إسلام ويب

أسباب النصرللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله تعالى في درسه هذا عن الأسباب الحقيقية للنصر، مبيناً ضرورة رجوع المسلمين إلى دينهم الذي يعد السبب الرئيسي لتنزّل النصر على الأمة، ثم ذكر بعض الوسائل المعينة على النصر، مبيناً ضرورة العمل على تحقيقها في واقع الأمة، وبذل قصارى الجهد في ذلك، ومن ثم انتظار نصر الله الذي لا يخلف وعده، وذكر الوسائل المُعينة على النصر، وأخذ يوضحها بإسهاب، ثم ضمنها بشعر حول الأوضاع الراهنة من تأليفه.

    1.   

    المستقبل لهذا الدين

    الحمد لله الذي كتب العز والنصر والتوفيق لمن أطاعه واتقاه، وكتب الذل والخزي والعار على من خالف أمره وعصاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وكتب الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    إن الأحداث التي تعيشها الأمة الإسلامية هي ملء السمع والبصر، وإنها لأحداث ينطبق عليها قول رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث الصحيح حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها لما ذكرت أنه قام صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فزعاً محمر الوجه من نومه ذات يوم وهو يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه السبابة والوسطى).

    إنها لفتنة عظيمة، وسوف نبين -إن شاء الله- من خلال هذا الموضوع ما يجب على هذه الأمة حيال أسباب النصر المستنبطة من كتاب ربنا ومن سنة نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي ما من خير إلا وقد دلنا عليه، وما من شر إلا وقد حذرنا منه إلى قيام الساعة، فصلى الله وسلم وبارك عليه، فهو نبي الرحمة ونبي الملحمة، جاء بهذه وهذه، ودلنا على الخير كله، ونهانا عن الشر كله، وما أصابنا من خير فمن الله وباتباع سنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما أصابنا من شر فمن أنفسنا وبمخالفتنا لأمره وسنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    إن النصر للإسلام، وإن المستقبل لهذا الدين بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإن الله قد وعد عباده المؤمنين بالنصر، كما قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52] وقال: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40] وقال: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج:41].

    فالنصر -بإذن الله- والمستقبل للإسلام، وما هذه المحنة إلا حلقة من محن كثيرة ومصائب كبيرة يحفل بها تأريخنا الإسلامي، فأي صفحة من تأريخنا ليس فيها وقائع ومعارك وأعداء يتكالبون؟! أي صفحة من تأريخنا ليس فيها دماء وفتن ومصائب؟! وهذا هو قدر هذه الأمة، وهذا هو ما أراده الله تبارك وتعالى لها، وهذه سنة الله عز وجل فيها، فيبلوها ويبتلي بها. فهذه هي إرادة الله في الدنيا كلها قال تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251] وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً [الحج:40]

    العاقبة للمتقين

    إن من سنن الله في الحياة أنها كفاح، وصراع، ومعركة دائمة، ولكن العاقبة للمتقين، والعاقبة للتقوى، وقد أخبر الصادق المصدوق صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في أحاديث كثيرة بأن العاقبة -فعلاً- لهذا الدين، كما في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله تبارك وتعالى بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر} فلن يبقى بيت -ولا سيما في هذه الجزيرة وما حولها- إلا ويدخل الله تبارك وتعالى فيه هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى على هذا الدين، وسوف يبلغ ما بلغ الليل والنهار.

    إن هذا العالم الجديد -كما يسمونه- الأمريكتين وما جاورهما، واستراليا- لم يكتشف إلا قريباً، ولم يكن الصحابة والتابعون ومن بعدهم يعلمون عنها شيئاً، وسوف يبلغها هذا الدين بإذن الله، وسوف يدخلها ويحكمها شرع الله -بإذن الله-؛ لأن هذا ما وعد به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    فتح القسطنطينية

    وقد أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الآخر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما لما سئل عبد الله بن عمرو أي المدينتين تفتح أولاً مدينة هرقل يعني القسطنطينية أو روميه فقام عبد الله بن عمرو ليؤكد للسائل وللحاضرين ما قال، وأتى بصندوق له فيه حلق وفتحه وأخرج منه كتاباً وقرأه، فإذا فيه: {بينما نحن جلوس عند النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ سئل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي المدينتين تفتح أولاً؟ فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مدينة هرقل تفتح أولاً } أي: القسطنطينية، وإلى الآن لم تفتح المدينة الأخرى، وهي مدينة رومية -أي روما عاصمة إيطاليا ومقر الفاتيكان- وسوف تفتح وتدخلها جيوش الإيمان، وترفع فيها راية لا إله إلا الله محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    الفتوحات التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم

    ورد في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة، ونافع بن عتبة رضي الله عنهما في آخره يقول جابر رضي الله عنه: سمعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: {تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله عز وجل، ثم تغزون فارس فيفتحها الله عز وجل، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله} فقال نافع: يا جابر أرى أن الدجال لا يخرج إلا بعد فتح الروم.

    فالدجال لا يخرج إلا بعد فتح الروم، وهذه الجملة تصدقها أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، من أن المسلمين يفتحون القسطنطينية وهي عاصمة الروم في القديم، وهي أكبر مدينة في الامبراطورية الرومية الشرقية كما كانت تسمى.

    وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم: {أن المسلمين يفتحونها -ولعله في إحدى المرات- بالتكبير، فيأتون إلى المدينة نصفها في البر ونصفها في البحر، فيقولون: لا إله إلا الله، فيسقط النصف الأول الذي في البحر، ثم يقولون: لا إله إلا الله، فيسقط النصف الآخر الذي في البر}.

    وهناك أحاديث كثيرة تدل على أن هذه الأمة منصورة وغالبة، ومظفرة، وأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سوف يفتح لها الأرض، وأنه مهما اعتراها من خلل، ومهما دخلها من عوج، ومهما كان فيها من دخن، فإن العاقبة للطائفة المؤمنة المنصورة، وهذه الطائفة موجودة فيها، وستظل ظاهرة وغالبة على الحق، حتى يُظهِر الله عيسى بن مريم عليه السلام في آخر الزمان حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويضع الجزية، ويقتل الخنزير، وتترك القلائص -وهي الإبل الثمينة- لأن الناس ينصرفون عن الدنيا إلى الجهاد، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ويدعو إلى المال -أي عيسى عليه السلام- حتى لا يجد من يأخذه} وفي هذه الأثناء تكون الطائفة المؤمنة والعصبة المنصورة، في بلاد الشام.

    فيأتي عيسى عليه السلام إليها، فيقدِّمه الإمام فيأبى إلا أن يصلي وراءه، وفي ذلك يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وإمامكم منكم تكرمةً من الله تعالى لهذه الأمة} فيصلي عيسى عليه السلام، خلف إمام من هذه الأمة ومع هذه العصبة المؤمنة، ويصبح عليه السلام -وهو من أولي العزم من الرسل، وهو الذي تعبده النصارى وتشرك به من دون الله عز وجل- معدوداً ضمن الطائفة المنصورة التي هي من هذه الأمة تكرمةً من الله تعالى لهذه الأمة، لأنه يحكم بشريعتها، ويكون كواحد منها، ويصلي خلف إمامها.

    فالأحاديث كثيرة، والعبر كثيرة، فما من زحف ابتلى الله تبارك وتعالى به هذه الأمة إلا وَرُدَّ على أعقابه خاسراً حسيراً مقهوراً بإذن الله عز وجل.

    1.   

    وما النصر إلا من عند الله

    أما القضية الأخرى فهي أن النصر من عند الله، وهذا -أيضاً- صريح كلام الله وما دلت عليه سيرة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال الله تبارك وتعالى لعبده وصفيه وخليله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ [آل عمران:125] وقال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [آل عمران:186] وقال في موضع آخر: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ [آل عمران:120].

    سبحان الله! عندما يقترن الصبر والتقوى في مواجهة الأعداء نغلبهم -بإذن الله تبارك وتعالى- كما قال عز وجل: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران:125-126] وقال تعالى في آية الأنفال: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:10] إذاً فالنصر من عند الله، مهما تكالب الأعداء، ومهما كانوا أقوى عدداً أو عدة، فالنصر من عند الله عز وجل يهبه لمن يشاء، وما يهبه إلا لعباده المؤمنين إذا اتقوا وآمنوا وصبروا وتحقق فيهم ما أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالله سبحانه هو الحافظ والناصر.

    ولهذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، وإذا اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) فالعدة والعدد إنما هي وسائل قد أمر الله تبارك وتعالى بها فقال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60].

    وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ألا إن القوة الرمي) والرمي يشمل أي نوع، وما يزال الرمي -إلى اليوم- هو الحاسم في المعارك، ولكن كل هذه العدة والعدد لا تعني أن النصر من عند البشر مهما كان هؤلاء البشر؛ بل هو من عند الله سبحانه، فهو ينصر من يشاء ويؤيد من يشاء.

    وقد ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الآيات السابقة أنه أيد المؤمنين بالملائكة، ومن نظر إلى الجيش الذي فيه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمؤيد بالملائكة، وهم جند الله الذي لا يقهر ولا يغلب، ومع ذلك لم يسمح المؤمنون لأنفسهم وهم يقرءون هذه الآيات أن يعتقدوا أن النصر من عند رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو أن النصر من عند ملائكة الله؛ لأن الله لا يرضى بذلك.

    تفرد الله تعالى بالتأييد بالنصر

    نصت الآيات السابقة على أن النصر من عند الله وحده، وليس من عند رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أكرم الخلق عليه، ولا من عند ملائكته، وهم الذين يدبر الله بهم هذا الوجود، كما قال تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً [الصافات:1-2] وقال: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً [المرسلات:1] وقال: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً [النازعات:5] وقال: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً [الذاريات:1] كل هذه الصفات ذكرت الملائكة التي يدبر الله تعالى بهم ملكه وأمره، وهم كما قال الله -تبارك وتعالى- فيهم: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، فهؤلاء هم العباد المكرمون الذين يشفعون عند الله -تبارك وتعالى- لقيمتهم ولمنزلتهم يشفعون، ولكن ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ومع ذلك لا يرضى الله -تبارك وتعالى- أن ينسب النصر إليهم، وإنما النصر من عند الله تبارك وتعالى، فيريد الله عز وجل أن يعلمنا أن النصر من عنده وحده، قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]، فهو إن شاء أرسل ملائكة وإن شاء أرسل ما شاء، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور} فالريح دمر الله تبارك وتعالى بها أعتى أمة ظهرت على هذه الدنيا -عاد إرم ذات العماد- والتي لم يخلق مثلها في البلاد، أهلكهم الله تبارك وتعالى بالريح، ولو جاءهم عدو محسوس يرونه لربما صارعوه وغالبوه، ولكن الريح لا يستطيعون أن يقاوموها أبداً، فأتت عليهم، فدمرت كل شيء بأمر ربها، فأصبحوا كما قال تعالى: لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] وأصبحوا كما ذكر الله تبارك وتعالى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر:20].

    وكذلك نصر الله تبارك وتعالى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جيش الأحزاب الذي أحاط بـالمدينة النبوية إحاطة السوار بالمعصم، وسلط على هذا الجيش ريح الصبا، فهذا من جند الله تبارك وتعالى. ومن جنود الله تبارك وتعالى الماء، وقد أغرق به قوم نوح الأمة العظيمة الأولى، أول أمة خالفت أمر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وكذبت أول رسل الله فعذبها الله تبارك وتعالى بالماء والطوفان، وأغرقهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى به، فأمر السماء أن تأتيهم بالمطر، قال تعالى: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:12].

    وقد حدثنا بعض إخواننا الثقات، الذين كانوا مع المجاهدين في أفغانستان ببعض العجائب، أذكر منها ما يتعلق بالغاز السام الذي خفنا من ذكره، قبل أن نراه ولن نراه إن شاء الله قالوا: والله لقد رأيناه ولقد ألقي علينا، وكنا نتضرع ونلجأ إلى الله تبارك وتعالى. قال أحدهم: والله إنه انعقد مثل الغمامة فوق رءوسنا، وجاءت الريح وأخذته وألقته على رءوس الكفار، والحمد لله رب العالمين.

    ويقول الآخر: أصابنا دوار شديد وتعب شديد، وكنا نظن أننا سنموت، فتضرعنا إلى الله تبارك وتعالى، فأذهب عنا ما بنا بعد يوم أو يومين، وعدنا كما كنا، وقد ظنوا أنه لم يبق منا بشر.

    فهذه هي أعتى وأقوى دولة في العالم بعد أمريكا، ومع ذلك لم تقف قوتها أمام الريح التي يسوقها الله تبارك وتعالى، قال تعالى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31] فالنصر -إذاً- من عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا ما يجب أن نربي عليه الأمة، فإذا علمناها أن المستقبل لها وأن العاقبة لها، وأن النصر لها، فلتلجأ ولتتضرع إليه، ولتدعوه، ولتطلب منه نصرها، فإننا نكون قد جعلناها في المسار الصحيح.

    1.   

    كيف نحيي الدين في أنفسنا

    القضية الثالثة التي أحب أن أتطرق لها، هي: كيف يأخذ المسلمون بأسباب النصر؟

    وكيف يرجعون إلى دينهم؟

    لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر، واشتغلتم بالزرع أو بالضيعة، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه أو لا يضعه حتى ترجعوا إلى دينكم).

    إذاً: فلا بد أن نفكر كيف نرجع إلى ديننا، وكيف نأخذ بالأسباب التي ننتصر بها على أعدائنا، ومن هذه الأسباب:

    الضراعة إلى الله تبارك وتعالى

    قال تعالى في قصة قوم يونس: فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا [يونس:98] فهم آمنوا فكشف الله تبارك وتعالى عنهم العذاب، عندما خرجوا وتضرعوا إلى الله، بأطفالهم ونسائهم ومواشيهم أيضاً، فتضرعوا إلى الله تعالى، كما ذكر المفسرون من السلف أربعين ليلة، بعد أن واعدهم يونس عليه السلام عذاب الله، وذهب مغاضباً وقال لهم: سيأتيكم العذاب بعد ثلاث، فعلموا أنه نبي، وأن النبي لا يكذب؛ فتضرعوا إلى الله، فكشف عنهم العذاب، ومتعهم إلى حين.

    فالضراعة سبب عظيم لا يجوز أن نغفله ولا أن ننساه، ولنعلم أن الضراعة ليست هي مجرد الدعاء، وليس التضرع -فقط- أن ندعو الله تبارك وتعالى، ولكن الدعاء هو أول ما يدخل في مسمى وفي مدلول التضرع.

    التوبة من الذنوب

    يجب علينا أن نتوب إلى الله تبارك وتعالى من كل ذنب، وأن نعد العدة لدفع أسباب هذا البلاء، فإن كان عدواً فلنعد العدة لجهاده، وإن كان -أيضاً- جدباً أو قحطاً فلنزرع الأرض، ونعد العدة لها، ونأخذ بالأسباب..... وهكذا، فالمقصود أن التضرع ليس هو مجرد الدعاء، وإنما هو المدخل للتوبة والإنابة والاستغفار، وما ذكرناه من مراجعة النفس ومحاسبتها، وكل بحسبه وكل في موقعه.

    تحكيم شرع الله

    يجب على الحكام والأمراء أن يراجعوا أنفسهم، ويحكموا الناس بشرع الله ليذهب الله تسلط الأعداء علينا كما أخبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث: {وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا سلط الله عليهم عدواً يأخذ بعض ما في أيديهم }.

    إذا فالقضاة، والأمراء، والمدراء، والرؤساء، وكل من ولاه الله تبارك وتعالى أمراً يجب عليه أن يتقي الله فيه، وأن يكون كما أمر الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ [النحل:90] وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58]، فلنراجع أنفسنا، ولنتلاف كل تقصير فينا.

    تذكر واجب العلماء

    العلماء واجبهم عظيم، وهم -كما نص السلف الصالح- من أولي الأمر، الذين أوجب الله تبارك وتعالى طاعتهم، قال تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ [النساء:59] وقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ أنهم الأمراء والعلماء، فالعلماء هم -أيضاً- ولاة على الأمة في أمر عظيم. لأنهم الحارس والرقيب؛ ولأنهم الأمين والمؤتمن على كل ما يتعلق بالأمة.

    إن لدى الدول الجاهلية والوضعية برلمانات ومجالس شيوخ ومجالس نواب؛ من أجل هذه الرقابة، إضافة إلى السلطة الشوروية أو التشريعية أو الرقابية..... إلى غير ذلك، كما يسمونه في القوانين الوضعية. أما أمة الإيمان والإسلام والتوحيد، فعندها العلماء، الذين أمرهم الله تبارك وتعالى، فقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187]، وإن كان بعض العوام أو بعض الناس من المقصرين، لا يريد بيان ذنوبه وعيوبه. التي يجب عليه أن يتركها، ولكن يجب على العلماء أن يبينوا الحق كما ذكر الله تبارك وتعالى فقال: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125] فواجب العلماء أن يقودوا الأمة -أيضاً- في أي موقف، وأعظم المواقف هي مواقف الجهاد، فقد كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يقود المعارك بنفسه وهو نبي الله ورسوله وأكرم الخلق على الله، وكان صحابته من بعده كذلك.

    ومن المعلوم أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أقسم أنه لولا أهل الأعذار لما تخلف عن سرية تخرج في سبيل الله قط، وكذلك أبو بكر وعمر لم يمنعهما من الخروج؛ إلا أن يكونوا فئة للمسلمين يتحيز إليها كل جيش يجابه من هنالك، وليمددوا المؤمنين، وقد أراد عمر -رضي الله عنه-، أن يخرج لقتال فارس، فقيل له: يا أمير المؤمنين! ابعث إليهم وابق هنا، فإن أصيبوا فأنت فئة لهم، ولكن إن أصبت ذهب الإسلام فكان رضي الله عنهم هذا شأنهم.

    كذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية شارك بنفسه في بيان ضلال التتار وكفرهم وخروجهم عن الشريعة، وشارك بنفسه في المعركة، فواجب العلماء عظيم، والحمد لله الذي منَّ علينا في هذه البلاد الطيبة الطاهرة بهؤلاء العلماء الذين هم على منهج السلف الصالح -ولله الحمد- دعوة، وعملاً، وعقيدة، وعلماً، وجهاداً، فهذا من فضل الله تبارك وتعالى علينا.

    ولكن بقي واجبنا نحن طلبة العلم، ونحن عامة المسلمين، وهو أن نشد من أزرهم وأن يكون المسلمون جميعاً يداً واحدة وقيادة واحدة، وهدفاً واحداً وغاية واحدة، فلا مجال لمن يندس، ولا مجال للدخيل، ولا مجال لمن يبث الفرقة فيما بيننا، فالهدف للجميع واحد، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} فالغاية هي هذه، والوسيلة واحدة وإن تنوعت وسائطها، فلنكن في الجهاد في سبيل الله ومقاومة أعداء الله صفاً واحداً، كأننا بنيان مرصوص، كما أمر الله تبارك وتعالى.

    وحدة الصف

    إنَّ الصف يجب أن يكون واحداً، فيما نسميه نحن اليوم "الجبهة الداخلية"، وتعتبر ضرورتها أكيدة، فوحدة الجبهة الداخلية واجتماعها، وإقناعها بحقيقة المعركة وتصوير الأمر لها على حقيقته؛ لتقف صفاً واحداً متراصاً خلف العلماء، وخلف القيادة المؤمنة، فهذه -أيضاً- ضرورة لا بد منها.

    ومن هنا كان الواجب علينا أن نُبصِّر المسلمين جميعاً -خاصتهم وعامتهم- بما فيهم من خلل وخطأ وتقصير، فعندما يتهافت العامة على الطعام والشراب في وقت كان الواجب عليهم فيه أن يفكروا في حمل السلاح والجهاد في سبيل الله ودفع المعتدين المجرمين، فهذا دليل على نقص وخلل عندهم، والواجب علينا -نحن طلاب العلم والدعاة- أن نصلحه، لأن فينا الخطيب أو الداعية أو المدرس أو الواعظ أو الإمام.

    لا بد أن نقوم بواجبنا -نحن- في تماسك هذه الجبهة، من أجل ألا يكون فيها من يعذبنا الله -تبارك وتعالى- أو يُسَلِّطْ علينا بسببه، حتى لو كان الجيش يقوده رسول، كما كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكما كان موسى، حيث وجد الغلول في الجيش: وهو الأخذ من الغنيمة، وهذا مما يسبب ويجلب الهزيمة، وكذلك إذا وجدت الخيانة والزنا أو الفساد، فإنه يسلط علينا الأعداء نسأل الله العفو والعافية.

    وقد ذكر المفسرون في قصة موسى أمراً عظيماً، وهو أن الذنوب يجب أن يتطهر الجيش والناس منها، فالذين يسمون الجبهة الداخلية لابد أن يتطهر كل فرد منهم من هذه المعاصي ومن أدران الذنوب، ويجعل ولاءه خالصاً لله عز وجل، وهدفه إعلاء كلمة الله تبارك وتعالى، ويكون الجميع قيادة وعلماء ودعاة وجيشاً وعامة يداً واحدةً -كما أمر الله تبارك وتعالى- على كل كافر وفاجر وظالم ومعتد.

    فإذا أخذنا بهذه الأسباب، وأحكمنا -فعلاً- هذه الجبهة الداخلية، وجمعناها على الحق، وجعلناها يداً واحدة، وتمسكنا جميعاً بكتاب الله تبارك وتعالى واعتصمنا بحبله، فسوف نجد أننا في موقف لا يستطيع أي معتد أو مجرم أو غاصب أن يمني نفسه بهذه البلاد؛ بل بأية بقعة من بقاع العالم الإسلامي؛ لأنه يعلم أن للحمى حرّاساً أشداء.

    جهاد الطلب

    إن واجبنا كما أمر الله تبارك وتعالى ليس فقط جهاد الدفع، بل هو جهاد الطلب، وهو أن يطارد الكفار والمرتدون والمجرمون ويغزون في عقر دارهم؛ لينضموا تحت راية لا إله إلا الله وتحت كلمة الحق، حتى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإذا لم نحرك مشاعر الأمة، ونستحثها بهذه الغاية العظيمة فإننا سنظل مقصرين في هذا الجانب.

    إن الأمم الكفرية أو المرتدة، أو الضالة خلقت لمتاع الدنيا، فتتنافس في الدنيا، وتجد أن اقتصادها في زينتها وفي زخارفها، أما أمة الإسلام فغرضها وعملها الأساس هو الجهاد، كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { وجعل رزقي تحت ظل رمحي } فهذه الأمة يبني أعداؤها ويشيدون ويجمعون ويتحضرون كما يشاءون، ثم يجعلهم الله تبارك وتعالى غنيمة للمسلمين، فمثلاً: الحضارة الرومانية ظلت ألف سنة أو أكثر وهي تبنى فجعلها الله غنيمة للمسلمين، وكذلك الحضارة الفارسية ظلت أكثر من ذلك، فجعلها الله تبارك وتعالى غنيمة للمسلمين.

    وكذلك جيش فارس، فقد كانت الرتب العسكرية ليست كحال الناس اليوم، يصنعونها من المعادن؛ إنما كانت الرتب العسكرية في جيشهم من اللؤلؤ، وبقدر ثمن اللؤلؤة التي يضعها القائد على التاج -على رأسه- تكون رتبته، فالقادة الكبار مثل ماهان ورستم وجابان، كان ثمن لؤلؤة كل واحد منهم مائة ألف دينار، وثمن لؤلؤة من يليهم عشرة آلاف دينار، فكانت رتبهم بهذا الترف والبطر، ولما جاءهم أمر الله تبارك وتعالى، وجاء جيش التوحيد، أخذوا بتيجانهم وعروشهم.

    وكانوا كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل} ثم فتحت كنوز كسرى وقيصر وأنفقت على جهاد الصين وجهاد بلاد ما وراء النهر، حتى إن موسكو -التي هي عاصمة روسيا اليوم- ظلت قروناً تدفع الجزية للمسلمين، وهذا من فضل الله -تبارك وتعالى-.

    وكذلك الروم بنوا في مصر وفلسطين وبلاد الشام الطرق الرومانية الشهيرة، وبنوا المدن والمآثر الرومانية المعروفة في التاريخ مثل مدينة دمشق، وغيرها من المدن العظيمة، فعندما جاء جيش الإيمان والتوحيد ملكوها والحمد لله وملكوا مزارعها، وضربوا عليهم فيها ما أمر الله تبارك وتعالى به من الجزية، أو من الخراج، بحسب الأحكام الشرعية المعروفة، وكانوا لقمة سائغة لهذه الأمة والحمد لله، فبنوا وشادوا وأعدوا، فجعلهم الله تبارك وتعالىغنيمة للمسلمين وأورثهم أرضهم وديارهم.

    لقد خرجوا من هذه الجزيرة ومن هذه الصحراء التي جعلها الله في كل العصور -ولله الحمد- حصناً منيعاً ترتد عليه رماح المعتدين على أعقابهم خاسرين، خرجوا منها حفاة عراة، وإذا بهم يستوطنون الأندلس، وأواسط آسيا، وشمال الهند التي يقال فيها جنة الدنيا لما فيها من الجمال. فكل ما في هذه الدنيا من خير ونعمة أوتوه -ولله الحمد- بالتقوى وبالإيمان، قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]، فهذا وعد من الله لعباده الصالحين أنه سوف يورثهم الأرض في هذه الدنيا والله على كل شيء قدير.

    المخاطب -طبعاً- في هذه الأبيات تعرفونه جميعاً أو سوف تعرفونه كما تحدثنا:

    طلعة المجد في رباك تجول     وسنا الحق في ذراك يصول

    في مدار الأفلاك تعرج     والشرق والغرب تهافت وأفول

    الرسالات من ربوعك قامت     ولخير الهداة أنت الرسول

    عجز الشعر عن ثنائك والدهر     إذ الشعر فيك شأن يطول

    هذه المعجزات أتعبت العدُ     وعاد التأريخ وهو ذهول

    فاسأل الدردنيل واسأل بواتيه     وروما فما تراها تقول

    تلك أطلالهم تماثيل شؤم     شاحبات فما تعد الطلول

    كل عرش في قبضتيك أسير     كل كنز إلى يديك يئول

    فاهطلي أيها السحابة هنداً      أو على الصين ليس منك غلول

    سيفك الحق في الوهاد صريخ     ليس في معمع القتال نكول

    كلما در شارق يتهادى      طلب العتب منك مجد أثيل
    كلما خر كوكب يتهاوى     بين جفنيك حلم عز طويل

    أنت فوق الورى ورأس الذرى     وأنت الإصرار والمستحيل

    تعبد الله وحده وتعالى     أذن الحق فاخرسي يا طبول

    قل لمن أرجفوا مماتك زوراً     أو ما يعتري الجواد الذهول

    أو ما تخفق الشواهب للأرض     وإن كان في السماء تجول

    لا تلمني في ساعة الفر إلا     إن تراخى من بعد كر يهول

    فاعصفي يا رياح بالدرب هولاً     أو تأني فعزمتي لا تزول

    يرعب الراجمات مقلاع طفلي     وشراعي يهابه الأسطول

    عز للسيف نبوة في جهاد     سنة للكماة هذا الرسول

    أنت أنشودة الحياة وملحمة الدهر     فماذا عليك إن لم يقولوا

    أنت إن قمت غير عابئ شيء     فالطواغيت كلهن هزيل

    وإذا الحق سل منك حساماً     فالشعارات كلهن قتيل

    أنجبتك البطحاء وهي ولود     وغدتك الشام وهي بتول

    كلهم سوف يغلبون جميعاً     كلهم عن حماك سوف يزول

    رب فوج يقود للروع فوجاً     وخيول تجرهن خيول

    موكبٍ ترهب المنايا سراه     رابط الجأش للدماء نهول

    هذه الصافنات أورين قدحاً     فالنواصي شهيدة والذيول

    وأدتها رمالنا البيد     وأمست نعوشهن التلول

    كلما أظلمت من الرهج البيد     أضاء السماء سيف صقيل

    وطئت بالسنابك الصم أحلام هولاكو     وأودى الصليب والمستطيل

    أنت أوثقت من جبابرة الكفر     قروماً فكلهن ذليل

    ما عتاب الكريم إن عثر الجد     زماناً ولم يجد من يقيل

    إن تكن غضبة فصفح جميل     أو تكن محنة فصبر جميل

    والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    تارك الصلاة

    السؤال: ذكرت أنه يجب على الجبهة الداخلية تصحيح النية، فكيف يكون ذلك، وأنا أعرف أناساً لا يعرفون الصلاة البتة, وعندهم من الذنوب والمعاصي ما عندهم، نسأل الله عز وجل للمسلمين الاستقامة على دينه؟

    الجواب: جزاك الله خيراً، إن تارك الصلاة قد أخبر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه من غير المسلمين، فليس بمسلم ولا حظ له في الإسلام، وإذا وجد في الأمة تارك صلاة فهذا مما يوهن قوتها، ويضعف تمسكها، ويغري بها ويطمع فيها عدوها.

    إن تماسك الجبهة الداخلية يجب أن يكون بالكف والإقلاع عن كل الذنوب؛ بل بالصبر والمصابرة والمرابطة على جميع الطاعات والواجبات، فالذين يشتغلون بالغيبة والنميمة والنفاق والحسد في مجالس المسلمين عليهم أن يتوبوا، والذين يفرقون بين المرء وزوجه عليهم أن يتوبوا، والذين يقطعون الأرحام عليهم أن يتوبوا ويستغفروا الله تبارك وتعالى، والذين يأكلون الربا عليهم أن يتقوا الله وأن يكفوا عن محاربته، حتى ينصرنا على من نحارب من أعدائه.

    والذين يفتحون دور اللهو والفساد، وما يسمونه الكوافير، وأماكن التجميل، ومشاغل الخياطة المختلطة، وكل اسم من هذه الأسماء التي تتعرى فيها المرأة المسلمة وتخلع ثيابها في غير بيت زوجها، معرضة نفسها لوعيد الله -تبارك وتعالى- وقد يراها الأجنبي أو تكلمه أو تختلط به، فكل هؤلاء القوم عليهم أن يتقوا الله وليعلموا أننا في معركة لا مجال فيها لهذا اللهو العابث، وكذلك المعلمون والمدرسون الذين كانوا يضيعون الوقت على الطلاب إما فيما لا ينفع أو في العبث فعليهم أن يتقوا الله تبارك وتعالى.

    ولتكن دروسنا جميعاً في التربية على الجهاد والفضيلة والخلق القويم، ولنراجع مناهج تعليمنا -أيضاً- لتكون جميعاً كذلك، ولنراجع وسائل إعلامنا المسموع منها والمقروء والمرئي لتكون جميعاً في موضع يستحق أن تكون جزءاً من هذه الجبهة التي يجب أن تتماسك بحيث تتطهر من كل ما حرم الله تبارك وتعالى، ويكون المعيار والضابط لما يعرض أو يذاع أو يقرأ هو شرع الله تبارك وتعالى، وهناك أشياء كثيرة جداً، ولكن كلٌ منا حسيب نفسه، يعرضها ويحاسبها ويزنها قبل أن توزن.

    فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن، وتهيؤوا للعرض الأكبر على الله تبارك وتعالى، فهناك تبلو كل نفس ما أسلفت.

    القتال من أجل الوطن

    السؤال: هل هناك فرق بين القتال من أجل الوطن والقتال في سبيل الله -تبارك وتعالى- نرجو التوضيح؟

    الجواب: لما سئل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الرجل يقاتل حمية، ويقاتل عصبية، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله} فهذا هدفنا وهذه غايتنا وهذا طلبنا ولا سيما في جهاد الطلب، وأما في جهاد الدفع، فلا شك أن من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، فالواجب -إذاً- على الإنسان أن يجعل هدفه وغايته وهمه من الجهاد هو إعلاء كلمة الله تبارك وتعالى، ولتكون كلمة الله تبارك وتعالى هي العليا، قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193].

    أما إذا اعتدي عليه ودافع عن نفسه فمات أو قتل فهو شهيد كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومنه دفع الصائل أو دفع المعتدي، فهو نوع من أنواع الجهاد، وهو -أيضاً- إذا صلحت النية يعتبر في سبيل الله تبارك وتعالى، ويدخل ضمن ما قاله رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    الطائفة المنصورة

    السؤال: عرف فرقة الطائفة المنصورة، هل هي في بلد معين، أو جماعة معينة، أم من جميع بلاد المسلمين وكيف تجتمع إن كانت من بلاد متفرقة؟

    الجواب: الطائفة المنصورة عرفها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث الافتراق، وهو حديث متواتر لكثرة طرقه، ويشد بعضها بعضاً، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة} فلما سئل عنها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قال في رواية-: {الجماعة} وقال في رواية: {من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي} فهذه علامتها.

    وأيضاً جاء في وصفها في نفس الأحاديث الصحيحة التي أخبر فيها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوجودها كما في حديث جابر بن سمرة ومعاوية وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم، في نفس الأحاديث قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يقاتلون على أمر الله}، وقال: {قائمين على أمر الله}، إذاً فحقيقتها أنها على ما كان عليه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي قائمة ومستقيمة ومتمسكة بهذا المنهج.

    أما من هم؟ فقد قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم -أي: من كان متمسكاً بالسنة، عندما تفرقت الأمة إلى خوارج وروافض ومعتزلة وباطنية وبقي أهل السنة أو أهل الأثر أو أهل الحديث الذين هم أهل السنة والجماعة، ولا يقصد بذلك مجرد من يشتغل بعلم الحديث؛ بل من يتبع منهج الحديث؛ لأن القرآن كلٌّ يدعيه ولكن الحديث يميز بين أهل السنة وبين أهل البدعة وأهل الفرق الضالة الأخرى.

    إذاً هذه هي صفتهم، أما مكانهم فليس لهم مكان معين، ولكن كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله أن الأحاديث تدل على أنه في آخر الزمان يكون اجتماعهم في الشام، وقد ورد في الحديث الصحيح: {إن الإيمان ليأرز إلى المدينة أو ما بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها} أي: كما تعود الحية إلى جحرها، فهذه إشارة في أن هذه البلاد المقدسة المدينة ومكة أو ما بين المدينتين سوف تكون مأوى الإيمان -بإذن الله- إلى قيام الساعة.

    ولكن الشام موطن المعارك ولا انفصال بين الأمرين؛ لأن الأمة واحدة، والبلد واحد، وهذه الدويلات عارضة، فالأصل أن المسلمين جبهة وأمة واحدة، فـالشام هو موضع الملاحم، وأما مأوى الإيمان وبقاؤه ومجمعه، فإنه يكون في هذه البلاد -بإذن الله- ويكون -أيضاً- في وسط الجزيرة في مساكن بني تميم الذين أخبر عنهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح فقال: {هم أشد أمتي على الدجال}.

    فإذا ضممنا الأحاديث بعضها إلى بعض، نجد أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر أن الساعة تقوم والروم أكثر الناس، وكون الملاحم مع الروم، وخروج الدجال بعد الملاحم، فتكون الأمة أحوج ما تكون إلى أن تقاتلهم، وتكون المعركة في بلاد الشام -في الأعماق أو دابق، وكذلك يكون اليهود هنالك ويقاتلهم المسلمون.

    إذاً: فالجبهة الداخلية القوية والفئة التي تنحاز إليها الجيوش ستكون -إن شاء الله تبارك وتعالى- بين المدينتين.

    نصيحة للمقصر في جنب الله

    السؤال: ذكرتم -حفظكم الله وأثابكم- أنه يجب النصح للناس، ولا سيما في هذه الأوقات، فهل على المقصر في جنب الله أن يقوم بالنصح والإرشاد؟

    الجواب: هذا السؤال وجيه، فكثير من الإخوة يقول: أنا مقصر، فهل أنصح غيري، ونقول: إن هناك حديثاً وإن كان في سنده ضعف، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: {مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهوا عن المنكر وإن فعلتموه} ولكن الظاهر أنه لا يصح مرفوعاً عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن يصح من حيث المعنى ومن حيث عمل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وقد يصح أنه من كلام أبي هريرة رضي الله عنه، بمعنى أن شعب الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فإذا لم يأمر الإنسان بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا إذا استكمل شعب الإيمان جميعاً، فربما انقطعت هذه الشعيرة، ولم يوجد من يقوم بها.

    ولا ينبغي للعبد المؤمن أن يجمع بين ذنبين، بين تقصيره في طاعة الله من جهة، وبين ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة أخرى، فإذا وجد في الإنسان تقصير في بعض الطاعات وفي بعض الجوانب، فيجب عليه أن ينصح الناس، وأن يرشدهم وأن يذكرهم ليرجعوا إلى الله -تبارك وتعالى- ومع ذلك يخوف نفسه كما قال تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة:44].

    ويتذكر حديث الرجل الذي يجر أقتابه وقصبه في النار -نسأل الله العفو والعافية- والناس ينظرون إليه يقولون له: مالك! ألم تكن تأمرنا! ألم تكن تنهانا! قال: بلى، ولكن كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه -نسأل الله العفو والعافية! فهو في حال دعوته للناس، يعظ نفسه أيضاً، والإنسان يستحي من الله تبارك وتعالى أن يعظ الناس بخير ولا يفعله، أو ينهاهم عن شر ويأتيه، وهذه من نعم الله تبارك وتعالى على الدعاة.

    ولهذا كان الدعاة إلى الله تبارك وتعالى من أكثر الناس اهتماماً بهذا الأمر؛ لأنهم يأمرون وينهون، فأنفسهم تلومهم ولا تلوم غيرهم؛ لأنهم يقولون: كيف تقولون ما لا تفعلون؟! وتأمرون وتخالفون الناس إلى ما تنهونهم عنه؟! فمن هنا كان من واجبنا الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان فينا ما فينا من تقصير مع السعي الحثيث إلى استكماله إن شاء الله تبارك وتعالى، وهو المعين.

    حكم القنوت في جميع الصلوات

    السؤال: ما حكم القنوت في جميع الصلوات بسبب المحن؟

    الجواب: القنوت مشروع في النوازل، وقد قنت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أحياء من العرب والقبائل التي كانت قد عصت الله تبارك وتعالى ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآذت المسلمين، وفي هذه الأيام نرى القنوت مستمراً، والحمد لله، قد كنت صليت مع سماحة الوالد الشيخ ابن باز فصلى بنا الإمام صلاة المغرب وقنت، وقنتنا خلفه، فالقنوت مشروع، لكن إذا كان في كل الصلوات، فأنا أخشى أن يدخل السأم على العامة، فعلينا بالتضرع إلى الله، فهو من أرجى ما يكون، فكل منا يتضرع إلى الله تبارك وتعالى في السر والخفاء وفي أوقات الإجابة.

    وكذلك يشرع القنوت ولكن ربما كان التضرع أرجى، لأن الإنسان يكون صادقاً ومخلصاً أكثر، ويكون في حالة القرب من الله تبارك وتعالى والضراعة إليه، وهو إن أطال في تضرعه ودعائه فهو وحده لا يمل منه أحد ولا يسأم منه أحد، وهذه قضيتنا، فحق لنا والله أن تكون أيدينا مرفوعة وعيوننا باكية في كل لحظة وفي كل حين حتى يدفع الله -تبارك وتعالى- عنا هذا البلاء، وجدير بنا أن نكون كذلك دائماً وفي كل وقت.

    وجدير بنا أن نذكر إخواننا المسلمين في كل مجلس وما أكثر اللغط، وما أكثر اللهو في المجالس، فيجب علينا أن نذكرهم بالدعاء وبالاستغفار، لأنه من لزم الاستغفار جعل الله تبارك وتعالى له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً.

    فالأمة -الآن- تعاني من هذا الضيق ومن هذه الأزمات، فلنستغفر الله ولنتب إلى الله تبارك وتعالى كما أمر، وإذا استقمنا على أمر الله يكون الخير كما ذكر الله بقوله: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف:96] وكما قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [المائدة:66].

    لكن في الجانب الآخر، إذا تركنا الضراعة، والإنابة والاستغفار، فيكون حالنا -عياذاً بالله- كما ضرب الله تبارك وتعالى مثلاً: قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007962507

    عدد مرات الحفظ

    720541069