إسلام ويب

الدعاء والتوسل والاستغاثةللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عباده أن يدعوه ووعدهم بالإجابة، وعلمهم الأسباب التي تجعل دعاءهم مستجاباً، ومنها التوسل إليه بأسمائه وصفاته وبالأعمال الصالحة ودعاء الصالحين، ولكن أدخل الناس في ذلك أموراً في التوسل بالأشخاص ونحو ذلك مما فيه خلاف، وأولى للمسلم اجتنابه لأنه قد يكون وسيلة إلى الشرك.

    1.   

    ذكر معنى الربوبية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيقول الشيخ حفظه الله تعالى:

    (وبالربوبية وحدوه فهو الذي تعنو له الوجوه)

    تعريف الربوبية عند العرب

    هذا شروع في ذكر توحيد الربوبية، وهو على التقسيم الذي ذكرناه يُعَدُّ القسم الثالث من أقسام التوحيد، والمقصود به: إثبات الربوبية لله تعالى ونفيها عن كل ما عداه.

    والربوبية: مصدر صناعي من رَبَّ الشيء يَرُبُّهُ إذا كان مهيمناً عليه مسيطراً.

    والعرب تشتق من هذه المادة أربعة أفعال، فيقال: رَبَّهُ يَرُبُّهُ إذا استولى عليه، ومنه قول صفوان بن أمية يوم حنين: فلأن يربّني رجل من قريش خير من أن يربّني رجل من هوازن.

    ويقال: رباهُ يربِّيه لنفس المعنى؛ لكنها تشير إلى إيصاله إلى كماله بالتدريج شيئاً فشيئاً، ومنه قول الشاعر:

    وربيته حتى إذا تم واستوى كمخة ساق أو كمتن إمام

    قرنت بحقويه ثلاثاً فلم يزغ عن القصد حتى بصرت بدمام

    ويقال: رببه يرببه لنفس المعنى أيضاً، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :

    بيضاً مرازبة غلباً أساورة أسداً ترببن في الغيضات أشبالاً

    ويقال: ربته يربته. بإبدال إحدى الباءين تاءً مثناة، وهو الفعل الرابع، ومنه قول الشاعر:

    ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بجمهور حزوى حيث ربتني أهلي

    بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي ومزقن عني حين تم بها عقلي

    (حيث ربتني أهلي) بمعنى: رباني أهلي.

    تعريف الربوبية في الاصطلاح

    والربوبية في الاصطلاح معناها: الخلق والتدبير، فنسبة الربوبية إلى الله معناها: نسبة كل الخلق إليه وتدبير ذلك الخلق، فلا خالق لشيء سواه، ولا مدبر له، ولا مالك له غيره، فلهذا قال: (وبالربوبية وحّدوه)؛ فهذا يقتضي إثبات الربوبية له، ونفي الربوبية عن كل ما سواه.

    ويطلق الرب على المهيمن والمسيطر مطلقاً في اللغة وفي الاصطلاح، ومنه يقال: رب البيت، وكذلك يطلق على الشهيد الذي يحفظ ولا يفوته شيء، ومنه قول الحارث بن حلزة اليشكري : وهو الرب والشهيد عليهم أي: الحافظ الذي يحفظ عليهم أعمالهم ولا يفوته شيء منها, وكل هذا من صفات الربوبية؛ لأن الربوبية تقتضي عدداً من الصفات منها:

    القِدم والبقاء والقيومية والتدبير والملك والجبروت والعظمة، وكذلك تقتضي الربوبية من الصفات السالبة المنفية: الوحدانية والغنى المطلق والمخالفة للحوادث، وأنه لا تأخذ سنة ولا نوم، فكل هذا تقتضيه الربوبية.

    العلاقة بين توحيد الربوبية وغيره من أنواع التوحيد

    والإيمان بالله سبحانه وتعالى بأنواع توحيده الثلاثة مترابطة بعضها يكمل بعضاً، فالربوبية من لوازمها توحيد العبودية الذي سبق، وكذلك توحيد الأسماء والصفات الذي سبق؛ لأن الربوبية تستلزم هذه المعاني التي ذكرناها، فلا يمكن أن يكون رباً لما سواه إلا إذا كان قديما باقياً موجوداً متصفاً بالصفات التي ذكرناها.

    (بالربوبية وحدوه) أي: أثبتوها له وانفوها عما سواه، فهذا يجمع بين النفي والإثبات.

    (فهو الذي تعنو له الوجوه) معناه: فهو وحده الذي تعنو له الوجوه، أي: يحشر الناس إليه يوم القيامة، فهو وحده الذي يقبض السماوات والأرضين بيمينه ويهزُّهن ويقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ولذلك قال الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[الزمر:67] ، وهذا هو غاية الربوبية، إذ غايتها إذعان الناس جميعاً إليه يوم القيامة بحيث لا يخالف أمره أي أحد، ولا يستطيع أحد أن يتأخر ولا أن يغيب ولا أن يعتذر بأي عذر من الأعذار، وهو سبحانه قبض السماوات والأرضين بيمينه وهزهن؛ فلذلك قال هنا: (فهو الذي تعنو له الوجوه).

    ولذلك حين ذكر الله سبحانه وتعالى مشاهد القيامة قال: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا[طه:111] ، وهذا يقتضي مذلة الوجوه لوجهه الكريم، ففي الدنيا إنما تذل له وجوه عباده الموحدين، فهم الذين يسجدون له، وأما يوم القيامة فتعنو له جميع الوجوه وتذل، فكل وجه يذل لوجه الله سبحانه وتعالى.

    وهذا دليل على تمام ربوبيته، لكنه كذلك مثبت لأمر آخر، ومشهد من مشاهد القيامة، وهو أن تعنو جميع الوجوه لله سبحانه وتعالى، وهو المذكور في قوله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا[طه:111] ، وقد رتب الشيخ ذلك على الربوبية بقوله: (فهو الذي تعنو له الوجوه).

    والوجوه جمع وجه، وهو ما يقابلك ممن واجهته، فيشمل ذلك وجوه الخلائق كلها بهائمها والجمادات والأموات، ولهذا تقول: هذا وجه الجبل، وهذا وجه الكتاب، وهذا وجه فلان. فالمقصود به ما يواجهك أياً كان؛ ولذلك فهذا يشمل وجوه الكائنات الحية والجمادات وغيرها، فكل تلك الوجوه تعنو له.

    1.   

    الكلام على اتخاذ الوسطاء في الدعاء

    ثم ذكر مسألة تتعلق بتوحيد العبادة فقال:

    [لا تجعلوا إذا دعوتم وسطا بينكم وبينه فهو خطأ]

    فهذا نهي عن نوع من أنواع الشرك، وهو شرك الدعوة، فالشرك في الدعاء هو أن يدعو الإنسان أو يستغيث بغير الله سبحانه وتعالى، وهذا شرك قد سبق ذكره، لكن بعض الناس يزعم أنه لا يدعو أولئك لأنفسهم، وإنما يتقرب بهم إلى الله سبحانه وتعالى فيتوجه بهم إليه، وهذا يشمل أمرين:

    حكم الاستغاثة بالمخلوق

    الأمر الأول: وهو الاستغاثة بالمخلوق:

    وذلك كدعاء الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء أو غير ذلك، فهذا قطعاً شرك صريح لقول الله تعالى: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ[فاطر:13-14]، ومثله قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا[الإسراء:57] ، ومثله قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ[الزمر:36] وقوله تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[الزمر:1-4].

    فرد على هؤلاء، وجعل شركهم مثل شرك النصارى الذين يزعمون له ولداً؛ لأن هؤلاء يزعمون أنهم يتوسطون إليه بأولئك الذين يدعونهم.

    التوسل بالأشخاص

    أما النوع الثاني: فهو التوسل:

    والتوسل بالأشخاص بذكرهم في الدعاء معناه التوسط بهم إلى الله، كأن يقول الإنسان: أتوجه إليك بفلان أو بعمل فلان -مثلاً- فهذا لا خلاف في تحريمه، وأنه من الكبائر، وأنه إذا قصد به إضفاء صفة من صفات التأثير عليه يكون شركاً أيضاً.

    وإذا لم يقصد به إضفاء صفة إليه وإنما هو لضعف علاقة الإنسان بالله، ولضعف ثقته بإيمانه، فهو أيضاً نقص في الإيمان ونقص حتى في العقل؛ ولذلك لم يختلف في تحريم التوسل بالأشخاص إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم وحده، فقد سبق أنه اختلف في جواز التوسل بشخصه صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف فقهي ذكرنا أن الراجح فيه هو المنع، وأن الحديث الوارد في ذلك وإن صححه كثير من أهل الحديث إلا أن الراجح أنه لا يصح، أعني حديث الضرير، وذكرنا علله الأربع فيما سبق، فلذلك قال: (لا تجعلوا إذا دعوتم)، أي: إذا سألتموه، (وسطا).

    قوله: (وسطا) جمع وسيط، والوسيط هو الذي يشفع، فهذا يشمل أمرين:

    يشمل تحريم دعاء من دونه، وهذا شرك قطعاً، وهو شرك الدعوة، ويشمل كذلك تحريم التوسط والتوجه إليه بخلقه، فإنه لم يشرع ذلك ولم يعلمنا إياه، وهذا وإن كان يمكن ألا يصل إلى درجة الشرك -كما ذكرنا- لكنه نقص في الإيمان، ونقص في ثقة الإنسان وعلاقته بالله، ونقص في عقله أيضاً.

    ومن يجعل بينه وبين الله واسطة ليشفع له ألا يعلم أن هذا الشافع محتاج إلى أن يتقرب إلى الله بالعمل بنفسه، فكيف يتقرب غيره بعمله؟! ولهذا رد الله تعالى هذا بقوله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ[الإسراء:57] ، فهم أنفسهم يبتغون إلى الله سبحانه وتعالى الوسيلة، ويتقربون إليه فكيف يتقرب بهم.

    قوله: (وسطا بينكم وبينه) أي: في الدعاء.

    قوله: (فهو خطأ) أي: فهو إثم، والخطأ والخطء كلاهما اسم للإثم، والله سبحانه وتعالى يطلق الخطأ والخطء على الإثم مطلقاً حتى الشامل للشرك، فالشرك إحدى الكبائر، والخطأ بمعنى الذنب وهو يشمل الكبائر والصغائر.

    والمقصود أنه قد يكون شركاً أكبر، كما إذا كان دعاء لمخلوق واستغاثة به، وقد يكون دون ذلك -أي: شركاً دون شرك- مثل التوسل به.

    والضمير هنا في قوله: (فهو خطا) يعود على الجعل المفهوم من الجملة السابقة، فإن قوله: (لا تجعلوا) يُفهم منها المصدر الذي هو الجعل، فلذلك قال: ( فهو ) أي: جعل وسيط من دونه، بينكم وبينه خطأ.

    1.   

    الكلام على حديث الضرير في التوسل

    وحديث الضرير الذي يستدل به مجيزو التوسل فيه علل:

    وأول هذه العلل:

    أن شعبة يرويه عن أبي جعفر غير منسوب وغير مسمى وإنما ذكر بكنيته، وأبو جعفر هذا قال الترمذي : (وليس الخطمي ، فـ أبو جعفر الخطمي ثقة مدني معروف، ولكن أبو جعفر هذا لا يدرى من هو، والذين صححوا الحديث اعتمدوا على أن أبا جعفر هذا هو الخطمي .

    العلة الثانية: أن النسائي أخرج هذا الحديث من وجه آخر في السنن فقال فيه: عن أبي جعفر عن عمارة بن زيد بن ثابت ، بدل عمارة بن خزيمة بن ثابت ، وهذه العلة ما وجدت من نبه عليها من الذين تكلموا على هذا الحديث، وقد بحثت عن عمارة بن زيد بن ثابت هذا فما وجدت له ذكراً في كتب الرجال، إلا ذكراً لا يبشر بخير، وهو أن مالكاً ذكر في موطئه أن فتية من العطار تعاطوا الخمر في أيام مروان حين كان أميراً على المدينة لـمعاوية فقتلوا أحدهم بالسكاكين، فكتب مروان إلى معاوية فيهم فأمره أن يقتاد منهم، ولم يسم مالك القتيل لكن ابن حزم ذكر هذا الأثر في المحلى فسمى القتيل عمارة بن زيد بن ثابت ، فقد قتل في معاقرة الخمر، قتله أصحابه فلا يصلح للاحتجاج به.

    وعلى هذا فإن إسناد الحديث فيه اختلاف على الراوي أبي جعفر هذا، هل شيخه فيه عمارة بن زيد بن ثابت أو عمارة بن خزيمة بن ثابت ؟

    عمارة بن خزيمة بن ثابت لا إشكال فيه؛ لأنه ثقة من التابعين، وعمارة بن زيد بن ثابت هو الذي ذكرناه، ولا نعرف له ترجمة ولا ذكراً إلا في هذه الواقعة.

    والعلة الثالثة: أن فيه أن عثمان احتجب عنه، وما عرف عن أحد من الخلفاء الراشدين أنه احتجب، بل كان يأذن لكل من طرق إلا في أوقات الانشغال، وكان -كما في الصحيحين- يعلم الناس الوضوء على أبواب المسجد قبل الصلوات، وكان يصلي بالناس الصلوات الخمس وغيرها، وكما في الموطأ كان يأتي المسجد آخر الليل فيجلس في مؤخرة المسجد يعلم الناس القرآن، ومن هذا حاله كيف يكون محتجباً عن الناس وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ولي من أمر أمتي شيئاً فاحتجب عنهم احتجب الله عنه يوم القيامة)، فلا يمكن أن يحتجب عن ذوي الحاجات من المسلمين.

    العلة الرابعة: أن في هذا الحديث: (اللهم شفعني فيه وشفعه في)، كيف تشفع في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    فقد فسرها العلماء بأن معنى: (اللهم شفعني فيه): اللهم تقبل دعائي له بالإجابة، (وشفعه في) معناها: تقبل دعاءه لي بالشفاء، وهذا يقتضي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فيكون التوسل بدعائه لا بشخصه، فيخرج الحديث عن محل الخلاف أصلاً.

    فهذه أربع علل، ومع هذا فقد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية ولكنه أجاب عنه بإجابات لا تقوى على رده؛ لأنه لم يتكلم عنه من ناحية الصناعة الحديثية، فضعف رده عليه، وقال: عن الإمام أحمد في هذا روايتان إحداهما بجواز التوسل بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم والأخرى بعدمه، والأخرى هي الموافقة لقول الجمهور كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية .

    1.   

    التوسل بدعائه صلى الله عليه وسلم

    وعموماً فإن المسألة مسألة خلاف فقهي، ولكن الأحوط فيها والأقرب للحق أن لا يفعل الإنسان هذا وإن كان السلف قد اختلفوا فيه، وليجتنبه بالكلية.

    وقد تركه الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا يتوسلون بدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته كما ثبت في كثير من الأحاديث، كما في حديث أنس وغيره أن أعرابياً أتاه وهو على المنبر فقال: (يا رسول الله! هلكت المواشي وتقطعت السبل فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا، فظهرت سحابة صغيرة من قبل سلع، فأبرقت وأرعدت ثم أمطرت أسبوعاً، فجاء ذلك الرجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: يا رسول الله! هلكت البهائم وانقطعت السبل فادع الله أن يصرفه عنا، أو فاستصح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم على الجبال والآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)، فانجابت تلك السحابة حتى رأوا الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان أبو طالب حياً لسره هذا)، ويقصد بذلك قول أبي طالب في مدحه صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم:

    وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل

    تلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل

    والمقصود بـ(يستسقى الغمام بوجهه): بدعائه وتوجهه إلى الله في ذلك، لا بشخصه.

    وعندما جاء عام الرمادة في خلافة عمر رضي الله عنه، وصلى عمر بالناس الاستسقاء توسل بـالعباس بن عبد المطلب فتقدم فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم لتسقينا، وإذ قبضته إليك فإنا نتوسل إليك بعم نبينا، يا عباس قم فادع، فتقدم العباس فدعا وقال: اللهم إنه لم تنزل مصيبة إلا بذنب ولم ترفع إلا بتوبة، ودعا دعاءه البليغ المشهور، فرفع الله عنهم ما كانوا فيه.

    فهذا دليل من فعل هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، حيث لم يتوسل عمر برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته بشخصه؛ لأنه لو كان التوسل بشخصه فإن جاهه لم يتأثر بموته صلى الله عليه وسلم ولم ينقص جاهه عند الله بعد أن مات، ولم تنقص كرامته على الله، بل ما زالت كرامته كما كانت، لكن إنما كانوا يتوسلون بدعائه في حياته، وأما بعد موته فإنما يتوسلون بدعاء الأحياء الذين يتضرعون إلى الله؛ لأن المقصود بالدعاء أصلاً الضراعة إلى الله وإبداء الذلة والمسكنة بين يديه، وهذا إنما يمكن من الأحياء.

    هذا ما يتعلق بقوله:

    [واجتنبوا الشرك الجلي والخفي ولو بما فيه اختلاف السلف]

    فما فيه اختلاف السلف يشمل ثلاثة أمور من أنواع الشرك: فما يتعلق بشرك العبادة، ذكرنا أن بعضهم كان يدبر بعض الأمور فيلهى عن الصلاة، وأن بعضهم قال: طلبنا الإيمان أن يكون لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، ونحو ذلك.

    وما يتعلق بشرك الدعوة ذكرنا فيه قضية التوسل بشخص النبي صلى الله عليه وسلم.

    وما يتعلق بالشرك في التشريع طبعاً ليس لهم فيه اختلاف، وما يتعلق بشرك الطاعة قد يحصل من بعضهم شيء من هذا، ولكنه يرفعه ما عرف عنه من إيمان وضراعة إلى الله سبحانه وتعالى وتقرب إليه، فلا يمكن الاستدلال بحال بعض أولئك.

    1.   

    ذكر التوسل المشروع

    أما التوسل الجائز فإننا ينبغي أن نعلم أن التوسل إلى الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين:

    توسل واجب.

    وتوسل جائز.

    فالتوسل الواجب هو التقرب إلى الله بالعبادة، دليل وجوبه قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ[المائدة:35] ، والوسيلة في اللغة تطلق على الحاجة، ومنه قول الشاعر:

    إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يأخذوك تكحلي وتخضبي

    ويطلق على المحبة والعلاقة، ومنه قول الشاعر:

    إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل

    الوسائل جمع وسيلة، والوسيلة في الآية المقصود بها ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى من صالح الأعمال، فهذا التوسل الواجب الذي بينه الله سبحانه وتعالى فيما روى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) وقد قال قبله: (وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) .

    النوع الثاني: التوسل الجائز: وهو التوسل في الدعاء، فالدعاء لا يجب منه أصلاً إلا قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ[الفاتحة:6] ، في الفاتحة، ولكنه من تمام العبودية لله، وهو مخ العبادة، أو هو العبادة أصلاً.

    1.   

    ذكر آداب الدعاء

    أما التوسل الجائز فإننا ينبغي أن نعلم أن التوسل إلى الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين:

    توسل واجب.

    وتوسل جائز.

    فالتوسل الواجب هو التقرب إلى الله بالعبادة، دليل وجوبه قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ[المائدة:35] ، والوسيلة في اللغة تطلق على الحاجة، ومنه قول الشاعر:

    إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يأخذوك تكحلي وتخضبي

    ويطلق على المحبة والعلاقة، ومنه قول الشاعر:

    إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل

    الوسائل جمع وسيلة، والوسيلة في الآية المقصود بها ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى من صالح الأعمال، فهذا التوسل الواجب الذي بينه الله سبحانه وتعالى فيما روى عنه رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) وقد قال قبله: (وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) .

    النوع الثاني: التوسل الجائز: وهو التوسل في الدعاء، فالدعاء لا يجب منه أصلاً إلا قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ[الفاتحة:6] ، في الفاتحة، ولكنه من تمام العبودية لله، وهو مخ العبادة، أو هو العبادة أصلاً.

    من أسباب استجابة الدعاء

    إذا أراد الإنسان أن يستجاب له فإن لذلك وسائل كثيرة من أعظمها أن يكون دعاؤه ذلك بغير إثم ولا قطيعة رحم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم ولا قطيعة رحم).

    الثاني: أن يكون ذلك إثر عبادة يتقرب بها إلى الله، فإن الدعاء في إثر العبادة مستجاب؛ لأنه قد قدم شيئاً بين يدي نجواه، كما إذا قدم صدقة بين يدي نجواه فإنه يستجاب له بعد ذلك.

    ومن ذلك الدعاء في أدبار الصلوات، ويشمل هذا الفرائض والنوافل فلا فرق، بل أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى الدعاء في أدبار الفرائض، وكذلك دعاه صلى الله عليه وسلم بقوله: (اللهم لا مانع لما أعطيت ولم معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وهذا دعاء المقصود به: أعطنا ولا تمنعنا، وأرشد معاذاً أن يدعو بهذا الدعاء: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، في أدبار الصلوات، والمقصود بأدبارها ما كان بعد السلام والانتهاء من الفريضة؛ لأنه ذكر التسبيح في أدبار الصلاة ولا فرق، وفي أدبار الصلاة تشمل الأمرين.

    وكذلك دعا صلى الله عليه وسلم بعد أن رمى الجمرة الأولى، ودعا بعد أن رمى الجمرة الثانية، فهذا دعاء بعد نهاية العمل، وقد أخبر أن الليلة الأخيرة من ليالي رمضان يغفر فيها للمؤمنين الصائمين القائمين، وقيل له: (أليلة القدر هي؟ قال: لا، ولكن الأجرة عند تمام العمل)، وكذلك الدعاء ينبغي أن يكون بعد تمام العمل دائماً.

    مشروعية رفع اليدين في الدعاء

    وسواء رفع الإنسان يديه في الدعاء أو لا، فرفع اليدين يرشد له قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حيي كريم يستحي إذا مد العبد إليه يديه أن يردهما صفراً)، وقد رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه بعد أن رمى الجمرة ودعا، وكذلك رفع يديه في المزدلفة وفي عرفات، وكان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه في بعض الأدعية، وفعل ذلك في دعاء الاستسقاء على المنبر.

    وقد دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قنوت الفجر فرفع يديه حتى تجاوز بهما رأسه يدعو على أهل الكتاب.

    وأما قنوت الوتر فلم أجد فيه دليلاً على الرفع، فلم أجد فيه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صحيحاً ولا حسناً ولا ضعيفاً، ولم أجد فيه أثراً صحيحاً عن أحد من أصحابه وإنما وجدت فيه أثراً ضعيفاً عن ابن مسعود، وفيه آثار عن بعض التابعين وأتباعهم لكنها ليست دليلاً.

    وقد دأب الناس على رفع أيديهم فيه من أيام ابن عيينة إلى زماننا هذا، سئل أحمد بن حنبل عن دليله فقال: رأيت ابن عيينة يفعله، وهذا ليس دليلاً لكن يستأنس به لرفع اليدين في الوتر.

    الثناء على الله والصلاة على رسوله في الدعاء

    وكذلك من أسباب استجابة الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، واستحسن بعض العلماء أن تكون قبله وبعده؛ لأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دعاء وهو مستجاب قطعاً، والله سبحانه وتعالى كريم فإذا استجاب لك بعض دعواتك فستكون الأخرى مستجابة تبعاً لها.

    وكذلك أن يكون بعد الثناء على الله وحده وتبجيله، فالله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى ذلك بالفاتحة فبدأ فيها بحمد الله والثناء عليه ثم ختمها بالدعاء، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل إذا أراد أن يدعو.

    ومن أسباب استجابة الدعاء أن يكون الإنسان خاشعاً وقت دعائه، وأن يتعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى وحده.

    ومن أسباب استجابة الدعاء أن يكون في حال المناجاة كالدعاء في السجود ونحوه، فإن الله سبحانه وتعالى ذكر استجابته لبعض الأنبياء في صلواتهم، فذكر استجابته لزكريا وهو قائم يصلي في المحراب، هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى[آل عمران:38-39].

    وسائل استجابة الدعاء

    وهناك ثلاثة من أسباب استجابة الدعاء اشتهرت بالوسائل:

    السبب الأول: أن يتوسل الإنسان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، فالتوسل بهذا بين يدي الدعاء مظنة الاستجابة، لقول الله تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا[الأعراف:180] ، وفي الحديث أن رجلاً من الأنصار قال: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت ديان السماوات والأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد سأل هذا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب).

    وكذلك أقر عائشة على الدعاء بالأسماء الحسنى، وثبت عنه قوله: (إن لله اسماً هو اسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب)، فهذا يقتضي التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا عموماً.

    السبب الثاني: التوسل إلى الله بصالح الأعمال، ولا يكون العمل صالحاً إلا إذا كان موافقاً لما شرعه الله وكان الإنسان مخلصاً فيه لله سبحانه وتعالى، فإذا كان كذلك فإنه بالإمكان أن يتوسل به إلى الله ولو كان يسيراً فيستجيب الله دعاءه، ودليل ذلك قول الله تعالى: رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا[آل عمران:16] ، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أصحاب الرقيم أن الثلاثة توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، قالوا: إنه لا ينجيكم إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم.

    السبب الثالث: هي التوسل إلى الله بدعاء المؤمنين، والله سبحانه وتعالى جعل الشفاعة وسيلة، لكنه لا يستجيب إلا إذا أذن بالشفاعة، فالملائكة يشفعون ويدعون للمؤمنين، ولكنهم لا يدعون إلا لمن أذن لهم الله بالشفاعة فيه؛ لأنه قال: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ[البقرة:255] ، وقال: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ[الأنبياء:28] .

    وقد ذكر آيتين في دعاء الملائكة إحداهما في سورة الشورى وهي قوله: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ[الشورى:5] ، والأخرى في سورة المؤمن، وهي قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ[غافر:7-9]، فالآية الأولى فيها الإطلاق: (لمن في الأرض)، والآية الثانية فسرت ذلك الإطلاق بأن المقصود به أهل الإيمان والتقوى والالتزام لأنه قال: (للذين تابوا واتبعوا سبيلك).

    وكذلك الاستشفاع بدعاء الرسل في حياتهم، وقد ذكرناه في دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن هذه القبور مظلمة على أهلها، وإن الله ينورها عليهم بدعائي وصلاتي) ، وقد أمره الله بالدعاء للمؤمنين في قوله: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ[التوبة:103] .

    وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه أمر عمر بن الخطاب إذا أتاهم أويس القرني أن يسألوه أن يستغفر لهم، فهذا دليل على مشروعية التماس الدعاء من كل عبد مؤمن تظن به خيراً.

    وقد سأل عمر أويساً القرني أن يستغفر له، وقد كان يستقبل أمداد اليمن، وكان إذا أتاه أحد من أهل اليمن سأله عن أويس ما حاله فيذكرون تقشفه وزهده، حتى قدم عليه في أمداد اليمن، فقال:

    أنت أويس بن عبد الله ؟

    قال: نعم.

    قال: القرني ؟

    قال: نعم.

    قال: لك أم أنت بها بر؟

    قال: نعم.

    قال: كان بك وضح فشفاه الله إلا موضع أصبع؟

    قال: نعم.

    قال: قد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسألك أن تستغفر لنا.

    وكان خيره إلى أي اتجاه يريد أن يذهب فاختار العراق، فقال: أوصي عليك أمير الجيش؟

    قال: لا، دعني أسير في غمار الناس.

    فكان لا يريد أن يكون له ذكر، لكنه اشتهر في العراق والتمس الناس منه الدعاء، وأكثروا عليه، فسار في سرية فلم يرجع ولم يعرف الناس أين ذهب، وقد لقب بسيد التابعين. وكل من رجي منه الخير فإنه يلتمس منه الدعاء.

    فقد كان عدد من التابعين يلتمسون الدعاء من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكان الناس في زمان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا ولد لأحد منهم مولود أتاه به فيدعو له، كما ثبت أن ابن عباس أتاه بولده علي حين ولد له فدعا له علي وسماه علياً، فكان أبا خلفاء بني العباس.

    وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هذه السنة من قبل، كان إذا أتي بمولود حنكه ودعا له، وكذلك كان ابن عمر رضي الله عنه إذا ودعه من يريد السفر دعا له بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعهم به: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك)، وكذلك كان يقول: (زودك الله التقوى وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيثما توجهت).

    1.   

    أهمية الدعاء

    وقد كان دأب سلف الأمة الصالح في مختلف العصور والقرون، أنهم كانوا يلتمسون الدعاء ممن يظنون بهم الخير والصلاح، ويوصون المسافرين والحجاج والعمار على الدعاء، ويوصون الخارجين للجهاد في سبيل الله أو المرابطين في الثغور بالدعاء.

    وهذا يقتضي أن يهتم الناس بالدعاء وأن يعلموا مكانته الشرعية، فضعفاء الناس يظنون أنهم لا دور لهم في الأمة ولا مشاركة لهم في الجهاد في سبيل الله، ومع ذلك إنما ينصر المسلمون بهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما تنصرون بضعفائكم)، فهؤلاء الضعفاء ينبغي أن تعظم وتفخم مكانتهم حتى لا يغفلوا عنها.

    ومع الأسف أن الأمة اليوم كلها ضعفاء وسلاحها هو الدعاء، وعليها أن لا تتركه بحال من الأحوال وأن تجتهد فيه لله سبحانه وتعالى، ولعلها تنصر بدعاء المستضعفين منها، ولذلك بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن دعاء هؤلاء يرفع به البلاء، فقال: (لولا صبيان رضع، ومشايخ ركع، وبهائم رتع؛ لصب عليكم العذاب صباً)، هذه هي أهم الوسائل، وهذه الثلاث متفق عليها والدلالة عليها من النصوص من القرآن والسنة واضحة، ولا خلاف فيها بين أهل العلم إلا الخلافات التي لا تعتبر ولا يعتد بها.

    وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستعجال في الدعاء، فقال: (يستجاب لأحدكم ما لم يتعجل يقول: قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي) ، فعلى الإنسان أن يجتهد في الدعاء وأن يتقرب بذلك لله سبحانه وتعالى، وأن يعلم أنه لا يضيع، فإما أن يستجاب له عاجلاً، وإما أن يدخر له ذلك عند الله سبحانه وتعالى، وإما أن يرفع به عنه البلاء، فالدعاء يصطرع مع البلاء في السماء ولا يرد القدر إلا الدعاء، وهذه مزيته، فهذا الدعاء من قدر الله، ويرد كثيراً من أقدار الله سبحانه وتعالى الواردة.

    كثير من الناس لا يظن أنه يستغفر استغفاراً فيرفع به عنه سرطان أو بلاء عظيم جداً، أو يرفع به عن الأمة بكاملها ضرر لاحق، سواء كان ضرراً في الدين أو ضرراً في الدنيا، فمثلاً: اللوثات الدينية التي تحصل في المجتمعات من الانحلال الخلقي أو الانحراف العقدي أو نحو ذلك، هي أوبئة وأمراض تنزل من السماء فتصيب الأمم لكنها ترفع بهذا الدعاء.

    وكذلك فإنه سبب من الأسباب التي لا ترد، فكثير من الناس ييأس إذا نفذت عليه أسباب الدنيا في الرزق أو في الدعوة أو في العلم وينقطع، ويظن أن الأمر قد أغلق أمامه وأن الطريق قد سد عليه، لكنه ينسى هذا الجانب المهم من سلاحه.

    وقد شاهدت أن بعض الناس يجتهد في محاولة هداية بعض الأشخاص والأخذ بزمامهم إلى الخير، فيعمل معهم جميع أنواع الحيل فلا يستجيبون لها، فإذا انقطعت أسبابه قيل له: بقي أمامك نصف الطريق وهو أن تجتهد لهم في الدعاء لعل الله يهديهم على يديك، فما جربت هذه إلا هدي بها ذلك الإنسان.

    كثير من الناس يظن أنه إذا بذل الأسباب فما نجحت انتهى الأمر، وينسى هذا الجانب الآخر حتى مع أولاده، ومع المدعوين الذين يريد هدايتهم، ومع جيرانه وغيرهم.

    1.   

    الأسئلة

    شرك الطاعة

    السؤال: يكثر شرك الطاعة في مجتمعنا، فهل كل أحواله تخرج من الملة؟

    الجواب: لا، إن بعض أحواله لا تخرج من الملة، فطاعة المخلوق في معصية الخالق إذا لم يعتقد للمخلوق نفعاً ولا ضراً وإنما اعتقد أنه لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الخالق، ولكنه ضعف أمامه فأصبح يتقرب إليه بمعصية الله تعالى، فهذا لا يخرج من الملة، لكن صاحبه يكون فاسقاً ويكون كفره كفراً أصغر.

    بطلان العمل بالشرك الخفي

    السؤال: الشرك الخفي هل يبطل العمل ولو كان بعد سنوات من زمن الطاعة؟

    الجواب: الرياء اختلف فيه هل يبطل العمل أم لا:

    فقالت طائفة من أهل العلم: يبطل العمل مطلقاً، فيبطل أجره ويبطل العمل نفسه.

    وقالت طائفة أخرى: بل يبطل الأجر دون العمل، فيسقط عنه التكليف بالعمل ولكنه لا يثاب عليه.

    لكن الإبطال متفق عليه بالجملة، يقول أحد العلماء:

    هل الرياء مبطل للعمل وأجره حتى كأن لم يحصل

    أو مبطل للأجر دون العمل فحج من راءى به لم يبطل

    محل خلاف على هذين القولين.

    كفارة الشرك الخفي

    السؤال: هل في الشرك الخفي كفارة، فهو كثير في هذه الأمة؟

    الجواب: نعم كفارته الإخلاص فيحاول الإنسان الإخلاص فيما بقي من عمره فإن عمراً ضيع أوله لجدير أن يحفظ آخره، ولذلك فإن العبرة بالخواتيم، فمهما أسرف الإنسان فيما مضى فإنه إذا أحسن فيما بقي من عمره سيكون مكفراً لكل ما سبق، يقول أحد العلماء:

    بقية العمر عندي ما لها ثمن ولو غدا غير محبوب من الزمن

    يستدرك المرء فيه كل فائتة من الزمان ويمحو السوء بالحسن

    (اتبع السيئة الحسنة تمحها) .

    قوة الأمم السابقة بالنسبة لما بعدها

    السؤال: هل كانت الأمم السابقة مثل قوم نوح وصالح وهود يعتبرون أقوى من الأمم التي بعدهم إلى قيام الساعة؟

    الجواب: لا، هذا ليس مطرداً على التسلسل، فالله سبحانه وتعالى أخبر عن عاد أنه زادهم بسطة على قوم نوح كقوله: وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً[الأعراف:69] ، فقد تكون الأمة اللاحقة أقوى من الأمة السابقة، وهذا باعتبار حالهم وحال من تحت يدهم من الناس، مثلاً: قوة عاد إنما هي باعتبار تجبرهم على الناس وضعف الناس في زمانهم، فلم يبق أحد على وجه الأرض يستطيع معالجتهم ولا الوقوف في وجههم، فأهلكهم الله بالريح وسخرها عليهم ثمانية أيام حسوماً.

    وكذلك فرعون الذي قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى[النازعات:24] ، ولم يستطع أحد منهم أن يستنكر ذلك، ولم يرض بسلطان الأرض فقط حتى أمر هامان أن يبني له صرحاً ليصعد إلى السماء، فهذا باعتبار زمانهم وحال الناس في ذاك.

    وكذلك اليوم، فالأمم الكافرة الموجودة اليوم وإن كانت لها من وسائل التكنولوجيا والتقدم ما ليس لدى أولئك، لكن هذا مشترك موجود لدى غيرهم بخلاف السابقين، فأمريكا اليوم مثلاً يمكن أن تعارضها الصين، ويمكن أن تعارضها غيرها، فهزمتها فيتنام وهزمها المجاهدون في الصومال، وهزمها إلى حد كبير المكسيكيون حين كانت الحروب بينهم سجلاً في جنوب أمريكا.

    حكم الطواف بالقبور

    السؤال: الطائفون بالقبور مثلما يفعله كثير من الناس، هل يعتبرون مشركين أو أن عملهم فقط شرك؟

    الجواب: الطواف بالقبور والتمسح بها سيأتي إن شاء قريباً في درس لاحق، وسنبين أنه ليس درجة واحدة، فمنه ما هو شرك ومنه ما ليس كذلك، لكن الجميع يدخل في المحرمات المنهي عنها.

    معنى قولهم: (كفر دون كفر)

    السؤال: ما تفسير قول بعض العلماء: (كفر دون كفر)؟ وهل ترك الصلاة مع الجماعة من كذلك؟

    الجواب: الكفر ينقسم إلى:

    كفر أكبر مخرج من الملة.

    وإلى كفر أصغر وهو كفر دون كفر، والمقصود أنه يسمى كفراً تنفيراً منه، وهو الفسق الشديد، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) وفي قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فهذا كفر دون كفر ولا يقصد به الكفر المخرج من الملة.

    واختلف العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: (بين المرء والشرك والكفر ترك الصلاة)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).

    فقالت طائفة : المقصود بذلك كفر دون كفر، وهذا مذهب الجمهور.

    وقالت طائفة أخرى: بل المقصود به الكفر المخرج من الملة، ومحل هذا في ترك الصلاة مطلقاً والامتناع عن أدائها، أما تركها في الجماعة ولكنه يصليها في بيته وحده ونحو ذلك فلم يقل أحد بكفر من فعل هذا، لكن اختلف في فسقه ونحو ذلك، فالذين أوجبوا الصلاة في الجماعة وهم قلة رأوا أنه إذا فعلها في بيته فقد فسق، والجمهور يرون أنه لا يعتبر ذلك واجباً لكنه سنة مؤكدة، ومن تركها في المسجد فقد حرم نفسه خيراً كثيراً وتعرض لسوء الخاتمة نسأل الله السلامة والعافية، لقول ابن مسعود فيما أخرج عنه مسلم وغيره: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بها) .

    ترك العمل خوفاً من الرياء

    السؤال: ألا ترى أننا لو تحدثنا عن الشرك الخفي قد يؤدي ذلك إلى أن البعض قد يترك بعض الأعمال الظاهرة كالدعوة إلى الله بحجة أنه يخشى الوقوع في هذا الشرك؟

    الجواب: من تركها فقد جمع الخطتين: الترك والشرك؛ لأنه أشرك أيضاً في الترك، أي: اتبع هواه وخوفه في مقابل ما أمره الله به، ومن عمل ولكنه أشرك شركاً خفياً فعلى الأقل أنه نجا من إحدى الخصلتين ووقع في الأخرى.

    وقد نص أهل العلم في الذين يتعاقرون الخمر أنه يجب أن ينكر بعضهم على بعض وأن ينهاه؛ لأن لا يجمع بين الخصلتين؛ لأنه إذا لم ينهه فقد ترك واجباً، وإذا شرب الخمر فقد فعل محرماً، فجمع بين ترك الواجب وفعل المحرم.

    ولهذا فقد نص العلماء في قول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[المائدة:105] ، على أن المقصود بقوله: ( إذا اهتديتم ) إذا أديتم الواجبات وتركتم المحرمات، فيدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة، فلا يكون الإنسان مهتدياً وهو لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن المنكر، ولذلك يرد على من استدل بهذه الآية على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بذلك.

    بل بين ذلك أبو بكر رضي الله عنه في قوله: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).

    الحكمة من استغفار أويس لسيدنا عمر

    السؤال: ما الحكمة من أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يطلب من أويس أن يستغفر له، مع أن عمر خير من ملء الأرض من أمثال أويس ؟

    الجواب: هذا من التنويه ببعض رجال هذه الأمة، ومن البيان أن المزية لا تقتضي التفضيل، فهذه الأمة جاءت فيها أحاديث متعددة، جاء فيها أحاديث : (مثل أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره)، وجاء تفضيل سلفها في قوله: (خير القرون القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : (يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى محمداً؟ فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم) .

    وجاء في مقابل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (وددت لو رأيت إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني للواحد منهم أجر خمسين، قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعواناً ولا يجدون على الحق أعواناً) ، فهذه مزية، وهي لا تعني التفضيل.

    بل أفضل الأمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفضلهم الخلفاء الراشدون، ثم بقية العشرة، وأهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، فهذا التفضيل المعروف، لكن من دونهم فيهم خير كثير أيضاً، وربما يكون لبعضهم مزايا ليست لبعض الصحابة، فبعض الصحابة غير مستجاب الدعاء في كل شيء وبعضهم مستجاب الدعاء في كل شيء بحيث لا يدعو إلا استجيب له في الحال مثل سعد بن أبي وقاص وليس أفضل من علي و عثمان ، وهما قد لا يستجاب لهما في بعض دعواتهما، فالمزية لا تقبل التفضيل.

    وكذلك أويس القرني بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم مزيته، وبعث بذلك الأمل والمنافسة في أمته، ولهذا اختلف العلماء في تفسير قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه)، فقالت طائفة: المقصود بزمان الصحابة فقط، وهذا رأي الحافظ ابن حجر وغيره؛ لأن زمان أبي بكر خير من زمان من بعده، ثم زمان عمر ، ثم زمان عثمان ، ثم زمان علي ، ثم كل زمان يكون الذي بعده شراً منه إلى أن انتهى عصر الصحابة، فجاء بعدهم عمر بن عبد العزيز فكان زمانه خيراً من زمان الذين سبقوه من أمراء بني أمية.

    وقالت طائفة: المقصود بذلك في بعض جوانب هذه الأمة في العلم والإيمان ونحو ذلك على الجملة، فالزمان الأول زمان النبي صلى عليه وسلم ما عرف فيه كثير من الفواحش التي ظهرت فيما بعد، وكذلك زمان الخلفاء الراشدين ما عرف أن أحدهم ارتد عن الإسلام في زمن الخلفاء الراشدين وأقيم عليه حد الردة إلا شخص أو شخصان في العراق قتلهم ابن مسعود ، وكذلك ظهور البدع ونحو هذا، وهذه لا تزال تكثر حتى في أيام عمر بن عبد العزيز ، وفي أيام من دونه من الخلفاء.

    فعلى هذا يكون المقصود أن الزمان السابق نفسه له فضله، والزمان اللاحق شر منه باعتبار فضل الزمن نفسه لا بفضل أهله، ولا باعتبار ما يحصل فيه من العافية أو الخير أو انتشار الإسلام أو انحساره، فالعبرة بنفس الزمان، فالقرن الأول أفضل من القرن الثاني، والقرن الثاني أفضل من القرن الثالث، وهكذا. لكن العبرة بالقرن نفسه أو بالسنة نفسها.

    وقيل: المقصود البركة، فالزمان الأول كانت الأعمار مباركاً فيها بركة عجيبة جداً، بحيث يقطع الرجل الأشواط على أرجله من مسافات شاسعة في الفترات القليلة التي لو قسناها اليوم بعملنا لوجدنا فرقاً شاسعاً، وهذا سيأتي ما هو شر منه في آخر الزمان فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاشتعال السعفة من سرعتها، إلا في أيام الدجال فاليوم الأول كسنة، واليوم الذي يليه كشهر، واليوم الذي يليه كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315049

    عدد مرات الحفظ

    723576615