إسلام ويب

شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث [12]للشيخ : ناصر بن عبد الكريم العقل

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان باليوم الآخر وبالبعث بعد الموت يوم القيامة وما يقع منه من أركان الإيمان، فيجب الإيمان بكل ذلك على حقيقته كما وصفه الله تعالى من غير تعطيل ولا تأويل، كما يجب الإيمان بالحوض والميزان والرؤية والجنة والنار كما وردت بها النصوص.

    1.   

    عقيدة السلف أصحاب الحديث في البعث بعد الموت

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه، والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان، ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر وغيرها ].

    يحسن الإشارة في هذا المقطع الذي ذكر فيه بعض أحوال القيامة إلى أنه يقصد بذلك الإيمان بهذه الأمور على حقيقتها، وأنها حق كما وصفها الله عز وجل؛ لأن هناك طوائف من أهل الافتراق في هذه الأمة يقرون بهذه الأمور، لكنهم يتأولونها على غير حقيقتها، فيئول الأمر إلى التعطيل والإلحاد، فيؤولون الصراط بالعدل، وقد يؤولون الميزان كذلك أيضاً بالعدل، وقد يؤولون أيضاً الحوض على غير معنى حسي، ويؤولون الكوثر على غير معنى حسي.. وهكذا يؤولون كثيراً من مشاهد القيامة بأمور وأحوال معنوية، وهذه نزعة فلسفية نبعت عن مذاهب الفلاسفة التي تنكر ما جاء به الأنبياء أصلاً، لكن بعض الفلاسفة الإسلاميين الذين أخذوا من مناهج بعض الفرق أرادوا التلفيق بين أصول الفلاسفة وبين ما جاء به الأنبياء، فزعموا أنهم يؤمنون بأحوال القيامة التي ذكرها الشارح وغيرها، وأنها حق، لكنهم زعموا أنها أمور معنوية تحدث للأرواح لا للأجساد، وأنها ليس فيها حسيات، أو أنها أمور تحكي أحوالاً معنوية قلبية، أو أحوالاً تحدث للروح، أو أنها وعيد جاء للردع، ووعد جاء للترغيب دون أن تكون لها حقائق.

    فالشاهد: أن هذه الأمور كثير من الناس قد يقر بها، لكنهم يتأولونها على غير حقيقتها، فيتميز منهج أهل السنة والجماعة بالإيمان بأحوال القيامة على حقيقتها، وأنها حق كما وصفها الله عز وجل، لكنها غائبة عنا من حيث الكيفيات، وإن كانت قد تتشابه في معانيها وألفاظها وحقائقها المجملة مع ما نحسه في الدنيا، لكنها مع ذلك تختلف اختلافاً كبيراً واختلافاً كثيراً بنص القرآن والسنة.

    وما يحدث للناس يحدث لأرواحهم وأجسامهم، سواء من النعيم أو العذاب أو مما يدركونه ويحسونه ويتجاوزونه من المشاهد والأحوال، كل ذلك أمور حق على حقيقتها ليست أمثالاً تضرب ولا خيالات، وليست ترمز إلى مجرد معان.. وغير ذلك مما أولها به المتأولون.

    1.   

    عقيدة السلف أصحاب الحديث في الشفاعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    الشيخ هنا جعل مذنبي أهل التوحيد صنفاً ومرتكبي الكبائر صنفاً، وربما يقصد عطف الخاص على العام، لكنه أيضاً ربما يقصد المغايرة؛ لأن بعض أهل العلم قالوا: إن صاحب الذنوب قد يستحق العذاب وإن لم تكن كبائر، لكن الصحيح والمحقق أن الذنوب الصغائر التي قد يعذب بها من يموت عليها هي الصغائر التي لا تعقبها توبة ويستمر عليه الإنسان، ولذلك من قواعد كثير من السلف أن الصغائر إذا تكاثرت تكون كبائر، والصغائر إذا أصر عليها أصحابها تكون كبائر، فعلى هذا يكون مرجع العبارتين واحداً، وهو أن المقصود به: مذنبي أهل التوحيد الذين أصروا على الذنوب وماتوا بدون توبة، وهذا نوع من أنواع الكبائر.

    وهذه الشفاعة التي سيستدل لها هي جزء من شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن شفاعاته صلى الله عليه وسلم التي ثبتت بالنصوص كثيرة، أوصلها بعضهم إلى ثمانٍ، والثابت منها ست. هذا الذي لا شك فيه.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).

    وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين).

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث: إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قبل نفسه).

    1.   

    عقيدة السلف أصحاب الحديث في الحوض والكوثر والرؤية

    ويؤمنون بالحوض والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب، ومحاسبة فريق منهم حساباً يسيراً، وإدخالهم الجنة بغير سوء يمسهم وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم إعتاقهم أو إخراجهم منها، وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إلى الجنة، ولا يخلدون في النار.

    فأما الكفار فإنهم يخلدون فيها، ولا يخرجون منها أبداً، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحداً.

    ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)، والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي، والأخبار الواردة في الرؤية مخرجة في كتاب (الانتصار) بطرقها ].

    قوله: (والتشبيه للرؤية بالرؤية) يقصد في الوضوح والجزم والتحقق، شبّه الله عز وجل رؤية المؤمنين له سبحانه -نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم- يوم القيامة في الجنة برؤية الناس المبصرين للشمس والقمر وهما طالعتان بارزتان بوضوحهما وعدم إمكان الإنكار لمن يرى، ولذلك قال في الحديث الآخر: (لا تضامون) أي: لا أحد يستطيع أن ينكر عليكم فيضيمكم؛ لأن الإنسان لو كان يرى الشمس وعنده واحد آخر وقال له: هذه الشمس طالعة ثم قال له: تكذب، يكون بذلك ضامه وظلمه، ويكون هذا من أشد الظلم، فهذا مما يدل على حقيقة رؤية المؤمنين لربهم، لا يضامون، ولا أحد يستطيع أن ينكر رؤيتهم، ومن أنكر فهو المكابر الكافر المعاند، نسأل الله السلامة.

    الشاهد أنه قال: (والتشبيه للرؤية بالرؤية)، في الوضوح والجزم واليقين وعدم مجال الإنكار فيها أو عدم اللبس، لا المرئي للمرئي، بمعنى: أننا فعلاً لا نشبه الله عز وجل بهذين المخلوقين الشمس والقمر، والله عز وجل ليس كمثله شيء.

    والرؤية هنا التي جزم بها أهل الحق هي الرؤية التي تواترت بها النصوص، وهي الرؤية التي تكون للمؤمنين في الجنة، لكن هناك نوع من أنواع الرؤية اختلف فيه، وهو رؤية الناس لربهم في المحشر.

    ثبت في النصوص الشرعية أن الناس يرون ربهم، لكن ما حقيقة هذه الرؤية؟ الله أعلم؛ لأنه ما ورد أنها بصرية جزماً، ومن هنا وقع الاختلاف في حقيقتها لا في وقوعها، أما وقوعها فليس محل خلاف.

    كذلك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المعراج، هل هي رؤية عينية أو قلبية؟ والراجح أنها رؤية قلبية، لكنها خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم تميّز بها، وأيضاً لها معان وحقائق تليق بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله قوى قلبه على مثل ذلك.

    وتقييد الرؤية بيوم القيامة جيد، وهو مقتضى النصوص؛ لأن هناك من يدّعي أنه يرى ربه في الدنيا، والآن غلاة الصوفية وغلاة العُبّاد وبعض الفلاسفة وبعض أشباه المجانين المهسترين من بعض المفكرين والعقلانيين.. وغيرهم يدّعون أنهم يرون ربهم، بل زعم بعضهم أنه يرى ربه مباشرة أو يتحد بربه، حتى إن بعضهم يصل به الأمر إلى الانتحار، ويصل إلى هذه الحقيقة بدعوى أنه يرى ربه في الدنيا، كما حصل من التلمساني -فيما أظن- وبعض العُبّاد الجهلة، فهناك من يدّعي أنه يرى ربه في الدنيا، وهذه الدعوى باطلة لا شك بالإجماع، ومن ادعى أنه يرى ربه في الدنيا فقد أعظم على الله الفرية، كما قالت عائشة رضي الله عنها، فـالعفيف التلمساني انتحر آخر أمره، أراد أن يتحد بربه وأن يراه؛ لأنه استحوذت عليه الشياطين، فلما عجز انتحر.

    1.   

    عقيدة السلف أصحاب الحديث في الجنة والنار

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبداً، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها لا يخرجون أبداً، ويؤمر بالموت فيذبح على سور بين الجنة والنار، وأن المنادي ينادي يومئذ: (يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت) على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ].

    أيضاً هذه من قواعد السلف المتفق عليها، وهي أن أهل النار الخُلّص -نسأل الله العافية- من الخالدين فيها، وأن أهل الجنة والذين مآلهم إلى الجنة حتى ممن يطهّرون في النار -نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة- مخلدين فيها أيضاً، وما نسب إلى بعض أهل العلم من أن النار تفنى وينقطع عذابها، فهذه في الحقيقة شبهة، وليست مفسرة تفسيراً بيناً يجعلنا نجزم بأنهم خرجوا عن هذه القاعدة، وما نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية من أنه يقول بهذا القول فعند التحقيق يثبت أنه لم يصح أنه يقول به، وغاية ما انتهى إليه بحثه أنه سرد أقوال القائلين بهذا القول وذكر أدلتهم، ولم يعلق عليها بشيء في ذلك الموضع، فطبعت في كتاب مستقل محقق، لكن شيخ الإسلام في عموم مقالاته وآرائه ومواقفه التي رد بها على الآخرين يؤكد مذهب أهل السنة والجماعة في خلود أهل النار الخُلّص فيها، نسأل الله السلامة، فعلى هذا لا ينبغي أن ينسب لـشيخ الإسلام غير هذا القول، وكما قلت وأكرر: إنه فعلاً ذكر الأقوال، وذكر قولاً نسبه إلى بعض السلف لكنه قولاً مجملاً، وفي الحقيقة عند التحقيق تجد أن القول مضطرب ليس بواضح، ولكل واحد فيه تأوّل، فقول من قال بأن النار ينقطع عذابها، وأنه ينتهي عذاب أهل النار، نسبه إلى طائفة من السلف وذكر أدلتهم واستطرد في هذا استطراداً يظن القارئ بأنه يؤيده وهو لا يؤيده، لكن هذا من تمكنه في البحث رحمه الله، وقد استقرأ أقوال الناس حتى سردها في صفحات طويلة.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    معنى كلمة (أهل السنة والجماعة)

    السؤال: ما معنى كلمة (أهل السنة والجماعة)؟

    الجواب: كلمة أهل السنة والجماعة من الكلمات البرّاقة التي تحلو لكثير ممن يريد أن يجلب الناس إليها، لكن السنة والجماعة هي سلوك ومنهج وعمل، وهي أيضاً دين وعلم، وهي علم وعمل، وهي قدوة واهتداء واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وبصحابته، فمن كان على ذلك فهو من أهل السنة والجماعة، ومن لم يكن على ذلك فلا يكون من أهل السنة وإن ادعى هذا، لكن تحسن الإشارة إلى أن بعض الفرق تدّعي أنها أهل السنة والجماعة لا سيما الأشاعرة والماتريدية، فإنهم يدّعون أنهم أهل السنة والجماعة، وهذه الدعوى تحتاج إلى شيء من التفصيل، فالأشاعرة والماتريدية أصناف، فهناك الأشاعرة والماتريدية أصحاب الأصول الكلامية وهم أغلب الأشاعرة، وهؤلاء ليسوا على منهج أهل السنة والجماعة في أغلب أمور العقيدة، وإن وافقوا أهل السنة والجماعة في الأحكام والإيمان والصحابة وبعض القضايا والقواعد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثير من أصول الفقه، لكن العبرة بالاعتقاد، فهم في الاعتقاد يخالفون أهل السنة والجماعة، وهم من الفرق التي خرجت عن منهج أهل السنة والجماعة، ولذلك سموا أشاعرة وماتريدية، والسلف كانوا يقولون: من انتسب إلى غير الإسلام والسنة فلينتسب إلى أي دين شاء، فهم أشاعرة وماتريدية، ولو قيل لهم: لستم أشاعرة ولا ماتريدية لغضبوا، وهؤلاء هم غالب الأشاعرة أهل الكلام.

    وهناك من ينتسب إلى الأشاعرة من أهل الحديث وأهل الفقه ومن بعض العُبّاد والنُسّاك.. وغيرهم، وقد لا يكون على مذهب الأشاعرة، قد يكون من أهل السنة، فهذا سني لكن قد يُخطّأ إذا لم يكن صاحب بدعة، أو يبدّع في انتسابه للأشاعرة فقط، وعلى هذا فدعوى الأشاعرة أنهم أهل السنة والجماعة دعوى تحتاج إلى نظر، وليست مسلّمة لهم، وكما قلت: إن الناس إذا اختلفوا في شيء يتحاكمون إلى الكتاب والسنة، ومن كان على نهج السلف فهو من أهل السنة والجماعة وإن لم يكن كذلك، فما خالف فيه يخرج عن أهل السنة والجماعة، وما وافق فيه أهل السنة والجماعة يُنسب في هذه الجزئية إلى أهل السنة، يقال: إنه في كذا على مذهب أهل السنة.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042244554

    عدد مرات الحفظ

    731399737