إسلام ويب

بين يدي العيد (الأضحى)للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنعم الله على هذه الأمة بمناسبات عظيمة ومواسم خير كثيرة؛ لأخذ العبر والدروس منها، والاستفادة منها كما شرع، ومعرفة الحكمة الشرعية منها، ومن ذلك يوم عيد الأضحى الذي شرع فيه الأضحية والتقرب إلى الله، والصلاة والخروج فيها وغيرها من الأمور التي شرعت لحكم ومقاصد، فلابد للإنسان من معرفة تلك الضوابط في الأعياد والالتزام بها كما وردت

    1.   

    مواسم الخير وأعياد العبادات

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى يتعرف إلى عباده بالنعم الجزيلة التي ينعم بها عليهم، وهم لا يستطيعون إحصاءها ولا عدها، بل إن كثيراً منها يفوت طلبه، فلا يتعلق به ذهن الإنسان حتى يفاجئه الله به، ويبادره به، ومن ذلك نعمه المتجددة آناء الليل والنهار، وكلاهما أثر من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى، وتعاقبهما مؤذن لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، كما قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان:61-62].

    وقد جعل الله سبحانه وتعالى أعمار الإنسان متنوعةً متعددةً بما يتناسب مع التوبة والإنابة إلى الله تعالى في كل الأحوال، فما يذكر الله به الإنسان بالتوبة والرجوع إليه من الأزمنة منه اليوم والليلة، فهما عمر متكامل يختم على صحائفه، ولا تنشر إلا عند العرض على الله تعالى.

    ومنه كذلك: الشهور، فمحاق الهلال مؤذن بالزوال، وكذلك السنوات فنهايتها كذلك مؤذنة بانتهاء عمر الدنيا، ومؤذنة للإنسان بانقضاء أجله واقتراب موعده، قال تعالى: وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ [الأعراف:185].

    مضاعفة الثواب في مواسم العبادات

    وقد جعل الله سبحانه وتعالى فيها مواسم تستغل للخير، فهذه المواسم العمل فيها مضاعف، والثواب فيها جزيل، فما هي إلا بمثابة الأسواق في أيام الدنيا، فالأسواق التي تجلب إليها البضائع لتلاقي فيها رواجاً وارتفاعاً في الأسعار مثلها هذه المواسم التي أعدها الله سبحانه وتعالى لتضعيف الحسنات، وزيادة الثواب، ومن هذه المواسم شهر رمضان المعظم، وهذه العشر التي أنتم فيها، وقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في أيام العشر. قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ).

    فهذه الأيام موسم عظيم من مواسم الخير وهي من المواسم التي ينبغي أن يقع فيها التنافس كأيام عشر رمضان، فلذلك لا بد من التنافس في الإقبال على الله سبحانه وتعالى، واستغلال الفرص قبل فواتها، ثم إن هذه النعم التي أنعم الله بها على عباده حتى في الماديات والأمور الدنيوية يحب الله ظهورها على عباده، فإنه سبحانه وتعالى يحب إذا أنعم على عبد أن تظهر عليه آثار تلك النعمة، ولهذا يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وقد شرع الأعياد ورتبها على أركان الإسلام.

    عيد الصلاة

    فعيد الأسبوع هو يوم الجمعة، وهو عيد الصلاة، فليس للشهادتين عيد؛ لأنهما لا يخصان بوقت، بل على الإنسان أن يذكر الله على كل أحيانه، وأن يذكره قائماً وجالساً وعلى جنبه، كما بين الله ذلك في خواتيم سورة آل عمران، لكن الأركان الأخرى هي التي ترتبط بالأوقات.

    فالصلاة أم الدعائم عيدها يوم الجمعة، وقد أخرج مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مطرقة مسيخة من طلوع فجره إلى غروب شمسه تنتظر الساعة إلا الإنس والجن، فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي )، وكذلك في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فيه ساعة لا يصادفها عبد مؤمن قائماً يصلي يسأل الله حاجةً إلا أعطاه إياها ).

    فيوم الجمعة إذاً هو عيد الأسبوع، وهذا العيد إنما تظهر مظاهره بأداء النسك الخاص فيه، وقد خصه الله تعالى بصلاة الجمعة الفاضلة، وهي تكفير لسيئات الأسبوع كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ).

    فهذه الصلاة الفاضلة في هذا الأسبوع تكفير لعمل الأسبوع كله، فالجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما لم تغش الكبائر.

    عيد الزكاة

    وكذلك الزكاة، فعيدها هو يوم دوران الحول على المال، إذا كان المال مما هو حولي، أي: مما يزكى على الحول، بخلاف الثمار فإن زكاتها لا تتعلق بدوران الحول بل بالجذاذ، وتجب بالطيب، وتخرج بالجذاذ لقول الله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأنعام:141].

    عيد الصوم والحج

    وكذلك الصوم، فعيده هو عيد الفطر المبارك، وهو أول يوم من شهر شوال، والنسك الذي يختص به: صلاة العيد بالإضافة إلى إخراج زكاة الفطر.

    والحج عيده هو هذا العيد الذي ننتظره وهو عيد الأضحى المبارك، وهو اليوم العاشر من شهر ذي الحجة، ونسكه صلاة العيد بالإضافة إلى الأضحية في حق غير الحاج.

    والأضحية نسك يتقرب به الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى ليكفر عن كل عضو منه بعضو من ذلك النسك ما جنته هذه الأعضاء كلها، فلذلك لا بد أن تكون أضحية الإنسان كاملة الأطراف والأعضاء، فكل عضو منها يقابل عضواً من الإنسان يكفر سيئاته، وهي واجبة بالسنة؛ ولذلك قال مالك رحمه الله: تخرج من مال اليتيم، فاليتيم يضحى عنه من ماله، وما ذلك إلا لوجوبها.

    والعيد الأول وهو عيد الفطر النسك فيه مقدم على الصلاة، والعيد الثاني وهو عيد الأضحى النسك فيه مؤخر عن الصلاة، فلا تجزئ الضحية قبل الصلاة، حتى إذا سلم الإمام وذبح أضحيته دخل وقت تضحية الناس، وما قبل ذلك لا يكون نسكاً يتقرب به إلى الله، بل تكون شاته شاة لحم لصاحبها فقط.

    1.   

    الحكمة من الأعياد

    وهذه الأعياد إنما شرعها الله تعالى مقترنةً بهذه العبادات؛ لبيان نعمة الله سبحانه وتعالى التي أنعم بها على عباده ليشكروا هذه النعمة ويعترفوا بها لله سبحانه وتعالى، حتى يتمها عليهم بتمام الإيمان، فإن نعمة الإنسان في هذه الحياة إذا عقبها سوء الخاتمة -نسأل الله السلامة والعافية- فستنقلب إلى رزق فقط، ولا تكون نعمة، فالنعمة ما ينتفع به عاجلاً أو آجلاً مما يوافق الشرع، والرزق كل ما ينفع به عاجلاً أو آجلاً وافق الشرع أو خالفه، فلذلك لا تتم النعمة إلا بدخول الإنسان الجنة، قال تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]؛ ولهذا يحتاج الإنسان إلى استحضار نعم الله سبحانه وتعالى، والاعتراف له بها، والتقرب إليه بذكرها وشكرها له سبحانه وتعالى، فهو الذي يستحق الشكر على نعمه كلها، لا يستطيع أحد أن يصل إليه بنفع ولا بضر، وهو الذي بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، مقاليد السموات والأرض بيمينه، والقلوب كلها بين إصبعين من أصابعه، والسموات السبع، والأرضون السبع في قبضة يمينه سبحانه وتعالى، فالاعتراف له بنعمته هو أول شكرها، ثم بعد ذلك صرفها في مرضاته، وأن يصرف الإنسان كل نعمة أنعم الله بها عليه في مرضاته.

    ومن هذه النعمة: العمر والوقت، فإن صرفه في غير مرضات الله سيكون ترةً على الإنسان، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ما من قوم يجلسون مجلساً لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم ترةً يوم القيامة )، والترة: الثأر، أي: كان ثأراً يطالبون به يوم القيامة، فيحتاج الإنسان إلى استغلال كل وقت يمر به في هذه الحياة، حتى لا يكون ترةً عليه؛ لأنه يعلم أن كل نعمه إما أن تنصرف إلى كفة الحسنات أو إلى كفة السيئات يوم القيامة، والإنسان عندما ينتظر وزن أعماله يوم القيامة وهو يرى الميزان يوضع بالقسط لوزن أعمال العباد يذكر الفرص التي مرت به فيقال: تذكر يوم كذا إذ عرض عليك كذا وكذا فلم تبادر إليه، فلو بادرت إليه لكان ثقيلاً في كفة الحسنات، كان بالإمكان أن تشهد جنازةً، وأن تصلي عليها، حتى توضع في القبر، فيكتب لك قيراطان كل واحد منهما كالجبل، فلم تشارك ولم تفعل، وهكذا فتعرض عليه الأعمال والفرص التي كان بالإمكان أن يشارك فيها وهو يتمنى أن تثقل كفة الحسنات ولو بقدر ذرة على كفة السيئات.

    فلذلك لا بد في هذه المواسم من تذكر هذه النعم التي من أعظمها الأوقات والمبادرة لاستغلالها. فقد أخرج البخاري في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ )، وهذان الأمران وهما الصحة والفراغ كلاهما راجع للوقت، فالصحة والمرض عارضان من عوارض الوقت، فالإنسان يتعاقب عليه من الأوقات ما يمتلئ بالعوارض، والعوارض يخطئه هذا ويصيبه هذا إلى أن يأتي أجله الذي يقضي على كل آماله وينهيها.

    والفراغ كذلك هو عبارة عن عدم ازدحام الأوقات بالأعمال وأن يمكن استغلال الوقت فيما يرضي الله سبحانه وتعالى وما يقرب إليه، فلذلك يرتبط هذان الأمران بالوقت ارتباطاً مبدئياً، فعلى الإنسان أن يبادر لاستغلال الوقت قبل فواته، وهو يعلم أنه إذا فات لا يستطيع إرجاعه، فلو رأينا إلى هذه الشمس التي ننتظر غروبها الآن، إذا غربت هل يستطيع أحد منا أن يردها، حتى يطيل عمر هذا اليوم ويمد فيه قليلاً؟ فكذلك حال الزمن كله، فهذه السنة التي نحن في آخر شهر من شهورها، وستطوى صحائفها، ويختم عليها والناس فيها متفاوتون تفاوتاً عظيماً، فمنهم الناجحون الفائزون الذين عملوا أعمالاً مشرفةً طيلة العام، فجاءت هذه السنة خالصةً لهم، فالأيام تحسب للرجال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر يوم أحد: ( ذلك يوم لـطلحة بن عبيد الله )، وكذلك السنوات تحسب، فإذا كان الإنسان قدم المواقف المشرفة والأمور الثقيلة في الميزان عند الله سبحانه وتعالى فستكون له هذه السنة، وتحسب بحذافيرها في كفة حسناته يوم القيامة. وبعكس ذلك المصابون الذين انشغلوا بالغفلة عن الله سبحانه وتعالى وتناسي نعمه، ففرطوا في جنب الله وقصروا، فمضت السنة وليس لهم منها شيء، مضت ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً ولم يمض لهم فيها موقف مشرف يعلون فيه كلمة الله وينصرون فيه دينه، ولا يحققون فيه شيئاً من الآمال والأمور التي تعقد عليهم، فهؤلاء خسروا هذا العام وفاتهم، وقد لا تتكرر الفرص مرةً أخرى، والجميع يعلم أن كل فرصة إذا فاتت لا يستطيع الإنسان التحقق من أنها ستتكرر وتعود، ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون في رمضان: يا رب صائمه لن يصومه، ويا رب قائمه لن يقومه.

    وكذلك فإن تذكير الزمن بنفسه إنما هو بإسراعه وسرعة انقضائه، فقد كنتم في الأيام الماضية تتحدثون عن موسم عظيم تنتظرونه وهو عشر ذي الحجة، وها هي اليوم لم يبق منها إلا ثلاثة أيام، فنحن اليوم في اليوم السابع من شهر ذي الحجة، ولم يبق من هذه الأيام العشر إلا اليوم الثامن الذي هو يوم التروية، وبعد غد يوم السبت هو يوم التاسع وهو يوم عرفة، واليوم العاشر هو يوم العيد وهو يوم الأحد، فإذاً مضت هذه الأيام بسرعة هائلة، وتفاوت الناس في استغلالها تفاوتاً عظيماً، ولا شك أنهم جميعاً ندموا، فالمحسن ندم على ألا يكون زاد، والمسيء ندم على أصل إساءته، ومع ذلك فسرعة الزمن كسرعة القطار فهو منطلق لا يمكن أن يوقفه شيء، ومن هنا كان لا بد من استغلال ما بقي منها، وتداركه قبل فوات الأوان، وقد قال الحسن البصري رحمه الله: إن عمراً ضيع أوله لجدير أن يحفظ آخره.

    وقال أحد العلماء:

    بقية العمر عندي ما لها ثمن ولو غدا غير محبوب من الزمن

    يستدرك المرء فيه كل فائتة من الزمان ويمحو السوء بالحسن

    إن كثيراً من الناس لا يفهم حكمة مشروعية الأعياد، فيظن أنها مواسم للغفلة والطرب والفرح واستغلال النعم، دون أن يتذكر من أنعم بها، ودون أن يقبل على الله سبحانه وتعالى في الوقت الذي تعرف فيه على عباده بهذه النعم. فيكون من المدبرين الذين استغلوا النعمة في غير وجهها، وصرفوها إلى غير مصرفها، وهم النادمون على ذلك غاية الندم.

    1.   

    الضوابط الشرعية لاستغلال الأعياد والمناسبات

    فنحتاج إذاً إلى مراجعة ضوابط هذه الأعياد، وإلى مراجعة الضوابط الشرعية باستغلال هذه الأعياد.

    تذكر الحكمة من مشروعية الأعياد

    فهذه الضوابط من أعظمها وأهمها: تذكر حكمة مشروعيتها، فهذا اليوم العاشر من شهر ذي الحجة الذي ميزه الشارع بأن جعله عيداً في هذه السنة لا بد من تذكر الحكمة التي من أجلها ميز، وهي حكمة نهاية الحج بعد أن أفاض الناس من عرفات ووقفوا بجمع في صباحه، ورموا جمرة العقبة، ونحروا الهدي، وحلقوا رءوسهم، وطافوا طواف الإفاضة، وتحللوا وخرجوا من ذنوبهم كاليوم الذي ولدتهم فيه أمهاتهم، فكان ذلك نعمةً عظيمةً من نعم الله سبحانه وتعالى على المؤمنين.

    وأيضاً فهو ذكرى لعهد قد أخذه الله سبحانه وتعالى علينا جميعاً، ( فإن الله تعالى مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريةً فقال آدم : أي رب! من هؤلاء؟ قال: خلق من ذريتك خلقتهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره أخرى فأخرج منه ذريةً فقال آدم : أي رب! من هؤلاء؟ قال: خلق من ذريتك خلقتهم للنار وبعمل أهل النار يعملون، ثم خلطهم حتى ما يتميزون، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا )، وكان ذلك في بطن نعمان وهو وادي عرفة، فهذا الوادي الذي هو بطن نعمان فيه مسح الله ظهر آدم ، وفيه أخذ علينا العهد المؤكد الذي بينه في سورة يس إذ قال: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:60-61].

    وهذا العهد هو الذي يحييه الحجاج كل عام بوقوفهم بعرفة في هذا الوادي الذي أخذ الله فيه هذا العهد، ويجدده المؤمن كل يوم كذلك في أذكار الصباح والمساء كما أخرج البخاري في الصحيح من حديث شداد بن أوس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قاله في يوم فمات فيه دخل الجنة، ومن قاله في ليلة فمات فيها دخل الجنة ).

    وهذا الحديث العظيم فيه أمور عجيبة لا بد من الانتباه لها:

    فأوله: ( اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت )، الإقرار بتوحيد الله سبحانه وتعالى بتوحيد الربوبية في قوله: ( اللهم أنت ربي )، وبتوحيد الألوهية في قوله: ( لا إله إلا أنت )، ( خلقتني ) وهذا من تمام توحيد الربوبية، ( وأنا عبدك )، هذا من تمام توحيد الألوهية، فالخلق إنما هو من الربوبية، والعبادة إنما هي من الألوهية، فلذلك جاء ترتيب ( أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ) وهو هذا العهد الذي أخذ الله علينا جميعاً، ( ووعدك ) وهو وعده لمن مات لا يشرك به شيئاً أن يدخله الجنة، ( وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت )، وهذا غاية في التواضع؛ لأن الإنسان يعلم أنه عرضة للفتنة، ولا يدري من تحسن خاتمته ومن تسوء، فكل ذلك بيد الله تعالى، ( وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت )، لا بد أن يدرك الإنسان أن عمله سيئ، وأنه مقصر، والذي يعجب بعمله يأمن مكر الله، فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99]، فلذلك لا بد أن يستعيذ الإنسان من سوء ما عمل، فهنا قال: ( أعوذ بك من شر ما صنعت )، وقد اختلف شراح هذا الحديث في تفسير قوله: ( من شر ما صنعت )، هل المعنى من الشر الذي صنعته؟ فهو استعاذة من الشر فقط لا من الخير، فالإنسان يعمل خيراً ويعمل شراً، فقد استعاذ من الشر الذي عمله، ومعنى ذلك أنه يستعيذ أن يعود إليه بعد أن عرف أنه شر، فيريد أن يوفقه الله لاجتناب السيئات في المستقبل.

    والتفسير الثاني: أن معنى ( من شر ما صنعت ) أي: من عقوبة ما صنعت، فهو استعاذة من عقوبة ما صنعه الإنسان مطلقاً سواءً كان خيراً أو شراً؛ لأن ما عمله الإنسان من الخير أيضاً لا يدري هل هو مقبول أو غير مقبول، وهل هو مؤثر أو غير مؤثر، فيحتاج إلى الاستعاذة من شره أيضاً، فيكون المقصود هنا بالشر العقوبة المترتبة على العمل.

    وقوله: ( أبوء لك بنعمتك علي )، أي: أقر لك بنعمتك علي، وهذا كما ذكرنا بداية الشكر، فبداية الشكر هو ذكر النعمة والاعتراف بها، ( أبوء لك بنعمتك علي )، وهذا مرتبط باليوم والليلة وهما عيدان من أعياد العمر؛ لعودهما وتكررهما، فالعيد مشتق من العود لتكرره، ( أبوء لك بنعمتك علي ).

    وقوله: ( وأبوء بذنبي )، أي: أقر لك بذنبي، فأنا مقر بتقصيري في جنب الله تعالى، ( أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ).

    فلذلك لا بد أن يتذكر الإنسان حكمة مشروعية العيد، وأن يعلم أنه اعتراف لله بالنعمة، وإظهار لآثارها عليه، فالإنسان الذي يحب الله تعالى حباً شديداً إذا تعرف عليه بنعمته فإنه يقبل هذا الخير من ربه، وإذا جاءته بشارة الله قبلها، وكل ما يأتيه من عنده يرحب به محبة له سبحانه وتعالى، ولذلك يقول أحد الفقراء قديماً:

    العيد قالوا غداً ما أنت لابسه فقلت: خلعة كاس ثوبه خلع

    أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به يوم التزاور في الثوب الذي خلع

    ومعنى هذين البيتين: أنه يقر بنعمة الله تعالى عليه، وهو الذي يحبه حباً شديداً، فلباسه ما خلعه عليه الله سبحانه وتعالى، أي: ما كساه به، فهو يقدم عليه بما كساه، إقراراً منه بمحبته وتمام الانسجام مع هذه المحبة، فلذلك يقول:

    أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به يوم التزاور في الثوب الذي خلع

    عدم الإسراف في إظهار النعمة

    الضابط الثاني من هذه الضوابط هو: عدم الإسراف في إظهار النعمة؛ فإن الله تعالى شرع الفرح بالنعم، ولكنه إنما شرع الفرح بالنعم المعنوية لا بالنعم المادية، ولذلك تجدون الأمر بالفرح مرتبطاً بالأمور المعنوية، وتجدون النهي عنه مرتبطاً بالأمور المادية، فالفرح المأمور به هو مثل قول الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    (قل بفضل الله) أي: بالقرآن، (وبرحمته) أي: بالسنة، (فبذلك فليفرحوا) هذا الذي ينبغي أن يفرح به المؤمن، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، أي: هذا خير من أمور الدنيا التي يجمعها الناس ويتنافسون فيها، وتجدون النهي عن الفرح مرتبطاً بالماديات كما في قصة قارون: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ [القصص:79-80] إلى أن قال فيها: إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:76-77].

    فهنا جاء النهي عن الفرح مرتبطاً بالأمور المادية: لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص:76]؛ وذلك بما آتاه الله من النعمة، فإنه أوتي مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص:76] قال تعالى: وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ [القصص:76] أي: مجرد المفاتيح لَتَنُوءُ [القصص:76] أي: تثقل، بِالْعُصْبَةِ [القصص:76] أي: الجماعة الكثيرة من الناس، أُولِي الْقُوَّةِ [القصص:76] مجرد المفاتيح تعجز العصبة أولي القوة أن يحملوها، فضلاً عن الكنوز التي أغلق عليها بتلك المفاتيح، إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:76-77]، وهذا زجر عن هذا النوع من أنواع الفرح، وهو الأشر والبطر الذي يقتضي من الإنسان أن يتنكر لنعمة الله، فيتسور بها على عباد الله، ويفخر بها عليهم، فالذي تعجبه نعمة الله عليه، فيتجبر بها على عباد الله، ويتسور بها على عباده، لم يعترف لله بالنعمة، ووضعها في غير محلها، فكانت سبباً للكبر والطغيان، وكل إنسان في الأصل منسوب من الطغيان، وهو يزيد وينقص بحسب حاجته وفقره، كما قال الله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، فإذا أحس الإنسان بتواتر النعم عليه، فكثيراً ما يظنها ضربة لازم، ويظن أنها لا تتغير، وبذلك ينسى من أنعم بها عليه، وقد جاء التنبيه إلى ذلك في القصة التي بين الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف، فإن صاحب الجنتين نسي أنهما من نعمة الله تعالى عليه، وأنكر زوالهما وتغير حالهما، حتى إنه أنكر البعث وأنكر العرض على الله تعالى، مع أن صاحبه ذكره بذلك، وبين له نعمة الله عليه، لكنه هو أنكر كل ذلك وتنكر حتى للبعث بعد الموت، وما أظن الساعة قائمة، فلذلك أخذ الله منه هذه النعمة، وأخذ عنه الأنصار والأعوان، فلم يستطع أحد أن ينصره، ولا أن يعيد عليه شيئاً من نعمته، فكانت جنته خاويةً حبس الله عنها المطر، وسلط عليها الحرائق، فلم يبق لها أثر.

    وكذلك ما قص الله علينا في قصة أصحاب الجنة أيضاً في سورة ن، فإنهم تسوروا بها على عباد الله، وأرادوا منع الفقراء من حقهم فيها، واتفقوا على أن يبكروا عليها في وقت غفلة الفقراء، فيجذوا ما فيها من الثمار والحبوب ليمنعوا منه الفقراء، ويمنعوهم حقهم الذي آتاهم الله منها، فأمر الله الحاصب فأسرع عليها، فأطاف بها فلم يترك فيها أثراً، فجاءوا فلم يجدوا إلا آثار النار قد أكلتها وأحرقتها بالكلية، وقد نبههم أوسطهم إلى ذلك من قبل، وحذرهم من البطر بالنعمة، وهكذا فحال الدنيا كلها نظير حال ما جاء في هاتين القصتين، فكلها عرضة للزوال بين الكاف والنون، كما تشاهدون انتزاع الأرواح من الناس الذين كانوا يتصرفون تصرفاً كاملاً في أبدانهم وأملاكهم، كذلك انتزاع البركة من شأن الدنيا، والإذن بزوالها، وإذا أذن الله بخراب شيء منها، فإنه لا يبقى له أثر، وقد بين الله ذلك في سورة يونس وفي سورة الكهف، فقال في سورة يونس: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [يونس:24]، وقال في سورة الكهف: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً [الكهف:45].

    استشعار إمكانية زوال النعم وعدم ديمومتها

    فلا بد أن يستحضر الإنسان أن جميع ما متع به من النعم هو عرضة للزوال، والنعم الدنيوية لا تدوم، ولذلك كان في كتاب عمر إلى أهل أذربيجان: تمعددوا واخشوشنوا؛ فإن النعم لا تدوم.

    فالنعم كلها لا تدوم؛ والوقت الذي يجد فيه الإنسان شيئاً من هذه النعم عليه أن يستغله قبل فوات الأوان، وأن يتذكر أنها ستزول يوماً من الأيام، وتذكر ذلك معين للإنسان على الحفاظ على النعمة بقيدها، وقيدها شكرها، فإذا كان الإنسان يتذكر زوال سمعه وبصره، ويرى العميان الذين يتصرفون ولا يستطيعون أن يروا موقع أقدامهم، ولا أن يروا الوسخ على ثيابهم، وهم محل لرحمة الخلائق، فجدير به أن يرحم نفسه، وأن يحفظ بصره عن الوقوع في معصية الله، وهكذا إذا رأى الصم لا يسمعون، والصمم نقص في العقل أيضاً، فإن ذلك معين له على حفظ سمعه عن سماع ما حرم الله عليه سماعه، وهكذا في كل نعمة من النعم، فلذلك على الإنسان ألا يسرف في استغلالها، وقد حذر الله سبحانه وتعالى من السرف، ويكفي من التحذير منه أن الله لا يحب أصحابه، وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31].

    والمؤمن يحب محبة الله سبحانه وتعالى، ويحب أن يحبه الله، وأن يكون من المقربين عند الله تعالى، ومن الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومن الذين يصطفيهم فينور وجوههم ويبيضها، ويعطيهم كتبهم بأيمانهم، ولا يرضى أن يكون من الذين يبغضهم الله فيطردهم، فيأمر بهم إلى جهنم لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15]، فهذا ما لا يرضى به المؤمن أبداً.

    فلذلك لا بد أن يعلم الإنسان أن السرف في استغلال النعم حتى لو كان ذلك في الأصل مباحاً فهو مبغوض لدى الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى حد حدين: هما السرف والتقتير، وكلاهما محرم، وشرع لنا الحد الوسط بينهما وهو الإنفاق بالتي هي أحسن، فقال: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً [الفرقان:67]، فهذا القوام الذي بين الإسراف والتقتير هو الحد الوسط الذي أذن الله فيه وارتضاه لعباده المؤمنين، وسرف الناس في الأعياد أنواع منوعة، فمنه السرف في الملابس، وأنتم تعلمون أن ضوابط اللباس الشرعي هو بحسب حال الإنسان، فالغني لا ينبغي أن يلبس لباس الفقير؛ لما في ذلك من التذكر لنعمة الله عليه، إلا ما كان من ذلك من باب التواضع، والفقير كذلك لا ينبغي أن يتكلف حتى يلبس لباس الأغنياء؛ لما في ذلك أيضاً من التكبر، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه، فقال: ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: ملك كذاب، وعائل مستكبر، وأشيمط زان ).

    فالملك الكذاب الذي لا يجد من يحاسبه، وهو قد ولاه الله تعالى رعيةً من عباده، فإذا كذب في التعامل معهم فإن الله سبحانه وتعالى يخاصمه يوم القيامة، ومن كان خصمه خصمه.

    والثاني: العائل المستكبر، والعائل هو الفقير، المستكبر: الذي يتكبر مع أنه فقير، فيتكلف ويأخذ الديون، ويسأل الناس إلحافاً من أجل أن يظهر بمظهر الأغنياء، فهذا التكبر يجعل صاحبه من الذين يخاصمه الله يوم القيامة.

    والثالث: الأشيمط الزاني، أي: الذي طعن في السن ثم هو يمارس الرذيلة وقد أغناه الله عنها، ولم يعد جسمه يتحمل مثل ذلك النوع أصلاً، فهذا أيضاً من الذين خصمهم الله يوم القيامة.

    فالسرف في الملابس مذموم، وكذلك السرف في المآكل، فإن الناس في الأعياد يسرفون فيها، فكثير من الناس يتكلف كثيراً من الموائد التي هو في غنى عنها، ويكفيه بعضها، وما ذلك إلا للتطاول والتفاخر، وهو غفلة عن نعم الله سبحانه وتعالى، عندما يستغلها في غير ما شرع، ويستكثر منها، وهي زائلة لا محالة، وإذا أعجب الإنسان بذلك فستشغله عما هو خير منها، فالإنسان المؤمن إنما يتعلق قلبه بما عند الله تعالى، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار وللمهاجرة )، فعيش أهل الدنيا ليس عيشاً في الواقع، إنما العيش عيش الآخرة، ولهذا فإن الله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم في تأديبه له: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:131-132].

    الإسراف في الكلام أيام الأعياد

    كذلك الإسراف في الكلام في أيام الأعياد، فإن كثيراً من الناس يجدون فراغاً عندما يعطلون أعمالهم، ويتركون وظائفهم، فينطلقون فيلقون الكلام على عواهنه ويسرفون فيه، فتجد المجلس يدوم الساعات الطوال في الكلام الذي أحسن حاله أن يكون لغواً لا للإنسان ولا عليه، وهذا السرف الكثير في الكلام لا يخلو عادةً من المحرمات كغيبة، أو نميمة، أو طعن في نسب أو عرض، وإذا خلا من ذلك كان لغواً لا للإنسان ولا عليه، وهو يندم عليه غاية الندم؛ لأنه كان بالإمكان أن يجعل مكانه تسبيحاً وذكر.

    ثم إن السرف في الكلام أيضاً يعود الإنسان على نقص ذكر الله سبحانه وتعالى؛ لأن انشغال لسانه بذكر المخلوقين والتحدث فيهم هو على حساب انشغاله بذكر الله، ولا يسر المؤمن أن تعرض عليه صحيفته يوم القيامة فيجد فيها كثيراً من الثناء على المخلوقين، وقليلاً من الثناء على الخالق، فالخالق هو الذي يستحق الثناء، ولذلك لا بد أن نعود ألسنتنا على الإكثار من الثناء عليه وذكره، وأن يتحفظ المؤمن كثيراً من الثناء على الله سبحانه وتعالى يثني عليه به، وذلك في دعائه وفي تسبيحه وفي أذكاره كلها، فلا بد أن يكثر الإنسان من الثناء على الخالق سبحانه وتعالى، وفي مقابل ذلك لا بد أن يقع نقص في الكلام، والنقص في الكلام معين على حياة القلب، وقد حدثتكم من قبل بما أخرجه مالك في الموطأ أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسو قلوبكم؛ فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلىً ومعافىً، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية.

    ومن الغرائب في هذا الباب: أن الله تعالى جعل للإنسان عينين وأذنين ومنخرين، ولم يجعل له إلا لساناً واحداً، ومن حكم ذلك: أن يكون ما يسمعه أكثر مما يقوله، كما قال العلامة محمد بن متالي رحمة الله عليه: وليك ما تسمعه أكثر مما أنت قائل له تكن فطن، لذاك لا ازدواج للسان، وازدوج العينان والأذنان.

    استحضار نية النسك في يوم العيد

    كذلك من هذه الضوابط ما يتعلق بأداء النسك، فأداء النسك لا بد أن يستشعر الإنسان فيه النية، وأن يعرف أن نسك العيد وبالأخص العيد الذي بين أيدينا الآن هو محاكاة للحجاج والتحاق بهم:

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

    فالإنسان يحاول أن يكون مثلهم على الأقل، فهو يكف عن شعره وأظافره في هذه الأيام حتى يكون كالحجاج المحرمين، وهو كذلك يتقرب بالنسك فيقول: اللهم منك وإليك ضحيةً عني وعن أهل بيتي، وإن كان من ذوي الطول وضحى بكبشين مثلاً: فالأول عن نفسه وعن أهل بيته، والثاني عمن لم يضح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وبذلك يحضر معنى القربة، ويستحضر الإنسان كذلك ما جاء في البدن، فقد قال الله تعالى فيها: وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ [الحج:36-37].

    فلذلك لا بد أن يستحضر الإنسان معنى النسك في أضحيته، وأن يعدها لذلك فهي من شعائر الله، وقد قال الله تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    معرفة ما يتعلق بالزيارات وأهدافها

    كذلك من هذه الضوابط أيضاً ما يتعلق بالزيارات؛ فإن الناس في العادة يتزاورون في الأعياد، وهذه الزيارة لا بد أن تكون ذات هدف، فالزيارة إذا لم يكن لها هدف كانت مشغلةً وضياعاً، فيحتاج الإنسان إذا خطى خطوةً أن يعرف إلى أي الكفتين يسير، وأن يعرف هذا السفر الذي يسير فيه؛ هل يسره أن يموت عليه؟ فكم من زائر مات في زيارته ولم يعد إلى بيته بعد أن خرج منه، فلذلك لا بد في هذه الزيارات أن تكون ذات هدف، وهذا الهدف منه أولاً: إظهار الرحمة التي هي خلق هذا الدين، فلا بد أن يظهر الإنسان الرحمة بعباد الله جميعاً، وأن يحسن كما أحسن الله إليه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من لا يرحم لا يرحم )، وصح كذلك في الحديث المسلسل بالأولية وهو لدى الترمذي وغيره من حديث سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي قابوس ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ).

    وقد قال أحد العلماء:

    ارحم بني الخلق كلهم وانظر إليهم بعين الرفق والشفقة

    وقر كبيرهم وارحم صغيرهم وراع في كل خلق حق من خلقه

    فلا بد أن يستحضر الإنسان معنى الرحمة فيخرج بها من بيته، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد من طريق ويعود من طريق أخرى؛ ليشهد له الطريقان، وليرى في الثانية ما لم يره في الأولى، وهذه الزيارات إذا نماها الإنسان كان فيها ما هو صلة للأرحام، وعيادة للمرضى، واطلاع على أحوال إخوان الإنسان، وتطلع إلى أحوال الفقراء وما هم بحاجة إليه من المواساة، وقيام بحق الجيران الذين لهم من الحق الشيء الكثير الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما زال جبريل يحثني على الجار حتى ظننت أنه سيورثه )، فيؤديها الإنسان بهذا الوجه، وينبغي ألا يسرف فيها أيضاً، ألا تأخذ كل وقته، فلا بد من الاقتصاد في الأعياد في كل الأمور، وأن تكون على الوجه الشرعي الذي ليس فيه إسراف ولا تقتير.

    الالتزام بالآداب الشرعية في الأسواق

    كذلك من هذه الضوابط: ما يتعلق بالتسوق في أيام الأعياد، فإن كثيراً من الناس يمضون أكثر الأوقات في هذه الأيام الفاضلة في الأسواق، وهذا أمر من اكتساب الدنيا، وإذا لم يصحبه اختلاط مذموم، ولا صفق بالربا، ولا أيمان فاجرة، فلا حرج فيه شرعاً، لكن لا بد من عدم الإسراف فيه، فإن: ( أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغض البقاع إلى الله أسواقها ).

    والأعم الأغلب أن الأسواق محل للفجور، فهي محل للأيمان الفاجرة، ومحل لتنفيق السلع بالأيمان، ومحل كذلك للربا، ومحل للغش والكذب، ومحل للخيانة، ولذلك بركتها في كثير من الأحيان منزوعة إلا إذا صحبها الصدق والإخلاص، وقليل ما هم أولئك الذين يملئون الأسواق بالصدق والإخلاص، فهم أقل عمارها وأهلها، قد أخرج ابن ماجه في السنن و الحاكم في المستدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( التجار هم الفجار إلا من اتقى وبر وصدق )، وكثير من الناس يجعل هذا الموسم موسماً لشراء كثير من الكماليات التي الإنسان في غنىً عنها وبالأخص إذا تذكر حال أمته وما لها من الحقوق عليه، فأنتم تعرفون أحوال هذه الأمة، وأن الأمم قد تكالبت عليها في مشارق الأرض ومغاربها، وأنها الآن يكاد لها بكيد لم يكد لها من قبل، فهي تتعرض لهجوم شرس حتى في قرآنها وسنة نبيها وفي مناهجها التعليمية، فآيات الجهاد وآيات الولاء والبراء أصبحت تحذف من المناهج ولا تدرس، وأصبحت اللجان تعقد من أجل تغيير المناهج لئلا يدرسها أبناء هذه الأمة لقطعهم عن جزء كبير من دينهم الذي يحدد شخصيتهم وولاءهم لله ولرسوله وللمؤمنين، وكذلك تتعرض هذه الأمة للهجوم العسكري في كثير من أنحائها، فالحصار مضروب على كثير من إخوانكم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وكثير منهم يئنون في السجون، وكثير منهم تهدم بيوتهم بالدبابات والصواريخ، وكثير منهم أيضاً هم في خوف لا يطمئنون، ولا يستطيع أحد منهم أن يأمن على مسائه إذا تعدى الصباح، ولا على صباحه إذا تعدى المساء، وفي هذا اليوم الذي نحن فيه أطلق سراح بعض الأسرى الذين كانوا في سجون إخوان القردة والخنازير من الصهاينة المغتصبين لفلسطين، وقد مكث بعضهم في السجن خمس عشرة سنة، وبعضهم تسع عشرة سنة وهم يئنون تجرى عليهم التجارب بالأدوية والسموم وغير ذلك، فمن يعرف حال هذه الأمة ويتذكر مسئوليته عنها فعليه أن لا يسرف في كثير من الكماليات، وأن يعلم أنه من المؤسف جداً أن يكون الإنسان يبالغ في الكماليات، وهو يعلم أن أيتام العراق وأيتام فلسطين وأيتام كشمير وأيتام الشيشان وأيتام أفغانستان ليس لهم راع ولا من يمسح دموعهم، في الوقت الذي لا يمارس فيه هذا العمل إلا المنظمات التنصيرية التي تغير دينهم، وتسعى لإدخالهم في النصرانية المحرفة المبدلة، وقد شاهدنا في سنوات في جنوب فرنسا بعض المخيمات التي تقيمها هذه المنظمات ويقيمها مجلس الكنائس العالمي لتربية أولاد البوسنيين المسلمين، فيأخذون الأولاد الصغار الذين لا يعقلون، ويربونهم على تعاليم الكنيسة، فينسون أنهم كانوا مسلمين، وأنهم من أولاد المسلمين، ويتربى منهم الآلاف في هذه المخيمات، فأمة هكذا جراحها تنزف، وأطرافها جميعاً تشكو وهي متصلة بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله التي تجمع القلوب، من العار والعيب عليها أن يكون بعضها في سرف وتجاوز للحد في الكماليات، وبعضها تحت حد الفقر والموت.

    استحضار أن الأعياد تشريع من الله سبحانه وتعالى

    كذلك من هذه الضوابط أن يتذكر الإنسان أيضاً أن الأعياد تشريع، ولا يشرع إلا الله سبحانه وتعالى وحده، فلا أحد يستطيع أن يشرع شيئاً إلا الخالق العليم الخبير، ولذلك قال تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، فلا يستطيع الإنسان أن يشرع لنا عيداً ويقول: هذا العيد لم يكن في الشرع، ولكن أنا أشرعه فأجعله عيداً، فهذا مناف للتوحيد، ولا بد أن يقر الإنسان بأن الله تعالى وحده هو الذي يحل ويحرم ويشرع لعباده، فلا يستطيع أحد أن يشرع ما لم يأذن به الله، وعليه فليس للإنسان أن يتخذ من أية مناسبة عيداً حتى لو كانت مناسبةً سارةً جداً كمولد النبي صلى الله عليه وسلم، أو كهجرته إلى المدينة، أو كيوم بدر، أو كفتح مكة، أو كالإسراء والمعراج، فهذه المناسبات السارة التي أعلى الله فيها كلمته، وأعز فيها دينه لم يجعلها الله تعالى أعياداً، وإنما هي مناسبات سرور تشكر فيها النعمة لله تعالى، ولا يتعدى فيها ذلك، فالأعياد هي ما جعله الله تعالى عيداً، وهي مقصورة فيما يتعلق بالنسك على هذين اليومين: يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيما يتعلق بالأعمال الأخرى على يوم الجمعة الذي هو عيد الأسبوع، وعلى إخراج الإنسان لزكاته يوم يحول الحول على ماله.

    فالأعياد إذاً يمكن استغلالها أولاً في مظاهرها الشرعية، وهي أداء النسك، ثم صلاة العيد التي شرعت فيها، ويشرع فيها للمسلمين التجمهر، والخروج إلى الأماكن الضاحية؛ فيرى سوادهم العظيم، واجتماعهم الكبير؛ ولذلك لم تشرع صلاة العيد في المساجد؛ لأن المساجد متعددة كثيرة، وأيضاً مبنية، فهي ساترة للمصلين فيها، فشرع لهم الخروج إلى المصلى الصحراوي ليبرزوا فيراهم الذين يظنون أن هذا الدين لم يعد له أنصار، ولم يعد له من يقوم بشئونه، فإذا رأوا السواد الأعظم، ورأوا الكثرة الكاثرة من المسلمين الذين يظهرون شعائر الدين، ويتشبثون به ويتمسكون به، فذلك كاف لهزيمة العدو؛ لأنهم يعلمون أن مكائدهم ومؤامرتهم ستبوء بالفشل، فهذا العدد الكبير من الشعوب يكون تياراً هادراً لا يمكن القضاء عليه ولا وأده؛ ولهذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم إخراج العواتق والحيض وذوات الخدور يشهدن الخير ويكثرن سواد المسلمين، وأمر الحيض أن يعتزلن المسجد لكن يكن في جانب من الجوانب، حتى يراهن أعداء الإسلام، وقد كان ذلك غيضاً لليهود الذين كانوا يجاورون النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وغيضاً للمنافقين أيضاً، فخروج المسلمين جميعاً في هذه التظاهرة العظيمة هو من إعلاء كلمة الله وإظهار شعائر دينه وفيه غيض لأعدائه، وفيه غيض لإبليس أن يرى هذه القلوب جميعاً مجتمعةً، ويرى هذه الحشود تصلي خلف إمام واحد، وتظهر شعائر الدين، كذلك ما يتعلق بالاستعداد ومنه: خصال الفطرة، فيشرع في الأعياد أداء خصال الفطرة تسنناً واتباعاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأخذاً لملته.

    وكذلك التطيب للأعياد وأعظمه الاغتسال، فالاغتسال هو من الطيب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل للعيد قبل صلاة العيد.

    ومن ذلك أيضاً: اللباس، واللباس أفضله للجمعة الأبيض ولو كان غير جديد، وللعيد الجديد ولو كان غير أبيض، ففي صلاة العيد الأفضل أن يصلي الإنسان في جديد ولو كان غير أبيض، وفي الجمعة الأفضل أن يصلي في الأبيض ولو كان غير جديد، وقد أخرج أصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( خير ثيابكم البيض، صلوا فيها جمعكم، وكفنوا فيها موتاكم ).

    معرفة الحد المشروع فيما يتعلق بحوائج النساء يوم العيد

    ثم إن من هذه الضوابط كذلك: ما يتعلق بشراء حوائج النساء وما يبذلنه في هذه الفترة من الزينة، وكل ذلك يدخله ما سبق من السرف، فلا بد فيه من الاقتصار على الحد المأذون به شرعاً، فكثير من النسوة تمضي جل وقتها في هذه الأيام في إعداد الزينة، وتنفق في ذلك وقتاً ليس بالهين، بل ربما فرطت في حضانة أولادها وبيتها، وربما قصرت أيضاً في بعض واجباتها وبالأخص الصلاة التي بين الله تعالى عظمة ارتباطها بالوقت فقال: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً [النساء:103]، فكثيراً ما تضيع الصلاة، وتضيع الطهارة، ويضيع البيت وبعض الواجبات من أجل بعض الزينة، وكل ذلك كان بالإمكان أن لا يقع، فبالإمكان أن تأخذ المرأة من الزينة بالقدر الذي تحتاج إليه، وأن تكون مع ذلك مقتصدةً في الوقت، ومقتصدةً في المال، وأن تعلم أن الإسراف لا خير فيه مطلقاً، فالزينة إذا أنفق عليها من المال أكثر مما تستحق لن يبارك فيها، فلا بد أن يكون ذلك جميعاً بالاقتصاد والتوسط، وألا يكون فيه إسراف ولا تقتير أيضاً.

    معرفة ما يتعلق بالمناسبات الأخرى كالوليمة والعقيقة

    كذلك من هذه الضوابط ما يتعلق بالمناسبات الأخرى التي تشبه الأعياد فيما يتعلق باتخاذ الزينة ونحوها، وهذه المناسبات منها ما شرع الله فيه نسكاً مخصوصاً كالعقائق، فإن الإنسان إذا ولد له مولود فهي نعمة أنعم الله بها عليه، فيستحق أن يشكر على هذه النعمة، ومن شكرها العقيقة، وهي شاة نسيكة، كالنسك في الهدي والأضحية، وإذا عق الإنسان عن الذكر بشاتين وعن الأنثى بشاة فلا حرج، وإذا عق عن الأنثى أيضاً بشاتين فلا حرج، لكن لا ينبغي الإسراف بالإكثار من العقائق وهي الشياه التي تذبح، أو كذلك الإكثار من المطاعم وجعل ذلك موسماً عظيماً للإسراف، وإنفاق الإنسان أكثر من طاقته، فكل ذلك مذموم شرعاً، ومنها ما لا يشرع فيه شيء من هذا، فالمناسبات السارة الأخرى لا يشرع فيها نسك مخصوص، إلا أن الله سبحانه وتعالى سن للمتزوج بعد الدخول بأهله الوليمة، ولكنها لا تختص بالنسك، فيمكن أن يولم الإنسان من غير ذبحه، فقد أولم النبي صلى الله عليه وسلم بالسويق والتمر على صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها، والوليمة وهي الطعام الذي يظهر الإنسان فيه آثار النعمة، حين أنعم الله عليه بالزواج، ولا يشترط فيه الذبح كما ذكرنا، ومن دعي إليه يجب عليه أن يجيب، فإن كان صائماً فعليه أن يدعو لأهل الوليمة، وإن كان مفطراً فليأكل معهم بالمعروف، وإذا حضر شيء من المحرمات كالمعازف أو غير ذلك فهو عذر للتخلف، مبيح للإنسان أن يتخلف إن كان لا يظن أنه سيغير، فإن قدر على التغيير لم يتخلف، بل يحضر ويغير المنكر.

    وهكذا في المناسبات الأخرى، وقد ألحق بها الناس ما ليس منها، فالمناسبات السارة هي التي يظهر فيها آثار النعمة كما ذكرنا، لكن بعض الناس يلحق بها أيضاً العزاء، فقد جعل في كثير من الأحيان كالمناسبات وكالولائم والعقائق والأعياد، فإن الناس يلبسون له الثياب الجدد، ويعدون له الطعام والذبائح، وهذا من البدع المنكرة، والاجتماع عند أهل الميت هو من النياحة، وكذلك الأكل عندهم فهو من النياحة ومن الأمور المذمومة شرعاً، بل ينبغي أن يساعدوا إذا اشتغلوا عن إعداد طعامهم بأن يعد لهم طعام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أعدوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم )، لكن ليس عليهم أن يتكلفوا في ضيافة الناس والإنفاق عليهم موسماً كاملاً كثلاثة أيام أو نحو ذلك، فهذا من البدع المنكرة.

    إذاً هذه بعض الضوابط التي لا بد من تذكرها فيما يتعلق بالأعياد، ونسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا أجمعين من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا أجمعين في قرة عين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يلزمنا التمسك بسنته عند فساد أمته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042155243

    عدد مرات الحفظ

    731351202