إسلام ويب

فتح مكةللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر فتح مكة منهجاً يسير عليه الدعاة إلى الله والمجاهدون في سبيل الله، لما فيه من الدروس والعبر والمواقف حيث يعتبر حدثاً تاريخياً هاماً ليس لذاته فحسب، بل لشرف الزمان والمكان والقيادة والفاتحين. كما يتضح فيه كيفية تعامل النبي صلى الله عليه وسلم وهدفه من الجهاد والفتح، حيث عفا مع المقدرة وعاد متواضعاً منتصراً، مما يحتم علينا مراجعة تلك المؤهلات والعمل على الاستفادة منها.

    1.   

    فضل مكة وشرفها

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فلا غرابة إذا تحدثنا عن واقعة تاريخية أثرت في هذا التاريخ وغيرت في مناسبة مرونتها، وفي تاريخ أوانها، ولكن مما يجدر التنبيه إليه قبل ذلك أن السرد التاريخي للأحداث ليس مجرد استحضار لأمر كان في الذاكرة، واسترجاع لأمر قد حصل ومضى، بقدر ما هو أخذ للعبر والدروس، واستمرار على نفس المسيرة التي افتتحت من قبل، وسير على نفس الخطا التي هيأها رسولنا صلى الله عليه وسلم، فإذا تحدثنا عن واقعة من الوقائع المشرفة لهذه الأمة التي قام فيها رجال قد وفوا لله تعالى بما عاهدوه عليه، وصدقوا في تعاملهم مع الله، فإن ذلك مدعاة لاقتفاء الأجيال لآثار هؤلاء، والصمود على نفس الطريق، والتزامه وسلوكه؛ لذلك فإن فتح مكة شرفها الله تعالى، وإن كان حدثاً كبيراً في التاريخ وأمراً عظيماً، إلا أن اختيار الزمان والمكان له مما يعلي درجته، ويشدو إلى الاهتمام به أكثر من ذات الحادثة والواقعة، فالله عز وجل هو المدبر الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء من خلقه، وهو قادر على أن يقذف الإيمان في قلوب البشر، وأن يهديهم إلى سواء الطريق، وأن يدخل الإيمان على قريش بمكة في قلوبهم دون أن يدخل عليهم الجيوش الجبارة، ولكنه سبحانه وتعالى أخر ذلك إلى أجل محدد ووقت محدد؛ ليكون ذلك مرتبطاً بذاكرة كل مسلم ينبهه عند إتيان هذا الوقت، أو عند رؤية هذا المكان وإتيانه لينتبه إلى معالم هذا الطريق، وإلى محددات محددة في هذا المنهج، يلزم التزامها والأخذ بها.

    تحريم مكة

    إن مكة شرفها الله تعالى حرم الله تعالى حرمها يوم خلق السموات والأرض، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ومن دخلها فهو آمن، وقد كانت كذلك منذ القدم؛ ولذلك تقول القرشية الجمحية لولدها:

    أبني لا تظلم بمكة لا الكبير ولا الصغير

    أبني قد جربتها فوجدت ظالمها يبور

    الله آمنها وما بنيت بساحتها القصور

    فهي أرض الله المحرمة منذ خلق الله السموات والأرض حرم هذه البقعة واختارها، وجعل فيها هذا البيت الذي هو مثابة للناس وأمن، وجعل فيها كثيراً من الآيات الدالة على وحدانية الله سبحانه وتعالى، منها هذا البيت الذي تفد إليه أفئدة المؤمنين من مشارق الأرض ومغاربها من كل فج عميق، ويقصدون إليه في صلاتهم، ويتجهون إليه ويستقبلونه في كل أحوالهم، ورغم تباين أقطارهم وتباعدها وهذا البيت مع كل ذلك فإن الله عز وجل شرفه أولاً ببناء الملائكة، ثم بعد ذلك بناه خليل الله إبراهيم وإسماعيل ابنه بأمر من الله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127].

    تشريف الكعبة بصرف الناس عن عبادتها

    ثم بعد ذلك شرفه الله تعالى بأمر عجيب جداً وهو أن أهل مكة حينما أغرقوا في الشرك بالله تعالى وعبدوا الأصنام، واتخذوا الآلهة من دون الله، لم يعبدوا هذا البيت الذي هو عظيم في نفوسهم، وذلك من تشريف الله تعالى للكعبة حتى لا تتدنس بأن تعبد من دون الله، لم يمر في التاريخ أن أحداً سجد للكعبة أو عبدها، وإنما كانوا يعبدون الأصنام ويضعونها على الكعبة ويلصقونها بالرصاص عليها كهبل وغيره، وقد كان على الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً في الجاهلية، وكذلك هذا الحجر الأسود المشرف الذي ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً أنه قال: الحجر الأسود يمين الرحمن في الأرض، فمن قبله فكأنما قبل يمين الرحمن. فهذا الحجر شريف عظيم، ولكن مع ذلك شرفه الله بأن لم يعبد من دون الله تعالى أبداً، ولم يمر في التاريخ أن قوماً عبدوه من دون الله.

    وكذلك هذا المقام الذي هو حجر كان يقف عليه إبراهيم فيعتلي به ويرتفع في بناء الكعبة، وبقي فيه أثره إلى وقتنا هذا وفيه يقول أبو طالب في الجاهلية:

    وثور ومن أرسى ثبيراً مكانه وراق ليرقى في حراء ونازل

    وموطئ إبراهيم في الصخر رطبةً على قدميه حافياً غير ناعل

    وما زال إلى اليوم شاهداً على ما أخبرنا الله سبحانه وتعالى به من أمره إبراهيم بإقامة هذه البنية المشرفة لتكون منسكاً للناس ومأمناً، وهو من الآيات المذكورة في قول الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:96-97].

    1.   

    شرف زمان فتح مكة

    فهذه الأمور تقتضي شرف هذا المكان، وتعلق القلوب به.

    ومع ذلك اختير للفتح أيضاً الزمان، فكان في هذا الشهر الكريم الذي شرفه الله بالقرآن وهو شهر رمضان الذي يقول الله تعالى فيه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]، وكان ذلك أيضاً في العشر الأخيرة من رمضان التي هي أفضله، وفيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وكان في يوم الوتر منها فكان في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان أذن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بدخول مكة بالسلاح، بعد أن أخرج منها ثاني اثنين خائفاً، وبعد أن أوذي فيها مدة ثلاث عشرة سنة يؤذى في مكة وهو صابر، وأذن له بالهجرة فأخرج منها ثاني اثنين إذ هما في الغار، وقال عندما خرج منها: ( إنك لأحب البلاد إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت منك ).

    ثم حين خرج أعزه الله تعالى وأظهره وقواه، فآمن به أبناء قيلة وهم الأنصار في يثرب التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة الطيبة المدينة المباركة، فلما أتاهم صلى الله عليه وسلم وآثروه ونصروه وأثنى الله تعالى عليهم بذلك، وكانت دار الهجرة فهاجر الناس إليها، مع ذلك بقيت مكة في ذلك الوقت عاصمةً للشرك وعاصمةً لمحاربة الله ورسوله فترةً هي ثمان سنوات، ثمان سنوات كاملة من كونها عاصمةً لمحاربة الله ورسوله, ولكن مع ذلك فإن الله تعالى لا بد أن يكتب العاقبة للمتقين، ولا بد أن يطهر هذا البلد الطاهر الذي طهره من قبل ببناء الملائكة، وبأن جعل فيه هذا البيت العتيق وهذا المأمن الشريف، وبأن جعل فيه هذا الحجر الكريم، وهذا المقام، وبأن جعل فيه الصفا والمروة اللتان هما من شعائر الله، لا بد أن يطهره من أرجاس الشرك، وأن يعيد الأمور إلى نصابها، وأن ترجع الأحوال إلى مدارها؛ ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة: ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ), فجاءت الظروف مهيأةً بقدر الله سبحانه وتعالى ليكون في مكة الملا أهل القوة والشوكة، وأهل المكانة الاجتماعية، وأهل المال والغنى؛ ليطغوا فيها وليتكبروا وليتجبروا وليعلنوا حرب الله ورسوله، انطلاقاً من مبادئ سخيفة هي أنهم ما وجدوا آباءهم على هذا، وانتصاراً لما كانوا يألفونه، وحفاظاً على وضعية اجتماعية تضمن لهم بعض المصالح الدنيوية، فهذه هي المطلقات التي من أجلها صمد صناديد قريش لحرب الله ورسوله مدة ثمان سنوات، فالمحافظة على التراث الذي كان موروثاً عن الآباء، والإبقاء على وضع اجتماعي يزداد فيه الغني غنىً والفقير فقراً، ويزداد فيه القوي قوةً والضعيف ضعفاً، والحفاظ على وضع يكون فيه التمكين بالمصالح لأقوام بأعيانهم هم كما يزعمون الطبقة المؤثرة في المجتمع التي تستحق أن تعلو، وأن تحفظ لها الجباه والرءوس، وأن يشار إليها بالبنان، وتبقى الطبقات الأخرى مسحوقةً ذليلةً مستعبدة، تستغل لصالح هذه الفئة التي هي صناديد قريش وكبراؤها.

    1.   

    تهيئة المؤمنين لحمل هم الدعوة

    لكن الله سبحانه وتعالى هيأ الضعاف والمستضعفين لأن يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فشرفهم بذلك وبدأ أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بالضعاف؛ ولذلك حين أتاه أبو ذر رضي الله عنه كما ثبت في صحيح البخاري وهو بمكة وقومه إليه جراء سأله قال: من تابعك على هذا الأمر؟ قال: رجل وامرأة وعبد وصبي، فكان أبو ذر خامسهم.

    قامت هذه الطبقات التي ليس لها وجود ولا قوة ولا يمكن بمعيار العقل ومعيار العادة أن تنتصر على هذه الرموز وهذا الملأ الكبير قامت لتتابع محمداً صلى الله عليه وسلم وتبايعه على الحق؛ فلذلك جاءت نصرتها وجاء الفتح لها ليس من قبيل القوة المادية، ولا من قبيل القوة الاجتماعية، ولا من قبيل كثرة العدد والعدة، وإنما هو نصر الله وعاقبة الله التي يكتبها للمتقين.

    حال عبد الله بن مسعود بعد إسلامه

    فإذا نظرنا إلى حال عبد الله بن مسعود الذي كان يرعى الغنم بمكة على دراهم، نظرنا إلى حاله عندما يطأ برجله صدر عمرو بن هشام أبي جهل يوم بدر، ويحتز رأسه فيقول له أبو جهل : لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم، نعلم أن هذا الارتقاء الصعب في هذه الدنيا مع أنه لا يساوي شيئاً من منزلة ابن مسعود عند الله تعالى في الآخرة، هذا الارتقاء الذي ناله ابن مسعود في الدنيا فأنتم تعلمون مكانه في المسلمين، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه: ( رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد )، ويقول فيه: ( من أراد أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن مسعود )، ومكانه في المسلمين هو هو، فـعمر بن الخطاب عندما أرسله إلى أهل الكوفة كتب لهم رسالةً فيها: لقد آثرتكم بـابن أم عبد على نفسي، مع ذلك مقامه في الآخرة أعظم عند الله تعالى من هذا المقام الدنيوي الذي تجدونه في صدوركم.

    حقيقة التمكين

    فالتمكين ليس تمكيناً بكثرة الجيوش، ولا كثرة القوى، ولا كثرة المال، إنما التمكين هو المحبة في القلوب، ورغبة الناس في نصرة شخص أو منهج، وأنتم تلاحظون معاشر المسلمين تلك المحبة وذلك المقام العظيم الذي هو لهؤلاء المستضعفين تجدونه في صدوركم، فكل مؤمن بالله عندما يذكر اسم عمار بن ياسر ، أو يذكر اسم سمية ، أو بلال بن رباح ، أو خبيب بن عدي ، أو خباب بن الأرت ، أو أحد هؤلاء النفر الضعاف المستضعفين، ينتفخ صدره، وترتفع آذانه، وتشرئب لتسمع هذا الاسم المحبوب إليه الكريم عنده، لماذا؟ هل ذلك لأنه كان من جبابرة الدنيا وملوكها؟ أو لأنه كان من الأغنياء ذوي الثروة الطائلة، أو لأنه كان من طبقة اجتماعية معينة تنخفض لها الجباه وتذل لها الرءوس، لا، ولكن لأنه حقق ما أراد الله منه، وكان متقياً لله سبحانه وتعالى فأتاه الله هذه الجائزة الدنيوية وهذه الميدالية الذهبية التي لا تساوي شيئاً مما أعد الله له في الآخرة.

    معيار انتصار الرسل

    هؤلاء المستضعفون عندما جاء أبو سفيان بن حرب إلى هرقل ودعا به في دسكرته في الشام وهم بإيليا سأله عن هذا الرجل الذي ظهر قبلهم فقال: أشرفاء الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم اتبعوه، فقال: هم أتباع الرسل. هؤلاء الضعاف والمساكين هم أتباع الرسل الذين يعز الله تعالى بهم الرسل ليبدي للناس أن انتصار الرسل ليس بالاعتبار المادي، وليس بالقوة المادية، الرسل إنما ينصرون بنصر الله، فمحمد صلى الله عليه وسلم لم ينتصر بأب فقد مات أبوه وهو حمل، ولا بأم فقد ماتت أمه وهو في الرابعة من عمره، ولا بجد فقد مات جده وهو في الثامنة من عمره، ولا بأخ ولا بأخت فلم يكن له أخ ولا أخت، فأشد الناس عليه وأسرعهم إليه عمه أبو لهب ، وبنو عمه وأقاربه هم أشد الناس عليه، كانوا يرمونه بالحجارة، حتى يدموا قدميه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الجيوش التي نصر بها النبي صلى الله عليه وسلم

    لقد أقام الله الحجة على المؤمنين إقامةً عجيبة بشأن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة:38-40]، أول النصر ليس خارجاً عن الشخص نفسه، أول النصر ينزل في القلب، فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة:40]، هذا أول جند من جند محمد صلى الله عليه وسلم، ليس النصر المادي ولا كثرة الجيوش والسيوف والسلاح، أول النصر السكينة، أن يثق الشخص بنفسه، ويثق بعلاقته بالله، هذا بداية النصر وهو أقوى الجيوش، ومحمد صلى الله عليه وسلم نصر بجيشين غير ماديين:

    النصر بنزول السكينة

    النصر بالرعب

    الجيش الثاني: ذلك الرعب الذي جعله الله تعالى في قلوب أعدائه، ويسيروا أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله مسيرة شهر، هذا الرعب ليس مختصاً بشخصه الكريم صلى الله عليه وسلم، بل هو رعب مختص بدينه، فحيث ما وجد هذا الدين سار أمامه وخلفه ويمينه وشماله جيش من الرعب مسيرة شهر، هذا الجيش هو الذي يدوخ القلوب، ويدوي في الآذان، فتجدون العروش ترتجف، والجبابرة ترتعب من أشخاص ضعفاء فقراء، لكنهم يعمرون الصفوف الأولى في المساجد.

    دور الجيش في فتح مكة

    لذلك فإن هذا الجيش العظيم هو الذي أدى في السنة الثامنة بعد أن أخرج ثاني اثنين إذ هما في الغار إلى أن يدخل مكة بعشرة آلاف مسلح عزيزاً، فيقف خطيباً عند الكعبة، وعلى رأسه المغفر، وعلى رأسة عمامة سوداء، فيقول في خطبته: ( إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة بلدكم هذا، وأن يقول: إن كل دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي هذه، وأول دم أضعه دمنا دم عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ).

    وكذلك قال: ( إن كل رباً كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي هذه، وأول رباً أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب )، فيبدأ في التطبيق بآل بيته، لا يريد من الآخرين أن يطبقوا مالم يطبقه هو، يبدأ أولاً بالتطبيق في الأقربين، ثم بعد ذلك ينتشر هذا الخير ويستمر هذا النور ليصل مشارق الأرض ومغاربها، ويصل ما وصل الليل والنهار، عندما أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة ثاني اثنين إذ هما في الغار، كان المشركون يراهنون على أنه لا يمكن أن يجد بقعةً في الأرض يجد فيها مستقراً لقدمه، وأنه قد تمالأ عليه أهل الأرض كلهم، وأنه لا يمكن أن يجد آذاناً صاغيةً، ولا من يسمع لدعوته، ولا من يستجيب لأمره، فكانوا يقولون: إذا طرده الأقربون فالأبعدون منه أبعد.

    هذا بميزان الدنيا وبمعيارها الواضح لديهم، ولكنهم خفي عليهم معيار آخر هو أصدق وأوفى وأولى من هذا المعيار.

    امتحان المؤمنين في صلح الحديبية

    هذا المعيار لاحظه أحدهم في يوم الحديبية عندما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم فصده الله تعالى عن مكة ولم يأذن له بدخولها، امتحاناً لقلوب المؤمنين: هل يقدمون الشرع على العاطفة، أو يقدمون العاطفة على الشرع؟ كثير من الناس يتمنى التمكين لنصرة الدين، ولكن يخالط ذلك هوىً في نفسه، فيريد حظاً لنفسه، وهذا ليس من صفات التمكين، وليس من شروطه، التمكين الحق هو الذي يأتي عندما يكون الشخص يرى هذا التصرف وهذا الفعل تكليفاً يكلفه الله تعالى به، فيبذل فيه الجهد سواءً نجح أو ما نجح، فيقول بقلب صادق ثابت: قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [التوبة:52].

    عندما يستوي الحسنيان لدى شخص وينظر إليهما جميعاً نظرة العدل بالتساوي يأتي التمكين، لكن قبل ذلك لا بد من الامتحان.

    في هذا اليوم الذي امتحن الله فيه المؤمنين بصدهم عن البيت يأتي الوسطاء والسفراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بينهم رجل عاقل هو عروة بن مسعود الثقفي ، فلما أتاه قال: (يا محمد! إن قومك قد لبسوا جلود النمور، وصحبوا العوذ المطافيل يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوةً أبداً، وما أرى معك إلا أشابةً من الناس جدير أن يفروا عنك ويتركوكعروة بن مسعود ينظر بمنظار أهل الجاهلية، ويرى أن من لا تجمعهم قبيلة، ولا يجمعهم لون، ولا تجمعهم مصالح مشتركة، لا يمكن أن تتألف قلوبهم، وأن تزول الضغائن بينهم، وأن يوحدوا أنفسهم، وأن يكونوا صفاً وأحداً وجيشاً واحداً، ما كان يتوقع هذا أبداً؛ لأن هذا معيار دنيوي، ولذلك لاحظوا التعليق على هذا المعيار الدنيوي في قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:62-63].

    الدنيا ينظر إليها كثير من الناس على أنها ذات مصالح، تجمع الناس، وتؤلف القلوب، وأن من وزع الدنانير والدراهم على الناس يمكن أن يأخذ قلوبهم، أو أن من وزع عليهم الوظائف والمراتب يمكن أن يأخذ قلوبهم، أو أن من أعطاهم السيارات والمنابر ولمعهم يمكن أن يأخذ قلوبهم، ولكن الواقع خلاف هذا.

    فيمكن أن ينخدع ثلة من الناس وينطلي عليهم هذا الأمر لمدة محددة، ولكن الرغبة الصادرة عن حاجة معينة كلما عدمت تلك الحاجة انعدمت تلك الرغبة، فالارتباط الناشئ عن مصلحة دنيوية، إذا انقطعت تلك المصلحة لا بد أن ينقطع، لكن الارتباط الناشئ عن قناعة دينية لا يمكن أن ينقطع؛ لأن القناعة مستمرة إلى أن ينادي المنادي يوم القيامة: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ [يس:59]، إذا جاء ذلك الامتياز سيقع الامتحان النهائي، ويقع التفاصل، فحينئذ يخرج وفد الجنة إليها، وهم إخوان، كما كانوا إخواناً في الدنيا، هذه الأخوة بينهم استمرت في الدنيا، وهي مستمرة يوم القيامة إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا [الحجر:45-47]، هذه أخوة حتى في الجنة في ذلك اليوم تنقطع الأنساب والأسباب: يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37]، يأتي هؤلاء الوفد إخواناً، إذا كان المعيار هكذا فإن كلام عروة لرسول الله صلى الله عليه وسلم غير صحيح.

    ولذلك قام إليه أبو بكر فقال: امصص بظر اللات، أنفر ونترك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقام إليه ابن أخيه المغيرة بن شعبة بن مسعود الثقفي عمه عروة بن مسعود ، ( قام إليه وهو يلبس السلاح، ولا يرى منه إلا الحدق تحت الحلق، فضرب يده بالسيف وقال: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد! من هذا القائم على رأسك؟ قال: ما عرفته؟ هو ابن أخيك المغيرة بن شعبة ، فقال: ويلك! لقد آلمتني وما غسلت سوأتك إلا بالأمس )، يمن عليه أمراً دنيوياً قد انقطع، ولم يتعلق بإيمان المغيرة بن شعبة ، فـالمغيرة بن شعبة أبدله الله أهلاً خيراً من أهله، ومنزلاً خيراً من منزله، كان من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طرده قومه وأخرجوه، فجاء مهاجراً إلى الله ورسوله، فآواه الله ورسوله، وكان من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان من الخمسة الذين شرفوا بأن غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفنوه ودفنوه، مع أنه ليس من أهل البيت من ناحية النسبية، هو من ثقيف، ولكن إيمانه وتعلقه بهم جعله منهم، حينئذ رجع عروة بن مسعود بهذه المشاهد التي رآها، فجاء إلى قريش فقال: (يا معشر قريش! والله لقد وفدت على كسرى في ملكه، وعلى قيصر في ملكه، وعلى النجاشي في ملكه، فما رأيت رجلاً يعظمه أصحابه مثلما يعظم محمداً أصحابه، فوالله إنهم ليصغون عنده حتى كأن على رءوسهم الطير، ووالله ما يبصق بصقةً ولا يمتخط مخاطةً إلا كادوا يقتتلون عليها، وإنهم ليقتتلون على طهوره ووضوئه، وإنهم ليبتدرون أمره)، فنصحهم أن يفتحوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الطريق، وأن يتركوه حتى يؤدي عمرته.

    الأخنس بن شريق ووصفه لحال المؤمنين يوم الحديبية

    وحين أتاهم سفير آخر ووافد آخر وهو الأخنس بن شريق وكان رجلاً فيه تحنف أو تحنث ومعناه: تعبد بالملل السابقة أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يثيروا الهدي في وجهه، فرأى الإبل عليها العفاء، وهي مقلدة مشعرة، ورأى أن صدها عن البيت لا يليق، فلما رأى ذلك تأثر الرجل تأثراً بالغاً، ولكنه مع ذلك جاء لمهمة، ففرضت عليه دبلوماسيته أن يحاول فرض الموقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه لما رجع أيضاً إلى مكة قال: (يا معشر قريش! إني رأيت وجوهاً لا يؤلف بينها إلا محبة هذا الرجل، ووالله لن يرجعوا حتى يقتلوا عن آخرهم أو أن يأمرهم هو بذلك، فإما أن تكلموه حتى يقتنع بالرجوع من عند نفسه، أو أن تعدوا لقتاله عدته، وتعلموا أنهم لن يرجعوا إلا إذا قتلوا عن آخرهم).

    وهذا ما تحقق فعلاً، فإن المؤمنين في هذا اليوم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت تحت الشجرة لما أسند ظهره إلى شجرة الرضوان، وهي سمرة من سمر تهامة بايعه ألف وستمائة رجل على الموت، على أن يموتوا في سبيل الله، فنظر الله إليهم في هذا الحال بعين رضاه، أحل عليهم رضاه الأكبر الذي لا سخط بعده، فحينئذ أنزل الله عليهم: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18]، وليس الرضا هنا ناشئاً عن مجرد أنسابهم وذواتهم وأموالهم، لا، بل قال: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح:18]، القضية متعلقة بما في القلوب، ليست متعلق بالذوات والأشكال، فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18].

    بايعوه هذه البيعة التي كانت ثالثة مزية في الإسلام، قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفس محمد بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة ).

    وفي صحيح البخاري : ( أن عبداً لـحاطب بن أبي بلتعة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو تعامله، فقال: يا رسول الله! والله ليلجن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبت، والله لا يلج حاطب النار؛ فإنه بايع تحت الشجرة )، من بايع تحت هذه الشجرة في هذا الوقت الضيق وفي وقت الحرج أثابه الله تعالى بأن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

    نلاحظ بهذا أن هذه المغفرة الشاملة لما تقدم وما تأخر جاءت أولاً من القلب فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح:18]، فلما تحقق ذلك محا الآثار الظاهرة، فالتصرفات الظاهرة إذا صلح ما في القلب واستقام كلها تكون من استفزاز الشيطان، أو من استفزاز النفس الأمارة بالسوء، أو من بعض التصرفات الطائشة التي تذوب في خضم هذه القلوب النيرة الطاهرة، فإذا طهرت هذه القلوب لم يلتصق بها الخبث، فتكون هذه القلوب أعلى وأسمى من أن تلتصق بها النجاسات أو تؤثر فيها، فهذه القاذورات وإن كانت قد تخشاها بعض الجوارح إلا أنها لا تصل إلى القلوب، فالقلوب وصلت إلى مستوى من الطهر يمنعها أن تلتصق فيها هذه القاذورات؛ ولذلك قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( إن القلوب تعرض على الفتن كأعواد الحصير عوداً عوداً حتى تكون على قلبين: قلب تنبع عنه الفتن ولا تلتصق به، وقلب تتراكم الفتن فيه فيكون كالكوز مسوداً مجخياً لا ينجو من فتنة )، فهؤلاء الملأ الذين محصوا ونجحوا في الامتحان هم الذين طهرت قلوبهم، فاستعدوا لأن ينصرهم الله تعالى فنصرهم.

    1.   

    حادثة الفتح

    سبب فتح مكة

    جاء الفتح في وقت كان الصلح فيه قد عقد بالحديبية على أن من شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم فليدخل، ومن شاء أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل، فدخل بنو خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده، ودخل بنو بكر ابن كنانة في عهد قريش وعقدهم، وحصل الخلاف بين بني كنانة وبني خزاعة، وكانت الحرب بينهما سبباً للفتح، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالوفاء، فوفى بالعهد، فلم يعتد، ولم يخن، ولم يكن ليفعل ذلك، ولكن أهل الشرك من مشركي قريش استزلهم الشيطان وكان ذلك لحكمة بالغة، فنقضوا العهد، وساعدوا بني بكر بن كنانة على خزاعة، فقاتلوهم فشكوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عمرو بن سالم إلى رسول صلى الله عليه وسلم فقال:

    يا رب إني ناشد محمداً حلف أبينا وأبيه الأتلدا

    قد كنتم ولداً وكنا والداً ثمة أسلمنا فلم ننزع يدا

    فانصر هداك الله نصراً أيدا وادع عباد الله يأتوا مددا

    فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل السيف يسمو صعدا

    إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا

    وزعموا أن لست تدعو أحداً وهم أذل وأقل عددا

    هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعاً وسجدا

    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا نصرت إن لم أنصرك، ثم رأى سحابةً، فقال: إن هذه السحابة لتستهل لنصر بني كعب، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يأخذ الأسماع والأخبار عن قريش حتى يبغتها في عقر دارها ).

    خطة الرسول صلى الله عليه وسلم في الفتح وخروج الجيش

    وكان الرسول صلى الله عليه وسلم من خططه الاستراتيجية في عمله أنه إذا أراد أن يغزو غزوةً أياً كانت يوري بغيرها، وإذا أراد الخروج إلى جهة خرج إلى خلافها، لئلا يكون ذلك مدعاةً للمبادرة وتغيير المواقف، وهذا من حصافته وعقله صلى الله عليه وسلم وحكمته وتوفيق الله تعالى له، لكنه في غزوة مكة صرح بالجهة التي سيتجه إليها؛ لأن الله قد أخبره بالوحي أنه أخذ الأسماع والأخبار عن قريش، وأنه سيبغتهم في دارهم، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم صائماً في رمضان فلما، وصل إلى كراع الغميم أفطر، وأفطر معه بعض المؤمنين، وتهيئوا للقتال تهيئاً إيمانياً ونفسياً، وتهيئاً عاطفياً لنصرة إخوانهم المستضعفين المستذلين، فنصرة المظلوم قيمة من قيم الإسلام، وحق من حقوقه، ولذلك يجب على كل مسلم إذا سمع بمسلم في أرض من أرض الله يضام ويستذل ويعتدى على حرماته أن تشرئب نفسه، وتأخذه عزة الله ورسوله والمؤمنين لينتصر لأخيه المسلم، فهذا حق من حقوقه، وقيمة من قيم هذا الدين، ولن يزال الناس بخير ما داموا ينتصرون للمظلوم كائناً من كان، وإذا تقطعت هذه الوشائج والصلات، وكان الناس لا ينصرون المظلوم على الظالم، أو يتركون الأمر كأنه لا يعنيهم، فهذا علامة من علامات الساعة، ومدعاة لحصول العذاب الشامل، ومدعاة لحصول سخط الله تعالى على أهل الأرض، فتأهب المسلمون للقيام بهذه المهمة النبيلة، ورتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، وجعلهم كتائب، وجعل على كل كتيبة رجلاً صالحاً من خيرة أهلها، وكان من تدبيره الحربي: أنه حين وصل إلى مر الظهران أمر كل رجل في الجيش أن يوقد ناراً، فلما رأى قريش عشرة آلاف نار أوقدت في وقت واحد مترتبة متنسقة خافوا خوفاً شديداً، ورعبوا فدخل الرعب قلوبهم ومنعهم من اتخاذ المبادرة.

    رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم وعفوه

    فكان من رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي وصفه الله بها أنه أرحم بهم من أنفسهم، وأنه يريد أن يدخلوا في الإسلام، وأن ينالوا حظهم من عدالة الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال لملك الجبال حين عرض عليه أن يجمع عليهم الأخشبين؟ قال: ( لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم قوماً يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً ).

    ففي هذا الوقت في حال القدرة يأتي العفو، فالعفو إنما يكون في حال القدرة، وفي هذا الوقت لم تأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة الغضب وحالة الإحراج، والحالة النفسية المعتادة للبشر، بل كان أسمى وأعلى من هذا، فرحمهم وأرسل عمه العباس بن عبد المطلب على بغلته الشهباء ينادي في قريش: ( من دخل داره فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فقال العباس : يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له فخراً، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ).

    لم يأخذهم بما فعلوا في حال طيشهم ونزقهم، ولكنه أراد أن يكون مبشراً ونذيراً، أراد أن يقوم بوظيفته داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأن يكون سبيلاً لدخول الإيمان إلى هذه القلوب التي حال بينها وبين الإيمان أدناس الشرك والجاهلية، فطهرها الله به من ذلك.

    تسليم لواء المهاجرين والأنصار لسعد بن عبادة

    فلما كان الصباح ودخلت كتائب الفتح والنصر وكانت فوقها ألوية إعلاء كلمة الله بارزةً مرفرفةً على تلك الجبال الشامخة دخل الرسول صلى الله عليه وسلم في كتيبة المهاجرين والأنصار، وأعطى اللواء سعد بن عبادة بن دليم ، فلما أخذه غرزه في مرتفع بمكة، وقال: اليوم ذلت قريش وخربت.

    استغاثة قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم

    فسمع ذلك قريش فخافوا أن يأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فعلوه، فأرسلوا وجهاءهم وشعراءهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه ضرار بن الخطاب ، فقال:

    يا نبي الهدى إليك لجا حي قريش ولات حين نجاء

    حين ضاقت عليهم سعة الأرض وعاداهم أهل السماء

    والتقت حلقتا البطان على القوم ونودوا بالصيلم الصلعاء

    إن سعداً يريد قاصمة الظهر بأهل الحجون والبطحاء

    خزرجي لو يستطيع من الغيظ رمانا بالنسر والعواء

    وغر الصدر لا يهم بشيء غير سفك الدماء وسبي النساء

    قد تلظى على البطاح وجاءت عنه هند بالسوءة السوآء

    إذ ينادي بالذل حي قريش وابن حرب بدا من الشهداء

    فلئن أقحم اللواء ونادى يا حماة اللواء أهل اللواء

    ثم ثابت إليه من بهم الخزرج والأوس أنجم الهيجاء

    لتكونن بالبطاح قريش فقعة القاع في أكف الإماء

    فانهينه فإنه أسد الأزد لدى الغاب والغ بالدماء

    إنه مطرق يريد لنا الأمر سكوتاً كالحية الصماء

    حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تغيير قيادة اللواء

    هنا كانت مبادرة الرسول صلى الله عليه وسلم الحكيمة، فأخذ اللواء من سعد ودفعه إلى من، هل تتوقعون أنه سيدفعه إلى رجل من قريش، أو بالأخص من بني هاشم؟ لا، ليس هذا من الحكمة ولا من السياسة، فدفع اللواء إلى ابنه قيس بن سعد بن عبادة بن دليم.

    ومن المجرب أن كل شخص أياً كان إذا كان عاقلاً لا يرضى أن يكون أحد أعلى منه منزلةً في الدنيا أو في الآخرة إلا ولده، كل شخص منكم الآن يريد أن يكون أعلى منزلةً من أبيه ومن أخيه وأقرب إلى الله تعالى من جميع إخوانه، لكن ولده يريد أن يكون أشرف منه هو وأعلى منزلةً؛ لأن الولد عبارة عن ذكر مستمر للشخص وزيادة في العمر، فهو زيادة لما عجزت أنت عنه فتريد له أن يبدأ من حيث انتهيت أنت.

    لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم في تصرفه الحكيم أخذ بهذه السياسة، فدفع اللواء إلى قيس ، وكان قيس من شباب الإسلام الذين امتلأت قلوبهم بمحبة الله ورسوله، امتلئوا بالتضحية في سبيل الله والبذل، ومن أولئك الشباب الذين كانت تضحياتهم أكبر من أجسامهم وأطول من أعمارهم، هو الذي نحر الجزر في غزوة الخبط، عندما جاع المسلمون ولم يجدوا من يكفلهم، هو الذي سابق الخيل بين ثنية الوداع ومسجد بني زريق، وكانت الخيل مضمرة، هو ذو المشاهد في الإسلام العالية، فلما أخذ اللواء غرزه في نفس المكان، وقال: اليوم عزت قريش وعمرت.

    فكان فاهماً للمهمة التي أتي بها من أجله، فتصرف التصرف الذي رضيه الله ورسوله له.

    تطهير مكة من مظاهر الشرك

    هنا عندما دخلت مكة تحت سلطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعز الله بها الدين، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول أمر قام به وهو تطهيرها من مظاهر الشرك كله، بتكسير الأصنام والأنصاب، وتطهير المسجد مما كان فيه، فكان يشير إلى الأصنام ويقول: ( وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [الإسراء:81] ).

    ثم إنه قال في خطبته: ( إن مكة حرم الله، حرمها الله يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعةً من نهار، وقد عادت الآن إلى حرمتها كيوم خلق الله السموات والأرض، فإن أحد احتج عليكم بقتال رسول الله فيها، فقولوا: إنها أحلت لرسول الله ولم تحل لك )، شرف الله تعالى مكة بدخولها تحت سلطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام فيها بهذا الوجه الصحيح، قام بالتصرف المناسب ليرينا أن التمكين لا يقتضي الغرور، وأن الأمور ينبغي أن تسير في نصابها الصحيح، فتحدث الناس بأنه إن فتح الله عليه أحب البلاد إليه سيعود إلى مكانه، وسينزل في داره، ويجتمع ببني عمه، وتعود القبلية التي كانت في الجاهلية على أوجها كما كانت، فاشتكى ذلك أقوام وظنوا أنه سيحصل، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيب آمال هؤلاء، فلذلك عندما فتح الله عليه بلده لم يتم فيه الصلاة، أول صلاة صلاها بمكة كانت صلاة الظهر، فصلاها ركعتين، ثم قال: ( يا أهل البلد! قوموا فأتموا ركعتين؛ فإننا قوم سفر ).

    إرساء قواعد الحكم في مكة

    لم يجلس بمكة إلا ما تقتضيه الضرورة من توطيد الحكم فيها، ولم يولِّ عليها أحداً من غير أهلها، وإنما ولى عليها عتاب بن أسيد ، ذلك الشاب الحدث الذي ليس هو مثل صناديد قريش وكبارها الذين كانوا يحكمون مكة في الجاهلية، فلو حكم مثلاً أبا سفيان على مكة لما تغير شيء؛ لأنه قد تعود على أسلوب معين في الحكم، وإن كان قد صلح قلبه وتاب إلى الله تعالى وآمن، إلا أن الناس سيعودون إلى تذكر العهد القديم وما كانت عليه الحال، فلم يعط الرسول صلى الله عليه وسلم إمرة مكة ولا إمامة المسجد الحرام لرجل كبير السن أبداً من أهل مكة ، وإنما نظر إلى الشباب الذين فيهم من التضحية والإخلاص، ومن عدم السوابق السابقة وفيهم من الحماس والقوة ما يكفي لتوليتهم هذه الوظيفة، فاختار أبا محذورة للأذان، واختار عتاب بن أسيد للإمامة وللقضاء وللحكم، ولاه على مكة وهو في الثامنة عشرة من عمره فقط، يكون إماماً للمسجد الحرام ووالياً وقاضياً على مكة من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    في هذا الوقت عندما ينصرف الرسول صلى الله عليه وسلم قافلاً إلى المدينة ينظر الناس إلى آثاره التي تركها في مكة في هذه الفترة، فإذا هي كلها إيمان وتوحيد لله تعالى، وعدل بين الناس، ولطف ورأفة ورحمة، ونشر للبشارة والنذارة، ونظر بمقتضى المصلحة الراجحة، ودرء للمفسدة الراجحة.

    1.   

    منهجه صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المتغيرات

    وعندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن فتح الله عليه مكة لم يرجع في مظهر ذوي النشوة والطرب الذين يفرحون بما أوتوا في هذه الدنيا ويتنافسون فيها، ويغترون بما نالوه من مزايا هذه الدنيا، فلم يتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم طبلاً، ولا أقام مأدبةً، ولا أقام غناءً، ولا أقام عيداً من الأعياد، إنما رجع كما خرج، رجع مجاهداً في سبيل الله كما خرج مجاهداً في سبيل الله، رجع داعياً إلى الله كما خرج داعياً إلى الله، الحال الذي دخل به مكة هو حاله بعدها.

    كثير من الناس إذا حالت عليه الحول، وتغيرت الأوضاع؛ يتغير حاله، من كان متواضعاً في حال فقره إذا استغنى كثيراً ما يزول عنه التواضع، ومن كان متكبراً في حال غناه كثيراً ما يعود إلى التواضع في حال فقره، وهذا التحول وصف من أوصاف النفاق؛ لأنه تذبذب، والله تعالى يقول في المنافقين: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143]، لكن المؤمن المحق صاحب الموقف الصحيح ثبت قدميه فرسختا في أرضية من الإيمان، فلذلك لا يتزعزع يميناً ولا شمالاً، وإذا جاءت نوائب الدهر وأحواله نظر إليها على أنه قدر من قدر الله، وامتحان من امتحانه سواءً كانت خيراً أو شراً؛ لأنه يقرأ قول الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35].

    ثم إذا حصلت هذه الحول وتغيرت الأمور لا يقتضي ذلك منه مسكنةً لم تكن، ولا يقتضي منه أيضاً عزةً لم تكن، كما قال أبو الطيب المتنبي :

    وحالات الزمان عليك شتى وحالك واحد في كل حال

    لذلك فإن حال المسلم الحقيقي هو مثل ما تمثل به علي بن أبي طالب رضي الله عنه في طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه عندما وقف عليه قتيلاً يوم الجمل، فذكر قول الشاعر:

    فتىً كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى

    ويبعده الفقر فتىً لا يعد المال رباً

    انظروا إلى هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، طلحة بن عبيد الله كان في صدر الإسلام فقيراً، ثم أغناه الله تعالى وهو شهيد يمشي على وجه الأرض، فزاده ذلك تواضعاً وقرباً إلى المؤمنين وإلى المستضعفين، وإلى إخوانه فقال فيه علي بن أبي طالب هذا المثل: فتىً كان يعطي السيف في الروع حقه، فإذاً هذه الشهادات من علي بن أبي طالب رضي الله عنه لـطلحة بن عبيد الله في مثل هذا المشهد، وأنه لم يتغير شيء من أحواله حتى لقي الله.

    1.   

    دروس من حال مكة قبل الفتح

    هنا يأتي الزمان، وتستمر القرون، ويمر على فتح مكة أكثر من أربعة عشر قرناً، فنأتي نحن اليوم جماعة من المسلمين في آخر الزمان ننظر إلى أنفسنا بنظرة تقويمية، وننزل فتح مكة على واقعنا، وننظر إلى الظروف التي نعيشها فنقوم أولاً بما يتعلق بهذا الفتح من ناحية ما اعتقدناه، ومن ناحية المؤهلات المهيئة له، ومن ناحية الآثار المترتبة عليه، ثم ننظر إلى طريقنا نحن هل ما زالت على نفس المسار أو انحرفت يميناً أو شمالاً، أو زادت سرعتها، أو زاد بطؤها، كل ذلك محتمل، فتأتي النظرة الفاحصة للتقويم، فننظر بشيء من التأمل إلى أوضاع مكة قبل الفتح.

    قصة عنبسة بن أمية

    فنقول: الذي ينظر إلى أوضاع مكة قبل الفتح يجد فيها الشرك بالله تعالى والظلم والاضطهاد، ويجد فيها أغنياء يزداد غناهم، وفقراء يزداد فقرهم، ويقرأ بشيء من المضاضة وشيء من الحزن قصة عنبسة بن أمية عندما جاء يقود ولده إلى ملأ قومه -وكان رجلاً فقيراً- وإخوته عشرة، وأبناء إخوته كل واحد منهم له عشرة من البنين، وكانوا أغنياء، فيأتيهم يقود هذا الولد الصغير، فيقول: يا معشر قومي! إنني امرؤ فقير لا أجد لقمة عيش، فهل فيكم من يكفل لي هذا الصبي وأجتنبكم ولا تروني بعد اليوم أبداً؟ فلا يجد أحداً يرفع إليه رأسه، ولا يهتم بشيء من أمره، فهم غارقون في زخارف الدنيا وفيما هم فيه، ولا يهمهم من سواهم حتى ولو كان أقرب الأقارب إليه، هذه وضعية واحدة من أحوال مكة.

    انتشار السرقة والجرائم

    نجد في نفس العصر أن رجالاً من الملأ من قريش أتوا إلى الكعبة في الليل فحاولوا الاعتداء على بعض ذخائرها، وسرقوا غزالاً من الذهب كان فيها، فكسروه وباعوا الذهب، واشتروا به خمراً، فسكروا في البلد الحرام، واعتدوا على حرمة الكعبة، ففضحهم الله تعالى، وكان منهم أبو لهب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ظلم الناس والغلظة عليهم

    نجد أقواماً آخرين كانوا يتعاطون ظلم الناس والإغلاظ عليهم، وتعذيبهم وإهانتهم مثلما كان عمرو بن هشام ، ومثلما كان أمية بن خلف رأس الكفر، ومثلما كان نظراء هؤلاء، نجد آخرين يتجبرون في الأرض على عباد الله، ويتخذون عباد الله عباداً لأنفسهم، ويتسلطون عليهم بالظلم والاضطهاد، ويتكبرون عليهم مثلما كان الوليد بن المغيرة الذي امتن الله عليه بالمال والولد والمكانة، فجعل ذلك عداوةً لله، فقال الله تعالى فيه: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا [المدثر:11-17]، نعوذ بالله، فهذا الرجل وأمثاله كثير من الذين استهزءوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرانا الله تعالى فيهم عجائب قدرته، وأحل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين، هؤلاء المستهزئون منهم الوليد أذاقه الله تعالى بخدشة سهم كان في يده الأمرين، فلما برئ جرحه أتاه جبريل فأشار له إلى الجرح، فانبعث دماً، فما زال يثعب حتى مات، وقرينه العاص بن وائل السهمي أصابته شوكة مجرد شوكة في ركبته، فنال منها الأمرين حتى تمنى الموت فلم يجده، ثم أماته الله شر ميتة، و الأسود بن عبد يغوث أصابه الله تعالى بالقروح في رأسه وبدنه، فما زالت تسيل بالقيح حتى مات، و الأسود الآخر أصابه الله تعالى بالعمى والألم في العينين، وما زال يصيح حتى مات، وهكذا كانت مصارع هؤلاء المستهزئين الذين كانوا يهينون المستضعفين من المسلمين، فأنزل الله تعالى فيهم: إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:95]، فكفى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء.

    فساد الأمور الاجتماعية

    نجد أن مكة في ذلك الوقت كان يسود فيها الربا والابتزاز، وخسران الميزان، ونجد أنها كان يسود فيها قطيعة الرحم، ومن مظاهره البارزة: حصار بني هاشم وبني المطلب في الشعب، فهو من قطيعة الرحم البارزة الواضحة، نجد أنها كان يشيع فيها الحكم بغير ما أنزل الله، وعدم التحاكم إلى شرع الله، وتبديل شرع الله تعالى وتغييره بما رأوه في كل شيء حتى في مناسك الحج، فكان أهل الحرم وهم قريش وأحلافها لا يفيضون من حيث أفاض إبراهيم، لا يفيضون من حيث أفاض الناس، وإنما يقولون: نحن أهل الحرم فلا نخرج منه، فيقفون بمزدلفة فقط، نجد أن هذا التغيير وهذا التعديل وهذا القانون الوضعي الذي وضعوه لأنفسهم كان أيضاً داخلاً في كل الأمور في الأمور الاجتماعية فكانوا يبيحون لأنفسهم بعض الأمور التي يحلونها للرجال ويحرمونها على النساء، وكانوا يحلون لأنفسهم أكل الميتات وأنتم تقرءون هذا في آيات سورة الأنعام، فيقولون عندما أوحى إليهم أولياؤهم يقولون: عجبا لمحمد يبيح الذبيحة التي ذبحها هو بيده بسكين من حديد، ويحرم الذبيحة التي ذبحها الله بمنشار أو بنشير من ذهب، يقصدون بها الميتة، فهؤلاء هم الذين نعى الله تعالى عليهم بآيات سورة الأنعام التي تقرءونها، ففيهم يقول الله تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]، فبين الله تعالى عور ما كانوا عليه، وما كانوا يحلونه، وما كانوا يحرمونه، ومختلقاتهم، فكانت المرأة فيهم إذا مات زوجها كان أكبر أولاده أحق بها فإن شاء تزوجها، وإن شاء عضلها، أو زوجها من شاء وأخذ صداقها، وكانت المرأة إذا طلقت تعتد سنةً كاملةً دون استحداد ودون غسل ودون مس طيب، ثم بعد ذلك تأتي ببعض المختلقات الهزيلة المخالفة لمقتضى العقل، وكان الأجنبي على مكة لا يجوز له أن يطوف بالبيت إلا عرياناً، فيرمي ملابسه حتى يعود إليها بعد الطواف, وإن أصابته النخوة وامتنع عن الطواف عرياناً وطاف بملابسه فإنهم ينتزعون منه ملابسه ويؤمنونها عليه ولا يصلح له أن يلبسها أبداً، استمروا على هذا النوع من الظلم والاضطهاد في كل الأمور حتى أدخل الله عليهم هذا الفتح.

    1.   

    تأملات في آثار الفتح

    هذا الفتح من آثاره بعد ما رأينا من أحوال مكة أنه عندما أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة كان في المسجد الحرام ثلاثمائة وستون صنماً، وكان على الصفا صنم اسمه إساف، وكان على المروة أيضاً صنم اسمه نائلة، فهذان الصنمان كانا على الصفا والمروة، وكانوا يرون أن السعي بين الصفا والمروة إنما هو تعظيم لهذين الصنمين، فالمظهر الذي نراه بعد الفتح هو إزالة كل هذه الأمور، وإذا رجعنا قليلاً إلى قول عروة : يعاهدون ألا تدخلها عليهم عنوةً أبدأً، ورأينا كيف حقق الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ما وعده، في قوله: لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:27].

    مقارنة واقعنا بواقع المسلمين قبل الفتح

    نرجع قليلاً لنرى كيف كان الملأ من قريش يكيدون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويجتمعون في دار الندوة، والرسول صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم على الصفا ومعه ثلة من الشباب المستضعفين المحاربين المقاتلين، وإخوان لهم آخرون مفرقون في البيوت كلهم في الأصفاد والأغلال يعذبه أهله ليردوه عن دين الله يضربه أبوه ويلطمه على حر وجهه ليرده عن دين الله، وتقاطعه أمه وتضرب عن الطعام والشراب لترده بذلك عن دين الله، ونجد أقواماً آخرين يعذبون ببطحاء مكة ، فيبطح أحدهم ليس على جلده غطاء على رمضاء مكة، وتوضع عليه الحجارة المحماة، ويمنع الشراب ليرتد عن دينه، ونجد آخرين يقطعون آراباً ليرجعوا عن دينهم، ويضربون بالسياط حتى تتقشر جلودهم وهم يقولون: أحد أحد، أحد أحد، في هذا الموقف إذا نظرنا مقارنةً إلى دخولنا الآن للمسجد الحرام، فدخل من قرأ هذه الأمور التي هي واقعة، وعدد هذه الأصنام وهذه الأحوال، فدخل اليوم إلى المسجد الحرام، وسأل: أين دار الندوة؟ وأين الملأ من قريش؟ أين عتبة بن ربيعة ؟ وأين شيبة بن ربيعة ؟ أين أبو حكيمة ؟ أين الأسود بن عبد يغوث ؟ أين الوليد بن المغيرة ؟ أين عمرو بن هشام ؟ أين العاص بن وائل ؟ سأل عن هذه الرموز الشركية، لا يجد من يعرف عنها إلا أنها في النار عن يساره إذا دخل النار، لكن إذا سأل: أين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ لا تكاد تقع عينه على حجر واحد من حجارة المسجد إلا وقد كتب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يرى الملايين في هذا المسجد كل شخص منهم يشهد بهذه الشهادة بعد مضي ألف وأربعمائة سنة كلهم يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يجد اللغات المختلفة ترتفع بها الأصوات في الطواف بالبيت، كل شخص منهم يسأل الله تعالى، ويؤمن به ويوحده، يأتون من أصقاع الأرض من مشارقها ومغاربها، فيجتمع في هذا الصعيد الواحد الصيني بالأمريكي بالياباني بالإفريقي من جميع أصقاع الأرض، لا تفقد جنسيةً أياً كانت إلا رأيت منها مؤمناً موحداً، ما أتى به إلا أن الله جعل هذا البيت مثابةً للناس وأمناً، فجاء يستعيذ بالله من النار، ويقول: وهذا مقام العائذ بك من النار، فكلهم يقول: اللهم إن بيتك عظيم، ووجهك كريم، وأنت يا الله عظيم كريم، وهذا مقام العائذ بك من النار.

    أين المقارنة بين هذا الوضع وبين الحال في ذلك الوقت الذي تكون فيه دار الندوة محل اتخاذ القرار، ويكون فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأولياؤه من الشباب محاصرين في دار الأرقم؟ لا شك أن المنصف يعلم أن هذه السيرة طيلة ألف وأربعمائة سنة سيقع فيها كثير من التجاوز والانحطاط وتردي المستويات، ولكن مع ذلك يوقن يقيناً لا يقبل الشك أن النصر قد كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصراً لا رجعة فيه، وأن هذا النصر لا يمكن أن يتراجع، فإذا قارنه بأبسط شيء لو حصلت معركة في ذلك الوقت فقتل فيها نفر من المسلمين من أهل المدينة ونفر من المشركين من أهل مكة، وافترق كلا الفريقين على قتل من الطائفتين مثلاً، سنقومها بالمعيار الدنيوي ونقول: عدد القتلى من هذا الجانب سبعون، وعدد القتلى من هذا الجانب أربعون مثلاً، أو نقول: هؤلاء غنموا كذا، وهؤلاء غنموا كذا، أو نقومها بمقياس آخر ليس هذا المقياس وإنما مقياس حربي استراتيجي، فنقول مثلاً في معركة أحد: لمن كانت الدائرة فيها؟ نقول: كانت الدائرة والدابرة على قريش، لأنهم قتل منهم تسعة يحملون اللواء، وحصلت الهزيمة، ولم يغنموا شيئاً وردوا عن المدينة، وإن كان المسلمون قد اشتد فيهم النكء، وقتل منهم سبعون في الحين التي لم يقتل فيها من عدوهم إلا أربعون تقريباً، ولكن هذه النظرة الإستراتيجية محددة لهذا المعيار؛ ولذلك يقول فيها حسان بن ثابت رضي الله عنه في قصيدته المشهورة:

    منع النوم بالعشاء الهموم وخيال إذا تغور النجوم.

    يقول فيها:

    تسعة تحمل اللواء وطارت في رعاع من القنا مخزوم

    لم تطق حمله العواتق منكم إنما يحمل اللواء النجوم

    المقصد الحقيقي للجهاد

    نجد أن هذه المقارنة، إنما هي بمقتضى أمر كوني، لكن بمقتضى الأمر الشرعي لا يمكن أن يحكم لهذه المناظرة بهذا القدر من المقارنة، إنما تكون المقارنة بالبقاء لما يحمل، ليست المعركة من أجل قتل أشخاص، لم تكن معركة أحد لقتل طلحة بن أبي طلحة ، ولم تكن معركة بدر لقتل أبي جهل و عتبة بن ربيعة ، لو كانت كذلك لكانت أيضاً معركة أحد لقتل حمزة و مصعب وغيرهما، وكانت معركة بدر لقتل عبيدة بن الحارث بن المطلب و عمير بن الحمام وغيرهما، إذاً ليست القضية هي فقط الخسائر المادية الدنيوية الواضحة، ولا الإنجازات الحربية، القضية قضية انتصار هذا المبدأ الذي يحملونه هؤلاء القوم الذين بذلوا أنفسهم لله تعالى، وضحوا في سبيله لم يكن همهم أن يأخذوا بعض الغنائم، ولا أن يقتلوا بعض الكفرة، وإنما كانوا يريدون إعلاء كلمة الله، يريدون أن يجعلوا أنفسهم وقوداً لقطار هذه الدعوة، يسير به هذا القطار ويمضي، فدماؤهم تروي البذر الإيمانية في التراب لتنبت منه الأجيال؛ فلذلك كانت سحب الدماء التي أريقت طاهرةً في سبيل الله غراساً لهذا النبع وهذا الوقود المستمر الذي من أجله اجتمعتم في هذا المسجد، وهو نتاج لتضحية كانت قبل ألف وأربعمائة سنة، ولو ضحيتم أنتم لكانت تضحيتكم أيضاً لألف وأربعمائة سنة قابلة إن استمرت الدنيا إلى هذا الحد، فالجميع عباد لله، لا أحد منهم يمن على الله شيئاً، لا يمكن أن ينظر إلى تقويمهم فيما يتعلق بعلاقتهم بربهم على أنهم يمكن أن تكون لهم صلة أو قرابة أو عهد عند الله تعالى ليس عندكم، فأنتم جميعاً عباد الله، وعلاقتكم به جميعاً هي العبودية، والتكليف الذي كلف الله به حمزة بن عبد المطلب و عمار بن ياسر وغيرهما هو التكليف الذي كلف الله به كل واحد منكم، وعلاقة هؤلاء بالدين هي نفس العلاقة الموجودة لديكم، لماذا يكون مثلاً عبد الله بن جحش أحرص على دين الله مني أنا؟ هل لأنه يرجو ما لا أرجوه، أو لأن تكليفه أكبر من تكليفي، أو لأن طاقته أكبر من طاقتي؟ لا؛ لأن إيمانه فقط أقوى من إيماني، مسألة واحدة فقط.

    بقاء الجهاد والتكليف

    إذاً التكليف واحد، والمسئولية واحدة، والدين واحد لم يطرأ له تغير، والحرص عليه الآن أشد من الحرص عليه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان انتصاره كائناً لا محالة سواءً بذل الناس الجهد أو لم يبذلوه؛ لأن الله ناصره برسوله صلى الله عليه وسلم، لكن بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دار الكرامة ينبغي أن يزداد حرص المؤمنين على نصرة دينهم، كما خاطبهم بذلك أبو بكر الصديق عندما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقرأ عليهم قول ربهم سبحانه وتعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144]).

    لاحظوا لو أنكم كنتم أحياء وقت موت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت العصيب الذي كان فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمعزة المطيرة، فحضرتم تلك المصيبة العظيمة، ماذا عسى أن تكون مسئولياتكم؟ وماذا ستكون مبادراتكم؟ وكيف سيكون تحملكم لهذه المسئولية؟ وأنتم يقرأ عليكم قول ربكم سبحانه وتعالى الذي تدينون به وتؤمنون به: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].

    الشعور بمسئولية حمل هم الدين

    لو سئل كل واحد منكم أو سأل نفسه: أليست هذه الآية خطاباً لي؟ ألست مخاطباً بها؟ فإنه سيعلم أنه مخاطب بها علم اليقين، إذا علم ذلك فإنه أيضاً يأتي سؤال بعده وهو: هل ستسأل عن هذه الآية هل قامت عليك الحجة بها أو لا؟ فسيقول: نعم سأسأل عنها، وهو مؤمن بذلك، ويعلم أن الله عز وجل سيسأله عما قامت به الحجة عليه من هذا القرآن، وسيكون ذلك الامتحان أحد امتحانين: إما امتحان الستر حين يلقي الله تعالى بكنفه على عبده المؤمن فيخلو به فيسأله عما عمل، وإما امتحان الفضيحة الذي يمتحن الله به أقواماً فيقول: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37]، لا بد أن يكون الامتحان أحد امتحانين: إما امتحان الستر، وإما امتحان الفضيحة، إذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يعد لهذا الامتحان جواب من الآن.

    نقول: إن الحال الذي مات فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقل من ناحية عزة الدين وعلو كلمة الله أشرف وأسمى بما لا يمكن أن يحصى من حالنا اليوم، فعزة الدين عندما قام أبو بكر خطيباً وكان المستمعون إليه فيهم عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و علي بن أبي طالب وغيرهم لا يمكن أن تقارن بحال خطيب منا يتكلم على رءوس الملأ وفيهم أمثالنا نحن، ولذلك انظروا إلى كلمة بليغة قالها علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما سأله رجل من الخوارج فقال: يا أمير المؤمنين! ما لك ولصاحبك، فقد اتفق الناس على أبي بكر و عمر واختلفوا عليك وعلى عثمان ؟ فقال: اتفق الناس على أبي بكر و عمر حين كان الناس أنا و عثمان وأمثالنا، واختلف الناس علي وعلى عثمان حين كان الناس أنت وأمثالك.

    هذا الجواب البليغ هو الذي نخشاه نحن أن تقوم علينا الحجة به، فالدين لا يزداد إلا دعوةً للتضحية في سبيله. وكأني بالقلوب المطمئنة المؤمنة عندما تريد وتشتاق إلى لقاء ربها تعاهد الله تعالى على أن تحيي هذا العهد الذي سلكه أولئك الأقوام، وأن تسير على نفس النهج الذي ساروا عليه، وأن تبدأ خطاها من جلستنا هذه عندما امتن الله تعالى علينا بها في هذا الشهر الكريم، وفي هذه العشر المباركة وفي هذا المسجد الذي هو بيت من بيوت الله، إذا أخرج أحدنا رجله من المسجد وقال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب فضلك، يتذكر لماذا خرج من جلسته هذه، وماذا حمل من هم هذا الدين، ماذا يريد أن يقدم في سبيل نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو لم يدرك الصحبة، لا يمكن أن تنظروا إلى أنفسكم على أنكم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بل هذه مزية شرف الله بها جيلاً سواكم، ولكن عليكم أن تنظروا إلى أنفسكم أنكم إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجنوده.

    فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموطأ والصحيحين: ( أنه أتى المقبرة يوماً، فقال: وددت لو رأيت إخواناً، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني، للواحد منهم أجر خمسين )، هؤلاء الإخوان وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأوصاف الشريفة منها: أنهم نزاع القبائل، لا يجتمعون لمال، ولا لمأثرة، وإنما يجتمعون في ذات الله، هؤلاء الإخوان وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم للواحد منهم أجر خمسين، وأنه يكون الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر، ووصفهم بأنهم غرباء، ووصفهم بأنهم من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم، ووصفهم بأنهم يصلحون إذا فسد الناس، ووصفهم بأنهم يصلحون ما أفسد الناس من سنته صلى الله عليه وسلم، هذه الأوصاف لماذا لا نحققها في أنفسنا؟ لماذا إذ فاتتنا صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم نرضى أن تفوتنا أخوته؟ فإن الفرصة متاحة لنا لأن نكون من جند محمد صلى الله عليه وسلم، وأن نكون من إخوان رسول صلى الله عليه وسلم الذي نتمنى أن يراهم، وأن نكون من أنصار دينه؛ فلذلك إذا تذكرنا هذه المشاهد الكريمة علينا أن نستحضر لحظةً لو خرج فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من قبره، وبعثه الله تعالى فجاءنا اليوم، ورأى ما نحن فيه من الاستضعاف، وما فيه هذا الدين من عدم التمكين، ماذا سيقول وماذا سيعمل؟ فإنه يوم القيامة سيبعث ويقف على الحوض، ويحشر الناس عليه، وهو مطلع على أعمالهم، ولكنه يذاد دونه أقوام فيضربون كما تضرب غرائب الإبل وتذاد عن الحوض، فيعرف قوماً منهم؛ لأنهم من أمته فيقول: (يا رب! أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: فسحقاً فسحقاً فسحقاً ).

    هذا الموقف المخزي عندما يذاد أقوام غيروا وبدلوا عن حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن نرضاه لأنفسنا، لا ينبغي أن يرضى أحد لنفسه أن يذاد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الحوض يسقي الناس بيده الشريفة شربةً لا يظمئون بعدها أبداً.

    من كان لا يريد أن يذاد عن هذا الحوض كما تذاد غرائب الإبل فليعد لذلك عدته من الآن، ولينظر الصف الذي ينبغي أن يكون فيه، ولينظر العمل الذي ينبغي أن يعمله، ولينظر نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أي اتجاه تكون، ويعلم أنه لو خرج الرسول صلى الله عليه وسلم الآن من قبره هل سيذهب وينعزل في إحدى الخلوات، ويعبد الله تعالى، ولا يؤثر في حياة الناس ولا يشارك فيها؟ لم يكن ليفعل هذا؛ لأنه رسول الله ومسئول عن أوضاع الناس، وأخبر: ( أن مثله ومثل الناس كرجل أوقد ناراً فجعل الفراش يتساقط فيها، فجعل يحجزه ويمنعه من الوقوع فيها، فقال: إني ممسك بحجزكم عن النار ).

    فرفع لناء لواءً نتقدم تحت ظله، هذا اللواء إذا وجد من يأخذه، وتقدم به فالمسلمون بخير في ظل هذا اللواء، وإن لم يوجد من يأخذه ويرفعه فالمسئولية مسئولية الجميع، كل شخص منكم ينظر إلى لواء الإسلام معفراً بالأرض ويعلم بأن المسئولية مسئوليته هو، لماذا لا يرفع كلمة الله؟ لماذا لا يعز دين الله؟ لماذا لا يبذل ما يستطيع في سبيل ذلك؟

    إن من اقتنع بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان حياً لقال ما قال عيسى: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران:52]، فلم يبادر هو إلى أن يكون منهم، فإنه قد رغب بنفسه عن رسول الله، والله تعالى يقول: مَا كَانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [التوبة:120-121].

    1.   

    دعوة للمبادرة بالأعمال

    إذاً فعلينا أن نبدأ صفحةً جديدةً مع الله تعالى، وأن نذكر أن كثيراً منا لن تتاح له هذه الفرصة في العام القادم، وكثير منا يمكن أن يكون ممن ينزل في ليلة القدر في هذه السنة أنه من الوفد السائر إلى القبور، من الذين سيعمرون القبور في هذه السنة، كثير منا يمكن أن يكتب عليه في ليلة القدر في هذه السنة مرض عضال يمنعه من التصرف، أو فقر مدقع يمنعه من مزاولة بعض ما كان يمكن أن يقوم به في نصرة دين الله، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم كما أخرج عنه الترمذي و أبو داود : هل تنتظرون إلا هذه المخوفات؟ فقال: (بادروا بالأعمال ستاً: فهل تنتظرون إلا موتاً مجهزاً، أو مرضاً مضنياً، أو فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو الدجال فـالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ).

    فلاحظوا هذه الأمور كل شخص منكم يعرض على نفسه ما الذي يحول بينه الآن وبين تقديم شيء لنصرة دين الله؟ تقديم شيء من وقته، أو من لسانه، أو من عمل يده، أو من ماله، أو من دعائه، أو من حضوره، أو من تذكيره للسواد، كل ذلك نصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ما الذي يحول بيني وبين تقديم بعض هذا؟ لا بد أن أنظر إليه فلعله أحد هذه الأمور التي انتظرها، المنتظر هو أحد هذه الأمور، إما أن يأتي كموت مجهز يجهز عليك ويقطع حياتك، ( هل تنتظرون إلا موتاً مفنياً، أو مرضاً مضنياً، أو غنىً مطغياً، أو فقراً منسياً، أو هرماً مفنداً، أو الدجال فـالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ).

    فلذلك لا بد أن ننتهز هذه الفرصة التي أعطانا الله تعالى، وأن نغتنمها لنحدث عهداً جديداً؛ ولنقطع شوطاً في نصرة دين الله تعالى، والتمكين لكلمته، وللسير في طريق رسولنا صلى الله عليه وسلم، وفي التآخي بيننا، وفي تحقيق ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29].

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724052574