إسلام ويب

الحيل النفسيةللشيخ : سلمان العودة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثيرة هي حيل الشيطان التي يقذفها في نفوس الناس ليصرفهم عن الأعمال الصالحة المقربة من الله عز وجل، وهذه الحيل هي طريقة العاجز والكسول، فمن التواضع الكاذب واحتقار النفس الزائد عن اللزوم، مروراً بالخوف بأنواعه الكثيرة والعديدة، وتعريجا على حيلة طلب الكمال وعدم السعي له، وحيلة القناعة الزائدة بما هو حاصل، إضافة لحيلة إلقاء المسئولية على الغير، وانتهاء بحيل أخرى، يتلاعب الشيطان بالإنسان أيما تلاعب.

    1.   

    بيـان منهج المحاضرة

    إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فشكراً للمركز الصيفي بجامعة أم القرى بـالطائف على تنظيمه لهذه المحاضرة وحرصه عليها -وجزى الله تعالى- القائمين على هذا المركز خير الجزاء، على جهدهم ومشاركتهم وتبنيهم لهذه المحاضرة في مركزهم.

    وهذه ليلة الجمعة التاسع من شهر صفر، من عام (1413هـ) والعنوان كما علمتم: "الحيل النفسية" وأود أن أقول للإخوة في البداية إن هذا الموضوع: استكمال لموضوع كنت قد بدأته من قبل، وخرج بعنوان: (الأمة الغائبة).

    ولعل هذا الموضوع هو تشخيص لبعض أسباب غياب الأمة، وهو أيضاً مثل سابقه، فهو عبارة عن مطالبة بالمشاركة، أي لون من ألوان المشاركة في الدعوة إلى الله عز وجل، إذ نحن لا نشترط حين نطالبك أنت بشخصك وعينك، أيها القاعد بين أيدينا! لا نشترط لمشاركتك في العلم والدعوة والإصلاح والأمر بالمعروف شكلاً معيناً، ولا مقداراً معيناً، ولا حجماً معيناً، لكن نطلب منك مطلق المشاركة بقدر ما تستطيع، لأننا نعلم:

    أولاً: أنك تقدر فإن الله تعالى خلقك إنساناً، وكلمة إنسان بذاتها قبل الدخول في أي لفظ شرعي يقول أهل اللغة: هي مشتقة من النوس، ناس ينوس إذا تحرك، إذن أنت متحرك بطبيعتك، وفعال بطبيعتك، فأنت تستطيع أن تصنع الكثير، فنحن نطالبك أولاً بهذا.

    ثانياً: لا نشترط قدراً معيناً، لأننا نعلم أن الناس ليسوا نسخة واحدة طبق الأصل بعضهم من بعض، كلا! فالذي في كبينة القيادة هو شخص واحد، أو اثنان، والبقية هم أفراد.

    لقد حرصت أيها الإخوة في هذه المحاضرة على الوضوح والمباشرة وعدم التعقيد العلمي، لأن المخاطب بهذه الكلمات ليسوا هم النخبة أو علية القوم من المثقفين والخاصة والدعاة، كلا! بل نريد أن نخاطب بهذه الكلمات كل إنسان مسلم، بغض النظر عن مستواه العلمي والثقافي،وعن عمره وعن أي شيء آخر، ولذلك فلا غرابة أن أحرص على توضيح العبارات وبسطها والبعد عن أي لون من ألوان الترتيب العلمي، الذي قد يصعب ويشق على الناس فهمه.

    ومن قبل كان ابن قتيبة رحمه الله يقول في بعض كتبه: " ينبغي أن يكون الخطيب متخير اللفظ، قليل اللحظ، لا يحرص على تدقيق العبارة ولا على تخصيص المعاني " أي: أنه يذكر معان مجملة عامة يسهل على كل إنسان فهمها، وليس فيها من الغموض والدقة أي مقدار، ومن بعده كان الإمام الشاطبي يقول: " إن السلف رحمهم الله تعالى كان الواحد منهم لا يهتم بالألفاظ، بل يلقي الكلام على عواهنه وكيفما اتفق، متى ما علم أن هذا الكلام يؤدي المعنى المقصود، ويصل إلى ذهن السامع ويبلغ المعنى الشرعي ".

    إذاً: لندرك أننا في هذه الجلسة لا يعنينا تزويق الألفاظ ولا تصفيف العبارات، ولا الترتيب العلمي والموضوعي، بقدر ما أمامنا من الحيل النفسية التي نتستر بها أحياناً، وينبغي أن نكتشفها ونفضح أنفسنا أمامها، ونضع أنفسنا أمام الحقيقة وجهاً لوجه، ولا نبقي عذراً لمعتذر ينبغي أن يقوم بعمل في سبيل الله عز وجل.

    إذاً: فلا تنتظر مني استكمالاً للموضوع ولاتطويلاً فيه، ولا تنظيراً؛ بل ولا حسن ترتيب، وحسبي أن تفهم الكلام الذي أقوله، وتوقن بأنه حق وأنه ينبغي أن نعالجه.

    وبادئ ذي بدء نلاحظ أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن العجز واستعاذ منه، فقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم وهو حديث طويل: {احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز} فهذا نهي: (ولا تعجز)، فاحتفظ بكلمة العجز، حتى نفكر بعد قليل ما هو العجز.

    ثم تنتقل فتجد أن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي ثبت عن جماعة من الصحابة مثل أنس بن مالك أو غيره أنه كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من العجز: {أعوذ بك من العجز} والحديث جاء عن أنس وزيد بن أرقم وهو في الصحيح وغيره، وتجد في القرآن الكريم كلمة العجز موجودة في مواضع منها: فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [المائدة:31] فهنا يبرز أمامك العجز.

    فالعجز إذن مرض سببه الغفلة، وعدم الاهتداء، حتى إن هذا الإنسان لم يكن عاجزاً عن أن يحفر الأرض ليدفن أخاه الذي قتله، ولكنه غفل عن هذا المعنى ولم يتفطن له حتى رأى الغراب يبحث في الأرض، فاستيقظ وتنبه، ولام نفسه أن يكون الغراب معلماً له، ويسبقه إلى هذه القضية، فيحفر في الأرض فقال: يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ [المائدة:31].

    ولذلك قد نكتشف أن العجز هو صفة ملازمة للمعتدين أحياناً، لأن هذا الإنسان كان معتدياً، فالاعتداء غلّف قلبه، وغطى على فطرته حتى لم يتفطن إلى مسألة أن يحفر الأرض ليدفن أخاه.

    فالزيادة، أو النقص، أو التفريط كل هذه الأشياء تكون سبباً في ابتلاء الإنسان بالعجز والقعود عن العمل، ولذلك وصف الله المنافقين الذين تخلفوا أنه أراد سبحانه أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وبما كسبت أيديهم، وكذلك بعض المؤمنين الذين هربوا وتولوا من المعركة، قال الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [آل عمران:155]فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة:49].

    فالإنسان يتعلم حتى من الحيوان، وأنت تعرف قصة الإنسان الذي أراد أن يتعلم النحو، حتى تروى هذه القصة عن سيبويه أو غيره، ففشل مرة أو مرتين وثلاثاً، فبعد ذلك رأى نملة تصعد وكلما صعدت تسقط ثم تكرر المحاولة، فتلقن من ذلك درساً أنه يجب أن يحاول ويكرر المحاولة فيستفيد حتى من الحيوان، أو الطير، أو غيره.

    وهذا العجز الوارد في الشرع هو ما يمكن أن نعبر عنه -أحياناً- بالعوائق النفسية أو الحيل النفسية، وهو داء في القلب أو في النفس، لكن قد لا يصل إلى حد الضرورة كما قد يفهم البعض أن صاحبه مريض مرضاً نفسياً، أو مجنون لا، لكن عنده نوع من الخلل، وأنت تلاحظ الفرق بين إنسان سوي النفس، سليم القلب، ملتزم بالكتاب والسنة، كثير الإقبال عليهما، شديد التوكل على الله، فتجد أن موازينه وحساباته مضبوطة، وآخر: أعماله النفسية كلها غير طبيعية، بل هي مصابة بالخلل بسبب نوع من عدم الاعتدال عنده، فتجد مثلاً قضية الإدراك غير منضبطة، لا يدرك الأمور إدراكاً صحيحاً ولا يتصورها تصوراً صحيحاً، ولا يتذكرها، ولا يتخيلها بشكل صحيح، فهو يدركها على غير صورتها؛ ولذلك يخطئ الحسابات -كما سيأتي أمثله لذلك بعد قليل- وبالتالي تجد أن هذا الإنسان لا يعمل.

    وأحياناً تجد إنساناً قاعدة لا يعمل، ولو قلت له لماذا لقال: عسى الله أن يهديني! فأنا قادر ومستطيع، فلا يخدع نفسه أو يضحك عليها، لكن آخر تجد أنك إذا حادثته لماذا لا تقدم شيئاً؟ بدأ يفلسف هذا العجز، ويظهره بصورة العقل أحياناً، أو بصورة الفهم، أو الحكمة، أو حتى بصورة الشرع، كما سوف يبدو لك، فما هي هذه الأعذار التي نتستر وراءها -أحياناً- حتى نترك العمل؟

    وقبل أن أذكرها أود أن أقول لك شيئاً؛ حتى تدرك هل أنت تعيش نوعاً من الحيل النفسية أو لا؟ تصور -وأنت قاعد بين يدي الآن- هل تشعر أن الكلام هذا موجه لك مباشرة أو تشعر أنه يعني أناساً آخرين غيرك؟

    فإن كنت تتصور أن الكلام موجه لك أنت بالذات دون غيرك، فهذا دليل على نوع من الوضوح والصراحة مع نفسك، لكن إن كنت تشعر أن المخاطبين أناس موجودون في كوكب آخر، فيجب أن تتنبه إلى أن هذه هي بداية الحيل النفسية، أنك تجعل الكلام يزل عن يمينك وشمالك ولا يصيبك.

    1.   

    حيلة التواضع الكاذب

    وأول هذه الحيل هو: التواضع الوهمي الكاذب، فيرى الإنسان أنه ليس أهلاً لشيء، لا لعمل، ولا لوظيفة، ولا لشهادة، ولا لإمامة،ولا لخطابة، ولا لدعوة، ولا لتصدر، لا لإدارة ولا لشيء، يقول: أنا أعرف نفسي، لا تظن أني متواضع، لا، هذه الحقيقة ولو تعرف ما في نفسي من العيوب لعذرتني، وأدركت أنني لا أقول إلا الحقيقة، فدعني وما أنا فيه، وعبثاً تحاول إخراج بعض هؤلاء الناس من تواضعهم الوهمي الذي أصبح يحول بينهم وبين أي عمل.

    تحديد المشكلة

    وليست المشكلة في وجود الشعور نفسه، كون الإنسان يتكلم عن نفسه بازدراء، أو باحتقار، أو يهضم نفسه، أو يوبخها- هذا لا شيء فيه بل هو أمر فطري، بل المؤمن الصادق هو كذلك، لا يصاب بعجب، ولا غرور، وكما قال ابن مسعود

    }. إذن لا نعيب عليك أن توبخ نفسك، ولا أن تزدريها، ولا أن تحتقرها، فهذا لا شيء فيه، ولكن المشكلة أن يتحول هذا الشعور عندك إلى منهج يحكم كل تصرفاتك وأعمالك، فإذا قلنا لك: يا فلان تول أمر المسجد وصلِّ بالناس! أو درّس، أو اشغل هذه الوظيفة المهمة، أو ألف كتاباً، أو ألق محاضرة، أو درساً، أو مر بالمعروف وانه عن المنكر هززت رأسك، وقلت الله المستعان! "لو كنت تعلم ما بي كنت تعذرني" فتحول هذا الشعور إلى عائق وحائل يمنع الإنسان من العمل، وأنت تجد أن كلام السلف يدل على أن المشكلة ليست في وجود هذا الشعور والكلام، لكن المشكلة أن يتحول إلى ذريعة لترك العمل الصالح، مثلاً أبو الوفاء بن عقيل

    ، صاحب كتاب الفنون في ثمانمائة مجلد، وهو من أذكياء العالم، له كلام عجيب في توبيخ نفسه، نقله ابن الجوزي

    في كتابه صيد الخاطر وقال ابن الجوزي

    بعدما وبخ نفسه وذمها وعاتبها قال: وقد رأيت الإمام أبو الوفاء بن عقيل

    ناح على نفسه نحو ما نحت فأعجبتني نياحته فنقلتها هاهنا، ماذا قال أبو الوفاء بن عقيل

    ؟ قال كلاماً طويلاً مقصده أن أبا الوفاء بن عقيل

    يخاطب نفسه ويقول: يا نفس ماذا استفدت من عمرك الطويل؟ استفدت أن يقال لك: إنك إنسان مناظر قوي الحجة لا غير، وعما قليل تترك ذلك بالموت، بل وحتى في حياتك لو برز للناس شخص أو شاب أقوى منك عبارة، لربما موهوا له بالقول، وركضوا وراءه وتركوك، فماذا انتفعت من قول الناس لك يا مناظر؟ وأنت تعلم ما في نفسك وما في قلبك، ثم قال: " والله ما أعلم في نفسي حسنة أستطيع أن أسأل الله بها، فأقول: اللهم إني أسألك كذا بكذا، وعما قليل أموت، فيقول الناس: مات الرجل الصالح العالم الورع التقي، ووالله لو علموا حقيقتي ما دفنوني " وكلام من هذا القبيل طويل. ثم قال: " والله لأنادين على نفسي وأفضحها لعل الله تعالى أن يرحمني بذلك " ولعل الكثير منكم يحفظ نونيه القحطاني: والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام علي من يلقاني ولأعرضوا عني وملوا صحبتي ولبؤت بعد كرامة بهوان إلى آخر قصيدته. لكن السؤال: أن أبا الوفاء بن عقيل

    وابن الجوزي

    والقحطاني

    ومن قبلهم؛ حتى الصحابة رضي الله عنهم، لهم كلام كثير في ازدراء النفس، فهل هذا الشعور بالنفس جعلهم لا يعملون ولا يجاهدون، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر؟ لا! أبو بكر

    هو الخليفة، وأمور المسلمين كلها في عنقه، ومع ذلك وكثيراً ما يوبخ نفسه، فإذا مدحوه قال: [[اللهم اغفر لي مالا يعلمون واجعلني خيراً مما يظنون]] وكثيراً ما كان أبو بكر

    رضي الله عنه يقبل على نفسه يوبخها ويذمها. ومثله عمر

    الخليفة وتعرف ماذا فعل عمر

    ؟ رجل إيجابي من الدرجة الأولى، ومع ذلك كان يقول: [[بخٍ بخٍ يـابن الخطاب

    ! بالأمس ترعى غنم الخطاب

    واليوم أمير المؤمنين! والله لتتقين الله أو ليعذبنك]]. إذاً فرق بين شعورك بالازدراء والاحتقار لنفسك الذي هو خير وضمانة عن العجب والاغترار، وعن حبوط العمل وعن الكبر وعن الغطرسة وعن رد الحق، فرق بين هذا وبين هذا الاحتقار للنفس الذي هو مدخل من مداخل الشيطان يجعلك لا تقوم بأي عمل صالح، ولا تمارس أي دور. وكلام أبي الوفاء بن عقيل

    وابن الجوزي

    والقحطاني

    ، ومن قبلهم أبو بكر

    وعمر

    وعثمان

    وعلي

    لم يمنع آخرين من أن يتكلموا مما وهبهم الله من الخير والنعم، لأن النعمة يجب أن تشكر، وأول مراحل الشكر للنعمة هو أن تعرف النعمة، قال الله عز وجل: ((يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا))[النحل:83] فأول مراحل شكر النعمة المعرفة، فإذا كان الله قد أعطاك مواهب فلا بد أن تعرف هذه المواهب، حتى تشكرها، ولو جحدتها لكنت منكراً لنعمة الله عليك. فهذا يوسف عليه السلام نبي الله: ((قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ))[يوسف:55] فما منعه أن يطالب بأن يكون على خزائن الأرض لأنه يعلم أن الله تعالى قد اختصه بهذه المزايا، بن عباس يقول: [[أنا من الراسخين في العلم في قوله تعالى: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ))[آل عمران:7] وفي قوله تعالى: ((مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ)) [الكهف:22] قال: أنا من القليل الذي يعلمه]] فلم يمنعه تواضعه أن يقول هذا.

    الرغبة في العمل الديني مطلب شرعي

    عثمان بن أبي العاص كما في الصحيح يقول: {يا رسول الله اجعلني إمام قومي!! قال: أنت إمامهم واقتدِ بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً} فـعثمان بن أبي العاص لم يمنعه تواضعه وهضم نفسه من أن يطلب عملا دينياً، والإمامة ليست عملاً دنيوياً وإلا والنبي صلى الله عليه وسلم قال:{إنا لا نولي هذا الأمر من طلبه} لكنه ديني، ولهذا وصف الله تعالى المتقين كلهم بأنهم عباد الرحمن وبأنهم يقولون: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74].

    فلم يطلبوا أن يكونوا من المتقين فقط، بل طلبوا أن يكونوا أئمة للمتقين، فليسوا أئمة للمؤمنين أو للمسلمين فقط؛ بل للمتقين.

    ولا شك أنه من الغبن أن يقول العبد في سجوده: واجعلنا للمتقين إماماً، ثم يطلب منه أن يتولى أمر ثلاثة في دعوة، أو إصلاح، أو قيادة، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، ثم ينفض ثوبه ويتنصل ويقول: لا أستطيع! لا أستطيع! لأن مقتضى الشرع أن الدعاء يتطلب العمل الصالح، فإذا قلت: واجعلنا للمتقين إماماً فينبغي أن تسعى إلى تحقيق الإمامة في الدين، قال الله عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] قال سفيان: [[بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين]] ولما قال ربيعة بن مالك الأسلمي رضي الله عنه كما في صحيح مسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا رسول الله ادع الله أن أكون رفيقك في الجنة، قال: أعني بكثرة السجود} فإذا دعوت بشيء فعزز دعاءك بفعل الأسباب.

    وكما قال عمر رضي الله عنه: [[اخلط مع دعاء العجوز شيئاً من القطران]] كانوا يقولون: إذا أصاب إبل الصدقة الجرب، يقولون نذهب إلى عجوز هناك لتدعو فيشفيها الله تعالى، فقال عمر: لا، بأس! هذا جيد، اذهبوا إلى العجوز تدعو، وهاتوا القطران -وهو نوع من العلاج- فاطلوا به هذا الجرب فيزول بإذن الله تعالى، فالسبب لا بد من فعله، والدعاء سبب، وفعل العمل الصالح من السجود أو السعي إلى الإمامة في الدين بالصبر والتقوى واليقين هو أيضاً مطلوب.

    الاعتذار بالمعصية

    وأحياناً تجد أن المعصية أو النقص أو التقصير تتسبب للإنسان في ترك العمل الصالح، وكأنه يظن أنه لا يعمل للخير إلا الكاملون أما الناقصون فلا يعملون، مع أنك لو نظرت إلى النص الشرعي لوجدت غير هذا، يا فلان لماذا لا تدعوإلى الله؟ قال: الله المستعان! روائح ذنوبي فاحت، وأنا أستحي أن أقف أمام الناس، وأستحي من الله تعالى، وأخجل أن أعظ الناس، وأنا أحتاج إلى من يعظني.

    يا أخي! عندك الآن مال فهل تزكيه؟ فيقول: نعم أزكيه؛ لأنه بلغ النصاب، فنقول: المال إذا بلغ النصاب وجب عليك تزكيته، ألم تعلم أن العلم عليه زكاة أيضاً؟ مع أن العلم ليس له نصاب.

    فالرسول صلى الله عليه وسلم بين النصاب في الأموال الزكوية ولكن بالنسبة للعلم فإنه قال: {بلغوا عني ولو آية} كما في الصحيح، آية واحدة فقط، أو حديثاً.

    وقال صلى الله عليه وسلم:{نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه} فنصاب العلم آية واحدة أو حديث واحد! وهل من المسلمين كلهم من لا يحفظ آية أو حديثاً، فينبغي أن تتفطن أن كل قدر من العلم ولو قل عندك، عليه زكاة وأن تقصيرك أنت بفعل المعصية ليس موجباً بل ولا مبيحاً لترك النهي عنها وتقصيرك بترك الطاعة ليس موجباً بل ولا مبيحاً بترك الأمر بها، بمعنى يجب أن تأمر بالمعروف ولو كنت تاركاً له، ويجب أن تنهى عن المنكر ولو كنت واقعاً فيه:

    ولو لم يعظ في الناس من هو مذنبٌ     فمن يعظ العاصين بعد محمد

    ولا شك في هذا؛ بل يكاد أن يكون إجماعاً لأهل العلم، إذ كونك تركت المعروف بنفسك هذا خطأ فلا تعالجه بخطأ آخر وهو أنك -أيضاً- لا تأمر به، وكونك فعلت المنكر فهذا خطأ، لكن تعالج هذا الخطأ بخطأ آخر وهو أنك لا تنهى عن المنكر.

    أضرب لك مثالاً: أنت -وحاشاك- مبتلى بشرب الدخان؛ لأنك نشأت في بيئة لم تعودك على ترك هذا، فأخذته بالتقليد والعادة، وأصبح صعباً عليك بسبب الإدمان تركه، فتزوجت ورزقت بأولاد، فوجدت ابن عشر سنوات من أبنائك يدخن، فهل تقول حينئذٍ: لا أنهاه لأني مدخن؟ قطعاً لا، بل ستقول: سأمنعه، وستتخذ من كونك مدخناً حجة لك، وستقول: يا ولدي أنا جربت قبلك، وابتليت بهذا الداء الذي أتمنى أن أخرج من مالي وأتركه، ولكن عجزت، فأنت الآن ما دمت في بداية الطريق، ابتعد عن هذا الشيء.

    فتستفيد من الخطأ الذي وقعت فيه في نهي الناس، مع أنك مطالب بترك المعصية، ومطالب بفعل الطاعة، لكن ليس من شروط الأمر بالمعروف أن تكون فاعلاً له، ولا من شروط النهي عن المنكر أن تكون تاركاً له.

    أما قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة:44] فهذا نعم، ولا شك أنه يوبخ؛ لأن الآمر للناس عالم وكان المفروض أن يكون أول الممتثلين، كما قال شعيب عليه السلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود:88] ولكن كونك قصرت في هذا لا يبيح لك أن تقصر في الثاني.

    ومثل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام كما في حديث أسامة في صحيح البخاري: {يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه}.

    فنقول: هل هذا دخل النار؛ لأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ كلا! الأمر بالمعروف والنهي عن المكر بالنية الصالحة عمل صالح يدخل الجنة ويباعد عن النار، وإنما دخل النار؛ لأنه يفعل المنكر ويترك المعروف؛ أو لأنه كان يأمر وينهى على سبيل النفاق والخداع والتغرير، لا على سبيل الصدق والإخلاص والعمل الصالح.

    والإنسان الإيجابي الفعال له منطق آخر، تجده يلقي درساً عن قيام الليل ويرغب الناس فيه، فإذا قالت له زوجته -التي تعرف أنه لا يقوم الليل- أو قال له زميله - الذي يعرف أنه لا يقوم الليل- يا فلان تحث الناس على قيام الليل وأنت منجعف على فراشك تتقلب! ألا تخاف الله؟! ألا تستحي؟! حاولَ أن يقوم، وبذل جهده، لكنه يقول في نفسه: ربما قام أحد هؤلاء الناس الذين سمعوا موعظتي فدعا الله تعالى، فكنت أنا شريكاً له في الأجر؛ لأنه قام بسبب موعظتي، وربما أشركني في دعوة صالحة، والدال على الخير كفاعله.

    وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: {من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه}.

    وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي: {من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها} فيأخذ الأمر من هذا المنطلق.

    مثال معاصر

    أضرب لكم مثالاً يسيراً، وإنما اخترته لكثرة تكرره، فقد رأيت الكثيرين من الشباب وهم أئمة مساجد، وأساتذة مدرسين في حلقات، ومشرفين على نشاطات خيرية، تجد الواحد منهم يتبرم من عمله، ويتضايق، ويهم بالترك حتى كأنه عصفور في قفص، وقد التقيت بالكثيرين منهم، فأسأله لماذا، يقول: عندي عيوب، عندي أخطاء، أنا لا أستحق هذا العمل! وبعد ما أحدثه واكتشف ما في نفسه، أكتشف -مثلاً- أن هذا الإنسان مبتلى بما يسمى بالعادة السرية، صحيح هذا خطأ، وينبغي أن تبذل جهدك في الخلاص منه، ولو لم يكن من سيئاته إلا ما أوجده في قلبك من الضيق والتبرم والحسرة والشقاء والخجل لكفى.

    ولكن هذا الذنب -حتى مع القول بتحريمه، وهو قول كثير من أهل العلم وإن لم يقولوا: بأنه من كبائر الذنوب، بل هو من صغائرها- هل يوجب ترك الإمامة والدعوة وترك الخطابة، والتعليم والتوجيه؟!بل ربما يغفر لك بسبب إنسان علمته، أو دعوته أو وجهته، أو ركعة ركعتها، أو صلاة صليتها بالمسلمين، وهذا ضرره قاصر على نفسك لا يتعدى إلى غيرك.

    فأعمال الخير التي تقوم بها أنت نفعها متعدٍ إلى الأمة كلها، فلا يخدعنك الشيطان، ويجرك من الأعمال الصالحة بهذه الحجة الواهية، ثم بعد ذلك لا أنت تركت المعصية أو الذنب الذي أنت واقع فيه، ولا أنت قمت بهذه الأعمال الصالحة التي تقاوم الإثم والسيئة.

    والله عز وجل يقول: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: {وأتبع السيئة الحسنة تمحها}.

    إذن لا بد من النـزول إلى الميدان، ولا بد من المشاركة في الأعمال، ولا بد من التوكل على الله عز وجل، ولا بد من العلم الصحيح الذي يضيء للإنسان الطريق الصحيح، ويبين له ما يأخذ وما يدع، ولا بد من أن يهتم الإنسان بأمر نفسه ودعوته، فيهتم بموضوع القدوة، ويهتم -أيضاً- بموضوع الدعوة، فإذا أراد أن يقوم بالأعمال الصالحة، فإنه يحرص على إتقانها وأدائها.

    1.   

    حيلة الخوف

    الحاجز الثاني أو الوهم الثاني: هو وهم الخوف، والخوف أذل أعناق الرجال، وكما أسلفت حينما يكون عند الإنسان خلل في نفسيتة يكون عنده خلل في تصوره، وإدراكه للأمور، وتخيله لها، فتجد أنه يخطئ في الحسابات، ويضخم الأمور تضخيماً مبالغاً فيه.

    الخوف من الناس

    فمثلاً: إنسان عنده وسواس -ولا شك أن الوسواس نوع من الخلل- فتجد أن هذا الموسوس يخاف من الكفردائماً، فيقول لأخيه: أنا قلت كذا، فهل يعتبر هذا كفر؟ فإن قلت له: لا، وأتاك بعد فترة، وقال: أتيت وكان في قلبي كذا، فهل يعد هذا من الكفر؟ تقول له: لا، وربما سألك في اليوم عشرين سؤالاً كلها تدور حول هل يعد من الكفر؟ هل يعد من الكفر؟ فنقول لهذا: أنت إنسان موصول القلب بالله عز وجل، مقبل على الله تعالى، محب لله ولدينه، حريص على تجنب الشبهة، فضلاً عن الحرام، فضلاً عن الكفر!

    فكيف تحول الأمر إلى خوف في قلبك؟ لكن هذا بسبب أن عنده خلل في نفسيته، فصار عنده خلل في إدراك الأشياء وتصورها، وتخيلها ومعرفتها.

    تجد بعض الناس يخاف من الطلاق، حتى إن بعضهم مجرد خاطر في قلبه يأتيه الشيطان، فيلقي عنده خاطر أنه إذا لم تتجاوز هذه السيارة تسبقها فزوجتك طالق! مجرد خاطر! فتجده يسرع بقوة حتى يسبق هذه السيارة! فإذا وصل إلى الإشارة وضع الشيطان في قلبه وَهماً أنه إذا لم ترجع من عند هذه الإشارة وتأخذ الدورة -مرة أخرى- من عند الرصيف فزوجتك طالق!

    فتجد هذا المسكين يركض كالمجنون، تركض وراء ماذا؟! وعمَّ تبحث؟! مجرد أوهام يلقيها الشيطان نتيجة خلل في النفسية واضطراب، وعدم وضع الأمور في مواضعها.

    هذا نموذج قد يكون واضحاً وربما يضحك البعض منه؛ لكن خذ أمثلة مشابهة، قد لا تضحك منها، تقول أنا مبتلى بها-مثلاً- الخوف من رجال الأمن، والخوف من أجهزة المخابرات، وأجهزة المباحث، تجدها ترسم بصماتها -أحياناً- على بعض الناس فيخاف من كل شيء ويقرأ الخوف في كل حركة وفي كل لفتة، وفي كل نظرة، يخاف من المباحث، ويخاف من الاستخبارات، ويخاف سواء الدول العظمى أو غيرها.

    حتى يقول أحدهم وكان إنساناً أخطأ فهرب، فيقول معبراً عن هذا المعنى بالضبط يقول:

    لقد خفت حتى لو تمر حمامةٌ          لقلت عدو أو طليعة معشرِ

    فإن قيل خيرٌ قلت هذي خديعةٌ          وإن قيل شرٌ قلت حق فشمرِ

    أي: إن جاء أحد يطمئنني ويقول: اطمئن الأمور على خير، قلت: هذا يخدعني، هذا مرسل ليخدعني، وإن جاءني أحد يقول: خف وأهرب، الطلب في إثرك، قلت: هذا صادق؛ ثم شمرت وركضت من الخوف.

    وآخر يقول:

    حتى صدى الهمسات غطاه الوهن     لا تنطقوا إن الجدار له أذن

    والثالث يقول:

    لو كنت أستطيع…

    أن أقابل السلطان..

    قلت له: يا حضرة السلطان..!

    كلابك المفترسات دائماً ورائي..

    كلابك المفترسات مزقت حذائي..

    ومخبروك دائماً ورائي..

    أنوفهم ورائي..

    عيونهم ورائي..

    آذانهم ورائي..

    كالقدر المحتوم كالقضاء

    يستجوبون زوجتي…

    ويكتبون عندهم أسماء أصدقائي.

    والرابع الذي يقول:

    إن هناك مخبراً يدخله مع الشهيق، ويرسل التقرير مع الزفير كما يقول.

    وهذا شاعر، ومن عادة الشاعر أنه يحب المبالغة، وليس بالضرورة أنه يعيش هذه الأوهام، لكن هو يصور حقيقة إنما بالغ في تصويرها، ولكن هذه المبالغة تتحول إلى إحساس حقيقي عند بعض المرضى وبعض المصابين، فتجد أنه يخاف من كل شيء، ولا يعمل شيئاً.

    تخايله الأوهام دائماً وأبداً، وبالعكس تجد أحياناً دولاً أو مسئولين في دول أو شخصيات، تجده يخاف من الناس، يخاف من شعبه ويفسر كل حركة، وكل خطوة، ولكل سكنة، وكل محاولة، وكل شيء بأنه ضده، وأنه المقصود منها، فتجده يواجه هذا، ويحارب هذا، ويفرق المجتمع، ويجمع المتفرق، ويقوم بحركات تنبئ عن الخوف.

    فهذا الخوف: هو في كثير من الأحيان، عبارة عن وهم نفسي، وليس حقيقة واقعة، وبالتالي يتصور أنه يستطيع أن يؤذي الناس أو يبطش بهم أو يشكل أو يكمم الأفواه وما أشبه ذلك، ولكن هيهات!!

    وهذا ما يسمى -أحياناً- بعقدة المؤامرة التي توجد لدى الفرد أو الجماعة أو الدولة، وهو: شعورك بأن كل شيء مؤامرة، ومخطط ضدك، أو ضد هذه الدولة أو ضد الإسلام، أو ضد جماعة بعينها، نعم نحن ندرك بأن هناك مؤامرات، ويجب أن نعرف الواقع، ونعرف حجم عدونا، ونعرف كيف يفكر، وكيف يعمل، وحتى لا نبالغ، فنحن في أحيان كثيرة نتكلم عن مؤامرات الأعداء، ونشخصها، وقبل أيام كان لي درس عن وسائل المنصرين، وسأتحدث عن هذا الموضوع أيضاً مرات أخرى.

    وهناك فرق بين أن تدرك الواقع على طبيعته، وبين أن تضخم هذا الواقع حتى يتحول إلى عقدة عندك، فتتصور أن كل شيء وراءه مؤامرة، حتى لو كان شيئاً صالحك تخيلت أن وراءه مؤامرة فتوقفت عنه، مثل إنسان يقدم له طعام جيد، فيقول: يمكن أن يكون في هذا الطعام شيء. إذن لا داعي لأكله، فيتركه خوفاً أن يكون وراءه شيء، فيحرم نفسه بذلك من خير قد أتيح له.

    وينبغي أن تدرك أن الأعداء وأن أجهزة المخابرات العالمية مثل الـ c.i.a هذه المخابرات الأمريكية، أو الموساد الإسرائيلية، أو المخابرات الروسية أو أي جهاز مخابرات في العالم، بل الدول بنفسها تعتمد على ما يسمى بالحرب النفسية، حرب التخويف والتضليل وإلقاء الرهبة في نفوس الشعوب، حتى تجد أن الواحد ينهزم قبل أن يخوض المعركة؛ لأنه يشعر أنه ضعيف لا يملك شيئاً، في حين أنه يواجه عدواً مدججا يملك كل شيء، ولعلكم تعرفون على سبيل المثال أفلام الرعب التي تعرض الآن في التلفاز، أو في الفيديو، وأكثر من يشاهدها الأطفال من مسلسلات الرعب، التي تغرس في نفوس الأطفال المخاوف، حتى إن أحد المستشفيات استقبل في أسبوع أكثر من أربعين حالة نفسية لبعض الأطفال بسبب فيلم أو مسلسل عرض في التلفاز.

    والكتب التي تتكلم عن التجسس والجاسوسية وأعمال الجاسوسية تعد بالآلاف، بعضها حقيقية، وبعضها خيالية، ولكن ربما بعض الوكالات تقوم بالتأليف عن نفسها من أجل أن تضخم حقيقتها في نفوس الشعوب لأن الخوف - أحياناً - يريحهم من أشياء كثيرة.

    فإذا كان مجرد الخوف منعك من العمل، ومنعك من المشاركة ومنعك من الإقدام، فلا يحتاجون بعد ذلك إلى شيء آخر، وهم يعتمدون على التهويل والمبالغة.

    ويقومون -أحياناً- بتسريب بعض المعلومات والأخبار غير الصحيحة من أجل الحرب النفسية.

    وأقرب وأوضح مثال: اليهود، الآن هناك عشرات الكتب تتكلم عن اليهود: القوة الخفية في العالم، اليهود الذين يملكون الاقتصاد، ويملكون الإعلام، ويملكون أمريكا، ويملكون روسيا، واليهود الذين يملكون التصنيع، حتى تصور البعض أن اليهود وراء كل عمل، وسبب كل شيء وأن أمريكا دمية بيد اليهود، وكذلكروسيا والعالم كله كذلك.

    وبناءً عليه فلا داعي أن نواجه اليهود، وليس هناك أمل في الانتصار عليهم! إذاً: لماذا لا تفترض أن هذه الصورة الوهمية الخيالية المبالغ فيها أن اليهود هم الذي سعوا إلى رسمها في نفوس المجتمع حتى يبقوا خائفين؟

    ولا شك أن الخوف بداية الهزيمة، خاصة إذا تصورنا أن اليهود عندهم خطط ناجحة في الحرب النفسية، في مجال الإعلام والمخابرات، فلا غرابة أن يخططوا لمثل ذلك، لكن تصور أن اليهود يتحكمون في كل شيء هذا وَهم! والأمر كما قال أحد الكتاب: اليهود لا يصنعون الأحداث ولكنهم يستغلونها، فهم أعجز من أن يديروا كل شيء، ويعملوا كل شيء، لكن عندهم قدرة على استثمار الأحداث -بقدر الإمكان- لصالحهم، وهذا لا ينكر، واليهود لديهم قوة ولديهم قدرة، ولديهم تغلغل في أمريكا وفي روسيا وفي عدد من البلاد، وأعطاهم الله بعض التمكين.

    لكن مع ذلك أقول: الصورة التي ترسم في أذهاننا هي في كثير من الأحيان صورة خيالية ومبالغ فيها عن حقيقة القوة اليهودية.

    ومثل ذلك قصص التعذيب، فكثير من الشباب -شباب الدعوة- أول ما يبدأ في القراءة، يقرأ -مثلاً- كتاب البوابة السوداء ، في الزنـزانة لماذا أعدم سيد قطب وإخوانه في غياهب السجون؟ وعشرات الكتب التي تتكلم عن سجون جمال عبد الناصر وألوان التعذيب أو السجون الآن في تونس أو في الجزائر أو في أي بلد آخر.

    فالشاب الذي هو في أول حياته لم ينضج بعد، ولا يزال غضاً طرياً نشأ على هذه المعاني، وعلى هذه المفاهيم، فولد عنده رعب وخوف ونشأ على نوع من الضعف والهزيمة، فأصبح مثل الشجرة التي نشأت في الظل، ليس فيها قوة واخضرار ونماء، تجد فيها صفرة وفيها ضعف، خاصة إذا كان هذا في أول عمره وتربى عليه، وأكثر من قراءته، فالغالب أن هذا يحدث عنده أثراً سلبياً.

    إذاً لا بد من تحطيم هذه المخاوف، وهذه الهيبة، والحديث بصورة معتدلة عن كل هذه الأمور.

    ولماذا لا نتحدث الآن عن سقوط أمريكا؟ وقد ظهرت الآن كتب ودراسات وتحقيقات علمية، عن بداية سقوط أمريكا، ليس بأقلام علماء ومشايخ وكتاب مسلمين بل بأقلام أمريكان.

    ومن آخر هذه الكتب وأخطرها وأكثرها شهرة كتاب اسمه: صعود القوى العظمى وانحطاطها، يتكلم عما جرى للاتحاد السوفيتي ويقول: إن السُّنة ماضية، وأمريكا تسير على الأثر، ثم رصد عدداً من الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والعسكرية التي تؤكد أن أمريكا سوف تتفكك وتنهار، بطريقة أو بأخرى كما انهارالاتحاد السوفيتي.

    فلماذا لا نتكلم عن هذا المعنى؟ حتى نـزيل الرهبة الموجودة في نفوس البعض، والذين يتصورون أن أمريكا تستطيع أن تفعل كل شيء، وأنها تهيمن على كل ما يقع في هذا الكون، حتى تحولت إلى شبح رهيب ليس في نفوس البسطاء والسذج! بل في نفوس الساسة أحياناً!! وفي نفوس المفكرين! وفي نفوس الصحفيين والإعلاميين!

    ولعلكم تسمعون وتقرءون كيف يتكلمون عن هذه القوة التي يقدسونها! ويسبحون بحمدها! ويضفون عليها من أوصاف الجلال والقوة والقدرة والهيمنة شيئاً لا عهد للتاريخ بمثله، لماذا لا نحطم هذه الهيبة بالكلام عن سقوطأمريكا؟ هذا السقوط الوشيك، بعد خمس سنوات، أو عشر سنوات الأمر يسير-إن شاء الله-!!

    لماذا لا نتكلم عن سقوط اليهود سواء من خلال الأحداث الواقعية، أو من خلال النصوص الشرعية؟ لماذا لا نتكلم عن ضعف البشر؟ وأن جميع أجهزة البشر وإمكانياتهم مهما بلغت في القوة والدقة فهي ضعيفة؟!

    ولو أردت أن أحدثكم في هذا الموضوع لفعلت -ولكن ليس هذا هو الموضوع- المهم: أن نثبت أن البشر ضعاف ومهازيل، ويفوتهم الكثير وتنطلي عليهم أمور كثيرة جداً وأنهم لا يدركون إلا القليل، وحتى هذا القليل الذي يدركونه قد لا يدركونه تماماً وعلى حقيقته بل يدركون شيئاً منه: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم:7].

    وبالمقابل لا بد من تعظيم الله عز وجل: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً [نوح:14] الإيمان بوعد الله تعالى ولقائه، واليوم الآخر الذي تعد الدنيا كلها وما فيها بالنسبة له كقطرة في بحر، الإيمان وتعظيم رسل الله عز وجل ومحبتهم والإيمان بما جاءوا به، وتصور وتذكر الموت الذي يهون عليك كل شيء، وهو السبيل إلى الدار الآخرة، والإيمان بقضاء الله تعالى وقدره، كل هذه المعاني إذا تربى عليها الإنسان، وأدركها بنفسه إدراكاً صحيحاً، اعتدلت عنده الأمور، وأصبح يدرك الأمور على حقيقتها بلا مبالغة.

    الخوف من الفشل

    من ألوان الخوف وهو نوع من الحيل النفسية:

    الخوف من الفشل، فتجد الإنسان لا يقوم بأي عمل، يقول: أخشى من الفشل! أقترح عليك أن تقوم تلقي كلمة، قال: أخاف أن أخطئ باللغة أو آتي بكلمة مضحكة فيسخر الناس مني ثم بعد ذلك لا تقوم لي قائمة!

    لماذا لا تفتح مؤسسة تجارية تستفيد منها ويستفيد من ورائها المسلمون؟ قال: أخاف من الخسارة.

    إذاً هذا الخوف يمنع الإنسان من أي عمل، وبناءً عليه يجب أن تدرك أن أي عمل في الدنيا يتطلب قدراً من التضحية، وقدراً من المغامرة.

    فالعمل التجاري خاصة إذا كان عملاً مدروساً قد يفشل فعلاً، لكن كم نسبة فشله؟ قد تكون (10%)، وهذه النسبة لا يلتفت إليها، ثم لو حصل الفشل فالنتيجة: ربما تخسر عشرة آلاف ريال، أو خمسة عشر ألف ريال، أو عشرين ألف ريال فقط! وتستطيع أن تسددها، وليس معنى الفشل أنك خسرت الدنيا والآخرة، ولذلك تفكر بقدر إمكانياتك، لا تفكر تفكيراً خيالياً.

    والكلمة التي نطالبك أن تلقيها أمام الناس، تقول: يمكن أن أخطئ، فإذا أخطأت سيكون ماذا؟ سأستحي وأخجل، لكن هذا الخجل سينتهي خلال يوم أو يومين، وتمتنع عن الكلمة أسبوعاً، ثم في الأسبوع الثاني ربما تكررالمحاولة، ولا تعود إلى الفشل بإذن الله تعالى، ومع ذلك نقول: ينبغي أن تحتاط وتضبط الكلام، وتعده إعداداً جيداً حتى تطمئن -إن شاء الله- أنك لن تخطئ، وإن كان خطأً فسيكون خطأً يسيراً ويمكن أن يحتمل -مثل أن يكون خطأ في اللغة-.

    حتى لو تصورت السباحة، كم شخصاً لا يجيد السباحة؟ ولماذا؟ وهي عملية بسيطة لا تحتاج إلى جهود ولا إلى تعب.

    فإن الحيوانات تسبح -تلقائياً- إذا وضعت في الماء، لكن تجد الإنسان؛ لأنه تعلم الخوف تجده يخاف ولا يسبح لأنه يخاف من الغرق، وبهذا الخوف توقف عن أي عمل إيجابي ومثمر.

    إذاً فلا بد أن تعمل أعمال الخير؛ بل أعمال الدنيا المطلوبة منك باجتهادك، ولأن تعمل باجتهاد ويتبين لك فيما بعد أن هذا الاجتهاد مرجوح خير من أن تقعد ولا تعمل، الذي يعمل ويخطئ أحب إلينا من الذي لا يعمل أصلاً، فكونك تأمر بالمعروف ثم اكتشفت أنك أغظت هذه المرة في الأمر بالمعروف، أنت أحب إلينا من الشخص الذي لم يأمر بالمعروف، خاصة إذا كان الإغلاظ بقدر معقول، لأنك استفدت درساً من الإغلاظ هذه المرة، فالمرة الثانية سوف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالحسنى، والحكمة، والكلمة الطيبة، ولن تغلظ لأحد بقول ولا فعل، لكن ذاك الإنسان الذي لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر قد قصر في أصل الواجب، وأنت مطالب بأن تعمل وتصحح وتواصل، ولا تقف عند الخطأ، بل صحح الخطأ وواصل.

    ولو تأملت القرآن والحديث لوجدت أن ترك العمل وخوف الفشل من سيما المنافقين، فإياك أن تكون منهم: الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا [آل عمران:168] فإذا خضنا معركة وقتل منا من قتل، جاء أحد، وقال: قتل هؤلاء ونـزفت دماءهم! لوأطاعونا وجلسوا في بيوتهم ما قتلوا: قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ [آل عمران:168].

    ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

    قتل هؤلاء في المعركة شهداء في سبيل الله، كم يموت ويقتل في سبيل الطاغوت؟ كم يقتل في سبيل الدنيا؟ كم يقتل من مهربي المخدرات؟ وكم يقتل وكم؟! أعداد غفيرة من الناس، ثم كم يموت بالمرض؟ وكم يموت بالجوع والعطش والعري والبرد والحر؟! أعداد غفيرة من الناس، فلماذا تستكثر أن يموت في سبيل الإسلام بضعة أشخاص أو مئات أو ألوف ولا تستكثر أن يموتوا في سبيل الدنيا؟

    فإن الموت حتماً على كل إنسان.

    ومن لم يمت بالسيف مات بغيره

    لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا * لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [آل عمران:153-154] نحن لم يكن رأينا الخرج إلى المعركة، كان رأينا أن نجلس في المدينة فلو أن الرسول صلى الله عليه وسلم استشارنا ما قتلنا هاهنا: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ [آل عمران:154].

    إذاً: المؤمن بالقضاء والقدر لا يأتي دائماً وأبداً ويقول: لو.. ولو…!! ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال في نفس الحديث الذي سقته سابقاً حديث أبي هريرة: { لا تعجز} فهناك عن العجز، ومن أسباب العجز الخوف من الفشل.

    ولذلك قال:{وإن أصابك شيء -أي عملت ووقع عليك شيء- فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان }.

    من صور الخوف أيضاً: الخوف من النقد والتبرم به، فالكثيرون من الناس يمتلكون حساسية مفرطة شديدة، لا يحب أن يسمع كلمة نقد، وإذا انتقد يحس بأنه اختل توازنه ويتمنى أن تنفتح الأرض لتبتلعه خجلاً، أو تجد بعض الناس يستكبر على النقد، ويتعجرف على أن يسمع، مع أن الواقع أن الإنسان إذا قام بعمل فهو عرضة للنقد، ولهذا قالوا: من ألَّف فقد استهدف، أي أنك إن كتبت كتاباً وقدمته للناس فسيقرؤه مئات أو ألوف، فهذا أعجب بالكتاب، وهذا لم يعجبه، وهذا أعجب به ولكن عليه بعض الملاحظات، كل هذا شيء طبيعي.

    وحينما تلقي درساً أو محاضرة، سيقول هذا زاد، وهذا نقص، وهذا أخطأ، وهذا لحن، وهذا أفرط، وهذا فرط... إلى آخره، وهذا شيء طبيعي، فأنت عندما تقوم بأي عمل ضع في اعتبارك أنك عرضة للنقد، حتى الأعمال الدنيوية كالتجارة، سيقول لك أحدهم: والله يا فلان لو كان المتجر في المكان الفلاني لكان أفضل! وآخر يقول: العامل الذي وضعته هنا غير مناسب، أخلاقه سيئة، وغير مأمون!

    إذاً فأنت عرضة للنقد، فينبغي أن يكون لديك استعداد للعمل واستعداد لتقبل النقد، واستعداد للتصحيح -أيضاً- لأن الناقد -كما يقول بعضهم- يفترض الكمال فيما قلت أو فيما فعلت، ولهذا يطالبك بالمزيد.

    ولهذا قال الشاعر حتى عن خصومه:

    عداتي لهم فضل علي ومنة     فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا

    همو بحثوا عن زلتي فاجتنبتها     وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا

    ما رأيك في إناء تشترك في غسله أيادٍ كثيرة من أيدي الأصدقاء والأعداء، لا بد أن يتنظف هذا الإناء ولو بعد حين.

    ومن ألوان الخوف: الخوف على المكاسب:

    فهذا موظف كسب في وظيفته مستوى معيناً، أو رتبة معينة، فـتجده لا يحاول أن ينتقل إلى إدارة أخرى، لأنه يخاف على بعض المكاسب التي حصل عليها من إدارته، فيقول أنا أقمت علاقة جيدة مع الرؤساء، فربما لو انتقلت إلى إدارة أخرى قد لا يحصل هذا!

    فهذا قد يقع، لكن -أحياناً- تجد أن هذا الخوف قد يحول بينك وبين عمل أفضل لك.

    كذلك التاجر إذا اقترحت عليه الانتقال إلى عمل تجاري أمثل وأفضل خاف! حتى بائع المسامير في السوق، لو تأتي وتقول له: يا فلان أنت تتاجر بالمسامير! الناس الآن بنت الدور وملكت القصور، وأنت رجل عندك عقل وتفكير وكذا... فيتصور هذا الإنسان أنه لو ترك بيع المسامير أنه سوف يموت هو وأولاده جوعاً، لأنه حصل على كسب بسيط، وهو يخاف على هذا المكسب أن يضيع!

    مثله داعية قام بعمل طيب لكن هذا العمل محدود، مثلاً أقام مكتبة، ونشط في هذه المكتبة، وهدى الله على يديه أفراداً من الحي، فتقول له: يا أخي أنت ليس من حقك أن يهدي الله على يديك خمسة أو عشرة، أنت من حقك أن تخاطب بلداً أو أمة بأكملها، قال لك: نعم، لكن عندي هؤلاء العشرة، وهؤلاء أخاف عليهم أن يضيعوا، ليس لهم أحد غيري.

    فالخوف على هذا المكسب تسبب في أنه يفوت على نفسه خيراً أكبر وأعظم، قد يكون هو قدره، قد يكون هؤلاء الأفراد هم الحجم المناسب لإمكانياته، لكن أحياناً قد تجد الإنسان يمتلك مواهب أكبر وأوسع وأكثر وقدرات وإمكانيات قد أهدرها وضيعها، لأنه ارتبط بهذا الواقع أو هذا الوضع، فصار يخشى على هذا المكسب، وهو مكسب حقيقي ولكنه محدود.

    فهذا يمكن أن يقوم به إنسان آخر أقل منه موهبة، فخسرنا بذلك وخسر هو أموراً أكبر لماذا؟ لأنه دائماً يمد يداً قصيرة، وهو يحامي دون هذه المكاسب ويخاف عليها، ولذلك كلما قيل له تعال إلى هذا الميدان، قال: لا، أنا أخاف على فوات بعض ما كسبت.

    فلا بد من كبر الهمة وعلوها وحسن الظن بالله تعالى، والعوام يقولون في أمثلتهم: قل خيراً يقله الله عز وجل، ونحن لا نقول هكذا، لكن نقول كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي وهو صحيح: {أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء} فَظُنَّ بالله خيراً.

    واعتقد أن الله سفتح لك أبواب الخير، متى ما كبرُت همتك، واتسع نطاق تفكيرك، وانتقل من مكسب إلى مكسب، ومن نصر إلى نصر أكبر منه، ولا تقف عند حد معين وتقول: هذا يكفيني.

    1.   

    حيلة طلب الكمال مع عدم السعي في تحصيله

    من الحيل النفسية: طلب الكمال مع عدم السعي في تحصيله، فتجد الإنسان أحياناً يفترض هدفاً عظيماً وكبيراً جداً لا يستطيعه ولا يسعى إليه، وإنما يستحسر في نفسه ويدع العمل، وخذ بعض الأمثلة:-

    فمثلاً: يفترض المسلم اليوم وجود دولة إسلامية نظيفة ناضجة كاملة على الكتاب والسنة، يؤمر فيها بالمعروف، وينهى فيها عن المنكر، وتقام الحدود، ويمنع الربا ولا يوجد فيها منكر ولا معصية، ويدعى فيها إلى السنة، فيفترض دولة إسلامية كاملة من كل الجوانب، ثم ينظر إلى واقع العالم كله اليوم، فيجد أن هذا الأمر بعيد المنال، ثم يصبح عنده فيصبح عنده حيئذ نوع من الإستحسار ويترك العمل.

    مثال آخر: إنسان بدأ في طلب العلم، فأحياناً تبرز إلى ذهنه صورة عالم فقيه مفتٍ لا يسأل عن مسألة إلا أجاب فيها بالدليل والتعليل والتفصيل، وأحياناً تبرز إلى ذهنه صورة ذلك الأديب الشاعر اللغوي المتكلم، وأحياناً تبرز إلى ذهنه صورة ذلك الخطيب المتكلم الذي يهز أعواد المنابر، فتجد هذا الإنسان مشتتاً، يتصور أنه يمكن لأن يكون كل واحد من هؤلاء يتصور نفسه خطيباً وداعية وعالماً وشاعراً، فيتصور أن هذا الأمر بعيد المنال، فيستحسر ويدع طلب العلم، لأن هذه الصورة التي رسمها هي صورة مثالية خيالية كمالية، قد لا يصل إليها أحد وقد لا تكون واقعة أصلاً أو ممكنة.

    مثال ثالث: إنسان يتصور أنه مطالب بتربية الشعوب كلها على الإسلام قبل أن يتحقق للإسلام نصر، فيقول: متى نربي الشعوب كلها على الإسلام؟ الواحد منا يجلس -أحياناً - سنوات يربي شخصاً على الإسلام أو أشخاصاً، وقد لا يتم له ما أراد فكيف تربى شعوب بأكملها؟ فيظن أن هذا أمر محال فيستحسر ويدع العمل، وينسى أنه ليس بالضرورة أن تكون تربية الشعوب كلها على المنهج الكامل أصولاً وفروعاً، واعتقاداً وسلوكاً، وعملاً، وعبادة في جميع الجوانب، هذه سنة الله في البشر أن فيهم وفيهم.

    والرسول صلى الله عليه وسلم كما تعلم لما جاء إلى صلح الحديبية كان معه ألف وأربعمائة رجل، وفي فتح مكة زاد العدد.

    فلم يُكَلّم أحداً بعد الصلح يعقل إلا أسلم، وبعده في حنين خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف مقاتل، وهؤلاء خلال فترة محدودة جداً-أقل من سنتين- بطبيعة الحال لم يتلقوا من التربية قدراً كبيراً، ولهذا لما مروا على قوم ينوطون أسلحتهم على شجرة، قالوا: {يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال: إنها السنن قلتم: والذي نفسي بيده لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}.

    ثم صلى بهم عليه الصلاة السلام على إثر سماء كانت من الليل، فقال: {هل تدرون ماذا قال ربكم؟! قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر.. إلى آخر الحديث} المهم أنها تربية عامة، تربية جماهيرية على قدر معقول من الدين، وعلى قدر معين، ولا يلزم أن يكونوا كلهم في الدرجة العليا من الفهم والوعي والعلم والإدراك بل قد علم كل أناس مشربهم، وكل إنسان له سقف، وله مستوى يكفي أن يصل إليه.

    مثلاً - عندما يتكلم إنسان أو يلقي محاضرة ويفترض في نفسه أن يحضر له جماهير غفيرة! فإذا جاء إلى المسجد وقد تعب، وأعد وجد أن الحضور صف أو صفان، أصيب بإحباط ونكسة، وتصور أن هذا العمل خطأ، فلماذا تفترض كمال العمل من البداية؟ لماذا لا تعود الناس القوة والجودة في الإعداد والتجديد والبذل؟ وسيتكاثر حولك الناس حتى ينتفعوا بك ويستفيدوا من علمك.

    ومثل ذلك أو قريباً منه قضية ترك العمل بحجة عدم صلاح النية، فتجد أحدهم يترك الأعمال، ويقول: أخاف من الرياء، وليس الحل هو ترك العمل؛ بل استمر في العمل، وجاهد نفسك على ترك الرياء، وصحح النية، وادع الله عز وجل، وقل كما علم الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر {اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه} واستمر على العمل ولا يكن هذا سبباً في ترك العمل خشية فساد النية.

    من أسباب حسن العمل وجود الهدف المعقول

    وإن وجود هدف معقول هو من أسباب حسن العمل، فأنت -مثلاً- تنشر العلم وليس بشرط إن كنت مدرساً أن تكون عالما فحلاً يشار إليه بالبنان، ولكن لو كان عندك معرفة بمتن من المتون، فمن الممكن أن تدرسه للناس بقدر طاقتك، وتحفيظ القرآن لا يشترط أن تجلس لتحفيظ القرآن أن تكون حافظاً للقرآن بالقراءت السبع، والوجوه وغير ذلك، بل لو كان عندك قدرة على الحفظ ووتحفظ طلابك في آن واحد.

    فإذا لم يوجد غيرك ممن هو أفضل منك، فلا بأس من ذلك، وهكذا الخطابة، ليس شرطاً أن تكون سحبان بن وائل أو خطيباً يهز أعواد المنابر ويحرك عواطف الجماهير من أول وهلة، المهم أن يكون عندك قدرة على أدنى حد معقول من الخطابة، لتستفيد من هذا، وتتدرب وتترقى في مراقي ومعارج الكمال شيئاً فشيئاً.

    ولا بد أن تدرك أن الأمور نسبية، وأننا نحن الآن في زمن الغربة، وهذا آخر الزمان، وأنت لست الآن في القرون الفاضلة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كثرت الفتن، وكثرت الشهوات، وكثرت الصوارف لك أنت ولغيرك من الناس عن الخير، فينبغي أن تضع ذلك كله في اعتبارك.

    لابد مع قبول المكاسب الجزئية المطالبة بما هو أكبر منها

    إذن لا بد من الإيمان والقبول بالمكاسب الجزئية، والمطالبة بما هو أكبر منها كما سبق، فليست الأمور كلها (100%) أو صفراً فتطلب دائماً الطفرات، أو تفسر المكاسب تفسيراً غير دقيق بناء على أن المقصود منها المجاملة أو الاحتواء أو غير ذلك، وأضرب لك مثالاً يوضح لك ما قصدت:

    أنت تطلب الكمال، فوجدت -مثلاً- في أسواقنا وفي كل مكان أن الأسواق ممتلئة بأماكن الخياطة النسائية، والخياطون رجال، وهذه الصورة في الواقع صورة شاذة؛ لأنه رجل تقف أمامه امرأة لمدة نصف ساعة أو ساعة أو ساعتين أحياناً ويرى بعض مفاتنها، وتتحدث معه، وقد تضحك معه وقد تتصل معه بالهاتف إلى آخره، فهذه الصورة صورة شاذة، ولكنها أصبحت مألوفة في المجتمع؛ لأنها موجودة، فبعد فترة نجد أنه وجد في المجتمع أماكن خياطة نسائية للنساء، -يعني: الخياطات نساء-.

    ووجدت أن كثيراً من الناس يقول لك: هذه أماكن الخياطة النسائية غير مريحة وهي مشبوهة، وأنا لست أزكيها ولا أدري عنها شيئاً، لكني أقول: على كل حال هي أفضل إجمالاً من أماكن الخياطة الرجالية؛ لأن الأصل أن المرأة، تتعامل مع امرأة مثلها، وينبغي أن تضبط ويحافظ عليها أو تراقب بالوسائل الممكنة، لكن لا ينبغي أن تحارب بحجة أنه يتسنى للمرأة أن تتصل بها وتفسدها أكثر مما يتسنى للرجل، لأن الأصل أن تتعامل المرأة مع امرأة.

    مثلاً المضيفات: تعرف أن المضيفات في الخطوط هنا قد ألزمن بالحجاب، ومثلهن الممرضات في بعض المستشفيات، فهذا مكسب، وهو مكسب جزئي ولا شك أنه ليس كل ما ننادي به، ولا كل ما نطالب به، لكن احسب أنه واحد من ألف أو عشرة آلاف مما هو مطلوب، وينبغي أن نسعى إلى تحصيله، فأنت تنظر حينئذ على أنه مكسب تفرح به وتطلب المزيد، فلا تتوقف؛ لأنه حصل لك ما تريد، فهذا شيء مما تريد، وهو ليس جديداً لأنه هو الأصل.

    وكان يفترض ألا يوجد الخطأ حتى يحتاج إلى تصحيح، فكان يفترض ألا يوجد في المجتمع إلا المتدينات المحجبات، والمتسترات البعيدات عن أي لون من ألوا ن التبرج، لكن إذا وجد هذا المنكر، فالسعي في إزالته واجب، والفرح بزوال المنكر أو بعضه هو أمر فطري، لا يملك الإنسان حياله إلا أن يفرح.

    مثله -أيضاً- البنوك الإسلامية الأصل ألا يوجد في أي مجتمع مسلم إلا بنك إسلامي على وفق الشريعة، وهذا ممكن، وليس أمراً مستحيلاً، وتهويل هذا الأمر هو من الحيل النفسية، فمن الممكن أن تكون كل بنوكنا إسلامية، وكل معاملاتنا إسلامية، ولا يشترط أن تكون كذلك بين يوم وليلة، بل نعطي الفرصة لترتيب هذا الأمر، والمقصود أنه عندما تفتح المجالات لإقامة بنوك إسلامية، فهذا مكسب جزئي أفرح به باعتبار أنه خطوة، لا باعتبار أنه المطلب النهائي، فوجود بنك إسلامي يجعل من يريد الحلال يجده، فلا يتجه إلى البنك الربوي إلا من أصروا عليه، كما أن هذه البنوك الإسلامية بإذن الله تعالى سوف تقاوم وتنافس البنوك الربوية، خاصة مع ازدياد الوعي الديني عند الناس، ثم إنها مع الوقت سوف تثبت إذا نجحت، وهي ستنجح بإذن الله، إذا وجد الغيورون وراءها فسوف تثبت أن وجود اقتصاد إسلامي نظيف أمر، ممكن ولا حجة لأحد في تركه.

    إذن من الممكن أن أقبل بالمكاسب الجزئية وأطالب بالمزيد، وليس شرطاً ألا أقبل إلا الشيء الكامل مائة بالمائة، أو أتصور كما قلت دولة إسلامية كاملة، أو أتصور علماً غزيراً، أو شعوباً كاملة تربت على الإسلام، أو غير ذلك.

    من صور هذه الحيلة انتقاص جهود الآخرين

    ومن صور تطلب الكمال مع عدم السعي في تحصيله أنك تجد الإنسان ينتقص الآخرين أحياناً أو يعكر على جهودهم، فمثلاً قيام دعوة إسلامية وانتشار الشريط الإسلامي؛ هذه ظاهرة إيجابية بكل المقاييس ولا شك في أن هذه، ظاهرة إيجابية، وإن كانت هذه الظاهرة بلا شك عليها سلبيات، فتجد إنساناً يقول لك: هذه الأشرطة في الواقع طيبة، ولكن يغلب عليها طابع سياسي، ودائماً تتكلم في موضوعات سياسية، وفي أحوال المسلمين، وغير ذلك.

    وأنا قد أتحدث عن نفسي في هذا الجانب- وإن لم يكن هذا من الموضوع لكن الدفاع عن النفس مشروع، ومن حق الإنسان أن يدافع عن نفسه- فأنا أقول -مثلاً- حين تقول هذه الكلام: لماذا تغفل أكثر من مائة وثلاثين درساً في شرح بلوغ المرام؟ ولماذا تغفل عن أكثر من ثلاثمائة درس، بل ضعف هذا العدد في شرح البخاري ومسلم؟ ولماذا تغفل أحياناً عن أشرطة تصل إلى مائة في الدعوة والتربية والإصلاح، وبالجملة فإن الأشرطة التي تعالج موضوعات سياسية لا تتجاوز (10%) لكن من طبيعة الناس أنهم يتابعونها، ويسمعونها ويهتمون بها، فيتصورون أن فلاناً لا يقول إلا هذا الكلام، ولا يعرفونه إلا من خلال هذه الأشرطة.

    على كل حال دعك من هذا الأمر، ولنفترض أن هذا الأمر نقص عندي أو عند زيد، أو عبيد من الناس: فإنسان فتح له باب من الخير، أو بورك له في شيء، ونفع الله به في هذا الجانب، لماذا لا تكمل أنت الجانب الآخر؟ ولماذا تفترض الكمال؟ وأن فلاناً إن تكلم فلا بد أن يتكلم في كل شيء، يمكن أن يكون الإنسان فقيهاً ولا يحسن التفسير، وآخر مفسر ولا يحسن في الحديث، وثالث محدث ولا يستطيع الخطابة، ورابع خطيب ولكن ليس عنده علم، وخامس يستطيع أن يقرر أمور العقيدة لكن لا يستطيع أن يقرر أمور الأحكام، وهذا من عمر الدنيا وهو موجود وقائم، فإذا وجد نقص عند فلان أو علان من الناس -وهو موجود بطبيعة الحال- فلماذا أنت لا تكمل هذا النقص الموجود عندهم، وتعتبر أنك أنت والثاني والثالث والرابع في مجموعكم يمكن أن يشكل منهجاً صحيحاً للناس؟ أما تصور أن فلاناً بذاته وبما يطرحه هو منهج متكامل فهذا مطالبة بما لايطاق ولا يمكن.

    مثال آخر من انتقاص الآخرين: تتحدث عن المسلمين في يوغسلافيا وضرورة دعمهم، أو المسلمين في روسيا، ويأتيك إنسان ويقول لك: يا أخي هؤلاء عندهم معاصي ويشربون الخمور، وبعضهم لا يصلي، والنساء متبرجات.. إلى آخره.

    فنقول: هذا الأمر جزء كبير منه موجود بسبب أن هذه البلاد ظلت زماناً طويلاً تحت تسلط الشيوعية، وتحت تسلط الكفر، وحيل بينهم وبين المسلمين، فلا تعليم ولا دعوة ولا إصلاح، ومن الطبيعي أن إنساناً يعيش في مثل هذه الأماكن أن تكون هذه هي النتيجة، لكن لديهم من الرغبة في العلم الشيء الكبير، حتى إن بعض الإخوة الذين ذهبوا إليهم يقولون: إذا رأونا جلسوا بين أيدينا لا يعرفون لغتنا، فلا يملكون إلا البكاء والدموع، واستعدادهم للتعلم عجيب، وليس لديهم أي لون من ألوان التعصب، والله تعالى أعلم.

    فلديهم استعداد للتعلم، فلماذا بدلاً من أن تكون القضية قضية تنقص لهؤلاء وأن فيهم وفيهم، فبدلاً من هذه الحيلة النفسية التي نقنع بها أنفسنا ألا نعمل ولا نساعد، لماذا لا نقوم نحن بدعمهم؟ ومن دعمهم تعليمهم دين الله عز وجل، وأمرهم بالمعروف بالحسنى، ونهيهم عن المنكر بالحسنى، والتسلل إلى قلوبهم ومساعدتهم مادياً وإنسانياً وإغاثتهم، ومساعدتهم بالسلاح أيضاً والوقوف معهم بالنفس والمال حتى نستطيع أن نخرجهم من محنتهم، وأن نجعلهم مسلمين أقوياء صالحين.

    فهذه حيلة نفسية أنك تنتقص هذا الإنسان أو تنتقص هذا الجهد، أو تنتقص هذا الطريق، أو تنتقص هذا المنهج لتبرر لنفسك ترك العمل، وبشكل عام لا نعذرك أبداً أن تنظر إلى الجانب السلبي وتترك الجانب الآخر.

    وأضرب لك مثلاً بسيطاً وبعيداً عن الموضوع، لكن من أجل أن تدرك: إنسان خرج من صلاة الفجر، فلما خرج مر، فوجد شخصاً آخر قد خرج لتوه من صلاة الفجر، وهو يقلم أشجار الحديقة أو المنـزل، فقال هذا الإنسان: فلان مسكين ما وجد شيئاً يشغل وقته إلا أن يقلم الأشجار!

    لماذا لا يذهب ليقرأ القرآن في المسجد؟ نقول: قراءة القرآن أفضل من تقليم الأشجار، ولا شك في هذا، لكن تقليم الأشجار عندنا أفضل من النوم، وأنت ذاهب للفراش، فلماذا تنتقد ذلك الشخص؟ فلا بأس أن توجهه، لكن أيضاً لا بد أن توجه نفسك وتنتبه إلى أنك ذاهب إلى عمل أقل قدراً حتى من تقليم الأشجار الذي تنتقد به صاحبنا.

    1.   

    حيلة القناعة الزائدة

    ومن الحيل النفسية القناعة الزائدة:وهي شعور الإنسان أنه كامل وأن هذا العمل الذي يقوم به عمل كامل، وأنه لا مزيد عليه بحال من الأحول، وأن كل الإمكانيات الموجودة لديه قد صرفها في سبيل العلم، أو الدعوة، أو الجهاد، أو الأمر والنهي، ولهذا لا يطلب ولا يسعى إلى الكمال.

    وعلى سبيل المثال -من أوضح الأمثلة- أحوال الدول والجماعات،تجد أن هذه الدولة أو تلك ترى أنها قد بلغت الكمال في اقتصادها وإعلامها وسياساتها وجيشها وأمنها وغير ذلك، ولهذا لا تقوم بأي لون من ألوان الإصلاح،لماذا؟ لأنها ترى الكمال وأن الإصلاح يعني وجود نقص سابق، وبذلك يتبين لك خيانة الإعلام الرسمي المضلل في كثير من الأحيان الذي لا يذكر إلا الصورة الإيجابية ويتجاهل السلبيات، وهو بذلك يخالف أولاً:

    المنهج الشرعي القائم على النقد والنصيحة، وفي حديث أبي رقية تميم الداري في صحيح مسلم: {الدين النصيحة}.

    وهو أيضاً مخالف للمنهج الغربي -مع الأسف- الذي يقلده العرب والمسلمون اليوم، فإن النهج الغربي قائم على حرية النقد للأفراد والدول والأحزاب والمؤسسات، وبالتالي فإن الإعلام لا يصلح إلا في جو من الحرية الشرعية التي تجعله يقوم بدوره ليس فقط في الثناء على المكاسب والمبالغة في ذلك، بل في نقد الواقع وتصحيحه وحث الناس وحفز الهمم إلى التغيير نحو الأفضل،وينبغي أن ندرك ذلك ونعيه.

    كان عمر رضي الله عنه يقول: [[أشكو إلى الله عجز التقي وجور الفاجر]] فلاحظ أن التقي الآن قد وصل إلى درجة معينة فلا يطلب المزيد، أما الفاجر فتجده يطالب، الداعية تجده يتحرك على استحياء يتسلل، يأتي -كما يقال- من أبواب الخدم.

    والمطلوب: أن الإسلام يدخل من أبواب الملوك لا من أبواب السوقة، أما الخصم العدو والمحارب للإسلام فإنك تجده يصيح دائماً وأبداً، وينادي بالويل والثبور، ويتبجح مع أنه هو الغالب.

    مثلاً: المرأة في التلفاز: أول ما ظهرت المرأة في التلفاز كان لا يظهر منها إلا اليد فقط أثناء عملية إعداد الطبخ، ثم ظهر حزء من البدن، ثم ظهرت محجبة ثم ظهر الوجه، ثم ظهر الشعر، ثم بدأ الثوب ينحسر، حتى أصبحت ترى المرأة في التلفاز يظهر منها إلى ما فوق نصف الفخذ، وبأبهى زينة.

    وقد يحصل بعض الأحيان ما هو أدهى من ذلك، فتجد أن بعض الفاسقين يقول: إن الإعلام لا يزال محافظاً، وأنه ينبغي تحرير الإعلام وينبغي وينبغي…!!

    لكن الأخيار حين يطالب الواحد منهم بتصحيح وضع، أو يرسل ملاحظة على برنامج فإنه يرسل على استحياء،وإذا حصل أدنى استجابة تجده وكأنه حصل على كل ما يريد، وكأنه قد حقق كل شيء.

    فإذاً كان الداعية خاصة في مجال الدعوة -ومع الأسف- قد يكون هو مسئول الدعوة، أو مدير مركز من المراكز، وتجد أنه لا يأخذ صلاحياته، ولا يقوم بأعماله، وإنما يمد يداً قصيرة ويرى أنه قد قام بكل شيء وأنه لا مزيد على ما قد قام به.

    لكن تجد أن أندية رياضية -فضلاً عن المراكزالصيفية- كما هو الحاصل الآن -مثلاً- تجد أحياناً نوادي رياضية أو جهات ليس لها علاقة بالدعوة تجد أنها؛ تنشط في مجال الدروس والمحاضرات وتحطم بعض الحواجز، وبعض الموانع، وبعض السدود، فتمارس عملها بكل قوة وشجاعة وجرأة -مع الأسف- يفقدها حتى بعض المنتسبين إلى مؤسسات دينية رسمية، وأحياناً يشعر الإنسان -داعية أو موظفاً متديناً- بالتهمة التي تقال عنه، ويتقبل هذه التهمة، فتجد أنه يدافع عن نفسه ويتحرك على ضوئها، ولهذا لا يقوم بالأعمال قياماً صحيحاً، بل يقنع قناعة زائفة بأدنى نجاح يتحقق له!!

    1.   

    حيلة تحميل الآخرين المسئولية

    ومن الحيل النفسية: تحميل الآخرين المسئولية، أنت بريء والمسئولون هم الآخرون، وأحياناً المسئول هو الشيطان، فتجد الإنسان يلقي باللائمة على الشيطان، وأحياناً يحتج الإنسان بالقدر، وأحياناً بالعدو أو الاستعمار والصهيونية أو الغرب أو غيرهم.

    وأحياناً الحكام هم المسئولون عن كل شيء في نظر البعض، -وأحياناً -العلماء إذا صلحوا صلح الناس، -وأحياناً- وهذا شيء مضحك- الناس؛ فمن هم الناس، إلا أنا وأنت؟! تجد كثيراً من الأدباء يؤلف كتباً، ويعمل فصولاً في هجاء الناس: ما لقي الناس من الناس، والناس كذا، فمن هم الناس إلا أنا وأنت، والمؤلف معهم؟! فهو عندما يهجو الناس يهجو نفسه.

    ونحن نقول: الشيطان موجود وله دور، والقدر حق، ولا شك فيه، والعدو يخطط، والحكام عليهم مسئولية كبيرة أكبر من غيرهم، والعلماء كذلك، لكن لا يعني هذا وأبداً أنك أنت بشخصك وبذاتك وعينك ونفسك أنك خارج المسئولية، وبعضهم يقول: كل المشاكل التي نعانيها الآن هي من صنع الجيل السابق، وسوف يقوم بحلها الجيل اللاحق ونحن خارج الدائرة لا صنعنا المشاكل ولا شاركنا في حلها! فهذا لا يجوز بحال.

    انتظار المفاجآت

    وبعض الإخوة من تحميلهم المسئولية على الآخرين تجد أنهم ينتظرون المفاجآت، إما مفاجآت ربانية، أي: خوارق أو معجزات أو آيات، كما ما ينتظر بعضهم المهدي أو عيسى، ونحن نؤمن بالمهدي أنه يأتي في آخر الزمان، ونؤمن بعيسى أنه ينـزل في آخر الزمان، وهذا فيه نصوص صريحة، لم نؤمر شرعاً أن ننتظر المهدي ولا عيسى ولا غيرهم، حتى المجدد الذي يبعثه الله على رأس كل مائة سنة، فلم نؤمر بالانتظار، بل أمرنا أن نعمل ما نستطيع ولا نحمل المسئولية الآخرين ولا ننتظر أحداً.

    كذلك بعضهم ينتظرون مفاجآت يصنعها الآخرون، فبعضهم ينتظر مفاجآت يصنعها الكفار؛ وهو أن الكفار -مثلاً- سوف يعلنونها حرباً ضروساً على المسلمين حرباً صليبية، تستثير همم المسلمين العاديين، وتدفعهم إلى القوة وإلى المشاركة، وهذا ليس بلازم، بل ينبغي أن نقوم نحن بالعمل ولا ننتظر عدونا.

    التلاوم

    ومن تحميل المسئولية الآخرين: التلاوم، والتلاوم مبناه سوء الظن بالناس، فأنت تسيء الظن بالناس فتلومهم، فالقائد مثلاً يلوم المقود ويقول:

    ولو أن قومي أنطقتني رماحهم     نطقت ولكن الرماح أجرت

    وكما يقول بعضهم -هذا مثل عام- يقول الناس حزمة سلوخ، يعني لو شددتها بالحبل تشتت وتفرقت، إذن لا أهتم بالناس ولا أكترث بهم، أيضاً وقد يقول القائد كما قال الأول:

    أضاعوني وأي فتى أضاعوا     ليوم كريهة وسداد ثغر

    أما جمهور الناس المقودين فيقول قائلهم:

    تاه الدليل فلا تعجب إذا تاهوا     أو ضيع الركب أشباح وأشباه

    تاه الدليل فلا تعجب إذا انحرفوا     عن الصراط للات الشرك عزاه

    تاه الدليل فلا تعجب إذا تركوا      قصد السبيل وحادوا عن سجاياه

    فهذا يلوم هذا، وهذا يلوم هذا، والواقع أنه في غياب القائد يجب أن نكون كلنا قواداً، وفي معركة مؤتة لما قتل القواد الذين حددهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكاد المسلمون أن يقتلوا قام رجل محتسب ثابت بن أقرم العجلاني وحمل الراية، وقال: أيها المسلمون إلي إلي!! فهي مبادرة شجاعة حتى تجمع الناس، وقال: اختاروا من بينكم، قالوا: أنت، قال: لا لست أنا لها بأهل، فاختاروا خالداً فسلمه الراية.

    تجد أن البعض يقول: الناس ليس عندهم اليوم استعداد للتضحية، والناس لا يفعلون شيئاً، والناس لا يقدرون الجهود، يا أخي الآن الكفار يفعلون الكثير! والكفار يقدرون الجهود! والكفار مستعدون أن يضحوا من أجل دينهم الباطل كما رأيت الصرب الآن! وكما رأيت من قبل الروس كيف قاوموا الانقلاب الشيوعي الفاسد، وكما رأيت أمم الكفر! قامت وواجهت القوة بأجساد عارية، وبسواعد لا تملك شيئاً، ومع ذلك حققوا انتصاراً، فهل تظن أن المسلمين -وهم حسب الإحصائيات الرسمية ألف مليون- عاجزون عن أن يدافعوا عن دينهم؟! بلى والله إنهم لقادرون! لكن لو أفلح الدعاة في تحريك مشاعرهم ومخاطبتهم ودعوتهم إلى الميدان، وإقناعهم بضرورة المشاركة بكل صورها وألوانها.

    اعتقاد أن الساحة ملأى

    ومن ألوان تحميل الآخرين المسئولية: اعتقادك أن الساحة ملأى، وأنه لم يعد هناك مجال! والحمد لله أن الخير كثير والأصوات كثيرة، والعلماء كثيرون، وليس هناك مجال لك، وهذا خطأ، فالله عز وجل يقول: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ [النساء:84] وأنت إذا اعتذرت عن أعمال الخير الآن بحجة أن الساحة مليئة، فأخشى أن تعتذر يوم القيامة عن دخول الجنة، كما في الحديث الصحيح: {إن الله عز وجل قال لرجل: اذهب فادخل الجنة، فذهب فلما اقترب منها وجد أنها ملأى -خيل إليه- فقال: يا رب إني وجدتها ملأى! فقال له الله عز وجل: اذهب فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها} فهذا من آخر من يدخل الجنة، فربما تتأخر منـزلتك في الجنة بسبب تأخرك عن العمل الصالح الآن بحجة أن الساحة ملأى، وأن الأخيار كثيرون!

    أما الشرع فهو في هذا واضح، فلم يعطك الشرع حجة، ولا ترك لك مجالاً للاعتذار بأن هناك كفاية في عدد الدعاة أو الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أو المصلحين أو المجاهدين أو الباذلين في سبيل الله، أو بأي لون من ألوان الخير، مثلاً: يقول ربنا جل وعلا: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ [الأنعام:165] كلكم بشر كلكم خلائف في الأرض، وكلكم مبتلون بما أعطاكم الله تعالى، سواءً كان علماً أم جاهاً أم مالاً أم شجاعة أم رياسة أم إدارة أم خط رسم أم خطابة أم بلاغة، أم منـزلة، أم أي لون من ألوان المواهب والعطايا ابتليت بها، يقول تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً [الإسراء:13] إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته} وهو في الصحيحين، وفي الحديث الآخر وهو عند الترمذي وهو صحيح: {لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن، عمره، وعن شبابه، وعن ماله، وعن علمه ماذا عمل به}.

    كذلك قول الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] فبعض الإخوة يفرح مما يفهمه من الآية، لكن يا أخي هذه حجة عليك، لماذا أنت تفهم من الآية الإعفاء، ولم تفهم من الآية المسؤولية؟ فالله تعالى كلفك وسعك، ولم يكلفك ما هو فوق وسعك، فالبعض إذا احتج على ترك العمل، قال: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يدري أن هذا دليل على أن الله قد كلفك وسعك وطاقتك، فنحتج عليك به على أنك مسئول قبل أن تحتج به على أنك غير مسئول وعلى أنك غير مكلف.

    ومثله أن بعض الإخوة يقول: يا أخي من الورع أن أترك هذا، فيرى أن الورع في ترك الشيء، ولا يذكرون أن الورع - أحياناً- في فعل الشيء، نعم من الورع ترك المكروه، وترك الذي يشتبه بالمكروه، أو يشتبه أنه من الحرام، وهذا كله من الورع، لكن أيضاً ألست تعرف أن من الورع أن تفعل ما يشتبه أن يكون واجباً، أو يشتبه أن يكون مستحباً عليك؟ فالشبيه بالمستحب أو الواجب من الورع يجب عليك أن تفعله، لكن تجدنا دائماً نحب ترك العمل!

    ولهذا فالورع الذي فيه ترك يمكن أن نتركه، لكن الورع الذي فيه فعل نتأخر عن فعله؛ لأننا دائماً وأبداً نتأخر إلى الوراء، ولا نرغب في أن نقوم بعمل، فهذا هو العجز كما ذكرته قبل قليل.

    تجدنا نقرأ هذه الآية: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وننسى أن معنى الآية أن الله تعالى قد كلفنا تكليفاً شرعياً أن نعمل بكل وسعنا.

    بقى لنا في موضوع الحيل النفسية موضوع التسويف وموضوع اليأس، وموضوع تعظيم الأمر أو تهوينه، وأتركها لأن الوقت ضاق.

    وأسأل الله تعالى أن يجعل ما قلته سبباً إلى أن نقوم جميعاً بما أوجب الله تعالى علينا من الأقوال والأفعال، ونجاهد في سبيل الله كما أمر الله، وأسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق.

    1.   

    الأسئلة

    ضرورة اختلاط الدعاة بالناس

    السؤال يقول: لاحظنا على إخواننا الدعاة الاحتكاك الضعيف بالعامة من الناس حتى من طلبة العلم؟

    الجواب: ينبغي على الدعاة أن يختلطوا بالناس في مجالسهم ومجامعهم، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: {المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على، أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم}.

    الأصل في الوسائل الإباحة

    السؤال: أنا شاب أبذل جهدي في الدعوة إلى الله، وأحياناً أشارك مع إخواني بالدعوة في المراكز وغيرها، ولكن سمعت من أحدهم أن عملنا هذا بدعة، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: ليست الدعوة إلى الله بدعة، والوسائل الأصل فيها الإباحة؛ فكل وسيلة إذا كانت مباحة في الأصل جاز استخدامها في الدعوة، ومن العجيب أن يتصور البعض أن الوسيلة يجوز أن تستخدم في الأمور العادية، ولا يجوز أن تستخدم في الأمور الشرعية، ومعنى ذلك أن العمل يكون حلالاً، فإذا أصلحت النية أصبح حراماً، وهذا من الغرائب والعجائب!

    الإصلاح في المؤسسات

    السؤال يقول: أنا صاحب مستشفى كبير بـالطائف، والمستشفى يعاني مما تعاني منه معظم المستشفيات من الاختلاط ووجود التلفاز بكل غرفة.. وغير ذلك، فبماذا تنصحني بارك الله فيك؟

    الجواب: أنصحك أن تحرص على الاتصال بأطباء متخصصين، وتستعملهم في هذا المستشفى، وتسعى إلى إصلاح الأوضاع في المستشفى بقدر ما تستطيع شيئاً فشيئاً، ومن الممكن أن تجعل مكتباً أو مجلس إدارة هو المسئول عن كل القضايا في هذا المستشفى، ويكون له صلاحيات قوية، يتحمل المسئولية أمام الله، ثم يتحمل المسئولية أمام الناس في ذلك.

    ضرورة التربية

    السؤال يقول: إن الضعف تغلغل في نفوس المسلمين إثر تربية طويلة أورثتهم تواضعاً زائفاً وخوفاً من كل شيء، وبعداً عن الجرأة، ولا يتصور إزالة ذلك من خلال جهود فردية غير متكاملة، ولذلك ما هي المقترحات على مستوى الأفراد والخطباء والدعاة. والمدرسين والموجهين والهيئات العلمية والدعوات الإسلامية في الداخل والخارج؛ لإزالة هذا الأثر الكبير من نفوس الناس؟

    الجواب: أعتقد أن من أهم الأسباب مناقشة الموضوع، لأن اكتشاف الإنسان خللاً في نفسه أو حيلة قد يجعله يتخلص منها، كما أن هذا الأمر الذي حدث نتيجة التربية الطويلة لا بد أن يزول بتربية طويلة أيضاً، فينبغي أن يكون هناك عناية من المربين أساتذة أو خطباء أو دعاة أو موجهين أو علماء، عناية بتربية الناس على الثقة بالله عز وجل ثم بأنفسهم وبإمكانياتهم.

    العمل في الأجهزة الأمنية

    السؤال يقول: ما رأيك في العمل ببعض الأجهزة الأمنية التي قد تضر؟

    الجواب: المهم هل أنت تعمل عملاً يرضي الله تعالى، فتحرص على أن تكون ناصحاً صادق النية حسن القصد، ولا تؤذي أحداً ولا تضر أحداً، أم أنك تستخدم وظيفتك في إيذاء عباد الله والاعتداء عليهم وكشف عوراتهم، وما أشبه ذلك؟ وإنما لكل امرئ ما نوى.

    النزول للميدان

    السؤال: أنا إنسان مبتلى بالعاطفة، وأعمل جاهداً على التخلص منها، لكن هذا الداء يمنعني من النـزول إلى الميدان، خوفاً من تضخم المرض؟

    الجواب: ينبغي أن تنـزل، وليس عدم النـزول، بل العلاج هو أن تنـزل، وتجاهد نفسك من خلال الميدان ولا يغلبك الميدان فتغفل عن مرضك.

    المراكز الصيفية

    السؤال يقول: نرجو توجيه كلمة عن المراكز الصيفية؟

    الجواب: المراكز الصيفية هي أحد أوجه النشاط في هذه البلاد وفي هذه العطل، وأنا أحث الشباب على المشاركة فيها سواء كانوا أساتذة أو مربين أو موجهين أو كانوا طلاباً، وأحث أولياء الأمور على دعوة أبنائهم إلى المشاركة في هذه المراكز لما فيها من خير عميم، والمشاركة فيها جوانب تربوية كثيرة، وتنمية لبعض مواهب الشباب.

    ضرورة التعود على الإمامة

    السؤال: أنا أولى من غيري في إمامة المسجد، ولكن المشكلة تكمن في كوني حينما أقف في المحراب أصاب بزيادة خفقان في القلب، وانهيار في الأعصاب وضعف شديد؟

    الجواب: هذا يمكن أن يزول بالتكرار والتعود، وإذا وجدت أن هذا الأمر استمر معك لسنوات طويلة، فنعم يمكن أن تغير طبيعة العمل الذي تقوم به، وعليك بكثرة الدعاء والاعتماد على الله والتوكل عليه.

    الحث على دروس العلم

    السؤال: يقول: تزخر الطائف في هذه الأيام بالعديد من الدروس العلمية لنخبة من علمائنا الأفاضل، بل ومن هيئة كبار العلماء، فهل من كلمة تحث بها الشباب عامة وطلبة العلم خاصة لاغتنام مثل هذه الدروس؟

    الجواب: نعم، هذه من الفرص التي ينبغي اغتنامها، خاصة المشايخ الذين لا يتواجدون في الطائف إلا في أثناء الإجازة، فينبغي أن يلزمهم الشاب، ويقترب منهم ويستفيد من علمهم، وعليه أن يتذكر الكلام الذي قلته قبل قليل، فبعض الشباب يأتي وهو يتصور أنه من خلال درس أو درسين أنه سيحصل على العلم كله، فإذا جاء مرة أو مرتين لم يواصل، لماذا؟ قال: والله الأمر طويل، ولا يدري أن العلم طويل، وأعطه كلك يعطك بعضه، ولا بد من الصبر والأناة والدأب، وأسأل الله لي ولك التوفيق.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    724001522