إسلام ويب

القواعد لابن اللحام [9]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اختلف الفقهاء والأصوليون في التفريق بين الفرض والواجب، فقال بعضهم: لا فرق بينهما، وقال آخرون: ما ثبت بدليل قطعي فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني فهو واجب، وقال آخرون: الفرض آكد من الواجب إلى غير ذلك. واختلف فقهاء أهل السنة مع المعتزلة في الواجب المخير، فقال أهل السنة: يجب عليه أحداهما، وقالت المعتزلة: يجب الجمع على التخيير.

    1.   

    القاعدة العاشرة: الفرق بين الفرض والواجب

    الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل, وبعد:

    وصلنا أيها الإخوة إلى القاعدة العاشرة.

    الملقي: قال المؤلف رحمه الله: [القاعدة العاشرة: الفرض والواجب مترادفان شرعاً في أصح الروايتين عن أحمد , اختارها جماعة منهم: ابن عقيل ، وقاله الشافعية, وعن الإمام أحمد الفرض آكد اختارها جماعة, منهم: ابن إسحاق بن شاقلا و الحلواني , وذكره ابن عقيل عن أصحابنا, وقاله الحنفية وابن الباقلاني , واختلف اختيار القاضي, فعلى هذه الرواية الفرض ما ثبت بدليل مقطوع به, وذكره ابن عقيل عن أحمد . وقيل: ما لا يسقط في عمد ولا سهو.

    وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية: أن الفرض ما لزم بالقرآن، والواجب ما كان بالسنة, وعلى الثاني يجوز أن يقال: بعض الواجبات أوجب من بعض, ذكر القاضي وغيره أن فائدته: أنه يثاب على أحدهما أكثر, وأن طريق أحدهما مقطوع به وطريق الآخر مظنون, وذكرهما ابن عقيل على الأول].

    الشيخ: هذه القاعدة هي القاعدة العاشرة, والآن المؤلف دخل في مسائل تسمى في أصول الفقه: مسائل الأحكام التكليفية, يعني: مسائل الحكم وما يتعلق به.

    الآن من المعلوم أن الشرط: واجب وزيادة, بمعنى: أن هذا الحكم ثبت الأمر به، وثبت أن عدم وجوده يبطل الصلاة, فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا صلاة بغير طهور ), وأمرك إذا أردت أن تصلي أن تسبغ الوضوء, ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ) فهنا أمر بالوضوء, وذلك أمر ببطلان الصلاة؛ لعدم وجود العلة, هذا شرط, الواجب: هو ثبوت الأمر به.

    الفرق بين الفرض والواجب

    الشيخ: لكن هل الفرض مثل الواجب أم لا؟

    أولاً: لنعلم أن الفرض والواجب من حيث اللغة بينهما فرق, فإن الواجب في اللغة: السقوط، قال تعالى: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا [الحج:36], يعني: سقطت.

    وأما الفرض فهو: التأثير والتقدير, كما قال الله تعالى في آيات كثيرة, منها: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [البقرة:237], يعني: ما قدرتم.

    لكن من حيث العرف الشرعي هل ثمة بينهما فرق أم لا؟

    الجمهور يرون أنه ليس ثمة فرق بينهما, وأن المسألة لا تعدو أن تكون ترادفاً لفظياً, وقال بعضهم: إن الفرض هو الواجب إلا أن الفرض آكد, بمعنى: أن الفرض ثبت بدليل قطعي, والواجب ثبت بدليل مظنون به, وهذا التفريق ليس بذاك؛ ذلك أن بعض أحكام الواجبات ثبتت بدليل مقطوع به كما نعرف, فنفقة الزوجة بالمعروف ثبتت بدليل قطعي, وهو واجب, وليست نفقة الزوجة بأعظم من وجوب زكاة الفطر, وزكاة الفطر ثبتت بالسنة, وهي فرض وآكد من نفقة الزوجة والسكنى، ونحو ذلك؛ ولهذا الذي يظهر -والله أعلم- أن الفرض يأخذ حكم الواجب, إلا أن الفرض آكد بمعنى: أعظم وجوباً.

    وليس الفرض هو الركن, كما قال بعضهم: الفرض ما لا يسقط في عمد ولا سهو، وليس بالضرورة أن يكون كذلك, ومن المعلوم أن المحرمات تتفاوت درجاتها, وكذلك الواجبات تتفاوت درجاتها, وعلى هذا فنقول: الأظهر أن الفرض مثل الواجب, إلا أن الفرض آكد, يعني: أعظم وجوباً, كما أن الفرائض الخمس أعظم وجوباً من بعض المسائل مع أنها كلها واجبة.

    وأما الركن وهو: ما لا يسقط في عمد ولا سهو، فهذه مسألة أخرى، وقد ثبتت بدليل أن ترك الركن لا تصح معه الصلاة.

    وأما قول: ما ثبت بالقرآن فهو الفرض, وما ثبت بالسنة فهو الواجب فهذا يعترض عليه بزكاة الفطر.

    يقول المؤلف: (وعلى الثاني: يجوز أن يقال)، معنى (على الثاني) يعني: ما لزم بالقرآن وما لزم بالسنة, أي أن الواجب ما لزم بالسنة.

    قال: (أن يقال: بعض الواجبات أوجب من بعض), وهذا صحيح, فبعض الواجبات أوجب من بعض, وهذا يجعلنا نقول: إن الفرض مثل الواجب من وجه, وليس مثله من وجه آخر, فهو مثل الواجب من حيث إنه مأمور به, وليس مثله من حيث الآكدية؛ ولهذا يقال: إن بعض الواجبات أوجب من بعض, وإذا كانت بعض الواجبات أوجب من بعض فقطعاً سوف يكون ثواب بعض الواجبات أعظم ثواباً من بعض, وعقوبة ترك بعض الواجبات أعظم من عقوبة ترك البعض.

    وأما قوله: (إن فائدته أنه يثاب على أحدهما أكثر), فهذا صحيح, وقوله: (وأن طريق أحدهما مقطوع به وطريق الآخر مظنون), فهذا ليس صحيحاً, ولا يلزم, فربما يكون الواجب طريقه مقطوعاً به، ومع ذلك هو أقل من غيره, على حسب دلالات الأحاديث الواردة في شدتها ونحوه.

    تفسير قول بعض العلماء أن النزاع في مسألة الفرض والواجب لفظي

    الملقي: [قال غير واحد: والنزاع في المسألة لفظي, فإن أريد أن المأمور به ينقسم إلى مقطوع به ومظنون, فلا نزاع في ذلك].

    الشيخ: هذا الصحيح ولا نزاع في ذلك, طيب!

    الملقي: [وإن أريد أنه لا تختلف أحكامها فهذا محل نظر, فإن الحنفية ذكروا مسائل فرقوا فيها بين الفرض والواجب].

    الشيخ: إذاً: هو يقول: إن النزاع لفظي في حق هذا القول، وإلا فإن الحنفية فرقوا بين الفرض والواجب, إذاً النزاع غير لفظي، إذاً: من هذا الكلام يظهر -والله أعلم- أن الذي ينبغي أن نقول: إن الفرض مثل الواجب من وجه, وليس مثله من وجه آخر, فمثله من حيث إنه مأمور به, وليس مثله من حيث آكدية الوجوب وكثرة الثواب وشدة العقوبة في أحدهما دون الآخر.

    الملقي: [ وذكر أصحابنا وغيرهم مسائل فرقوا فيها بين الفرض والواجب, منها الصلاة: فإنها مشتملة على فروض وواجبات, والمراد بالفروض الأركان، وأن الفرض لا يسامح في تركه عمداً ولا سهواً, وأن الواجب يسامح في تركه سهواً ولا يسامح في تركه عمداً ].

    الشيخ: الآن الفروض بهذا الاعتبار هي الركن, فتسميتنا هنا أنه ركن ثبت بدليل أن تركه لا تجزئ به العبادة, فصار عندنا في حقه دليلان؛ دليل بالأمر, ودليل بعدم الإجزاء, فلو نظرت إلى حديث المسيء في صلاته فهل الحديث مقطوع به؟ لا, بل خبر آحاد، ( ارجع فصل فإنك لم تصل, ثم رجع, ثم قال: يا رسول الله! والله لا أحسن غير هذا فعلمني ), فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة.

    إذاً قوله: ( ارجع فصل فإنك لم تصل ) دليل على أن هذه الأركان لا تسقط بسهو ولا بعمد, مع أنه دليل ظني.

    طيب قراءة القرآن في الصلاة أيّاً كانت, ثبتت بدليل قطعي, قال الله تعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20], فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [المزمل:20], فهذا دليل على أنه لا يلزم أن يكون الفرض ثبت بدليل قطعي, وربما يكون الفرض ثبت بدليل أقل من الواجب, ومع ذلك يقال: إن هذا فرض وهذا واجب, إذاً الفرض ربما يكون آكد من الواجب، وهذا هو الصحيح.

    وعلى هذا يمكن أن نقول: الركن هو الفرض؛ لأنه آكد منه بدليل آخر والله أعلم.

    الملقي: [ومنها الحج: فإنه مشتمل على فروض وواجبات].

    الشيخ: المؤلف بهذا الاعتبار جعل الفرض ركناً, والواجب غير ركن, وهذا اصطلاح من عند المؤلف, وإلا فإن بعضهم يجعلون الواجبات فروضاً, وأما ما لا يتسامح في تركه سهواً ولا عمداً فهو الركن، ولا مشاحة, لكن لنعلم أن كل مذهب له تفصيل.

    فـمالك رحمه الله يرى أن الواجب ينقسم إلى قسمين: واجب ثبت بدليل مقطوع به, وما لم يثبت بدليل مقطوع به، ويسميه سنة؛ ولهذا يخطئ بعض الباحثين أو بعض القراء حينما يقرأ كتب المالكية فيقول: والمبيت بمنى سنة يجبره بدم, كيف سنة يجبره بدم؟! لأن مالكاً يرى أن من الواجبات ما ثبت بدليل ظني فيسميه سنة واجبة؛ لأنه يجبره بدم, وأمثلة ذلك عند المالكية كثيرة, والله أعلم.

    يقول المؤلف: [ومنها الحج: فإنه مشتمل على فروض وواجبات, وأن الفرض لا يتم النسك إلا به, والواجب يجبر بدم], إذاً الفرض هنا بمعنى الركن, فأركان الحج مثل: نية الدخول في النسك والوقوف بعرفة, وطواف الإفاضة.

    هذه الأركان الثلاثة فقط هي أركان الحج: طواف الإفاضة, والإحرام, والوقوف بعرفة, وأما السعي فالراجح أنه واجب كما هو اختيار أبي يعلى وابن قدامة و ابن تيمية.

    الملقي: [ ومنها: المضمضة والاستنشاق, واختلف قول أحمد فيهما, هل يسميان فرضاً أم لا؟ فنقل أبو داود و ابن إبراهيم : لا يسميان فرضاً، وإنما يسميان سنة مؤكدة, أو واجبة؛ لأن حد الفرض ما ثبت من طريق مقطوع عليه بنص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع, وليس طريق ثبوتهما ذلك، وإنما ثبتا بأخبار الآحاد ].

    الشيخ: انظر المؤلف جعل الركن ما ثبت بدليل مقطوع به, والأقرب أنه ما ثبت بدليل أمر به, ودليل عدم إجزاء تركه, ولا يلزم أن يكون مقطوعاً به, فالواجب ربما يكون مقطوعاً به ومع ذلك ليس بركن أو ليس بفرض, فالمضمضة والاستنشاق لا يجزئ الوضوء إلا بهما, وعلى كلام المؤلف يكونان فرضاً, لا يجزئ الوضوء إلا بهما, مع أن ثبوتهما بدليل ظني؛ وهو حديث لقيط بن صبرة : ( إذا توضأت فمضمض ), وهذا يجعلك تقول: إن الفرض آكد من الواجب, وكوننا نسميه فرضاً -يعني: ركناً- لأنه ثبت في حقه دليلان؛ دليل بالأمر ودليل بعدم إجزاء تركه؛ ولهذا كان مذهب الحنابلة رحمهم الله أن المضمضة والاستنشاق فرض في الغسل الواجب كالجنابة والحدث الأكبر والأصغر, وأبو حنيفة يرى أن المضمضة والاستنشاق فرض في الحدث الأكبر, ومالك والشافعي يريان سنتهما في الحدثين, و أحمد يرى ركنيتهما أو وجوبهما في الحدثين.

    الملقي: [ونقل بكر بن محمد : إن تركهما يعيد كما أمر الله, وهذا يدل على تسميتها فرضاً؛ لأنه جعل الدلالة القرآن وهو قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6], وهذا عام].

    الشيخ: هذا بناء على التفصيل الذي ذكرناه.

    الملقي: [واختار ابن عقيل في الفصول أنهما واجبان لا فرضان, واختلف أصحابنا هل لهذا الخلاف فائدة أم لا؟ فقال بعضهم: لا فائدة له, وأنّا متى قلنا بوجوبهما فلا يصح الوضوء بتركهما عمداً ولا سهواً, وقال طائفة: إن قلنا: الموجب لها الكتاب فلا يصح الوضوء بتركهما عمداً ولا سهواً, وإن قلنا: السنة فلا يصح الوضوء بتركهما عمداً ويصح سهواً ].

    الشيخ: هذا كله مبني على الأحاديث الدالة على الإجزاء وعدمها, فأنتم ترون أن شروط الصلاة ليست واحدة, فمثلاً: ليس شرط اجتناب النجاسة عند الحنابلة مثل شرط النية, إذاً: المسألة مبنية على الأحاديث الدالة على الأمر, والأحاديث الدالة على الإجزاء أو الاستثناء.

    1.   

    القاعدة الحادية عشرة: تعلق الوجوب بمعين أو بأحذ أمور معينة

    الملقي: [ القاعدة الحادية عشرة: الوجوب قد يتعلق بمعين كالصلاة والحج وغيرهما, ويسمى: واجباً معينا, وقد يتعلق بأحد أمور معينة كخصال كفارة اليمين وكفارة الأذى وكفارة الصيد على الصحيح فيهما ].

    الفرق بين الواجب المعين والواجب الاختياري

    الشيخ: المؤلف يريد أن يبين الفرق بين الفرض الواجب بعينه والواجب على سبيل الاختيار, وهذه القاعدة جيء بها للتقسيم بين الواجبات على حسب اعتبارات معينة, فمن حيث النظر بالتعيين فينقسم إلى قسمين:

    واجب معين, وواجب في أحد أشياء، فالصلاة والحج والزكاة ونحو ذلك وجوبها وجوب بعينه، وأما كفارة الأذى وهي فدية المحظور إذا فعل الإنسان الطيب عامداً عالماً بحرمته فإنه يلزمه كفارة الأذى, وإذا حلق رأسه للحاجة فإنه يلزمه كفارة الأذى, وهو مخير بين أن يذبح شاة أو أن يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع, أو أن يصوم ثلاثة أيام, وكذلك في كفارة اليمين إذا حنث فيما حلف عليه فإنه يلزمه واحد من ثلاثة, فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]. فهو مخير بين أحد هذه الأشياء الثلاثة.

    أما كفارة الصيد فقد وردت فيها آية خاصة وهي قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [المائدة:95].

    قول المعتزلة في الواجب على سبيل الاختيار

    الملقي: [وقاله جماعة الفقهاء والأشعرية, نقله الآمدي عنهم, واختاره ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما, وقال بعض الأصوليين: وقالت المعتزلة: الجميع واجب بصفة التخيير, وقال ابن برهان والجويني: إن وجوب الجميع قول بعض المعتزلة وهو أبو هاشم , قلت: وأطلق الوجوب من المعتزلة الجبائي والد أبي هاشم والقاضي عبد الجبار , وجماهير مشاهير المعتزلة وكان الكرخي الحنفي ينصر هذا مرة ومرة لا ينصره كقولنا, وقال بعض المعتزلة: الواجب مبهم عندنا, معين عند الله تعالى, إما بعد اختياره وإما قبله بأن يلهمه الله تعالى اختياره, وهذا القول يسمى: قول التراجم؛ لأن الأشاعرة تنسبه إلى المعتزلة، والمعتزلة تنسبه إلى الأشاعرة ].

    الشيخ: الله المستعان! اللهم اهدنا فيمن هديت, هذا عجب انظروا يا إخوان! التقعيد وأثره, فالمعتزلة لهم تقعيد يختلف عن تقعيد أهل السنة؛ فلهذا بنوا أقوالهم على تقعيداتهم, وهذا يدلك على أن تفقه الإنسان على الكتاب والسنة وفهم أهل العلم في ذلك مهم جداً؛ ولهذا مراجعة مسائل أصول الفقه عند المتقدمين مهمة, انظر نصوص الإمام أحمد في أصول الفقه كالعدة لـأبي يعلى يجعلك تتفقه في أصول الفقه عند المتقدمين, كذلك في كتاب الخطيب البغدادي الفقيه والمتفقه ذكر مسائل في أصول الفقه تعرف أثر ذلك, كذلك قواطع الأدلة للإمام ابن السمعاني فيها فائدة كبيرة، وهي على طريقة المتقدمين في بيان أصول الفقه.

    الملقي: [وقال بعضهم: الواجب واحد معين عند الله غير معين عندنا, ولكن المكلف قد لا يفعله, بل يفعل غيره, ويقع نفلاً يسقط به الفرض].

    الشيخ: يعني: أن المعتزلة لأجل أنهم يجتهدون؛ لأن الواجب عندهم هو النظر, فإذا كان الواجب تشريعاً معيناً فإنه يستدعي الإنسان ألا يبحث, وهم يقولون: إن الواجب مبهم؛ وذلك لأجل أن يزيد أجرهم بالاجتهاد.

    نوع الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في الواجب المخير

    الملقي: [إذا تقرر هذا فهل النزاع بين الفقهاء ومن وافقهم من الأشاعرة وبين من قال من المعتزلة: الجميع واجب هو في اللفظ أو في المعنى؟ فالذي قاله أبو الحسين البصري وغيره: الخلاف بين الفقهاء والمعتزلة في اللفظ دون المعنى, قائلاً: أي: هم يعنون بوجوب الجميع على التخيير أنه لا يجوز الإخلال بجميعها, ولا يجب الإتيان بجميعها, وللمكلف اختيار أي واحد كان, وهو بعينه مذهب الفقهاء فلا خلاف في المعنى].

    الشيخ: المراد بهذا الكلام أن الخلاف بين المعتزلة وبين أهل السنة لفظي؛ بدليل أنهم لا يقولون بوجوب العمل في جميع هذه الأشياء, بل لو فعل واحداً منهما أجزأ, وهذا هو الذي يقوله العلماء: إنه واجب في واحد من هذه الأشياء.

    الملقي: [وأما في اللفظي فالخلاف أن المعتزلة يقولون بوجوب الجميع على التخيير, والفقهاء بوجوب واحد من حيث هو أحدها وأيضاً: فإن المعتزلة يطلقون الواجب على كل فرد بالحقيقة, وعلى المشترك بالمجاز, والفقهاء يعكسون فيهما].

    الشيخ: هذا السبب في صعوبة أصول الفقه في دخول علم الكلام فيه, وإلا فلو خرج علم الكلام من أصول الفقه لسهل أصول الفقه, كل هذا الكلام من مباحث علم الكلام.

    الملقي: [ وقال القطب بعد تقرير قول أبي الحسين في شرح المختصر: وفي كون هذه العناية رافعة للخلاف المعنوي نظر ].

    الشيخ: يعني يقول: الآن الكلام الذي نقله بعضهم بأن الخلاف لفظي بين الفقهاء والمعتزلة ليس صحيحاً, (وفي كون هذه العناية), يعني: هذا التقرير رافعاً الخلاف المعنوي ليس صحيحاً, فهو يقرر أن الخلاف بين الفقهاء وبين المعتزلة معنوي, كيف ذلك؟ سيبينه الآن.

    الملقي: [لأن من ذهب من المعتزلة إلى أنه يثاب ويعاقب على كل واحد، ولو أتى بواحد يسقط عن الباقي؛ بناء على أن الواجب قد يسقط بدون الأداء, يقول بأنه لا يجوز الإخلال بجميعها ولا يجب الإتيان به, مع أن الخلاف بينه وبين الفقهاء قائم في المعنى؛ لأن عند الفقهاء لا يثاب ولا يعاقب إلا على فعل واجب واحد أو ترك واجب واحد].

    الشيخ: يقول: إن الخلاف ليس لفظياً؛ لأنه لو ترك كفارة الأذى لكان عقوبة ذلك عن ثلاثة, فهو يأثم لترك الدم, ويأثم لترك الصوم، ويأثم لترك الإطعام, وأما على مذهب أهل السنة والجماعة فإنه يأثم عن ترك واحد منهم.

    الملقي: [ وكأن هذا مذهب من لم يعبأ به منهم؛ إذ المعتبرون منهم كـأبي هاشم وغيره لم يذهب إلى أنه يثاب ويعاقب على الجميع, على ما قال الإمام في البرهان: إن أبا هاشم اعترف ].

    الشيخ: صاحب البرهان هو الإمام الجويني حيث يقول: إن هذا القول الذي قاله القطب إنما هو قول بعضهم, وإلا فإن علماء المعتزلة كـأبي هاشم لا يقولون بمثل هذا, بل يوافقون أهل السنة أن العقاب والثواب على واحد.

    الملقي: [ إن أبا هاشم اعترف بأن تارك الخلال لا يأثم إثم من ترك واجبات ].

    الشيخ: نعم, يقول لك: إن أبا هاشم الجبائي قرر مذهب الفقهاء بأن من ترك كفارة الأذى فإنه لا يعاقب معاقبة من ترك واجبات, يعاقب على ترك واجب واحد, والله أعلم.

    الملقي: [ وذكر صاحب تنقيح الأدلة فيه أن أبا علي و أبا هاشم ومتابعيهما يعنون بوجوب الكل على التخيير أن الله تعالى أرادها جميعها؛ لما فيها من المصلحة، وكره ترك جمعيها، ولم يكره ترك واحدة إلى الأخرى ].

    الشيخ: كل هذا التفريع مبني على أن المعتزلة يوجبون ويحسنون ويقبحون بعقولهم، ويوجبون ذلك على الله, وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة على أننا لا نوجب على الله تعالى إلا ما أوجبه على نفسه:

    ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع

    إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله وهو الكريم الواسع

    الملقي: [وهو صريح أنه لا يعاقب على ترك الجميع؛ لقوله: ولم يكره ترك واحدة إلى الأخرى, وكذا قول عبد الجبار في عمد الأدلة].

    رد مذهب القائلين بوجوب الجميع في الواجب المخير

    الملقي: [ وهاهنا بحث محقق نافع ذكره ابن الحاجب وغيره في رد مذهب القائلين بأن الجميع واجب, فقالوا: أحد الأشياء قدر مشترك بين الخصال كلها لصدقه على كل واحد منها, وهو واحد لا تعدد فيه, وإنما التعدد في محاله؛ لأن المتواطئ موضوع لمعنى واحد, صادق على أفراد كالإنسان، وليس موضوعاً لمعان متعددة, وإذا كان واحد استحال فيه التخيير, وإنما التخيير في الخصوصيات, وهي خصوص الإعتاق مثلاً أو الكسوة أو الإطعام, فالذي هو متعلق الوجوب لا تخيير فيه، والذي هو متعلق التخيير لا وجوب فيه وإذا قلنا بالقول الصحيح الذي عليه الفقهاء والأشاعرة: إذا أتى المكفر بالخصال معاً فإنه يثاب على كل واحدة منها, لكن ثواب الواجب أكثر من ثواب التطوع, ولا يحصل إلا على واحد فقط, وهو أعلاها إن تفاوتت؛ لأنه لو اقتصر عليه لحصل له ذلك, فإضافة غيره إليه لا تنقصه, وإن تساوت قبل أحدها, وإن ترك الجميع عوقب على أقلها؛ لأنه لو اقتصر عليه لأجزأه, ذكر ذلك ابن التلمساني في شرح المعالم ].

    الشيخ: الله سبحانه وتعالى حينما يوجب على العبد فعل شيء فإنه يترتب عليه أمران: رفع الإثم وثواب الواجب, لكن هذا الثواب يختلف على حسب فعل العبد له, فالذي يصلي أدى ورفع عنه الإثم, لكن ثواب صلاته تختلف على حسب إقبال العبد وخشوعه؟ وكذلك أثر هذه العبادة وتعديتها, فزكاة تعطيها القريب ليست مثل زكاة تعطيها البعيد, مع أنك قد حققت رفع الإثم وثواب الواجب, لكن هناك أمر آخر وهو ما يترتب عليه, كذلك كفارة اليمين, فالإعتاق أعظم -من حيث أنه متعدي- من الكسوة والإطعام.

    إذاً: مسألة الثواب ومسألة ما يترتب عليه هذا على حسب الأدلة والتعدية, تعدية الأجر وتعدية الثواب للغير، وأثر ذلك في حق الغير؛ ولهذا في حق المجاهد في سبيل الله تفرغه لما يقوي جهاده أعظم من التطوع اللازم، والعالم تطوعه في علمه وبذل العلم ليس مثل غيره, فهذا معلوم عند أهل السنة والجماعة، ولسنا بحاجة إلى أن نذكر مثل هذه التقسيمات التي ذكرها ابن الحاجب , وأنها قدر مشترك بين الخصال وغير ذلك مما ذكره.

    الملقي: [وقال القاضي وغيره: يأثم بقدر عقاب أدناها, لا أنه نفس عقاب أدناها, وفي التمهيد وغيره ومعناه في الواضح: يثاب على واحد ويأثم بواحد].

    الشيخ: التمهيد لـمحفوظ الكلوذاني والواضح لـابن عقيل وهما مطبوعان طبعة جيدة.

    الملقي: [ولكن قال الشيخ مجد الدين : في تصور إخراج الجميع دفعة نظر, قلت: وقد يتصور بأن يوكل شخصاً في الإعتاق, ويتلفظ هو والوكيل معاً بالعتق وتمليك الفقراء الإطعام والكسوة، والله أعلم].

    الشيخ: الآن كفارة اليمين أليست واجبة واحدة من الثلاث؟ يقول مجد الدين الذي هو جد ابن تيمية ، ابن تيمية اسمه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام , فيقول مجد الدين وهو عبد السلام الحراني يقول: في تصور إخراج الجميع دفعة نظر, يعني: يطعم ويكسو ويعتق نظر, فأتى المؤلف بتصور قال: (ويتصور بأن يوكل شخصاً في الإعتاق، ويتلفظ هو والوكيل معاً بالعتق, وبتمليك الفقراء, والإطعام والكسوة) فعل الثلاثة لأنه لو قال: أعتقت صار العتق ثابتاً, فيوكل شخصاً بأن يعتق عنه, ويطعم.. كل هذا والله ما له ثمرة، بل تعب وإرهاق سبحان الله العظيم! اللهم اهدنا فيمن هديت.

    الله سبحانه وتعالى حينما أمر العباد أمرهم بما يفهمه جمهورهم, فالأعرابي الذي يبحث عن القطر لا أظنه يفقه هذه الأشياء, ولهذا قال الجويني : أموت على دين عجائز نيسابور, يعني: أنهن لا يفقهن هذه الأشياء, كل هذا -والله- لا ثمرة فيه, ويذهب عمر الإنسان ويظن أنه حصل شيئاً؛ لأن الإنسان يظن أنه كلما أتى بشيء لا يفهمه الناس فهذا هو العلم, وعند بعض المثقفين عقدة, يعني: لو تقرأ شيئاً لا تفهمه فأنت -ما شاء الله- قارئ, فإذا أتيت بكلمات لا تفهم فأنت صاحب الحداثة والثقافة، يعني: انتشر عندنا في هذا الزمان تشقيق المصطلحات, حتى يقول الناس: ما شاء الله هذا قارئ, وهناك مصطلحات يخترعها الإنسان ويركبها تركيبات غريبة وتخرج جاهزة, وكل هذا لا ثمرة فيه, ويضحك الإنسان لو كبر عمره وبدأ يقرأ ما كتبه، إلا أن يكون معجباً بنفسه, كل هذا والله ضياع وقت!

    الملقي: [ ومما ينبني على القاعدة: إذا أوصى في الكفارة المخيرة بخصلة معينة, وكانت قيمتها تزيد على قيمة الخصلتين الباقيتين, فهل يعتبر الجميع من رأس المال أم الزائد من الثلث؟ فهذه المسألة لم أرها منقولة فيما وقفت عليه من كتب أصحابنا، وحاصلها يرجع إلى أن الواجب المخير كالواجب المعين أم لا، والذي يظهر فيها أن الجميع معتبر من رأس المال, وأخذته من مسألتين ذكرهما الأصحاب:

    إحداهما: إذا جنى العبد المرهون جناية موجبة للمال, فخير سيده بين ثلاثة أشياء, فداه بأقل الأمرين, أو بيعه في الجناية، أو تسليمه إلى ولي الجناية فيملكه, هذا هو الصحيح عن الإمام أحمد , وعنه رواية أخرى: يخير بين شيئين فقط, وعلى هذه الرواية، هل الشيئان فداؤه وبيعه بالجناية, أو فداؤه ودفعه بالجناية؟ في المسألة روايتان].

    الشيخ: هذا مبني على أن العبد إذا جنى -يعني: فعل فعلاً ضاراً- فمن المعلوم أن جنايته من نفسه, فإذا كانت جنايته ترتب عليها مبلغ خمسين ألفاً, والعبد قيمته عشرة آلاف فلا يلزم سيده أن يدفع الأربعين, بل يقول للمتضرر: هذا العبد خذه لك, وإذا كانت جنايته أقل من قيمته خير سيده بين أن يعطي المتضرر قيمة الجناية، وبين أن يبيع العبد ويدفع له، وبين أن يعطيه العبد ويأخذ الفرق، كل هذا على حسب الرضا والاختيار.

    الملقي: [والمسألة الثانية: إذا وجبت سبع بدنة, فذبح بدنة كاملة, فهل الجميع واجب, لا يجوز له أكل شيء منه, أم السبع واجب والباقي يجوز له الأكل منه؟

    في المسألة وجهان ذكرهما بعض الأصحاب, قال ابن عقيل في تعليل أن الجميع واجب: كما لو اختار الأعلى من خصال الكفارة ].

    الشيخ: الصحيح أن الواجب جزء مثل ما قاله الحنابلة في الأضحية, الواجب هو قدر ما يسمى إطعاماً, ولا يجوز له أن يأكل الأضحية كاملة على مذهب الحنابلة, فالقدر جزء, فلو كان عنده أضحيتان فأكل واحدة بنية أن الواجب في حقه يكون في الثانية، فتصدق بها أجزأ، والله أعلم.

    ثم قال: [والقاعدة في الواجبات أنها تخرج من رأس المال], بمعنى: أن الإنسان إذا وجبت عليه عبادة من العبادات ثم مات فإنها تخرج من رأس المال وليس من الثلث, هذا مذهب الحنابلة والشافعية, وذهب مالك إلى أنه لو مات ولم يوصِ بالحج وعليه الحج فإنه يخرج من الثلث وليس من رأس المال.

    والصحيح: أنه يخرج من رأس المال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أرأيت لو كان على أمك دين, أكنتِ قاضيته؟ اقضوا فالله أحق بالوفاء ), ومن المعلوم أن من عليه دين إنما يستوفى من رأس المال كله، هذا هو الراجح.

    الملقي: [ وصرح بذلك غالب الأصحاب, ولم يفرقوا بين واجب المخير وواجب المعين والله أعلم, وبعد أن كتبت هذا وجدت القاضي قال في المجرد في كتاب الأيمان: إذا مات من عليه كفارة يمين بالمال وأوصى بالعتق فيها تكون الوصية من ثلثه, فإن خرجت من الثلث أعتق عنه, وإن كان الثلث لا يفي سقطت الوصية, وأطعم عنه ].

    الشيخ: يعني: لو أن على الإنسان كفارة يمين وأوصى بأن تخرج من تركته, وقدر ذلك أن تكون عتقاً, ورأس ماله الذي توفي وهو معه عشرون ألفاً, والعتق بعشرة آلاف, إذاً العتق هذا صار أكثر من الثلث, فللورثة ألا يمضوا هذه الوصية؛ لأنه ليس ثمة واجب عليه, ولو كان واجب عليه العتق لصار صحيحاً, لكن الواجب عليه العتق، أو أحد الأشياء ومنها التعق، فلا يزاد عن الثلث, لكن لو كان العتق أو الإطعام أو الكسوة كلها أكثر من الثلث فإنه يجب عليهم أن يفعلوا واحدة منها؛ لأنه ثبت عليه دين بواجب من واحد من هذه الأشياء.

    الملقي: [ قال أبو البركات بن تيمية : وعندي أن المعتبر من الثلث ما يزيد بالعتق على الإطعام, أو على قيمة الكسوة, لو كان أقل من قيمة الإطعام لغلائه, فأما قدر قيمة الأدنى فيعتبر من رأس المال ].

    الشيخ: هذا الصحيح, (فأما قدر قيمة الأدنى فيعتبر من رأس المال), فإذا كان الأدنى وهو الكسوة أو الإطعام مثلاً أكثر من الثلث فيجب أن يطعم؛ لأنه من رأس المال الواجب، والله أعلم.

    الملقي: [ قال: وهذا يتعين تأويل كلام القاضي عليه؛ إذا لا يسوغ عندنا سواه ].

    الشيخ: صحيح.

    الملقي: [ وقال الخطيب فخر الدين بن تيمية في الترغيب: ولو أوصى بالعتق في كفارة مخيرة لزمه, وكان من رأس المال, ولو عينه من الثلث جعلها كما لو قال: أخرجوا الواجب من ثلثي ].

    الشيخ: والذي يظهر-والله أعلم- أن العتق إذا كان أكثر من الثلث فلا يلزم الورثة ذلك. والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3011573180

    عدد مرات الحفظ

    722166568