اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب النصر للشيخ : سفر الحوالي


أسباب النصر - (للشيخ : سفر الحوالي)
تحدث الشيخ حفظه الله تعالى في درسه هذا عن الأسباب الحقيقية للنصر، مبيناً ضرورة رجوع المسلمين إلى دينهم الذي يعد السبب الرئيسي لتنزّل النصر على الأمة، ثم ذكر بعض الوسائل المعينة على النصر، مبيناً ضرورة العمل على تحقيقها في واقع الأمة، وبذل قصارى الجهد في ذلك، ومن ثم انتظار نصر الله الذي لا يخلف وعده، وذكر الوسائل المُعينة على النصر، وأخذ يوضحها بإسهاب، ثم ضمنها بشعر حول الأوضاع الراهنة من تأليفه.
المستقبل لهذا الدين
الحمد لله الذي كتب العز والنصر والتوفيق لمن أطاعه واتقاه، وكتب الذل والخزي والعار على من خالف أمره وعصاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وكتب الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) وعلى آله وصحبه أجمعين.أما بعد: إن الأحداث التي تعيشها الأمة الإسلامية هي ملء السمع والبصر، وإنها لأحداث ينطبق عليها قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث الصحيح حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها لما ذكرت أنه قام صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فزعاً محمر الوجه من نومه ذات يوم وهو يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه السبابة والوسطى). إنها لفتنة عظيمة، وسوف نبين -إن شاء الله- من خلال هذا الموضوع ما يجب على هذه الأمة حيال أسباب النصر المستنبطة من كتاب ربنا ومن سنة نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي ما من خير إلا وقد دلنا عليه، وما من شر إلا وقد حذرنا منه إلى قيام الساعة، فصلى الله وسلم وبارك عليه، فهو نبي الرحمة ونبي الملحمة، جاء بهذه وهذه، ودلنا على الخير كله، ونهانا عن الشر كله، وما أصابنا من خير فمن الله وباتباع سنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما أصابنا من شر فمن أنفسنا وبمخالفتنا لأمره وسنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.إن النصر للإسلام، وإن المستقبل لهذا الدين بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإن الله قد وعد عباده المؤمنين بالنصر، كما قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52] وقال: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] وقال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41].فالنصر -بإذن الله- والمستقبل للإسلام، وما هذه المحنة إلا حلقة من محن كثيرة ومصائب كبيرة يحفل بها تأريخنا الإسلامي، فأي صفحة من تأريخنا ليس فيها وقائع ومعارك وأعداء يتكالبون؟! أي صفحة من تأريخنا ليس فيها دماء وفتن ومصائب؟! وهذا هو قدر هذه الأمة، وهذا هو ما أراده الله تبارك وتعالى لها، وهذه سنة الله عز وجل فيها، فيبلوها ويبتلي بها. فهذه هي إرادة الله في الدنيا كلها قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج:40]
 الفتوحات التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم
ورد في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة، ونافع بن عتبة رضي الله عنهما في آخره يقول جابر رضي الله عنه: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: {تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله عز وجل، ثم تغزون فارس فيفتحها الله عز وجل، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله} فقال نافع: يا جابر أرى أن الدجال لا يخرج إلا بعد فتح الروم.فالدجال لا يخرج إلا بعد فتح الروم، وهذه الجملة تصدقها أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، من أن المسلمين يفتحون القسطنطينية وهي عاصمة الروم في القديم، وهي أكبر مدينة في الامبراطورية الرومية الشرقية كما كانت تسمى.وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم: {أن المسلمين يفتحونها -ولعله في إحدى المرات- بالتكبير، فيأتون إلى المدينة نصفها في البر ونصفها في البحر، فيقولون: لا إله إلا الله، فيسقط النصف الأول الذي في البحر، ثم يقولون: لا إله إلا الله، فيسقط النصف الآخر الذي في البر}.وهناك أحاديث كثيرة تدل على أن هذه الأمة منصورة وغالبة، ومظفرة، وأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سوف يفتح لها الأرض، وأنه مهما اعتراها من خلل، ومهما دخلها من عوج، ومهما كان فيها من دخن، فإن العاقبة للطائفة المؤمنة المنصورة، وهذه الطائفة موجودة فيها، وستظل ظاهرة وغالبة على الحق، حتى يُظهِر الله عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويضع الجزية، ويقتل الخنزير، وتترك القلائص -وهي الإبل الثمينة- لأن الناس ينصرفون عن الدنيا إلى الجهاد، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ويدعو إلى المال -أي عيسى عليه السلام- حتى لا يجد من يأخذه} وفي هذه الأثناء تكون الطائفة المؤمنة والعصبة المنصورة، في بلاد الشام.فيأتي عيسى عليه السلام إليها، فيقدِّمه الإمام فيأبى إلا أن يصلي وراءه، وفي ذلك يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وإمامكم منكم تكرمةً من الله تعالى لهذه الأمة} فيصلي عيسى عليه السلام، خلف إمام من هذه الأمة ومع هذه العصبة المؤمنة، ويصبح عليه السلام -وهو من أولي العزم من الرسل، وهو الذي تعبده النصارى وتشرك به من دون الله عز وجل- معدوداً ضمن الطائفة المنصورة التي هي من هذه الأمة تكرمةً من الله تعالى لهذه الأمة، لأنه يحكم بشريعتها، ويكون كواحد منها، ويصلي خلف إمامها.فالأحاديث كثيرة، والعبر كثيرة، فما من زحف ابتلى الله تبارك وتعالى به هذه الأمة إلا وَرُدَّ على أعقابه خاسراً حسيراً مقهوراً بإذن الله عز وجل.
وما النصر إلا من عند الله
أما القضية الأخرى فهي أن النصر من عند الله، وهذا -أيضاً- صريح كلام الله وما دلت عليه سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال الله تبارك وتعالى لعبده وصفيه وخليله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125] وقال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران:186] وقال في موضع آخر: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ [آل عمران:120]. سبحان الله! عندما يقترن الصبر والتقوى في مواجهة الأعداء نغلبهم -بإذن الله تبارك وتعالى- كما قال عز وجل: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران:125-126] وقال تعالى في آية الأنفال: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:10] إذاً فالنصر من عند الله، مهما تكالب الأعداء، ومهما كانوا أقوى عدداً أو عدة، فالنصر من عند الله عز وجل يهبه لمن يشاء، وما يهبه إلا لعباده المؤمنين إذا اتقوا وآمنوا وصبروا وتحقق فيهم ما أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالله سبحانه هو الحافظ والناصر. ولهذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، وإذا اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) فالعدة والعدد إنما هي وسائل قد أمر الله تبارك وتعالى بها فقال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60]. وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ألا إن القوة الرمي) والرمي يشمل أي نوع، وما يزال الرمي -إلى اليوم- هو الحاسم في المعارك، ولكن كل هذه العدة والعدد لا تعني أن النصر من عند البشر مهما كان هؤلاء البشر؛ بل هو من عند الله سبحانه، فهو ينصر من يشاء ويؤيد من يشاء.وقد ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الآيات السابقة أنه أيد المؤمنين بالملائكة، ومن نظر إلى الجيش الذي فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤيد بالملائكة، وهم جند الله الذي لا يقهر ولا يغلب، ومع ذلك لم يسمح المؤمنون لأنفسهم وهم يقرءون هذه الآيات أن يعتقدوا أن النصر من عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو أن النصر من عند ملائكة الله؛ لأن الله لا يرضى بذلك.
 تفرد الله تعالى بالتأييد بالنصر
نصت الآيات السابقة على أن النصر من عند الله وحده، وليس من عند رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أكرم الخلق عليه، ولا من عند ملائكته، وهم الذين يدبر الله بهم هذا الوجود، كما قال تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات:1-2] وقال: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات:1] وقال: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً [النازعات:5] وقال: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً [الذاريات:1] كل هذه الصفات ذكرت الملائكة التي يدبر الله تعالى بهم ملكه وأمره، وهم كما قال الله -تبارك وتعالى- فيهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، فهؤلاء هم العباد المكرمون الذين يشفعون عند الله -تبارك وتعالى- لقيمتهم ولمنزلتهم يشفعون، ولكن ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ومع ذلك لا يرضى الله -تبارك وتعالى- أن ينسب النصر إليهم، وإنما النصر من عند الله تبارك وتعالى، فيريد الله عز وجل أن يعلمنا أن النصر من عنده وحده، قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]، فهو إن شاء أرسل ملائكة وإن شاء أرسل ما شاء، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور} فالريح دمر الله تبارك وتعالى بها أعتى أمة ظهرت على هذه الدنيا -عاد إرم ذات العماد- والتي لم يخلق مثلها في البلاد، أهلكهم الله تبارك وتعالى بالريح، ولو جاءهم عدو محسوس يرونه لربما صارعوه وغالبوه، ولكن الريح لا يستطيعون أن يقاوموها أبداً، فأتت عليهم، فدمرت كل شيء بأمر ربها، فأصبحوا كما قال تعالى: لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] وأصبحوا كما ذكر الله تبارك وتعالى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر:20].وكذلك نصر الله تبارك وتعالى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جيش الأحزاب الذي أحاط بـالمدينة النبوية إحاطة السوار بالمعصم، وسلط على هذا الجيش ريح الصبا، فهذا من جند الله تبارك وتعالى. ومن جنود الله تبارك وتعالى الماء، وقد أغرق به قوم نوح الأمة العظيمة الأولى، أول أمة خالفت أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وكذبت أول رسل الله فعذبها الله تبارك وتعالى بالماء والطوفان، وأغرقهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به، فأمر السماء أن تأتيهم بالمطر، قال تعالى: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:12].وقد حدثنا بعض إخواننا الثقات، الذين كانوا مع المجاهدين في أفغانستان ببعض العجائب، أذكر منها ما يتعلق بالغاز السام الذي خفنا من ذكره، قبل أن نراه ولن نراه إن شاء الله قالوا: والله لقد رأيناه ولقد ألقي علينا، وكنا نتضرع ونلجأ إلى الله تبارك وتعالى. قال أحدهم: والله إنه انعقد مثل الغمامة فوق رءوسنا، وجاءت الريح وأخذته وألقته على رءوس الكفار، والحمد لله رب العالمين. ويقول الآخر: أصابنا دوار شديد وتعب شديد، وكنا نظن أننا سنموت، فتضرعنا إلى الله تبارك وتعالى، فأذهب عنا ما بنا بعد يوم أو يومين، وعدنا كما كنا، وقد ظنوا أنه لم يبق منا بشر. فهذه هي أعتى وأقوى دولة في العالم بعد أمريكا، ومع ذلك لم تقف قوتها أمام الريح التي يسوقها الله تبارك وتعالى، قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] فالنصر -إذاً- من عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا ما يجب أن نربي عليه الأمة، فإذا علمناها أن المستقبل لها وأن العاقبة لها، وأن النصر لها، فلتلجأ ولتتضرع إليه، ولتدعوه، ولتطلب منه نصرها، فإننا نكون قد جعلناها في المسار الصحيح.
كيف نحيي الدين في أنفسنا
القضية الثالثة التي أحب أن أتطرق لها، هي: كيف يأخذ المسلمون بأسباب النصر؟ وكيف يرجعون إلى دينهم؟ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر، واشتغلتم بالزرع أو بالضيعة، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه أو لا يضعه حتى ترجعوا إلى دينكم).إذاً: فلا بد أن نفكر كيف نرجع إلى ديننا، وكيف نأخذ بالأسباب التي ننتصر بها على أعدائنا، ومن هذه الأسباب:
 جهاد الطلب
إن واجبنا كما أمر الله تبارك وتعالى ليس فقط جهاد الدفع، بل هو جهاد الطلب، وهو أن يطارد الكفار والمرتدون والمجرمون ويغزون في عقر دارهم؛ لينضموا تحت راية لا إله إلا الله وتحت كلمة الحق، حتى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإذا لم نحرك مشاعر الأمة، ونستحثها بهذه الغاية العظيمة فإننا سنظل مقصرين في هذا الجانب.إن الأمم الكفرية أو المرتدة، أو الضالة خلقت لمتاع الدنيا، فتتنافس في الدنيا، وتجد أن اقتصادها في زينتها وفي زخارفها، أما أمة الإسلام فغرضها وعملها الأساس هو الجهاد، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { وجعل رزقي تحت ظل رمحي } فهذه الأمة يبني أعداؤها ويشيدون ويجمعون ويتحضرون كما يشاءون، ثم يجعلهم الله تبارك وتعالى غنيمة للمسلمين، فمثلاً: الحضارة الرومانية ظلت ألف سنة أو أكثر وهي تبنى فجعلها الله غنيمة للمسلمين، وكذلك الحضارة الفارسية ظلت أكثر من ذلك، فجعلها الله تبارك وتعالى غنيمة للمسلمين.وكذلك جيش فارس، فقد كانت الرتب العسكرية ليست كحال الناس اليوم، يصنعونها من المعادن؛ إنما كانت الرتب العسكرية في جيشهم من اللؤلؤ، وبقدر ثمن اللؤلؤة التي يضعها القائد على التاج -على رأسه- تكون رتبته، فالقادة الكبار مثل ماهان ورستم وجابان، كان ثمن لؤلؤة كل واحد منهم مائة ألف دينار، وثمن لؤلؤة من يليهم عشرة آلاف دينار، فكانت رتبهم بهذا الترف والبطر، ولما جاءهم أمر الله تبارك وتعالى، وجاء جيش التوحيد، أخذوا بتيجانهم وعروشهم. وكانوا كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل} ثم فتحت كنوز كسرى وقيصر وأنفقت على جهاد الصين وجهاد بلاد ما وراء النهر، حتى إن موسكو -التي هي عاصمة روسيا اليوم- ظلت قروناً تدفع الجزية للمسلمين، وهذا من فضل الله -تبارك وتعالى-.وكذلك الروم بنوا في مصر وفلسطين وبلاد الشام الطرق الرومانية الشهيرة، وبنوا المدن والمآثر الرومانية المعروفة في التاريخ مثل مدينة دمشق، وغيرها من المدن العظيمة، فعندما جاء جيش الإيمان والتوحيد ملكوها والحمد لله وملكوا مزارعها، وضربوا عليهم فيها ما أمر الله تبارك وتعالى به من الجزية، أو من الخراج، بحسب الأحكام الشرعية المعروفة، وكانوا لقمة سائغة لهذه الأمة والحمد لله، فبنوا وشادوا وأعدوا، فجعلهم الله تبارك وتعالىغنيمة للمسلمين وأورثهم أرضهم وديارهم.لقد خرجوا من هذه الجزيرة ومن هذه الصحراء التي جعلها الله في كل العصور -ولله الحمد- حصناً منيعاً ترتد عليه رماح المعتدين على أعقابهم خاسرين، خرجوا منها حفاة عراة، وإذا بهم يستوطنون الأندلس، وأواسط آسيا، وشمال الهند التي يقال فيها جنة الدنيا لما فيها من الجمال. فكل ما في هذه الدنيا من خير ونعمة أوتوه -ولله الحمد- بالتقوى وبالإيمان، قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]، فهذا وعد من الله لعباده الصالحين أنه سوف يورثهم الأرض في هذه الدنيا والله على كل شيء قدير.المخاطب -طبعاً- في هذه الأبيات تعرفونه جميعاً أو سوف تعرفونه كما تحدثنا: طلعة المجد في رباك تجول وسنا الحق في ذراك يصول في مدار الأفلاك تعرج والشرق والغرب تهافت وأفول الرسالات من ربوعك قامت ولخير الهداة أنت الرسول عجز الشعر عن ثنائك والدهر إذ الشعر فيك شأن يطول هذه المعجزات أتعبت العدُ وعاد التأريخ وهو ذهول فاسأل الدردنيل واسأل بواتيه وروما فما تراها تقول تلك أطلالهم تماثيل شؤم شاحبات فما تعد الطلول كل عرش في قبضتيك أسير كل كنز إلى يديك يئول فاهطلي أيها السحابة هنداً أو على الصين ليس منك غلول سيفك الحق في الوهاد صريخ ليس في معمع القتال نكول كلما در شارق يتهادى طلب العتب منك مجد أثيل كلما خر كوكب يتهاوى بين جفنيك حلم عز طويل أنت فوق الورى ورأس الذرى وأنت الإصرار والمستحيل تعبد الله وحده وتعالى أذن الحق فاخرسي يا طبول قل لمن أرجفوا مماتك زوراً أو ما يعتري الجواد الذهول أو ما تخفق الشواهب للأرض وإن كان في السماء تجول لا تلمني في ساعة الفر إلا إن تراخى من بعد كر يهول فاعصفي يا رياح بالدرب هولاً أو تأني فعزمتي لا تزول يرعب الراجمات مقلاع طفلي وشراعي يهابه الأسطول عز للسيف نبوة في جهاد سنة للكماة هذا الرسول أنت أنشودة الحياة وملحمة الدهر فماذا عليك إن لم يقولوا أنت إن قمت غير عابئ شيء فالطواغيت كلهن هزيل وإذا الحق سل منك حساماً فالشعارات كلهن قتيل أنجبتك البطحاء وهي ولود وغدتك الشام وهي بتول كلهم سوف يغلبون جميعاً كلهم عن حماك سوف يزول رب فوج يقود للروع فوجاً وخيول تجرهن خيول موكبٍ ترهب المنايا سراه رابط الجأش للدماء نهول هذه الصافنات أورين قدحاً فالنواصي شهيدة والذيول وأدتها رمالنا البيد وأمست نعوشهن التلول كلما أظلمت من الرهج البيد أضاء السماء سيف صقيل وطئت بالسنابك الصم أحلام هولاكو وأودى الصليب والمستطيل أنت أوثقت من جبابرة الكفر قروماً فكلهن ذليل ما عتاب الكريم إن عثر الجد زماناً ولم يجد من يقيل إن تكن غضبة فصفح جميل أو تكن محنة فصبر جميل والحمد لله رب العالمين.
الأسئلة

 حكم القنوت في جميع الصلوات
السؤال: ما حكم القنوت في جميع الصلوات بسبب المحن؟الجواب: القنوت مشروع في النوازل، وقد قنت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أحياء من العرب والقبائل التي كانت قد عصت الله تبارك وتعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآذت المسلمين، وفي هذه الأيام نرى القنوت مستمراً، والحمد لله، قد كنت صليت مع سماحة الوالد الشيخ ابن باز فصلى بنا الإمام صلاة المغرب وقنت، وقنتنا خلفه، فالقنوت مشروع، لكن إذا كان في كل الصلوات، فأنا أخشى أن يدخل السأم على العامة، فعلينا بالتضرع إلى الله، فهو من أرجى ما يكون، فكل منا يتضرع إلى الله تبارك وتعالى في السر والخفاء وفي أوقات الإجابة. وكذلك يشرع القنوت ولكن ربما كان التضرع أرجى، لأن الإنسان يكون صادقاً ومخلصاً أكثر، ويكون في حالة القرب من الله تبارك وتعالى والضراعة إليه، وهو إن أطال في تضرعه ودعائه فهو وحده لا يمل منه أحد ولا يسأم منه أحد، وهذه قضيتنا، فحق لنا والله أن تكون أيدينا مرفوعة وعيوننا باكية في كل لحظة وفي كل حين حتى يدفع الله -تبارك وتعالى- عنا هذا البلاء، وجدير بنا أن نكون كذلك دائماً وفي كل وقت. وجدير بنا أن نذكر إخواننا المسلمين في كل مجلس وما أكثر اللغط، وما أكثر اللهو في المجالس، فيجب علينا أن نذكرهم بالدعاء وبالاستغفار، لأنه من لزم الاستغفار جعل الله تبارك وتعالى له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً. فالأمة -الآن- تعاني من هذا الضيق ومن هذه الأزمات، فلنستغفر الله ولنتب إلى الله تبارك وتعالى كما أمر، وإذا استقمنا على أمر الله يكون الخير كما ذكر الله بقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96] وكما قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة:66].لكن في الجانب الآخر، إذا تركنا الضراعة، والإنابة والاستغفار، فيكون حالنا -عياذاً بالله- كما ضرب الله تبارك وتعالى مثلاً: قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , أسباب النصر للشيخ : سفر الحوالي

http://audio.islamweb.net