اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الحياة الدنيا دار فانية والحياة الأخرى دار باقية، والدنيا دار الهم والغم والتعب، والآخرة دار النعيم والفرح والسرور، والدنيا حقيرة قليلة مهينة، لا تساوي عند الله جناح بعوضة، والآخرة دار عظيمة ذات منزلة رفيعة ومكانة عالية عند الله، والدنيا فيها لذائذ ومتاع لكنها ليست خالصة للمؤمنين، بل إن الكفار أيضاً يتمتعون في الدنيا، بعكس الآخرة فإن متاعها ولذائذها خالصة للمؤمنين، لأجل ذلك كان على المؤمنين العاقل الحصيف أن يهتم بآخرته ويعمل لها، ويترك الدنيا ومتاعها، ويجعلها مطية إلى الآخرة.
أسباب الحديث عن موضوع موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، سبحانك ربنا لا علم لنا إلا ما علمتنا, إنك أنت العليم الحكيم.أما بعد: يا معشر الإخوة الكرام! إن الموضوع الذي سنتدارسه في هذه الليلة المباركة بإذن الرحمن هو حول موقف المكلف من أعمال الدنيا ومن أعمال الآخرة. فهذا الموضوع جميع دعوات الرسل الكرام عليهم صلوات الله وسلامه دارت عليه، ولذلك كل مكلف بحاجة إليه، والذي دعانا للكلام على هذا الموضوع أمران اثنان: ‏
 عدم شعور كثير من المسلمين بخطورة الإقبال على الدنيا والانهماك فيها
السبب الثاني: أنه مع هذه الحالة التي نغوص فيها في الانهماك في الدنيا والركون إليها، والإعراض عن الآخرة والبعد عنها، لا نشعر بدائنا ولا بدوائنا ولا بحالنا، ولا بهذه المصائب العظيمة التي تفطر القلوب. يطغى على المرء في أيام محنتهحتى يرى حسناً ما ليس بالحسن وإذا لم يكن عون من الله للفتىفأول ما يقضي عليه اجتهاده قال الحسن البصري عليه رحمة الله: والله لقد عبد بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم للرحمن بحبهم للدنيا. وهكذا نحن انحرفنا عن عبادة الله بسبب حبنا للدنيا.إخوتي الكرام! ومع هذه الحالة يزيدنا الله في النعم ويغدق علينا الخيرات من كل مكان، ويستدرجنا من حيث لا نعلم، ولا ندري متى ستقع بنا عقوبة الله. ربنا لا تعاقبنا بما فعل السفهاء منا، وعافنا واعف عنا يا أرحم الراحمين!روى الإمام أحمد في المسند والطبراني في المعجم الأوسط وابن أبي حاتم في تفسيره وهكذا ابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان بسند ضعيف له شواهد كثيرة، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا رأيت الله يعطي الرجل ما يحب وهو مقيم على معصيته فاعلم أن ذلك استدراج, ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44] ). روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن قتادة قال: ترك القوم أمر الله، فما أخذ الله قوماً إلا في حالة سكرتهم في الحياة الدنيا، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99]. وروى أيضاً عن الإمام الحسن البصري عليه رحمة الله أنه قال: من وسع له في الدنيا فلم ير أنه قد مكر به إلا كان قد نقص عقله، ومن قدر عليه في الدنيا فلم ير أنه خير له، أي: واختير له ما هو الأنسب والأصلح, فلا عقل له، ثم تلا قول الله تعالى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44]. فقال الحسن البصري: أتم الله عليهم نعمه ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر. وهذه الآية كقول الله جل وعلا في سورة الجن على أحد التفسيرين: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن:16-17]. وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ أي: على طريقة الضلال والكفر والزيغ والانحراف عن شرع الله؛ لفتحنا عليهم النعم من كل جانب، كما قال جل وعلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:44].والتفسير الثاني يقابل هذا تماماً: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ الحقة المستقيمة وهي الإسلام؛ لأنعمنا عليهم، كما قال جل وعلا: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96]. ولا تعارض بين التفسيرين مع تقابلهما، فأهل القرية والناس إذا استقاموا يغدق الله عليهم النعم إكراماً لهم؛ ليشكروا الله جل وعلا، فسيزدادوا درجات, وأهل القرية إذا أشروا وبطروا وكفروا أغدق الله عليهم النعم؛ ليزدادوا طغياناً، وليقطع الله لهم كل عذر، ويزيل لهم كل شبهة، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. إخوتي الكرام! فهذا الأمر -كما قلت- يغوص فيه أكثر الناس، والأمر كما قال مالك بن دينار عليه رحمة العزيز الغفار: اصطلحنا في حب الدنيا، والقوم عندما يفتضحون يصطلحون. اصطلحنا في حب الدنيا، فلا يأمر بعضنا بعضاً، ولا ينهى بعضنا بعضاً، ولن يدعنا الله على هذه الحالة, ليت شعري أي عقوبة ستنزل علينا؟! وهذا الموضوع الذي سنتدارسه الآن ما أعلم أحداً من الخلق أكثر تخويفاً وتشويقاً فيه مني، والويل لي إن لم يعف ربي عني.
الحياة الدنيا فانية والآخرة هي الباقية
إخوتي الكرام! وهذا الموضوع الذي سنتدارسه سيدور على أمرين:الأمر الأول: سأقارن مقارنة وجيزة مركزة بين الدنيا والآخرة.والأمر الثاني: بعد تلك المقارنة الواضحة ماذا ينبغي أن نفعله نحو الدنيا والآخرة، وكل من الأمرين يتفرع عنه خمسة أمور، فتلك عشرة كاملة، ثم أختم الموضوع بخاتمة حسنة. أسأل الله أن يختم لنا بالحسنى, إنه سميع مجيب. الأمور التي يتبين لنا بها التفاوت بين الدارين خمسة أمور, هي أعظم الأمور التي يظهر بها التفاوت العظيم بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة:أول أمر من هذه الأمور: أن الحياة الدنيا فانية، وأن الآخرة باقية، وهذا أعظم نقص وذم في الدنيا, كما أن البقاء والدوام أعظم وصف ومدح في الحياة الآخرة، ولذلك قال الإمام السفاريني عليه رحمة الله في غذاء الألباب: أعظم ما عيبت به الدنيا فناؤها وهلاك أهلها. ورحمة الله على الإمام الفضيل بن عياض سيد المسلمين في زمنه حيث يقول: لو كانت الدنيا ذهباً يفنى، والآخرة خزفاً يبقى - فخار- لكان ينبغي على العاقل أن يؤثر الآخرة على الدنيا؛ لأن الخزف باقٍ، والذهب فانٍ، فكيف والآخرة ذهب يبقى، والدنيا خزف يفنى؟ فكيف ينبغي أن يكون الحرص على الدار الآخرة وكيف ينبغي أن يكون الإعراض عن متاع الغرور، وهي الحياة الدنيا! وكان الحسن البصري عليه رحمة الله ينشد كثيراً في مجالسه ويقول هذا البيت ليذكر نفسه وغيره بحقيقة الدنيا:أحلام نومٍ أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدعفالدنيا مثل أحلام النوم، يرى الإنسان في نومه ما يرى، ثم يستيقظ فيزول عنه ما رآه، وأنت ترى هنا ما ترى ثم بعد ذلك تصل إلى الحياة الحقيقية فيقال لك: فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ [ق:22]. كنت في نوم، في سبات، فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].ورحمة الله على من قال:إن لله عباداً فطناطلقوا الدنيا وخافوا الفتنانظروا فيها فلما علمواأنها ليست لحي وطناجعلوها لجة واتخذواصالح الأعمال فيها سفنا
 خلود الجنة والنار بلا فناء ولا زوال
إخوتي الكرام! ومما ينبغي التنبيه عليه عند هذا الأمر: أن دار الطائعين -وهي الجنة- ودار العاصين -وهي النار- كل منهما مخلد، لكن على سبيل التأبيد لا يفنى ولا يزول.دارا خلود للسعيد والشقي معذب منعم مهما بقيوما نسب لبعض العلماء من أن النار تفنى بعد حين فهو كلام باطل، وهذا القول ضلال، ومخالف للإجماع ولا دليل يدل عليه, وننزه أئمتنا الكرام عن أن يقولوا به، ونسبة هذا القول للإمام ابن تيمية عليه رحمة الله شيخ الإسلام نسبة باطلة فاحذروها، قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني عشر في الصفحة 307: أجمع سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة أن من الأشياء ما لا يفنى ولا يهلك بالكلية، ثم ذكر ثلاثة أمور، فقال مبيناً ذلك: هذه الأمور الثلاثة: النار والجنة والعرش وغير ذلك. فهذا كلام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: أجمع سلف الأمة وأئمتها وجميع أهل السنة على أن من الأشياء ما لا يفنى ولا يهلك بالكلية، الجنة والنار والعرش وغير ذلك. وقد نص إمام أهل السنة نضر الله وجهه الإمام أحمد في كتابه السنة على أن المسلمين أجمعوا على أبدية الجنة وأبدية النار، وعدم فناء كل منهما. وهذا القول حكاه الإمام ابن حزم في كتابه مراتب الإجماع، وذكر أن الأمة أجمعت على ذلك، والإمام ابن تيمية علق على كتاب ابن حزم وسمى كتابه نقد مراتب الإجماع، تعقب فيها المسائل التي ذكرها الإمام ابن حزم على أنه مجمع عليها ولا إجماع فيها، فلم يتعقب ابن حزم في هذه المسألة، وسلم الإمام ابن تيمية في تعليقه على هذا الكتاب بأن المسلمين أجمعوا على أبدية الجنة وأبدية النار. وقد قرر الإمام أبو الحسن الأشعري عليه رحمة الله في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: أن المسلمين أجمعوا على أبدية الجنة والنار, ولم يخالف في ذلك إلا الضال الجهم بن صفوان ، إمام الجهمية الفرقة الردية. فهذا الأمر ينبغي أن نعيه؛ لحديث: ( يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت ).إخوتي الكرام! ولا يتعارض هذا مع قول ربنا الرحمن: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88]؛ لأن الآية تخرج على أمرين كما ذكر أئمة التفسير، والبحث أيضاً مقرر في كتب التوحيد، الأول: أن تكون من باب العموم المخصوص، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ، وخص من ذلك الجنة والنار والعرش والكرسي، وقد ذكر العلماء ثمانية أشياء لا تفنى ولا تهلك، قال الناظم:ثمانية حكم البقاء يعمهامن الخلق والباقين في حيز العدمهي العرش والكرسي نار وجنةوعجب وأرواح كذا اللوح والقلم(وعجب) أي: عجب الذنب الذي خلق منه الإنسان ومنه يركب, كل شيء من بدن الإنسان يبلى إلا هذا، وهو عظمة صغيرة في نهاية فقرات الظهر في آخر العصعص، فعجب الذنب لا يبلى، وهذا ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم في الصحيح. فهذه الأشياء الثمانية لا يعتريها فناء ولا هلاك ولا زوال.وإما أن تكون الآية من باب العام الذي يراد به الخصوص، فقول الله: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88], أي: كل شيء كتب الله عليه الهلاك، وكل شيء حكم عليه بالهلاك. فكل ما عدا هذه الأشياء الثمانية حكم الله بهلاكها فتفنى، وهذه أبدية باقية لا تفنى ولا تزول بإذن الله سبحانه وتعالى ومشيئته.هذا الأمر الأول: أن الدار الآخرة باقية، والدار الدنيوية الدار الأولى فانية زائلة.
الدنيا دار الهم والغم والتعب والآخرة دار النعيم والفرح والسرور
الأمر الثاني الذي تتقابل فيه الحياة الدنيا مع الحياة الآخرة: أن الحياة الدنيوية -وهي الحياة الأولى- تشتت هم الإنسان وتفرق ذهنه وتتعبه، والآخرة بعكس ذلك، فهناك همه يجمع، فلا يمسه في تلك الحياة نصب ولا لغوب إن كان من أهل الجنة التي نحرص أن نكون فيها بإذن ربنا سبحانه وتعالى. فالحياة الدنيا دار نصب ودار تعب ودار نكد وبلاء ومصائب، قال الله جل وعلا في سورة براءة: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55]. قال الحسن البصري: أي: بما يؤخذ منهم من هذه الأموال من زكوات؛ لأن الآية نازلة في المنافقين، فتؤخذ منهم الزكاة, ففي هذا تعذيب لهم. والآية أعم من ذلك: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [التوبة:55]. أي: بجمعها وحراستها وإنفاقها، وحلول المصائب بها, فيحزن عليها.وقال قتادة: في الآية تقديم وتأخير. وهو قول مرجوح، ورده الإمام ابن جرير وابن كثير عليهم جميعاً رحمة ربنا الجليل. فقال: تأويل الآية: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا, إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وفي هذا التفسير بعد كبير، ولا يتناسب مع حال المنافقين والكافرين في الحياة الدنيا، الذين يجمعونها ويتعبون في جمعها وفي إنفاقها وفي حراستها وفي المحافظة عليها .. نصب ونكد .. تشتيت للهم .. تفريق للذهن.. فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:55].ولذلك فإن العاقل يقتصر على ما قل وكفاه ولا يتكثر؛ لأنه إذا تكثر سيلهيه ذلك ويؤذيه، فما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ثبت في كتاب الحلية وغيره في ترجمة أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك من تفرقة القلب, فقيل له: وما تفرقة القلب؟ كيف يتفرق قلب الإنسان؟ قال: أن يوضع لي في كل واد مال، فيتشتت ذهني ويتعب خاطري وجسمي. وقد حدثنا نبينا صلى الله عليه وسلم بالغنى الحقيقي وبينه, ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس الغنى عن كثرة العرض )، حاجات الدنيا ومتاعها، ( ولكن الغنى غنى النفس ). ولذلك قال علماؤنا والقول مأثور عن نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أنه قال: (مثل محب الدنيا كمثل الشارب من البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً)، والمتعلق بالدنيا كلما ازداد غنى يزداد فقراً وحرصاً وتعباً في جمعها والتكالب عليها. وفي الحديث: ( منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا ). ‏
 فضل الله تعالى ورحمته سبق غضبه وعقابه
إخوتي الكرام! واحات الرجاء والخوف ينبغي أن تتقابل عند الإنسان, فهما كالجناحين للطائر، فمن عول على أخبار الرجاء فقط فهو مرجئي، ومن عول على أخبار الخوف فقط فهو حروري. وكنت قد وضحت هذا في محاضرة سابقة، غير أنني سأنبه الآن على أمر: وهو أن بعض الناس أوصل لي رسالة مصورة, يتعقب فيها شيئاً مما قلته في بعض المحاضرات، ومن جملة ذلك ما يتعلق بهذا الموضوع، فقد كنت ذكرت في محاضرة ماضية أنه أثر عن علي رضي الله عنه وعن حفيده علي بن الحسين بن علي وهو زين العابدين ، في قول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48], قال هذان الرجلان المباركان علي الصحابي وحفيده التابعي رضي الله عنهم أجمعين: هذه أرجى آية في القرآن. وكنت وضحت سبب كونها أرجى آية، فقلت: لأن الله هنا أخبرنا أن الشرك لا يغفره، (لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). وأن ما عدا الشرك فهو تحت المشيئة، إن عاقبنا فهو عدل منه، وإن غفر لنا فهو فضل منه، لا خلاف في هذا عند أهل السنة والجماعة.يقول هذا الأخ: لكنك قلت كلاماً لا يقوله عاقل فضلاً عن عالم، وأسأل الله أن يتوب علينا جميعاً. ما هو الكلام يا أخي! المعترض؟ قال: قلت: وأفعال الله إذا دارت بين الفضل والعدل فالمغلب في حق الله وكرمه جانب الفضل. وعندك شك في هذا أيها الإنسان؟! أيها الإنسان! والله لو حاسبك الله بعدله لأكبك على وجهك في نار جهنم. هل عندك شك في ذلك؟ ومن منا يدخل الجنة إلا برحمة الله وفضله. إذا دارت أفعال الله بين الفضل والعدل فالمغلب في كرمه هو الفضل، كما أخبرنا هو عن نفسه أن رحمته سبقت عذابه، وأن حلمه سبق غضبه. هذا وصف الله جل وعلا، كما أخبر به عن نفسه. ثم رتب على ذلك كلاماً في قرابة نصف صفحة، وقال: أنت تفتح باب المعاصي أمام الناس, يتجرءون على حرمات الله ويقولون: نحن تشملنا هذه الآية. وأين أخبار الوعيد يا عبد الله! والله الذي لا إله إلا هو لو كان الواحد منا يأتيه صك بأنه سيختم له على كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله فما عليه حرج ولو كان عليه من الذنوب أمثال الجبال، ولكن يا عبد الله! ما الذي يدريك أنه إذا وقعت الذنوب في الحياة الدنيا أن تلقى الله على الإيمان عند الموت؟ولما احتضر سفيان الثوري بدأ يبكي, فطفقوا يرجونه ويخبرونه بأخبار الرجاء والوعد، وأنك وأنك، فقال: يا قوم! والله إني أخشى أن أسلب إيماني، ثم أخذ قشة من الأرض وقال: المعاصي أهون عندي من هذه، لا أبالي بالمعاصي الآن، ليست ساعة المعاصي، إنما ساعة الإيمان والكفر، أين الكلام -يا عبد الله- الذي لا يقوله عاقل فضلاً عن عالم؟ اتق الله في نفسك أيها الرجل!وهذا القول منقول عن علي وحفيده، ولا تبرير له ولا تقرير ولا توجيه إلا هذا: أفعال الله إذا دارت بين الفضل والعدل فالمغلب هو الفضل في كرمه سبحانه وتعالى، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وإذا أطلعنا الله بأنه سيغفر لنا فهو عند حسن ظن عبده به، فليظن به ما شاء، وأخشى أن تكون -أيها المعترض- من الطائفة العدلية, من الطائفة الغبية, وهم المعتزلة الذين يقولون: يجب على الله أن يعاقب العاصي, ولا يجوز أن يغفر له. سبحان ربي العظيم! سبحان ربي العظيم! أمر وسعه ربنا علينا لماذا تضيقونه؟ أفعال الله إذا دارت بين الفضل والعدل فالمغلب في كرمه هو الفضل, فرحمته واسعة سبحانه وتعالى.وقد قال لي بعض الإخوة الكرام أن أتحدث في محاضرة عن أخبار الرجاء، وقال لي: إن الغالب على محاضراتي تدور حول أمور الخوف, فقلت: لك ذلك إن شاء الله. وأسأل الله جل وعلا إن مد في أعمارنا أن يوفقنا إلى الكلام عن هذا الموضوع، وأن نستعرض أكثر الآيات رجاءً وأكثرها خوفاً في محاضرة أخرى إنه على كل شيء عزيز.
الحياة الدنيا حقيرة قليلة مهينة بعكس الآخرة
الأمر الثالث الذي تفترق فيه الدنيا عن الآخرة: أن الدنيا حقيرة قليلة مهينة، ومع ذلك لا يحصل الإنسان فيها ما يريده منها مع حقارتها ومهانتها ووضاعتها، والآخرة على الضد من ذلك. ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى فيها كافراً جرعة ماء ). قال الإمام يحيى بن معاذ الرازي : هذا قدر الدنيا عند الله وهو مالكها, فماذا ينبغي أن يكون قدرها عندك وهي ليست لك؟ عند مالكها لا تعدل جناح بعوضة، فكيف ينبغي أن يكون قدرها عندك؟ ولذلك كان المؤمنون في سائر العصور يسلون أنفسهم بما ينزل عليهم من المصائب من قبل أعداء الله بحقارة الدنيا وفنائها وزوالها، فهؤلاء السحرة سحرة فرعون عندما آمنوا وتهددهم فرعون بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتصليبهم في جذوع النخل قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72]. هذه الحياة الحقيرة المهينة التي لا شأن لها ولا وزن ولا اعتبار. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه:73].ولما أمر الله جل وعلا ببر الوالدين وأخبر أن برهما ينبغي أن يحصل من الولد ولو كانا مشركين قال: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]. قال المفسرون: وإنما قال: (في الدنيا) ولم يقل: وصاحبهما معروفاً لأمرين:الأمر الأول: للإشارة إلى تهوين الصحبة وتقليل أمرها وشأنها، فأنت وإن ابتليت بأبوين مشركين وأمرت ببرهما وتتضايق من ذلك فصحبتهما ليست ضربة لازب لا تزول ولا تنقطع ولا تنقضي، هي مدة يسيرة، فاصبر على المرارات التي تتجرعها في حال برهما وهما على الشرك، وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15].والدلالة الثانية: للإشارة إلى أن صحبتهما قاصرة على الأمور الدنيوية، وأما في أمور الدين: ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ).
 قيمة الدنيا ومقدارها بالنسبة للجنة
وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن منزلة الجنة في الدار الآخرة وعن رفعة قدرها وعن وضاعة الدنيا وحقارتها، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وسنن الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها )، ذهاب ساعات في أول النهار أو ساعات في آخر الليل للجهاد في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ( ولقاب قوس أحدكم أو موضع سوطه في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) مساحة القوس، وهي لا تزيد على متر، خير من الدنيا وما فيها. ( ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما, ولنصيفها على رأسها -يعني: الخمار- خير من الدنيا وما فيها ). هذا حال الجنة في الدار الآخرة، وهذه هي حال الدنيا وحقارتها وخستها ووضاعتها, حقيرة مهينة، والدار الآخرة بضد ذلك.ولذلك قال يحيى بن معاذ، وهو من الأئمة الصالحين عليه رحمة رب العالمين، قال: في طلب الدنيا ذل النفوس، وفي طلب الآخرة عز النفوس، فواعجباً لمن يختار الذل في طلب ما يفنى على العز في طلب ما يبقى! ذل وفانٍ، وهناك عز وباقٍ، وقد أبى أكثر الناس إلا إيثار الذل مع فنائه، فواعجباً ممن يؤثر الذل فيما يفنى على العز فيما يبقى!
لذائذ الدنيا ونعيمها مشتركة بين المؤمنين والكفار والبهائم بخلاف الآخرة فهي خالصة للمؤمنين
الأمر الرابع في الأمور التي تتباين فيها الدنيا مع الآخرة والحياة الأولى مع الحياة الآخرة: أن لذائذ الدنيا ونعيمها يشاركك فيها الفجار والكفار، وهكذا البهائم وسائر المخلوقات، والدار الآخرة لا يشاركك في النعيم فيها إذا كنت في جنة النعيم إلا عباد الله المخلصين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. يخبرنا الله جل وعلا عن شأن الدنيا وعن تعلق الأشرار بها، فيقول: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة:212]. وقد أخبرنا الله جل وعلا أن نعيم الدنيا ولذائذها وبهجتها لا يتناسب إلا مع الفجار الكفار، فقال جل وعلا في سورة الزخرف: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا [الزخرف:33-35]. وهو الذهب. وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:35]. سبحان ربي العظيم! ولولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر, أي: لولا أن يكفر كل الناس لأعطينا للكفار هذا النعيم في الدنيا، كل من يكفر نجعل لبيته سقفاً من فضة، وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ، درج وسلالم، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا . نجعل لكل كافر هذا؛ لأن هذه الدار المهينة الوضيعة الحقيرة لا تتناسب إلا مع هذا الصنف. ولكن رحمة من الله بعباده ما أعطى هذا للكفار؛ لئلا يتتابع الناس في الكفر. والأمر كما قال نبينا الكريم عليه صلوات الله وسلامه، والحديث في سنن الترمذي وصحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ). يشاركك فيها هؤلاء، يشاركك في النعيم هنا هذا الصنف اللعين، وأما في الدار الآخرة فهناك عباد الله الطيبون المقربون، هؤلاء هم الذين يشاركونك، وهذا مما يدعو العاقل للإعراض عن الانهماك في لذات الدنيا والخلود إليها، ورحمة الله على الإمام أبي حازم سلمة بن دينار عندما يقول: اشتدت مؤنة الدنيا ومؤنة الآخرة، أما مؤنة الدنيا فلا تكاد تضرب بدك في مجال من مجالاتها إلا ووجدت فاجراً قد سبقك إليه. أي عمل ترى الفجار يسبقونك إليه. وأما مؤنة الآخرة فإنك لا تجد عليها أعواناً. ورحمة الله على من قال:كفى حزناً أن المروءة ضيعتوأن ذوي الألباب في الناس ضُيعُ وأن ملوكاً ليس يحظى لديهممن الناس إلا من يغني ويصفعهذا حال الحياة الدنيا، الذي ينال الحظوة والمنزلة فيها الرقاص الذي يصفع ويغني.وأن ملوكاً ليس يحضى عندهممن الناس إلا من يغني ويصفعأهذه دار تتعلق بها همة كريمة؟ أهذه دار يخلد إليها عاقل؟ لا والله.
 قيمة الدنيا ومقدارها بالنسبة للجنة
وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن منزلة الجنة في الدار الآخرة وعن رفعة قدرها وعن وضاعة الدنيا وحقارتها، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وسنن الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها )، ذهاب ساعات في أول النهار أو ساعات في آخر الليل للجهاد في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ( ولقاب قوس أحدكم أو موضع سوطه في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) مساحة القوس، وهي لا تزيد على متر، خير من الدنيا وما فيها. ( ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما, ولنصيفها على رأسها -يعني: الخمار- خير من الدنيا وما فيها ). هذا حال الجنة في الدار الآخرة، وهذه هي حال الدنيا وحقارتها وخستها ووضاعتها, حقيرة مهينة، والدار الآخرة بضد ذلك.ولذلك قال يحيى بن معاذ، وهو من الأئمة الصالحين عليه رحمة رب العالمين، قال: في طلب الدنيا ذل النفوس، وفي طلب الآخرة عز النفوس، فواعجباً لمن يختار الذل في طلب ما يفنى على العز في طلب ما يبقى! ذل وفانٍ، وهناك عز وباقٍ، وقد أبى أكثر الناس إلا إيثار الذل مع فنائه، فواعجباً ممن يؤثر الذل فيما يفنى على العز فيما يبقى!
بقدر ما حصل العبد من اللذائذ في الدنيا تنقص درجته وأجره عند الله
الأمر الخامس: أن هذه الدنيا من شؤمها وبلائها أنك إذا حصلت منها نعيماً نقص من درجتك عند الله وإن كنت عليه كريماً، بمقدار ما تحصل من اللذائذ تنقص درجتك عند الله جل وعلا في الدار الآخرة. وهذا الأمر قررته الأدلة الشرعية المعتبرة، ففي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير ومستدرك الحاكم بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، عن شريح بن عبيد الحضرمي أن أبا مالك الأشعري رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين! ليبلغ الشاهد منكم الغائب، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( حلوة الدنيا مرة الآخرة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة ). إذا صرفت أيامك في الانهماك في اللذات والشهوات سترى هناك من المرارات ما لا يخطر ببالك, وإذا صرفت أيامك في طاعة رب الأرض والسماوات وانحرفت عن اللذات والشهوات ستحصل من الحلاوة في ذلك الوقت ما يتضاءل بجانبه كل لذة وكل نعيم. وروى ابن أبي الدنيا بسند جيد كما قال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، ونقل ذلك ابن حجر في الفتح وأقره عليه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (ما يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجته عند الله وإن كان عليه كريماً). والأثر موقوف على هذا الصحابي البار. والأثر له حكم الرفع، وكنت قد ذكرت شواهد لهذا الأثر في محاضرة ماضية. ولذلك كان سلفنا يحذرون من التوسع في الملذات والشهوات في هذه الحياة، ثبت في صحيح البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما قال: كان أبي صائماً، فلما حان الإفطار وغروب الشمس أتي بالطعام، فلما وضع بين يديه - وهو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة- قال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكان عليه بردة إن غطينا رأسه بدت رجلاه، وإن غطينا رجليه بدا رأسه، وقتل حمزة وهو خير مني, ثم بسطت لنا الدنيا فأعطينا فيها ما أعطينا، أخشى أن تكون طيباتنا قد عجلت لنا، فجعل يبكي, ثم قال: ارفعوا عني الطعام. قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، قتل حمزة وهو خير مني، وما حصلوا من الدنيا نعيماً ولا لذة ولا شهوة، كان الكفن الذي عليه لا يكفي لبدنه، وأما نحن فقد بسطت لنا الدنيا, وأعطينا فيها ما أعطينا, فنخشى أن تكون طيباتنا قد عجلت لنا.وورد في المستدرك ومسند البزار بسند صحيح عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: استسقى أبو بكر رضي الله عنه أي: طلب ماء ليشرب ونحن معه فأتي بماء مشيب بعسل، فلما أدلاه إلى فيه نحاه ثم بكى وبكى حتى أبكى من حوله، فسكتوا وما سكت، ثم أعاد القدح إلى فيه، فبكى وبكى حتى أبكى من حوله, فسكتوا ثم سكت، فقالوا: ما الذي أباك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: ( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول بيده: إليك عني إليك عني، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! من تخاطب وليس هاهنا أحد؟ قال: هذه الدنيا تمثلت لي فقلت: إليك عني إليك عني، فقالت: إن نجوت مني فلن ينجو مني من بعدك, فهذا الذي أبكاني ). لا يصيب أحد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجته عند الله وإن كان عليه كريماً.ثبت في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له ). ورحمة الله على الإمام الشبلي عندما يقول: من أراد أن ينظر إلى الدنيا بحذافيرها فلينظر إلى مزبلة من المزابل، ومن أراد أن ينظر إلى نفسه فليأخذ حفنة من تراب فلينظر إليها، فإنه خلق من التراب وسيعود إليه وسيبعث منه: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، ومن أراد أن ينظر إلى شأنه ومنزلته فلينظر إلى ما يخرج منه عند الخلاء. هذه حياتك وهذه هي الحياة الدنيا، إن أردت النظر إلى الدنيا فانظر إلى مزبلة، وإن أردت النظر إلى نفسك فانظر إلى التراب, وإن أردت النظر إلى جاهك ومنزلتك وحالك فانظر إلى ما يخرج منك. هذا حال الإنسان، وهذه هي حال الدنيا. والآخرة على الضد من ذلك، دار كريمة عظيمة بجوار رب البرية. هذه الأمور الخمسة تتقابل فيها الدنيا والآخرة، الحياة الدنيوية والحياة الأخروية. والحمد لله رب العالمين.
 قيمة الدنيا ومقدارها بالنسبة للجنة
وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن منزلة الجنة في الدار الآخرة وعن رفعة قدرها وعن وضاعة الدنيا وحقارتها، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري وسنن الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها )، ذهاب ساعات في أول النهار أو ساعات في آخر الليل للجهاد في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ( ولقاب قوس أحدكم أو موضع سوطه في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) مساحة القوس، وهي لا تزيد على متر، خير من الدنيا وما فيها. ( ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما, ولنصيفها على رأسها -يعني: الخمار- خير من الدنيا وما فيها ). هذا حال الجنة في الدار الآخرة، وهذه هي حال الدنيا وحقارتها وخستها ووضاعتها, حقيرة مهينة، والدار الآخرة بضد ذلك.ولذلك قال يحيى بن معاذ، وهو من الأئمة الصالحين عليه رحمة رب العالمين، قال: في طلب الدنيا ذل النفوس، وفي طلب الآخرة عز النفوس، فواعجباً لمن يختار الذل في طلب ما يفنى على العز في طلب ما يبقى! ذل وفانٍ، وهناك عز وباقٍ، وقد أبى أكثر الناس إلا إيثار الذل مع فنائه، فواعجباً ممن يؤثر الذل فيما يفنى على العز فيما يبقى!

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , موقف المكلف من أعمال الدنيا والآخرة [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net