اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عمدة الفقه - كتاب الحدود [1] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي


عمدة الفقه - كتاب الحدود [1] - (للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي)
شرع الله الحدود في الدنيا على من وقع فيها تطهيراً له من الذنب، وتخفيفاً له من عذاب الآخرة.وشرط الإقامة الحدود شروطاً منها: التكليف، والعلم بالتحريم وغيرها، ولا يقيم الحدود إلا الإمام أو نائبه، ويستثنى من ذلك السيد في إقامة حد الجلد على عبده القن، ومن أقر بالحد ثم رجع عنه سقط عنه.
تعريف الحدود وأدلة ثبوتها
بسم الله الرحمن الرحيم.إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، اللهم زدنا علماً وعملاً وهدى وتقوى يا رب العالمين، وبعد: فسوف نشرح في هذه الجلسات كتاب الحدود.وكتاب الحدود هو من الكتب التي يقل فيها الخلاف عند الفقهاء؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد حدها وقدرها، والعقوبات منها ما قُدرت في الشرع ومنها ما لم تُقدر، فالتي قُدرت في الشرع هي الحدود وهي ستة والسابع مما اختلف فيه الفقهاء، وهي: أي الحدود: حد السرقة، وحد الزنا، وحد الحرابة، وحد القذف، وحد السُكر، وحد الردة، والسابع: حد البُغاة، والمالكية ورواية عند الحنابلة يزيدون فيها: حد الغيلة، وإن كانت الغيلة داخلة في الحرابة عند الجمهور.وعلى هذا فالخلاف إن وجد فهو في بعض التفصيلات التي يذكرها الفقهاء رحمهم الله، والإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه هذا حاول أن يختار الراجح عندهم من مجموع الروايات التي رويت عن الإمام أحمد رحمه الله، واختيارات ابن قدامة أحياناً تكون مخالفة لما هو في كتب المتأخرين مثل كتاب: زاد المستقنع؛ لأن البهوتي في الروض أو الحجاوي في الزاد قد يختار ما هو مخالف لما اختاره ابن قدامة في كتابه المقنع؛ لأنه قد يذكر في المسألة روايتين.وابن قدامة رحمه الله ألف هذا الكتاب كما تعلمون انطلاقة للفقيه في مشوار حياته العلمية.قال المؤلف رحمه الله: [كتاب الحدود: ولا يجب الحد إلا على مكلف عالم بالتحريم، ولا يقيمه إلا الإمام أو نائبه إلا السيد فإن له إقامته بالجلد خاصة على رقيقه القن؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها )، وليس له قطعه في السرقة، ولا قتله في الردة، ولا جلد مكاتبه ولا أمته المزوجة، وحد الرقيق في الجلد نصف حد الحر، ومن أقر بحد ثم رجع عنه سقط].
 أدلة ثبوت الحدود
والحدود ثابتة بالشرع؛ بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة:أما الكتاب فكل آية فيها حد السرقة أو الزنا أو ما ذكرناه فإنها تدل على إثبات الحدود.وأما السنة فنقول: كل حديث ثبت فيه عقوبة الزنا أو القذف أو غير ذلك فإنه دليل على ثبوت الحدود.وأما الإجماع فقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على ثبوت الحدود.
شروط إقامة الحدود
قول المؤلف رحمه الله: (لا يجب الحد إلا على مكلف)، الآن المؤلف رحمه الله أراد أن يذكر شروط إقامة الحدود، وقد ذكر بعضها وبعضها كأنه قال: هو مفهوم لدى طالب العلم، فذكر المهم.
 الشرط الرابع: الاختيار
الشرط الرابع: أن يكون مختاراً، ويخرج بذلك المُكره، ودليله قوله عليه الصلاة والسلام: ( إن الله عفا عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )، والحديث رواه ابن ماجه و البيهقي وهو إلى الضعف أقرب، غير أن أهل العلم قووا هذا الحديث؛ لأنه موافق لقواعد الشرع كما حقق ذلك ابن رجب في شرحه لهذا الحديث في جامعه، فهذه أربعة شروط.
الأحكام المتعلقة بإقامة الحدود

 من أقر بحد ثم رجع عن إقراره
قول المؤلف رحمه الله: (ومن أقر بحد ثم رجع عنه سقط).معنى هذا: أن الإنسان لو أقر عند الإمام بحد فأراد أن يقيمه عليه ثم رجع فإنه يقبل رجوعه، ولهذا يقول العلماء: إن من شرط إقامة الحد بالإقرار البقاء على إقراره إلى تمام إقامة الحد، فلو أُقيم عليه بعض الحد ثم هرب أو رجع فلا يُتبع؛ لما جاء في بعض الروايات عند مسلم : ( أن ماعزاً لما ضربوه وأدموه وأحس بألم الحجارة هرب، فلحقه الصحابة فقتلوه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: هلّا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه )، قالوا: فهذا يدل على أن له حق الرجوع، واستدلوا أيضاً: ( بأن ماعزاً عندما ذاق ألم الحجارة قال: دعوني فإن قومي قتلوني وغروني وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قاتلي )، يعني: أنه اعترف فقال له قومه: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن يرجمك ولن يقتلك فأقر، حتى يُطهر نفسه، فلما ذاق ألم الحجارة هرب.قال ابن قدامة : إنه إذا أقيم عليه الحد ثم هرب فإنه لا يُتبع، وأرى والله أعلم أن هذا على سبيل الندب والأولوية لا على سبيل الوجوب لأمور: أن هذا الرجل استوفى حد الإقرار، فـماعز مثلاً أقر أربع مرات، ثم أُقيم عليه الحد، فلو كان قبول رجوعه واجباً بعد ذلك لما قال عليه الصلاة والسلام: (هلّا تركتموه)، فكلمة (هلّا) المقصود بها الحض والحث والترغيب، وهذه الصيغة لا يُراد منها الوجوب في ترك من رجع بعد إقراره للحد، فهذا يدل على أن للإمام أن يُقيم عليه الحد ويُنفذ، وله أن يقبل رجوعه، وتأملوا هذين المعنيين. وسوف نستفيد منه في أنه هل يلزم في إقراره أن يُقر أربع مرات أم يكفي مرة واحدة؟ الحنابلة والحنفية قالوا: لابد من إقراره أربع مرات، واستدلوا بقصة ماعز.و مالك و الشافعي قالوا: يكفي مرة واحدة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها )، ولم يُبين النبي صلى الله عليه وسلم هل هو ثلاث مرات أو مرة، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنزل منزلة العموم في المقال، فهذان قولان عند أهل العلم، وحين النظر والتأمل يظهر والله تبارك وتعالى أعلم أن مسألة الإقرار أربعاً أو مرة إنما هي منوطة باختيار الإمام، فللإمام ألا يقبل إقراره في الأولى والثانية والثالثة والرابعة حتى الخامسة.والدليل: حديث ماعز ، ( هلّا تركتموه )، فهذا دليل على أن ما كان إثبات الحق بالإقرار فإن الإمام له مندوحة في أن يتغاضى عن إقراره، والدليل على ذلك قصة الغامدية التي استقبلت الرسول صلى الله عليه وسلم قالت: (يا رسول الله! إني زنيت فطهرني، فأعرض عنها، فجاءته من الوجه الآخر فقالت: يا رسول الله! ما لك تردني لعلك تردني كما رددت ماعزاً إني والله لحُبلى من الزنا، فقال: إذاً لا نرجمك حتى تضعي)، ولم يبعث لها من يترصد أخبارها وينظر أمرها بل قال لوليها: ( أحسن عشرتها )، وهذا دليل على أن قصد الشارع في إقامة العقوبة على المخطئ ليس المقصود بها التشفي إنما المقصود بها التأديب، خاصة إذا جاء تائباً كـالغامدية و ماعز. أما إذا كان إثبات الحد بالشهود فإذا أُقيم عند الإمام فلا يسوغ بعده الرجوع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لـأسامة : ( أتشفع في حد من حدود الله )، وقوله صلى الله عليه وسلم لـصفوان حينما كان نائماً في المسجد على بردته فجاء رجل فأخذها وهو نائم، فأمسك به وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقام النبي صلى الله عليه وسلم عليه الحد، فقال صفوان : ( يا رسول الله! أتقطعه في أربعة دنانير، هو عليه صدقة، قال: هلّا كان ذلك قبل أن تأتيني به)، وعلى هذا فقول المؤلف: (سقط الحد) إنما هو على سبيل الأفضلية، ودليل ذلك ترغيب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (هلّا تركتموه). نقف عند هذا، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , عمدة الفقه - كتاب الحدود [1] للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

http://audio.islamweb.net