إسلام ويب

الإيمان قبل العلم وما يستحيل في حق الله تعالىللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لله تعالى الأسماء الحسنى والصفات العلا، وقد قسم العلماء ما يتعلق بالله من الصفات إلى مستحيلة وواجبة وجائزة بحسب أقسام الحكم العقلي، وفي هذه المادة يشرح الشيخ هذا التقسيم، وما يترتب عليه من الكلام.

    1.   

    أقسام الحكم العقلي وتعلق الصفات بها

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فهنا يلزمنا أن نعرف أن الحكم العقلي ثلاثة أقسام هي:

    - الوجوب.

    - والاستحالة.

    - والجواز.

    فالوجوب هو: أن يحكم العقل بثبوت شيء بحيث لا يقبل ارتفاعه.

    والاستحالة هي: أن يحكم العقل بنفي شيء بحيث لا يقبل ثبوته.

    والجواز هو: أن يحكم العقل بتساوي الأمرين بحيث يجوز نفي هذا وإثباته.

    ومجال صفات الله سبحانه وتعالى أحكام العقل ثلاثة كذلك:

    النوع الأول من الصفات ما يوجبه العقل لله بها، وهذا فيه الصفات المذكورة، حيث يوجبها العقل السليم ودل عليها النقل الصحيح وأيضاً.

    النوع الثاني: ما يستحيل عقلاً في حق الله تعالى، وهو أضداد هذه، وكل نقص أياً كان.

    النوع الثالث: ما يجوزه العقل تجويزاً مطلقاً، فما دل النص عليه أخذ من النص، وما لم يدل عليه كان باقياً على الجواز المطلق، كالأفعال كلها، فكل الأفعال يجيزها العقل في حق الله تعالى، فإنه يجيز في حقه سبحانه وتعالى المجيء والنزول والاستواء والخلق والرزق والإماتة والإحياء، فهذه الأفعال جائزة في حق الله تعالى، فهو سبحانه يمكن أن يحيي هذا الشخص الآن ويمكن أن يميته، ويمكن أن ينزل المطر الآن ويمكن ألا ينزله، وهكذا، فهذا يجيزه العقل إجازة مستوية الطرفين.

    فبدأ بالنوع الأول وهو ما يوجب العقل لله تعالى من الصفات فقال: (منها فرداً) أي: واحداً، وقد جاء التعبير عن ذلك بهذا اللفظ، وهو لنفي الكم المتصل بالذات، ولنفي الكم المنفصل في الذات كذلك، ولنفي هذه الصفات عما سواها.

    فنفي الكم المتصل بالذات معناه: نفي التعدد في الذات الذي يقتضي نفي وجود الجوارح والحواس؛ لأن ذلك نقص في حقه، فيقتضي توحيده نفي ذلك، بخلاف الإنسان، فهو الذي يحتاج إلى هذه الجوارح، ويحتاج إلى ما يتممها من أكل وشرب وراحة ونوم وغير ذلك، والله سبحانه وتعالى هو الغني الحميد، ولا يحتاج إلى شيء من هذا.

    وكذلك نفي الكم المنفصل في الذات، بمعنى: نفي أن يكون للكون آلهة متعددة، كما قال سبحانه: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[الأنبياء:22] .

    وكذلك في مجال الصفات نفي الكم المنفصل فيها، معناه: أنه لا يتصف أحد بمثل صفاته، كما قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11] ، فهذا معنى الوحدانية، والوحدانية من صفات السلب، أي: التي معناها نفي؛ لأن الوحدانية معناها عدم التعدد، ونفي التعدد عدم.

    ثم الصفة الثانية بعدها هي قوله: (غنياً)، وهذه الصفة هي صفة الغنى المطلق.

    ومعنى الإطلاق فيه: الغنى عن المحل، والغنى عن المخصص.

    فالغنى عن المخصص معناه: أنه قديم لا يحتاج إلى من يحدثه، والغنى عن المحل معناه: أنه ذو ذات لا يحتاج إلى ما يتعلق به.

    1.   

    أقسام الأشياء من جهة افتقارها عن المخصص والمحل

    والأشياء أربعة أقسام:

    القسم الأول: ما هو غني عن المحل والمخصص، وهذا ذات الله.

    القسم الثاني: ما هو مفتقر إلى المحل والمخصص، وهو صفات المخلوق، فاللون الأبيض في الثوب مفتقر إلى المخصص؛ لأنه حادث ليس قديماً، فيحتاج إلى من يخلقه، وهو المخصص، ومفتقر كذلك إلى محل يقوم به؛ لأننا لا يمكن أن نرى بياضاً ليس في شيء، بل لابد أن يقوم بشيء؛ لأنه صفة لا ذات.

    القسم الثالث: ما هو غني عن المحل، لكنه مفتقر إلى المخصص، وهو ذات المخلوق، فذاتك أنت مفتقرة إلى المخصص؛ لأنك حادث لم تكن مثلما كنت، وأنت محتاج إلى من يخلقك، لكنك بعد الخلق لا تحتاج إلى ذات أخرى تركب فيها؛ لأنك ذات لست صفة لغيرك.

    القسم الرابع: ما هو غني عن المخصص قائم بالمحل، ولا يقال: مفتقر إلى المحل، وهو صفات الله سبحانه وتعالى، فهي قديمة، ولا تحتاج إلى المخصص، لكنها صفة لابد أن تقوم بذات.

    فإذاً: هذه أربعة أقسام ونظمها أحد العلماء بقوله:

    الأشياء أربع فما منها غني عن المحل والمخصص الغني

    وعكسه وهو صفات الخلق وقام بالمحل وصف الحق

    وما إلى المخصص احتاج فقط فهو بذات حادث قد ارتبط

    ومعنى المخصص: أي الذي يخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه، والممكن معناه: كل ما لم يكن، ويمكن وجوده في المستقبل، وهذا يمكن في حقه ست من اثنتي عشرة، وهي التي تسمى بالممكنات المتقابلات، وهي: الوجود والعدم، فهذا الإنسان يولد له ولد، هذا الولد يبيح العقل بأنه لم يولد بعد، ويجوز في حقه الوجود، ويجوز في حقه العدم، فهاتان الصفتان متقابلتان.

    ثم إذا خرج إلى الوجود لابد أن يتصف أيضاً بالبياض أو السواد؛ لأن الصفات المتقابلة لابد أن يتصف ببعضها دون بعض، فإما أن يكون أبيض أو أسود.

    ثم بعد ذلك في الأمكنة، فكل مكان يقابله مكان آخر، فإما أن يكون في الرياض أو في مكة مثلاً.

    ثم بعد هذا الأزمنة هل يولد في الليل أو في النهار؟

    وكذلك الجهات هل يولد في الشرق أو في الغرب من المكان الذي خصص به؟

    ثم المقادير هل يكون كبيراً أو يكون صغيراً؟ فكل مقدار يقابل مقداراً آخر، فهذه اثنتا عشرة هي الممكنات المتقابلات، والمخصص يخصص الممكن بست منها، ولا يمكن أن يخصصه بأكثر من ست؛ لأن كل واحدة تقابل واحدة تضادها.

    ولذلك يقول أحد العلماء:

    الممكنات المتقابلات وجود العدم والصفات

    أمكنة أزمنة جهات ثم المقادير روى الثقاة

    قال: [فرداً غنياً أولاً وآخراً ...........]

    والتفرد والغنى أيضاً من الصفات السلبية.

    1.   

    إثبات صفة الأولية والآخرية والصفات السلبية لله تعالى

    كذلك قوله: (أولاً وآخراً) صفتان أيضاً هما المعبر عنهما بالقدم والبقاء، لكنه اختار التعبير الشرعي؛ لأن الله تعالى يقول: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ[الحديد:3] ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء).

    وأولية الله سبحانه وتعالى ليس لها ابتداء، وآخريته كذلك ليس لها انتهاء، ولكن الأولية والآخرية كلتاهما صفة سلب؛ لأن الأولية معناها: نفي العدم السابق للوجود، بمعنى: أن وجوده لم يسبقه عدم.

    والآخرية معناها: نفي العدم اللاحق للوجود، ومعناه: لا يمكن أن يأتي زمان وهو غير موجود فيه، ولا يمكن أن يعدم، فهاتان أيضاً صفتان من الصفات السلبية، وبهذا تتم الصفات السلبية، وهي خمس:

    وقد بدأ بالوجود أولاً.

    ثم الوحدانية.

    ثم الغنى.

    ثم القدم.

    ثم البقاء.

    والوجود خارج عنها، لكن الصفة السلبية الخامسة هي مخالفته للحوادث، وهذه قد أشرنا إليها.

    والمخالفة للحوادث معناها: أنه لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، كما قال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11] ، وهذه الخمس هي المذكورة في سورة الإخلاص:

    فقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[الإخلاص:1] هذه الوحدانية.

    وقوله: اللَّهُ الصَّمَدُ[الإخلاص:2] هذا الغنى.

    وقوله: لَمْ يَلِدْ[الإخلاص:3] هذا البقاء؛ لأن الذي يحتاج إلى الولد هو الذي يفنى فيحتاج إلى ما يكون خلفاً له.

    وقوله: وَلَمْ يُولَدْ[الإخلاص:3] هذا القدم.

    وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص:4] ، هذا نفي المماثلة والمشابهة وهي المخالفة للحوادث، فجاءت الصفات الخمس في هذه السورة.

    1.   

    الصفات الواجبة لله تعالى (صفات المعاني)

    ثم ذكر المعاني التي يسميها أهل علم الكلام بصفات المعاني، وهذه تنقسم إلى قسمين:

    صفات تأثير.

    وصفات كمال.

    صفات التأثير

    فصفات التأثير معناها: أنه لا يمكن أن يؤثر مؤثر في شيء إلا إذا كان متصفاً بها.

    وصفات الكمال هي: التي تقتضي كمالاً وتماماً، فقال:

    [.................. حياً عليماً ومريداً قادراً

    ومتكلماً سميعاً ذا بصر منزهاً عن الحدوث والغير]

    فقوله: (حياً) هذا الاتصاف بصفة الحياة: فالله سبحانه وتعالى هو الحي القيوم، وحياته تقتضي ألا تأخذه سنة ولا نوم، ولا موت ولا غفلة؛ فهي حياة ليست كحياة المخلوق؛ لأنها حياة يستحيل في حقه معها النوم والغفلة، والموت والجلاء.

    ثم بعد هذا ذكر صفة أخرى وهي العلم: والله سبحانه وتعالى علمه سابق على جميع الأشياء بالإجمال والتفصيل، كما قال سبحانه: أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا[الطلاق:12] .

    ولذلك قال ابن عباس : (ما من عموم إلا وتحته خصوص، إلا قول الله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[البقرة:231] )، فهو عليم بذاته وصفاته وخلقه.

    ثم ذكر بعد هذا الصفة الرابعة وهي الإرادة: فإنه سبحانه يريد ما شاء، وهذه الإرادة تنقسم إلى قسمين:

    إرادة كونية، وإرادة شرعية، وقد سبق بيانهما، وسيأتي أيضاً التحدث عنهما.

    ثم ذكر بعد هذا القدرة: فإن الله سبحانه كما قال عن نفسه: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[البقرة:284] .

    وهذه الصفات الأربع هي التي تسمى صفات التأثير، فبها يرتبط خلقه كله وتدبيره للكون كله، وذلك بحياته وعلمه وإرادته وقدرته، وكذلك بكلامه الراجع للإرادة والكلمات الكونية، كما قال سبحانه: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[يس:82] ، وقال: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[النحل:40] .

    صفات الكمال

    وقوله: (ومتكلماً سميعاً ذا بصر):

    هذه الصفات الثلاث هي التي تسمى بصفات الكمال عندهم، وهي اتصافه بصفة الكلام، وكذلك اتصافه بصفة السمع، وكذلك اتصافه بصفة البصر، وهي صفات كمال.

    فالكلام: أنه يتكلم متى شاء بما شاء، فما شاء أن يتكلم به تكلم، وهذا يشمل القسمين:

    الكلمات الكونية والكلمات التشريعية.

    وكذلك السمع: فهو عز وجل يسمع، كما قال: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى[طه:46] ، وقال: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ[آل عمران:181] ، وقال: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[المجادلة:1] .

    وكذلك البصر: فهو ذو بصر، كما قال سبحانه: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى[طه:46] ، وقال: السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[الإسراء:1] .

    فهذه سبع صفات هي: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، وهي التي تسمى بالمعاني؛ لأنها تجمع كثيراً من الصفات الأخرى التي تدخل فيها.

    الصفات الجامعة

    وهناك نوع آخر من الصفات هي: الصفات الجامعة للكبرياء والعظمة والجلال والرحمة ونحوها، فهذه تسمى الصفات الجامعة، ولذا قال:

    [وصفة جامعة فلتعلمه من ذاك فاعدد فضله وكرمه]

    فالفضل والكرم والجود ونحو ذلك؛ كل هذه من الصفات الجامعة.

    فهذه يوجبها العقل إيجاباً، ويستحيل ضدها على الله سبحانه وتعالى عقلاً، بالإضافة إلى ما أوجبه النقل من الصفات الأخرى.

    والصفات التي أوجبها النقل كثيرة جداً لا حصر لها، لكن الصفات التي أوجبها العقل في حق موجد هذا الكون هي هذه الصفات.

    1.   

    ذكر الصفات المستحيلة على الله عز وجل

    استحالة أضداد الصفات الواجبة لله تعالى

    ثم بدأ بذكر الصفات المستحيلة فقال:

    [... منزه عن الحدوث والغير]

    قوله: (منزه)، أي: تنزيهاً عقلياً، بمعنى: أنه يقتضي العقل تنزهه وتقدسه عن هذه الصفات، ويستحيل في حقه الاتصاف بها، وهي أضداد المذكورات، فصفة الوجود ضدها العدم، والوحدانية ضدها التعدد، والغنى ضده الفقر، والقدم ضده الحدوث، والبقاء ضده الفناء، والمخالفة ضدها المماثلة، والحياة ضدها الموت، والعلم ضده الجهل، والإرادة ضدها الإكراه أو عدم حصول الإرادة، والقدرة ضدها العجز، والتكلم ضده البكم، والسمع ضده الصمم، والبصر ضده العمى، وهذه الصفات مستحيلة عليه سبحانه وتعالى، ولذلك قال: (منزهاً عن الحدوث والغير)

    والغير بمعنى: أن تعرض له الحوادث والآفات، فالله سبحانه وتعالى لا تعترضه الحوادث والآفات، ولا تحل به سبحانه وتعالى، فهو مدبر هذا الكون، وهو محدث هذه الأمور.

    تنزيه الله عز وجل عن حدوث الصفات

    [وعن حدوث العلم والإرادة وصفة الكلام عند الذادة]

    كذلك هذه الصفات قديمة غير محدثة، وهذا الفرق بينها وبين صفات الأفعال، فصفات الأفعال يجوز العقل حدوثها، فيجوز العقل أن يحدث الله ما شاء من خلقه، وأن يفعل ما شاء في أي وقت، لكن هذه الصفات السابقة من المستحيل أن تكون قد تجددت له؛ لأنه هو قديم وهذه صفاته.

    فحياته وقدمه وبقاؤه وإرادته وعلمه لم يكتسبها من خلقه، فلم يكتسب من خلقه أي صفة؛ فهو الخالق ولا خلق، وهو الرازق ولا رزق، وهو المحيي وهو المميت قبل وجود الكون كله، فهو المتصف بهذه الصفات حتى قبل أن تظهر تجلياتها في عجائب خلقه.

    ولهذا قال:

    وعن حدوث العلم والإرادة

    ومعناه: يستحيل في حقه أن يكون جاهلاً بشيء ثم يحدث له العلم، وكذلك يستحيل في حقه تجدد الإرادة، وهذا رد على اليهود الذين يزعمون البداءة على الله، فإنهم يقولون: إنه بدا له بداء، أي: ظهر له أمر كان قد خفي عنه، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

    ولا ينافي هذا تجاذب الإرادتين، فالإرداة كما ذكرنا أنواع، فيمكن أن تتجاذب، مثل قوله سبحانه في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه)، فهذا داخل في القدر، والقدر يرد الله بعضه ببعض.

    وقوله: (وصفة الكلام عند الذادة)، أي: كذلك يستحيل في حقه حدوث صفة الكلام، فهو المتكلم قبل أن يتكلم بالقرآن، وقبل أن يتكلم بالتوراة، وقبل أن يتكلم بالإنجيل، فهو المتصف بصفة الكلام يتكلم متى شاء بما شاء.

    وقوله: (عند الذادة) أي: عند المدافعين عن الشرع من العلماء.

    تنزيه الله عز وجل عن الآفات والنقائص

    ثم قال:

    [فهو متقدس عن الآفات والنقص في النفس وفي الصفات]

    قوله: (فهو متقدس عن الآفات)، كذلك من صفاته التقدس عن الآفات، فهو منزه عنها، ولا يمكن أن تحل به الحوادث والآفات.

    والآفات مثل: الأمراض والشيخوخة والعجز والفقر ونحو ذلك، فهذه تستحيل في حقه بالكلية عقلاً بالإضافة إلى امتناعها نقلاً أيضاً.

    وقوله: (والنقص في النفس وفي الصفات)، كذلك يستحيل في حقه النقص، فأي صفة فيها نقص أو عيب فهي مستحيلة في حقه، سواء كانت من صفات الذات أو من صفات الأفعال، لذلك قال: (والنقص في النفس وفي الصفات).

    وعبر بالنفس عن الذات؛ لأن هذا التعبير هو الشرعي، كما سبق بيانه.

    ثم قال:

    [لا بصفات المحدثين يوصف ...]

    فلا يحل أن يوصف بصفات المحدثين وإن كان بعض صفاته يشترك مع بعض صفات المحدثين في الأسماء، لكن لا يحل أن تكيف تلك الصفات على ما يشترك معها في الاسم من صفات المحدثين كاليد والوجه والعين ونحو ذلك، فهذه تشترك مع صفات المحدثين، ومع أجزائه في بعض الأحيان في الاسم فقط.

    فمن الاشتراك بالأسماء مع صفات المحدثين: العلم والحياة والإرادة، ومن الاشتراك مع بعض أجزاء المحدثين في الاسم: العين والوجه واليدين، ونحو ذلك، فهذه نظيرها في المخلوق جزء، وهي صفة لله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أن يفسر شيء من صفاته على نظير ما في المخلوق؛ لأنه مخالف له، كما قال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11] ، لذلك قال: (لا بصفات المحدثين يوصف).

    أي: لا يجوز ذلك في حقه.

    والمحدثون هم المخلوقون.

    تنزيه الله عز وجل عن التشبيه

    [..................... وليس جائزاً لدى من أنصفوا

    عليه ما عليهم جاز ولا .........................]

    بالنسبة لما يتعلق بالجواز -وهو القسم الثالث من أقسام الصفات- فيجوز في حقه فعل كل الأفعال وتركها، إلا ما ينافي ما ذكر من الكمال فالفعل الذي ينافي الكمال يستحيل في حقه، كاتخاذ الصاحبة والولد ونحو ذلك، فهذا فعل ينافي الكمال، فهو مستحيل في حقه، لكن ما عداه من الأفعال من إحداث أي شيء وإعدامه فهذا جائز في حقه.

    لكن لا يجوز في حقه ما جاز في حق المحدثين من الصفات، والذي يجوز في حق المحدثين هو مثل الموت والفناء والافتقار والتأثر بالرضا، وكذلك الانشغال، والسرور بمعنى الفرح بحادث وعارض، أو الحزن بمعنى الألم والانقباض النفسي بسبب شيء، فهذا لا يجوز في حقه أن يوصف به.

    بل يوصف به المخلوق فهو الذي يسر بما أوتي ويفرح به، ويحزن لما يصيبه، والله سبحانه وتعالى لا تحل به الحوادث والآفات فلذلك لا يوصف بمثل صفات المحدثين.

    وقوله: (وليس جائز لدى من أنصفوا)، أي: أن المنصفين -وهم المثبتة الذين يثبتون صفات الله سبحانه وتعالى- ليس جائزاً عليه عندهم ما عليهم جاز، أي: ما على المحدثين جاز من الصفات.

    ثم قال:

    [عليه ما عليهم جاز ولا يشبهه من خلقه شيء علا]

    كذلك لا يشبهه شيء من خلقه، وكما أنه لا يشبهه شيء فهو لا يشبه شيئاً من خلقه.

    وقوله: (علا) بمعنى: تعالى، وهذا ثناء على الله سبحانه وتعالى بعد ذكر صفاته، وهو المستحق للثناء.

    يقول:

    [وكن عمن يشبهه منزهه ..............]

    كذلك يجب تنزيهه عن المشابهة حتى مع إثبات الصفات، فنثبت له ما أثبته لنفسه مع تنزيهه عن الشبه، فقوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[الشورى:11] تقييد لقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11] ، فأثبت سبحانه لنفسه السمع والبصر، لكن ذلك لا يشابهه سمع المحدثين ولا أبصارهم، فكل صفة أثبتت لله سبحانه وتعالى يجب أن تنزه عن أن تكون مشابهة لصفات المخلوقين، وإن اشتركت معها بالاسم لكنها لا تشابهها بوجه من الوجوه.

    تنزيه الله عز وجل أن يحويه مكان أو جهة

    يقول:

    [وكن عما يشبهه منزهه أو أن يضمه مكان أو جهه]

    كذلك مما يجب تنزيهه عنه: أن يضمه مكان؛ فهو العلي الكبير، والله أكبر من كل شيء، فلا يمكن أن يحويه مكان، فهو الذي أحدث المكان، وهو الذي خلقه، والمكان كله محصور بالجهات الست.

    والمكان أياً كان له ست جهات: الفوق والتحت، واليمين والشمال، والأمام والخلف، أي ست جهات لكل مكان فهو محصور بجهاته، والله سبحانه وتعالى لا يحويه مكان، وإثبات صفة العلو والفوقية له لا ينافي ذلك؛ لأن العلو والفوقية غير محدودين، وليس لذلك حدود، ولذلك قال:

    أو أن يضمه مكان أو جهة.

    كذلك الجهة إذا قصد بها أنها تضمه وتحده فهي مستحيلة، والجهة من الألفاظ التي يستفصل فيها؛ فإن جاءت على الإطلاق كجهة العلو مثلاً جاز إطلاقها عليه، وإن كانت بمعنى الحد وتقييده فليس كذلك، ولا يجوز إطلاقها عليه بهذا المعنى.

    1.   

    ذكر بعض الصفات الجائزة لله تعالى

    صفة الرؤية وذكر درجات رؤية المؤمنين لربهم عز وجل

    ثم قال:

    [وأنه جل يرى في الآخرة ...]

    وكذلك من الصفات الجائزة في حقه عقلاً وقد أثبتها الشرع: أنه يُرى في الآخرة؛ وذلك أن أهل الإيمان يرونه سبحانه وتعالى.

    ورؤيتهم له درجات:

    الرؤية الأولى: الرؤية بالموقف؛ فإن أهل الإيمان يرونه، فيتجلى لهم في صورة، ثم يتجلى لهم في أخرى.

    الرؤية الثانية: رؤيتهم له عندما يسلم عليهم وقت دخولهم الجنة، كما في الحديث: (بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور من فوقهم، يقول: سلام قولاً من رب رحيم).

    الرؤية الثالثة: هي أنه يستزير أهل الجنة، فيأمرهم بزيارته تشريفاً وتكريماً لهم، ولا يراه إلا أهل الإيمان؛ لأن هذا غاية التشريف والإكرام، ومن رآه حصل له من التشريف ما لا يحصل له بأي شيء آخر، ولهذا لا ينظر أهل الجنة إلى شيء من نعيمهم ما داموا ينظرون إلى ديان السماوات والأرض سبحانه وتعالى.

    ولهذا فإن أهل الإيمان هم الذين يرون ربهم، وإن كانت رؤيتهم متفاوتة بتفاوت درجاتهم في الإيمان، وعلى هذا يتفاوتون تفاوتاً بالغاً في مستوى الرؤية، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر أو هذا البدر لا تضامون في رؤيته، أو: لا تُضامون في رؤيته).

    وقوله: (لا تضامون في رؤيته)، أي: لا يحول بعضهم دون بعض، ولا يؤثر عليه في الرؤية.

    وقوله: (ولا تُضامون في رؤيته) معناه: لا يحال بينكم وبينه، فمن حيل بينه وبين رؤيته وحجب عنه فقد ضيم وأذل غاية المذلة، نسأل الله السلامة والعافية، قال عز وجل: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ[المطففين:15-16].

    فالذين يحجبون عن رؤيته سبحانه وتعالى هم أهل المذلة الدائمة، وأهل الإيمان لا يضامون في رؤيته، ولذلك قال:

    [وأنه جل يُرى في الآخرة فاقرأ إذا شئت وجوه ناظرة]

    ومن أدلة هذا قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ[القيامة:22-23].

    وقد سبق الكلام في الرؤية، وذكرنا ما فيها من المسائل الاتفاقية والمسائل الخلافية، ومن المسائل الاتفاقية: أنه سبحانه وتعالى يُرى في الآخرة، وذكرنا أنواع الرؤية الثلاثة: الرؤية في الموقف، والرؤية عند دخول الجنة، والاستزارة.

    وكذلك ذكرنا المسائل الخلافية في الرؤية: هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج؟ وهل يُرى الله سبحانه وتعالى في النوم؟ وهل يجيز العقل رؤيته في الدنيا؟ هذه ثلاثة أمور، وهي التي نظمها السيوطي رحمه الله في قوله:

    والخلف في الجواز في الدنيا وفي نوم وفي الوقوع للهادي اقتفى

    فهذه ثلاثة أمور وقع الخلف في جوازها في الدنيا: جواز العقل، ورؤيته في النوم، وفي الوقوع للهادي صلى الله عليه وسلم، وقد سبق بيانها، وسبق الترجيح فيها.

    وقد ألف الدارقطني رحمه الله كتاباً مختصاً في الرؤية، جمع فيه أحاديثها وآثارها؛ لأن المعتزلة أنكروها، وهي من أوائل الصفات التي اشتهر إنكارها بينهم.

    وهي من الصفات الجائزة عقلاً؛ لأنه سبحانه وتعالى موجود، وكل موجود يصح أن يُرى، وإلى هذا أشار بقوله:

    [الله موجود وما به امترا وكل موجود يصح أن يُرى]

    صفة الكلام

    ثم قال:

    وأن ذا القرآن قوله علا لا خلقه والحرف والصوت خلا]

    يقول: مما يوجب الإيمان به أن هذا القرآن كلامه سبحانه وتعالى، وقوله (علا) أي: تعالى، وقوله: (لا خلقه)، أي: أن القرآن غير مخلوق، وقد سبق دليل ذلك، وبيان الخلاف فيه وتفصيله.

    وقوله: (والحرف والصوت خلا) كذلك الحرف والصوت قد سبق الكلام فيهما، والتفريق بين تكلم الله وتكلم خلقه، قد سبق بيان ذلك في نظم العقائد.

    1.   

    وجوب الإيمان بالقضاء والقدر

    تقدير الله لكل حركة وسكنة تقع من الخلق

    ثم قال:

    [ما فيهما وكل لحظة نظر أو فلتة من خاطر فيقدر

    ينظمها حكم القضا في سلكه في ملكوت ربنا أو ملكه]

    هنا ذكر بعض المسائل التفصيلية المتعلقة بالقدر، وقد سبق تلخيص جل مسائل القدر تقريباً فيما سبق، فقال: (...وكل لحظة نظر) أي: كل نظرة ينظر بها ناظر أياً كان من البشر وممن سواهم.

    وقوله: (أو فلتة من خاطر)، كذلك كل تذكر من خاطر فهو بقدر الله، سبق في علمه وفي كتابته، وهو عنده في أم الكتاب لا يفوته شيء من ذلك، ولا يقع شيء من ذلك إلا بقدره، وإذا كان هذا في مجرد لفتة الخاطر أو مجرد خطرة البصر فما سوى ذلك من الأفعال كذلك، فكله بقضاء الله وقدره.

    وقوله: (وكل لحظة نظر) اللحظة هي النظرة السريعة الخاطفة، يقال: لحظه يلحظه، أي نظر إليه عن بعد.

    وقوله: (أو فلتة من خاطر) الفلتة هي مجرد فكرة سنحت في الخاطر.

    قوله: (فبالقدر) أي: كل ذلك بقدر الله.

    وقوله: (ينظمها حكم القضاء في سلكه)، أي: يجمعها جميعاً حكم القضاء في سلكه، فهي موجودة في الكتاب الذي عند الله تعالى في أم الكتاب، وفي علمه السابق على خلقه، ولم تحصل إلا بإرادته وقدرته وأمره.

    وقوله: (في ملكوت ربنا أو ملكه) سواء كان ذلك في عالم الملكوت أو في عالم الملك، فعالم الملكوت: الخفايا التي لا نطلع عليها، وعالم الملك: ما نراه من هذه الظواهر.

    ثم قال:

    [فكل ما يكون من عباده فليس بالخارج عن مراده]

    كل ما يحصل من عباده من الأفعال يمكن أن يخرج عن مراده، وهذا رد على الجبرية والقدرية معاً، وقد سبق الكلام في هذا، فكل ما يكون من عباده -أي: من خلقه- فليس بالخارج عن مراده، بل لابد أن يكون موافقاً لما أراد.

    أنواع القدر خيراً وشراً

    ثم بين أنواع القدر فقال:

    [نفع وضر وكذا خير وشر كفر وإيمان فكل بقدر]

    قد ذكرنا أن أنواع القدر أربعة؛ لأن القدر إما أن يكون خيراً، وإما أن يكون شراً، وإما أن يكون حلواً، وإما أن يكون مراً، فهي أربعة أقسام سبق الكلام في ذكرها أيضاً.

    وقوله: (نفع وضر) أي: كلاهما بقدر الله، ووفق علمه، ووفق ما كتب.

    قوله: (وكذا خير وشر) أي: كل ذلك وفق علم الله وبقدره.

    وقوله: (كفر وإيمان) أي: كل ذلك بقدر الله وفق علمه، ولا يؤمن أحد إلا به، لذلك قال: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[يونس:100] ، فكل بقدر.

    أنواع الإرادة وتعلق أفعال العبد بها

    ثم قال:

    [وإنما يعني ذوو التصنيف إرادة التكوين لا التكليف]

    هنا إذا تكلمنا عن الإرادة فنقول: كل ذلك بإرادة الله، والإرادة هنا المقصود بها الإرادة الكونية، وهي المرادفة للمشيئة، لا الإرادة التشريعية؛ لأن الإرادة التشريعية هي الأحكام التي شرعها الله لعباده، وهذه لا يكون فيها الأمر بما يخالف شرعه، بل هي بما شرعه وبما أحب، فالإرادة التشريعية موافقة للمحبة، والإرادة الكونية موافقة للأمر الكوني.

    ولذلك فإن أفعال العباد تنقسم إلى أربعة أقسام أيضاً:

    الأول: ما تعلقت به الإرادتان معاً، كالعمل الصالح من الصالحين.

    الثاني: ما لم تتعلق به واحدة من الإرادتين، كالعمل السيئ من المعصومين.

    الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، كالعمل السيئ من السيئين.

    الرابع: ما تعلقت به الإرادة الشرعية فقط، كالعمل الصالح من السيئين.

    فهذه أربعة أقسام، وقد سبق بيانها وتفصيلها، فلذلك قال:

    (وإنما يعني ذوو التصنيف) أي: المصنفون المؤلفون، (إرادة التكوين لا التكليف).

    أي: إنما يقصدون هنا في هذا الباب إرادة التكوين لا التكليف، وهي الإرادة التكوينية لا التشريعية.

    ثم قال:

    [أي كلماته اللواتي لم يكن فاجر او بر مجاوزاً لهن]

    إنما يقصدون بذلك كلماته الكونية، لا كلماته التشريعية، فإرادته التشريعية متمثلة في كلماته التشريعية، وإرادته الكونية متمثلة في كلماته الكونية، وكلماته الكونية لا يتعداها بر ولا فاجر، وقد سبق شرحها، وكلماته التشريعية محصورة؛ لأنه لا يتنزل شيء بعد القرآن.

    1.   

    الكلام على مسألة وجوب الأصلح على الله عند المعتزلة

    ثم قال:

    [وليس واجباً عليه لأحد من خلقه شيء فما عليه يد]

    كذلك من مسائل القدر التي لم تسبق لنا مسألة مهمة؛ لأنها رد على المعتزلة والجهمية، وهي: أنه سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء، وقد زعم المعتزلة أنه يجب عليه الصلاح والأصلح في خلقه.

    وهذه هي القضية التي رد فيها أبو الحسن الأشعري على أبي علي الجبائي ، فسأله فقال: أرأيت الكبير الذي وفقه الله للهداية والعمل الصالح ومات على السعادة، هل فعل الله به الصلاح والأصلح؟ قال: نعم.

    قال: فالصغير الذي أماته الله قبل البلوغ، هل فعل الله به الصلاح والأصلح؟ قال: نعم؛ لأنه علم أنه لو بلغ لفجر.

    قال: إذاً: فسيقول الكبير الذي لم يوفق للطاعات ولا الإيمان: يا رب! لم تبلغ بي درجة الكبير الذي وفقته للطاعة، وقصرت بي دون الصغير الذي أمته قبل البلوغ؟

    فلم يستطع جواب هذه، فقال: أبك جنون؟ قال: لا، ولكن وقف حمار شيخي في العقبة!

    فلا يجب على الله شيء، وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن ضروريات الإيمان بالقدر: أن الله لا يجب عليه شيء، فهو يفعل ما يشاء، ويخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، قال سبحانه: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا[الكهف:51] ، وقال: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ[الأنبياء:23] كل هذا يقتضي تنزيهه عن أن يجب عليه شيء، لكنه يكتب على نفسه ما شاء؛ كقوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ[الأنعام:54] ، فهذا يكتبه على نفسه ويلتزمه لخلقه سبحانه وتعالى تفضلاً وعدلاً.

    والإيجاب إنما يتم في حق من تستطيع أن تكرهه على شيء، والله تعالى لا يمكن أن يبلغ عباده ضره ولا نفعه، ولذلك قال: (فما عليه يد)، أي: لا يمكن أن يصله نفع ولا ضر من خلقه.

    ثم قال:

    [بل إن يثب فذاك منه فضل وإن يعاقب فهو منه عدل]

    إذا أثاب بالحسنى فذلك من فضله ورحمته، وإذا عاقب فذلك بعدله، وقد نفى الله سبحانه الظلم عن نفسه، فقال: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[فصلت:46] ، وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).

    وهذه المسألة حصل فيها الغلط لدى بعض الناس؛ فزعموا أن معنى نفي الظلم عنه أنه لا يمكن أن يقع منه عقلاً أصلاً، وأن معنى الظلم عندهم: مجازاة المحسن بالإساءة، ومجازاة المسيء بالإحسان، وهذا يبيحه العقل، فأخطئوا في هذه المسألة.

    والفريق الآخر قالوا: بل كل ما فعله فهو عدل، ولو كان ظلماً في حق غيره؛ لأنه من تصرف المالك بملكه، فيمكن أن يعاقب المحسن، ويثيب المسيء، وهذا أيضاً غلط؛ لأنه سبحانه حرم الظلم على نفسه.

    والصواب في مثل هذا: أن الظلم الذي حرمه الله عز وجل على نفسه هو بالتعدي بمجازاة المحسن بالإساءة، ومجازاة المسيء بالإحسان، وهذا لا يمكن أن يقع؛ لأنه قال: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ[الرحمن:60] ، لكن لا يجب عليه مع ذلك أن يدخل أحداً الجنة، ولا يجب عليه شيء لأحد، بل الأعمال الصالحة التي يدخل بها العبد الجنة هي بفضله وتوفيقه، ويمكن أن يتقبلها، ويمكن أن يردها؛ بحسب ما يعلم من السرائر؛ فهو مطلع عليها لا يمكن أن يخفى عليه منها شيء.

    فمن عاقبه الله عز وجل فإنه يستحق تلك العقوبة قطعاً، ومن أثابه فذلك فضل من الله تعالى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)؛ لأن هذه الأعمال تقابل النعم التي لا حصر لها، فالعبادات تقابل النعم، ومن هنا لا يمكن أن يستحق بها الإنسان الجنة، وإنما هي سبب لدخول الجنة، لكنها ليست ثمناً للجنة، فالباء في قوله: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[السجدة:17] باء السببية لا البدلية.

    1.   

    وجوب الإيمان بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به

    وأن أحمد رسوله إلى الـ خلق أمينه على ما قد نزل

    من وحيه ... ...

    أي: مما يجب الإيمان به والتصديق: أن أحمد رسول الله إلى الخلق، وأحمد هو اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أفعل تفضيل من الحمد، وهو أحمد الخلق لله، وهذا الاسم هو اسمه في الإنجيل في بشارة عيسى به، كما قال عز وجل حاكياً عن عيسى عليه السلام: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ[الصف:6] .

    وقوله: (رسوله): هذه شهادة أن محمداً رسول الله.

    وقوله: (إلى الخلق): معناه إلى الثقلين الإنس والجن، وهذا عموم رسالته، وهو من خصائصه صلى الله عليه وسلم بخلاف من سبقه من الرسل؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (كان الرسول يرسل إلى قومه خاصة وبعثت إلى الأحمر والأسود)، وفي رواية: (وبعثت إلى الناس كافة).

    وقد دل الدليل كذلك على بعثه إلى الجن بآية الأحقاف، وسورة الجن، وغير ذلك.

    وقوله: (أمينه على ما قد نزل من وحيه)، أي: قد اختاره الله تعالى فائتمنه على وحيه، وهذا أعلى درجات التفضل على العبد، فأعلى درجات التفضل على العبد أن يختاره الله أميناً على وحيه؛ فالرسالة هي أعظم مراتب التفضل والنعم، فنعمة الإيمان نعمة عظيمة، لكن فوقها نعمة الولاية لله تعالى، ثم نعمة الرسالة والنبوة هي أعظم النعم.

    وقوله: (أمينه على ما قد نزل من وحيه)، أي: الذي أوحي إليه هو من القرآن، وهو أيضاً مصدق لما بين يديه، ومهيمن على جميع ما قد نزل من وحيه.

    [من وحيه فكل ما عنه نطق من أمر دنيانا وأخرانا فحق]

    كل ما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم سواء تعلق بأمر الدين أو بأمر الدنيا، فهو حق.

    وقوله: (من أمر دنيانا): مثلما يقع من الفتن والحوادث وأشراط الساعة.

    وقوله: (وأخرانا): مثل المحشر وما بعده.

    وقوله: (فحق): يجب الإيمان به.

    ثم مثل له فقال:

    [كالحشر والنشر وكالعذاب في القبر والتمييز للمرتاب]

    النشر هو: البعث بعد الموت.

    وقوله: (وكالعذاب في القبر) هذا قد سبق شرحه في الدروس الماضية.

    وقوله: (والتمييز للمرتاب) هذا يتعلق بالسؤال من نكير ومنكر، وهذه فتنة القبر، والسؤال من نكير ومنكر هو سؤال الملائكة.

    وقوله: (والتمييز للمرتاب) أي: من الموقن، كما في الحديث: (قد علمنا إن كنت لموقناً).

    (والوزن): كذلك وزن الأعمال، وقد سبق ذكر الموازين القسط.

    والمسير على الصراط: كذلك المرور على الصراط والمسير عليه.

    ومصير السالك جنة أو ناراً: كذلك مما يجب الإيمان به مما أخبر به الجنة والنار، وأنهما مصير السالك طريق الصراط، إذ لابد أن يكون مصيره إما إلى جنة وإما إلى نار.

    وهكذا يجب الإيمان بغير ذلك مما أخبر به من أشراط الساعة ومشاهد القيامة، فكل هذا مما يجب الإيمان به، وتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر به من ذلك.

    أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

    اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا ومن الماء البارد.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا.

    اللهم استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

    اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، والحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يُرام، وبنورك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك؛ أن تقيلنا من العثرات، وأن تجيرنا من النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    الأكثر استماعا لهذا الشهر

    عدد مرات الاستماع

    3038269177

    عدد مرات الحفظ

    728599770