيصل بيني وبينكم الذي يكشف من منا صاحب الحق ومن منا على باطل. ((فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)) هذا الاختيار اختيار دقيق، حيث اختار أعز أهله وألصقهم بقلبه، فهم الذين يخاطر الرجل بنفسه من أجلهم، ويحارب دونهم، فيأتي بهؤلاء ويباهل. ((ثم نبتهل)) أي: نتضرع ونجتهد في الدعاء. الابتهال يشمل الاجتهاد في الدعاء سواء كان باللعنة أو بغيرها، والمقصود بالابتهال هنا أن نلعن من يكون على باطل، كما قال: ((فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ)) أي: طرده وإبعاده من رحمته. ((عَلَى الْكَاذِبِينَ)) أي: منا ومنكم، ليهلكهم الله وينجي الصادقين، فلا يبقي بعد أن أقمنا عليكم دلائل العقل ودلائل النقل إلا المباهلة.

    حقيقة المباهلة

    المباهلة طريقتها أن يفعلوا كما أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام هنا: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران:61]، أي نقول: اللهم العن الكاذب في شأن عيسى. نحن المسلمين نعتقد في عيسى أنه كلمة الله، وروح منه، وأنه عيسى بن مريم عليهما السلام، ونعتقد أن الله هو الحق الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، والنصارى يقولون: هو الله أو ابن الله -والعياذ بالله- إلى آخر هذه العقائد الكفرية، فاللهم أنزل لعنتك على الكاذب منا؛ لأن الحق لا يعدو هؤلاء أو هؤلاء، فالمباهلة معناها: الدعاء بنزول اللعنة على الفريق الكاذب وإنجاء الصادقين.

    ذكر الآثار الواردة في المباهلة

    يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نصارى نجران لما قدموا المدينة، فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة رداً عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق وغيره، وكانوا ستين راكباً منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم: العاقب أمير القوم واسمه عبد المسيح . والسيد في مالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم . وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم. وفي القصة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه الخبر من الله عز وجل، والفصل من القضاء بينهم وبينه، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه دعاهم إلى المباهلة، فقالوا: يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه ثم خلوا بـالعاقب الذي هو أميرهم، فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبياً قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم! قد رأينا ألا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا)، فلم يلاعنهم صلى الله عليه وسلم وأقرهم على خراج يؤدونه إليه. وعن جابر رضي الله عنه قال: (قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي ناراً، قال جابر : وفيهم نزلت: (( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ))[آل عمران:61] .. إلى آخر الآية. قال جابر : (وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)، رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب (أَبْنَاءَنَا) الحسن والحسين (وَنِسَاءَنَا) فاطمة) وهكذا رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم . وروى البخاري عن حذيفة رضي الله عنه قال: (جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال: لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح ، فلما قام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أمين هذه الأمة) وهذا أيضاً رواه مسلم . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال أبو جهل قبحه الله: إن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على رقبته قال: فقال: لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالاً ولا أهلاً) ، وهذا رواه البخاري وغيره. يقول الزمخشري : فإن قلت: ما كان دعاؤه للمباهلة إلا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده، وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. معناه: أن الاثنين يقفان في المواجهة، فالرسول عليه الصلاة والسلام ومن معه يدعون أن تنزل اللعنة على الكاذب في شأن عيسى، والآخرون أيضاً يدعون أن تنزل اللعنة على الكاذب في شأن عيسى عليه السلام، فلماذا أدخل غيره في ذلك مع أن المخاصمة كانت بين اثنين فقط؟ أدخلهم؛ لأن هذا أوكد في الدلالة على ثقته ويقينه من الحق الذي هو عليه، وأن الله سبحانه وتعالى فاطر السماوات والأرض ورب السماوات والأرض المطلع على هذا الحال معه، وسينصره، وسيخذل عدوه، بحيث إذا استجيبت الدعوة واستجيبت هذه المباهلة هلك الكافر وذووه فاستؤصلوا جميعاً ولم يبق منهم عين ولا أثر. ثم يقول: وخص الأبناء والنساء؛ لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب. ثم يقول: ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم: حماة الحقائق، وقدمهم في الذكر على الأنفس: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ [آل عمران:61] لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. وفيه دليل على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. وأصحاب الكساء من آل البيت، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، ولا يقتصر وصف آل البيت عليهم. ثم يقول: وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.

    حكم المباهلة

    هذه الآية تدل على جواز المحاجة في أمر الدين، وأن من جادل وأنكر شيئاً من الشريعة جازت مباهلته اقتداءً بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. والمباهلة هي الملاعنة، وهذا في الحقيقة مخرج لأصحاب الحق، إذا كان مع الإنسان حق أبلج وأوضح من الشمس في رابعة النهار، ومع ذلك يعاند خصمه ويصر على باطله، ففي هذه الحالة تجوز لك المباهلة اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ [آل عمران:61]، فتحضر نفسك وأبناءك ونساءك وتقف في صف، وكذلك خصمك يحضر نفسه وأبناءه ونساءه، ثم تتباهلون وتجعلون لعنة الله على الكاذبين، فبلا شك أن هذا سيكون كفيلاً لتبرئة المظلوم، وإيضاح الحق من الباطل.

    أنموذج للمباهلة

    في الحقيقة هناك حوادث كثيرة فيما يتعلق بموضوع المباهلة وقعت حتى مع أهل البدع، بل إن بعض الصحابة كـابن عباس وغيره لما اختلف مع بعض إخوانه من الصحابة في بعض القضايا الفقهية طلب المباهلة، كي يعلن وثوقه بما هو عليه من الرأي في هذه المسألة. لا أطيل في ذكر الأمثلة وإن كانت كثيرة، لكن أقتصر فقط على هذا الذي ذكره العلامة أبو المعالي محمود شكري الألوسي رحمه الله في كتابه (غاية الأماني في الرد على النبهاني) يقول في أثناء مناقشة مذهب ابن عربي الملحد: قال الإمام أحمد بن علي بن حجر الشافعي : إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني أشياء من كلام ابن عربي ، وسأله رجل عن ابن عربي ، فقال له شيخنا: هو كافر. قال: وسمعت الحافظ شهاب الدين ابن حجر يقول: جرى بيني وبين بعض المحبين لـابن عربي منازعة كثيرة في أمر ابن عربي ، حتى إن الرجل المنازع لي في أمره هددني بالشكوى إلى السلطان بمصر بأمر غير الذي تنازعنا فيه إذا لم أكف عن الكلام في ابن عربي ، فقلت له: ما للسلطان في هذا مدخل، نحن نتناظر مناظرة علمية، فتعال نتباهل، وقلت: ما تباهل الاثنان فكان أحدهما كاذباً إلا وأصيب، فقال لي: باسم الله! هيا توكلنا على الله، قال: فقلت له: قل: اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك، فقال ذلك، فقلت أنا: اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك، وافترقنا، قال: وكان يسكن الروضة، فاستضافه شخص من أبناء الهند، ثم بدا له أن يتركه وخرج في أول الليل مصمماً على عدم المبيت، فخرجوا يشيعونه إلى بيته، ففي أثناء رجوعه أحس بشيء مر على رجله، فقال لأصحابه: مر على رجلي شيء ناعم فنظروا فلم يروا شيئاً، وما رجع إلى منزله إلا وقد عمي في نفس الليلة، وما أصبح إلا ميتاً، وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وسبعين، وكانت هذه المباهلة في رمضان منها، وعند وقوع المباهلة عرفت أن السنة لا تمضي عليه، وكانت بمحضر من جماعته.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007958583

    عدد مرات الحفظ

    720447266