إسلام ويب

تفسير سورة المائدة (18)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن سبيل الفلاح وطريق النجاح لكل عبد هو بتقوى الله عز وجل، وذلك بطاعته سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وترك نواهيه واجتناب مكارهه، واتخاذ هذه الطاعات وترك المنهيات وسيلة يتوسل بها إلى الله وحده، فهو وحده الذي بيده ثواب المحسن على إحسانه، ومعاقبة المسيء على إساءته وكفرانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق لنا هذا الخير، إنك ولينا وولي المؤمنين.

    ما زلنا مع سورة المائدة المدنية المباركة الميمونة، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ [المائدة:35-37].

    نداء الله تعالى عباده المؤمنين

    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35]، هيا نردد هذه الآية لنحفظها، وحفظها خير لحافظها من مليون ريال، إلا إذا نوى بالمليون أن يتصدق به في سبيل الله، أما أن يأكله ويفرفش به فوالله! لخير له من مليون ريال أن يحفظ هذه الآية الكريمة، فصلوا بها النافلة فلن تزول عن خواطركم ومن بين أعينكم طول حياتكم، مناديك يناديك ويقول لك: افعل وافعل، ثم لا تحفظ؟ أعوذ بالله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35]، وكيف لا نحفظ هذا النداء وهو موجه إلينا، ومأمورون فيه بثلاثة أوامر، وإلا فلا فلاح ولا نجاح ولا فوز أبداً:

    الأول: الأمر بتقوى الله، الثاني: الأمر بطلب الوسيلة إلى الله، ثالثاً: الأمر بالجهاد في سبيل الله، والنتيجة أو الجائزة هي الفلاح: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35]، هيا ندارس هذه الآية الكريمة.

    أولاً: من المنادي في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:35]؟ الله جل جلاله، الله خالقنا ورازقنا، إلهنا الحق، الذي لا إله لنا سواه، هو الذي نادنا، فكيف وصلنا نداؤه، ما هي الطريق التي وصل بها إلينا هذا النداء؟ إنه رسوله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العدناني من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، هل كان موجوداً هذا النبي؟ أي نعم، أين كان يوجد؟ في الحجاز، أين يوجد الحجاز؟ في غرب الجزيرة، في أي مدينة كان يعيش؟ في المدينة النبوية، أين هي؟ هذه هي، أين هو؟ هناك والله جسده الطاهر، فهذه يقينيات، ما عندنا أوهام ولا ضلالات ولا خرافات، بلغنا نداء الله من طريق رسول الله، والرسول بلغه من طريق ما أوحاه الله إليه وأنزله عليه من كتابه العظيم القرآن الكريم، فهل يوجد هذا الكتاب اليوم؟ إي والله إنه لموجود، اسمه القرآن الكريم، محفوظ في الصدور ومكتوب في السطور، ولا يرفعه الله إلا في آخر أيام هذه الحياة.

    حقيقة الفلاح

    هذا الكتاب الكريم فيه مائة وأربع عشرة سورة، وفيه سورة تسمى سورة المائدة، هذه التي نتدارسها، وفي المائدة جاء هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35]، ما الفلاح؟ هل الفلاح في تجارة، في زراعة، في صناعة؟ هذا الفلاح لا يلتفت إليه، وإن كان يتحقق بالاستقامة بطاعة الله وتقواه والتقرب إليه، لكن الفلاح الحق الذي لا ننساه: هو أنك تزحزح عن النار وتدخل الجنة.

    هل عرفتم الفلاح؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، هذا خبر من؟ هذا الإعلان من أعلنه؟ الله جل جلاله، قد أفلح عبدٌ زكى نفسه، طيبها وطهرها، فأصبحت كأرواح الملائكة، تنزل -إذاً- منازل الملائكة، وقد خاب وخسر من دسى نفسه، أفرغ عليها أطنان الذنوب والآثام، فأصبحت عفنة، منتنة، مظلمة، لا حق لها في الملكوت الأعلى والنزول في عالم الطهر والصفا.

    الفلاح: الزحزحة عن النار ودخول الجنة، بين تعالى ذلك في قوله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، هذا حكم الله أم لا؟ هل نقضته روسيا بصناعتها وسحرها وباطلها؟ هل نقضته اليابان الصناعية؟ هل نقضته أمريكا؟ هل نقضه اليهود؟ هل هناك من استطاع أن ينقض هذا الحكم ويقول: لن يموت رئيسنا؟ أين لينين وستالين ؟

    كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]، لو تجتمع البشرية كلها على ألا تموت نفسٌ فوالله ما قدروا على ذلك، ولا استطاعوه، فكيف نجهل هذا الحكم؟ هذا حكم الله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185].

    أيها العمال! أيها الكادحون! أيها الصائمون والقائمون! أيها المجاهدون! أيها الصابرون! لا تطالبوا بالأجر اليوم، الدار دار عمل، أجركم يوم القيامة، أما اليوم فصم وصلِّ وجاهد ورابط ولا تطالب بالأجر؛ لأن الدار دار عمل، حتى تنتهي أعمالك وتتلقى جزاءك على عملك، أي مجنون أكثر ممن يشتغل نصف النهار ويقول: أعطوني أجرة شهري أو يومي؟ إذاً: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]، يوم تقومون من قبوركم ولا يتخلف منكم أحد أبداً، وما هو الأجر؟ هل الذهب والفضة، هل الأوسمة العالية، ماذا؟

    قال تعالى في بيانه: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، ويوم القيامة ما هناك إلا عالمان: عالم سعادة وعالم شقاء، عالم السعادة يسمى الجنة، وعالم الشقاء يسمى النار، عالم السعادة فوق، وعالم الشقاء أسفل.

    مقاصد وأغراض نداء المؤمنين

    إذاً: عند قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) نقول: لبيك اللهم لبيك، والخير بيديك، لو أن مؤمناً ما شعر حتى قال: لبيك اللهم لبيك، فهل يحمد على هذا أم لا؟ يحمد على هذا، سمع نداء ربه موجهاً إليه فقال: لبيك ربي، مر أفعل، انه أترك، حبب إليَّ أحب، بغض إليَّ أبغض، إني عبدك ولا هم لي إلا طاعتك.

    وقد علم أهل هذه الحلقة المباركة -وزادهم الله علماً- أن الله تعالى حاشاه أن ينادينا للهو واللعب أو للباطل، لا ينادينا إلا لواحدة من أربع: ينادينا ليأمرنا بوصفنا عبيده خلقنا لطاعته، يأمرنا بأمرٍ من أجل إسعادنا وإكمالنا، وأما هو فلا يستفيد منه شيئاً، وليس في حاجة إلى شيء اسمه فائدة، إذ هو خالق كل شيء، يأمرنا بفعل أو قول أو اعتقاد ما من شأنه يزكي أنفسنا ويطهر قلوبنا ويعدنا لسعادة الدنيا والآخرة، أو ينادينا لينهانا: لا تفعلوا، لينهانا عما من شأنه أن يعوقنا عن السعادة والكمال، والله! ما نهانا الله عن شيء إلا لأنه يعوقنا عن الفوز والنجاح والسداد، فلهذا إذا نهاك مولاك فاستجب، كأنما قال لك والسم بين يديك وتريد أن تبتلعه: عبد الله! لا تأكل السم. فكل ما نهى الله عنه من اعتقاد فاسد أو قولٍ سيء أو عمل غير صالح؛ والله لضرره أكثر من ضرر السم؛ لأنه سيدنا ومولانا، ما ينهانا إلا عما فيه ضررنا وهلاكنا وشقاؤنا.

    إذاً: ينادينا ليرغبنا، ليبشرنا؛ لأننا أولياؤه؛ لنزداد في الصالحات والتنافس فيها، وهو في صالحنا، أو ينادينا ليخوفنا، ليحذرنا مما من شأنه أن يضر بنا ويفسد علينا قلوبنا وحياتنا.

    وينادينا ليعلمنا ما نحن بحاجة إلى العلم به والمعرفة؛ لما فيه كمالنا وسعادتنا، أما أن ينادينا لا لشيء فتنزه الله عن ذلك، وتعالى عن اللهو واللعب، وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الدخان:38-39].

    ذم الإعراض عن نداء الله تعالى

    معشر المستمعين! هل يليق بعبدٍ يرغب في أن يخترق السبع السماوات وينزل في دار السلام أن يسمع هذا الكلام ولا يبالي به، ولا يحفظه ولا يهتم به؟

    أنا أقول: لولا الغفلة لقلت: إن الذي يسمع هذا الكلام ولا يريد أن يفهمه ولا أن يعمل به والله ما له رغبة صادقة في النزول بالملكوت الأعلى، أو ما عرف الملكوت الأعلى ولا آمن به.

    لقد نادانا ربنا في كتابه القرآن الكريم بتسعة وثمانين نداء: (يا أيها الذين آمنوا)، إما أن يأمرنا أو ينهانا أو يبشرنا أو ينذرنا أو يعلمنا.

    وواجبنا أن نعلم تلك النداءات كلها، وأن نعرف كل نداء منها، وأن نعمل بما أمرنا بالعمل به، وأن ننتهي عما نهانا عن فعله، وأن نستبشر بما بشرنا، وأن نحذر ونخاف مما حذرنا، ونتعلم ما أراد أن يعلمنا، وهذا طريق السلام، وهذا سبيل السعادة في الدنيا والآخرة.

    هل عرف المسلمون هذا؟ ما سمعوا به قروناً عديدة، ما سبب ذلك؟ فروا من بيوت الله وهجروها، أعرضوا عن كتاب الله، وضعوه على الرفوف فقط، أو حفظوه في الصدور ليقرءوه على موتاهم، من أجل أن يأكلوا طعاماً أو يتقاضوا أجوراً، وأكثر من ثمانمائة سنة وهم هكذا.

    أمر المؤمنين بالتقوى

    وهنا نادانا جل جلاله فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:278]، نادانا ليأمرنا أولاً بتقواه: اتقوا الله، لو كان هناك سبع مفترس حول بيتك، أو في الحي الذي أنت فيه وناداك منادٍ فقال: يا فلان! احذر فالسبع موجود أمامك، فهل ستضحك ولا تبالي، ماذا تصنع؟ هل تفزع أم لا؟ لو ناداك منادٍ: يا عبد الله! انتبه، فبعد أربع وعشرين ساعة لن تبقى قطرة من الماء، فاحتفظ بما عندك من الماء أو تموت عطشاً وظمأً، فماذا ستقول؟ ستخاف على نفسك العطش والموت.

    إذاً: فكيف يقول الجبار جل جلاله وعظم سلطانه: يا عبادي المؤمنين! اتقوني ثم لا نبالي؟ أعوذ بالله، أعوذ بالله أن نقف هذا الموقف.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:278]الذي بيده كل شيء، وإليه مصير كل شيء، يملك الحياة والموت، والإعزاز والإذلال، والفقر والغنى، والصحة والمرض، وبيده كل شيء، يأمرنا أن نتقيه، فكيف نتقيه؟

    بلغنا أن عالماً في جبال التبت يعرف معنى تقوى الله فهيا نمشي إليه، من منكم يسافر إلى جبال التبت ليعلمنا معنى قوله: اتقوا الله؟

    والله لو كنا مؤمنين صادقي الإيمان، وقد سمعنا عنه هذا وأمرنا، ولكن لا نعرف كيف نتقيه، وقيل لنا: إن فلاناً يعلم ذلك؛ والله لرحلنا إليه، أو هل نقول: ما نعرف، ونقوم نرقص ونأكل؟ إذاً: فنحن بهائم، كفار ومشركون، لا وزن لنا ولا قيمة.

    ولم يأمرنا بتقواه؟ علمنا قبل أنه هو الذي يحيي ويميت، يعز من يشاء ويذل من يشاء، يعطي ويحرم من يشاء، بيده كل شيء وإليه المصير، الجبار، العزيز، إذاً: كيف لا يتقى وقد طلب إلينا أن نتقيه؟

    وسيلة تقوى الله تعالى

    كيف نتقي الله؟ بماذا؟ ما هي الآلات والأدوات التي نتقي الله بها وهو فوقنا ونحن بين يديه لا يخفى عليه من أمرنا شيء، ظاهرنا كباطننا، وهو معنا يرانا ويقضي علينا، فكيف نتقيه؟ هل بلباس قوي، بكهوف في الأرض، بجبال فوق الأرض نصعد فوقها، بم تقي؟ كيف نتقي الله؟

    من منكم -معاشر المستمعين- يقوم ويقول: بم نتقي الله يا شيخ؟ لنا رغبة في أن نتقيه، فعلمنا بم نتقي الله؟ أمرنا الله تعالى بتقواه فما أدوات الاتقاء حتى ننجو من غضبه وسخطه وعذابه؟

    الجواب: معشر الأبناء والإخوان! الله يتقى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا لباس ولا حصون ولا سلاح، يتقى غضبه تعالى وسخطه وعذابه بطاعته، أطعه وأطع رسوله فيما يأمرانك به وينهيانك عنه، لقد اتقيت غضب الله حينئذ، وجعلت بينك وبينه وقاية أعظم من السماوات والأرضين، فإن لم تطعه فلا وقاية، ولو كان لك كل العسكر في العالم فوالله ما نفعوك في شيء.

    الآن -والحمد لله- عرفنا بم نتقي الله، نتقيه بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في الأوامر الواجبة التي ألزم بها، وفي النواهي الدالة على التحريم والممنوعة عندنا، بهذا نتقي الله.

    فائدة التقوى والطاعة

    وسؤال آخر: هل فعل الأوامر التي أمر الله بها ورسوله، وترك المنهيات التي نهى الله عنها هل في ذلك فائدة الله، أم فائدتنا؟ لا شك أن فيه فائدتنا.

    والله! لا نسعد ولا نكمل ولا نتحاب ولا نتوالى ولا نتصافى في الدنيا قبل الآخرة إلا على هذا الأمر وهذا النهي، لسعادتنا في الدنيا وكمالنا قبل الآخرة، فلا يأمرنا بفعل شيء إلا ليحقق سعادتنا وكمالنا، ولا ينهانا عن ترك شيء إلا من أجل أن يبعدنا عن شقائنا وخسراننا؛ لأنه العليم الحكيم.

    من يبين لنا سر الأمر والنهي، ما فائدة طاعة الله ورسوله؟ الجواب: أن نتقي غضب الله وعذابه وسخطه، أليس كذلك؟

    فيجب على كل مؤمن ومؤمنة من عقلاء المؤمنين والمؤمنات أن يتعلموا أوامر الله ونواهيه، وأوامر رسول الله ونواهيه، ولا محالة، على كل من دخل في رحمة الله في الإسلام أن يعلم أوامر الله كيف هي وما هي، ونواهيه أيضاً ما هي وكيف هي، وأوامر الرسول ونواهيه تابعة لأوامر الله ورسوله.

    فهل هذا الأمر واضح؟ هل يجوز لمؤمن أو مؤمنة أن يعيش بعد البلوغ السنة والسنتين والعشر السنين أو الأربعين وهو لا يعرف ما أمر الله به ولا ما نهى الله عنه؟ فإذا كان ما عرف الأمر والنهي فهو كافر، أو فاسق أو فاجر من أهل الشقاء والخسران.

    المساجد باب لتحصيل التقوى

    يا ساسة! كيف الحل؟ هنا مشكلة تواجه العالم الإسلامي، دعنا من الذل والهون والفقر والضعف والفتن، اسكت عن هذا، فقط قل لي: كيف نطيع الله ورسوله لنكمل ونسعد؟

    الجواب: يجب أن نتعلم ونعرف أوامر الله التي هي في العقيدة وفي القول وفي العمل، وأوامر رسوله كذلك في العقيدة والقول والعمل، ونواهي الله المتعلقة بالعقيدة الفاسدة والقول السيئ والعمل غير الصالح، فكيف نحصل على هذا؟

    لقد بحثنا عن الطريق ونقبنا وفتشنا، حللنا وسرنا، وقعدنا وقمنا أكثر من أربعين سنة، فما الطريق؟

    الطريق واحد: أن نسلم قلوبنا ووجوهنا لله في صدق: أسلمت لك يا ربِّ وجهي، ونجتمع في بيوت ربنا المساجد، سواء كنا في المدن أو كنا في القرى، كنا عرباً أو عجماً؛ لأننا دخلنا في الإسلام، كل ليلة لا يتخلف رجل ولا امرأة عن بيت الله في الحي أو في القرية، إلا المريض أو الممرض، والحيض من النساء يجعل لهن ستار وراء الجدار، ومكبر الصوت يبلغهن ويبلغ الصوت إليهن، كل ليلة نتعلم الأوامر والنواهي الإلهية والنبوية، وكيف نفعل وكيف نترك، وذلكم هو العلم، وبعد عام أو عامين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة -والله- ما يبقى جاهلٌ ولا جاهلة أبداً، ولسنا في حاجة إلى قرطاس ولا قلم ولا دواة، ولا مدرسة أبداً، طول النهار والمحراث في يدي وأنا أحرث الأرض، أو الحديد وأنا أصنع، وفي الليل نجتمع على كتاب الله وسنة رسوله طول العام، فلن يبقى بيننا جاهل ولا جاهلة، لا جاهل بالله وأسمائه وصفاته، ولا جاهل بما عند الله لأوليائه، وما لدى الله لأعدائه، ولا جاهل بأوامر الله ورسوله ولا نواهي الله ورسوله، ولا كيف يفعل المأمور ويتجنب المنهي، هذا هو الحل، وليس هناك حل آخر، والله لا وجود له.

    دلائل انعدام التقوى في غير التربية المسجدية

    ومن باب الاستدلال القريب نقول: إن الأبناء والإخوان الذين لازموا الحلقة سنين يعرفون الحلال والحرام، والواجب والمكروه، ما قرءوا ولا كتبوا، لكن سمعوا كلام الله وكلام رسوله، وحفظوه وفهموا مراد الله منه.

    وبرهان آخر ودليل آخر: لو أراد المسئولون أن يطهروا البلاد بنظام خاص حتى لا يبقى لصٌ ولا مجرم، ولا زانٍ ولا كذاب، ولا سارق، ولا ساحر، ووضعوا أنظمة حديدية بالنار، فجعلوا في كل شارع خمسين عسكرياً، وقالوا:: سنعطي لكل من يستقيم على منهجنا راتباً كل شهر؛ فوالله! ما يتحقق أمنٌ ولا طهرٌ ولا صلاة، ولكن يتحقق بالعلم والمعرفة بالله عز وجل، أما جربنا الاشتراكية في عالمنا العربي والإسلامي أكثر من خمس وعشرين سنة؟ فما هي نتائجها؟ أعوذ بالله، أعوذ بالله! هل حققت الغنى؟ هل حققت العدل والقسط بين الناس؟ هل حققت الطهر والصفاء؟

    الجواب: والله! لقد حصل العكس: الفقر والخبث، والظلم والشر والفساد، مع أننا تبجحنا وقلنا: اشتراكيتنا نوالي من يواليها، ونعادي من يعاديها! وصفقت الدنيا، فأين آثارها؟ أين هي؟

    والتصوف، الطرقية، الزوايا، المشايخ في كل مكان، هل حققت تلك الطرق الصوفية شيئاً؟ هل رفعت ظلمة الجهل أم زادتها ظلمة أخرى؟

    والدليل والبرهنة الصادقة قول ربنا جل ذكره: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، والله! إن مشايخ طرق يفجرون بنساء إخوانهم، ويقدمها الرجل الفحل من أجل أن تنجب من شيخه ولداً! إلى هذا المستوى هبطت هذه الأمة!

    لقد استقللنا وأخرجنا فرنسا من بلادنا وإيطاليا وأسبانيا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا، فماذا حصل؟ هل سار الطهر فما أصبحت تسمع بجريمة؟ ما أصبحت تسخر من آخر ويسخر منك؟ ما بقي حسد في النفوس؟ ما الذي بقي؟ ما الذي حصل؟ قولوا: لا إله إلا الله.

    إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] العارفون به تعالى وبأوامره ونواهيه، وما عنده لأوليائه، وما لديه لأعدائه، أولئك الذين يخافون الله؛ لمعرفة سلطانه وقدرته وغضبه ورضاه، أما الجاهل فأنى له أن يستقيم؟!

    خطوات عملية لتحصيل التقوى

    لقد بلغنا أن الله عز وجل نادانا وأمرنا بتقواه في ذلك النداء، فهيا يا أبناء الإسلام نتقي الله، فكيف نصنع؟

    أولاً: نعزم ونصمم على أن نتقي الله، هذه الخطوة الأولى، فإذا امتلأ القلب بهذا الخوف فحينئذٍ سوف نسأل: نتقي الله بأي شيء؟ ما هي الأوامر التي نعبد الله ونطيعه بها، وما هي النواهي؟ في صدق وفي علم، ونتعلم كيف نطيعه ونتعلم كيف نتجنب معاصيه في صدقٍ وجدٍ، فما يمضي علينا أربعون يوماً إلا وقد عرفنا الكثير من الأوامر والنواهي، واستجبنا لله وأصبحنا تضيء أنوارنا وتلوح في الأفق، كلام طيب، نظرة سليمة، معاملة صادقة، وينتهي الحسد والغل والغش والبغض والكبر، والأمراض كلها تنجلي.

    معاشر الأبناء! لا أكثر عليكم، إننا مأمورون بأن نتقي الله، ولا بد من معرفة ما يحب الله وما يكره، فلنسأل أهل العلم، ما نكتفي بالكتاب، نسأل ونعلم، نجالس العلماء ونزاحمهم، ونطبق كل ما سمعنا وعلمنا حتى نرتقي يوماً فيوماً ونصبح في أيام عالمين بالله، متقين له، وذلك هو الفوز العظيم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315036

    عدد مرات الحفظ

    723492982