اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - الفقه تعريفه ومكانته [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - الفقه تعريفه ومكانته [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن التفقه في الدين غاية سامية ندب إليها هذا الدين القويم، فأمر بها ربنا الحكيم في كتابه العظيم في مواضع كثيرة، للدلالة على ما لهذا الباب من العلم من أهمية عظمى، حيث لا يتحقق للمسلم العلم بالأوامر والنواهي إلا إذا فقه عن ربه ما يريده منه، ولما لهذا الباب من أهمية فقد جعله الله فرضاً كفائياً على المسلمين، إن قام به بعضهم سقط عن بقيتهم، وإلا أثموا جميعاً.
معنى الفقه في الاصطلاح
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..الفقه في الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية.فقولنا: (العلم) يراد به غلبة الظن، (بالأحكام الشرعية) خرج بذلك الأحكام العقلية، ككون الواحد نصف الاثنين، وخرج بذلك الأحكام الحسية، ككون الثلج بارداً والنار حارة، وما شاكل هذا، فهذه أحكام ما لنا علاقة بها في الفقه، وخرج كذلك الأحكام العادية، كتوقع الناس نزول المطر عند حصول الغيوم وتلبد السماء بالغيوم، هذه أحكام عادية، فالأحكام العقلية والأحكام الحسية والعادية لا دخل لنا بها في علم الفقه. وقولنا: (التي طريقها الاجتهاد) خرج بذلك ما يُعلم ضرورة من الدين بحيث لا يجهله أحد من المكلفين، هذا أيضاً لا يبحث في كتب الفقه، ككون الزنا حراماً، إنما يبحث عندنا عقوبة الزنا، أما أنه حرام فهذا معلوم من الدين بالضرورة، والنصوص قطعية فيه، ولا يحتاج إلى اجتهاد، وهكذا ككون الصلاة فريضة وواجباً، ونحو ذلك. إذاً: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية التي طريقها الاجتهاد، التي فيها مجال للاجتهاد، (من أدلتها التفصيلية) أي: من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، والإجماع، والقياس، أن تلحق النظير بنظيره، تلحق ما لم ينص عليه بما نص عليه لاستوائهما في العلة. هذا هو تعريف علم الفقه، وهذا التعريف هو أسد ما قيل في بيان حد علم الفقه، وقيل غير ذلك، فقيل: علم الفقه: هو جملة من العلوم يعلم بالاضطرار أنها من دين الحي القيوم: يعني: عندما نبحث في العبادات، في المعاملات، في العقوبات، نعلم أن هذه أحكام شرعيات، جملة من العلوم يعلم بالاضطرار أنها من دين الحي القيوم، لكن التعريف هذا فيه شيء من العموم، فقد أدخل الأحكام العملية التي طريقها الاجتهاد، كما أدخل العقائد الإسلامية، كما أدخل الأخلاق والآداب، كلها دخلت في هذا التعريف؛ لأنها جملة من العلوم يعلم بالاضطرار أنها من دين الحي القيوم، هذا شامل لعلوم العقائد والآداب وعلم الفقه أيضاً. وقيل أيضاً: علم الفقه: هو معرفة النفس ما لها وما عليها عملاً، تعرف ما الذي لها وما الذي يجب عليها من طريق العمل لا من طريق الاعتقاد، وقيل: علم الفقه: هو العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال.وله تعريفات كثيرة لكن -كما قلت- أسدها وأدقها هو أولها، وانظروا: إرشاد الفحول في مقدمته وبدايته في صفحة ثلاثة. وبذلك يختلف علم الفقه عن علم أصول الفقه، فأصول الفقه هو قواعد علم الفقه، وعلم أصول الفقه ضابطه وتعريفه كما قال أئمتنا: علم يبحث عن أحوال أدلة الفقه الإجمالية، وطرق الاستفادة منها، وحال المستفيد. وهذا يختلف عن تعريف علم الفقه، فهو علم يبحث عن أحوال أدلة الفقه الإجمالية، مثل: الأمر يفيد الوجوب، النهي يفيد التحريم، القياس حجة، الإجماع حجة، هذا يبحث في أصول الفقه، الأمر يدل على الوجوب، ثم بعد ذلك متى يفيد الإباحة؟ ومتى يفيد الاستحباب؟ هذا يقرر هنا، هذا هو عمل الأصولي، ثم تطبيق هذا بعد ذلك على نصوص الشرع التفصيلية، هذا عمل الفقيه. فالأصولي يبحث عن القياس هل يستدل به أم لا؟ أما الفقيه فلا يأتي ليثبت حجية القياس، بل يأتي ليثبت حكماً شرعياً عن طريق القياس؛ لأنه حجة، ويأتي بعد ذلك ليثبت حكماً شرعياً عن طريق الإجماع، ولو قلت له: كيف تثبت دليلاً بالإجماع؟ فيقول: يا عبد الله! اذهب وتعلم أصول الفقه، لأنه ليس من شأني أن أبين لك أن الإجماع حجة، كما أنه ليس من شأني أن أبين لك أنه يستدل بالقرآن أو بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، هذا أمر مفروغ منه، تلك أدلة يبحث عن مكانتها، وعن رتبة الاستدلال بها في علم أصول الفقه. إذاً: علم أصول الفقه: هو علم يبحث عن أحوال أدلة الفقه الإجمالية، وطرق الاستفادة منها، أدلة في الظاهر تعارضت، يأتي بعد ذلك، وتقديم الإجماع، وتقديم النص القطعي من قرآن وسنة متواترة، بعد ذلك الخبر الذي يفيد الظن ولا يفيد القطع، هذا ترتيب الأدلة، وهذا كله يبحث في أصول الفقه. (وحال المستفيد)، وهو المستدل، الذي يأخذ الأحكام من أدلتها، وشروطه وأحواله، هذه تقرر في كتب أصول الفقه، وأما علم الفقه فهو العلم بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية. وقولنا: (التي طريقها الاجتهاد)، فما دام طريقها الاجتهاد، وللعقل فيها مجال فهي أحكام عملية، ويخرج بذلك العقائد، فإنه لا دخل للاجتهاد في أمور العقيدة، فعندما ذُكر في التعريف (طريقها الاجتهاد) أغنى عن ذكر العملية.والأحكام العملية لابد أن تدخل فيها أمور الاجتهاد، فهنا الاجتهاد لا بد منه، وكلمة الاجتهاد تغني عن زيادة كلمة (العملية)، فإذا ذكرت زيادة في الإيضاح؛ لأنه لو قال: العلم بالأحكام العملية فقط دون أن يقول: التي طريقها الاجتهاد، لدخلت الأخلاق والآداب، وأيضاً لا مجال للاجتهاد فيها، إنما هنا أحكام شرعية ما بين راجح ومرجوح وتقديم، أما بعد ذلك فهناك أخلاق وآداب متفق عليها، ولذلك لا تدخل حتى في دائرة النسخ، مثلاً: الصدق والأمانة فضيلة، والكذب والخيانة رذيلة، هذا مما لا يدخل في دائرة النسخ، وهو مما جاءت به جميع الشرائع المباركة، فأيضاً لا مجال للاجتهاد فيها. والأحكام الشرعية هي التي تدور على أمور خمسة: الفرض، والمستحب، والحرام، والمكروه، والمباح، والأحناف زادوا اثنين -كما سيأتينا- ضمن أحكام الفقه في موضوع الواجب الذي هو دون الفرض، والمكروه تحريماً الذي هو فوق المكروه ودون الحرام، لكنها لا تخرج عن هذه القسمة الخماسية، وإن صار شيء من التفريع فيه دقة، فالفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، والواجب ما ثبت بدليل ظني، فانحط عن رتبة الفرضية، لكن الإتيان به مطلوب، وليس هو من باب المستحب.وعليه: فعندما نقول: العلم بالأحكام الشرعية، وهي الخمسة: من فرض وسنة وحرام ومكروه ومباح، التي طريقها الاجتهاد، تعين أن تكون تلك الأحكام أحكاماً عملية، فإن ذكرت الأحكام العملية لا بد من أن تُتبع أيضاً بقولنا: طريقها الاجتهاد، من أجل أن تخرج الأحكام العملية التي لا اجتهاد فيها، وهي الأخلاق والآداب.
 

الأدلة المبينة لمنزلة علم الفقه ومكانته

 فضل السفر في طلب العلم
وقيل -وهو وجه الصلة الثانية-: إن هذه الآية كلام مبتدأ، بعد أن ذكر الله عبادتين لا تحصلان إلا بسفر، وهما: الهجرة، والجهاد، قال تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40]، هذا نوع من العبادات لا يحصل إلا بسفر، وهي الهجرة، ونوع آخر من العبادات وهو الجهاد، كذلك لا يحصل إلا بسفر، قال تعالى في سورة التوبة: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [التوبة:41]، والآيات قبل هذه: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة:120] عليه الصلاة والسلام. إذاً ذكر عبادتين لا تحصل واحدة منهما إلا بسفر، هجرة وجهاد، وبعد هذا ذكر الله نوعاً ثالثاً من أنواع العبادات، وهو طلب العلم، أيضاً لا يحصل إلا بالرحلة، والسفر، كما حصلت الهجرة بالسفر، وحصل الجهاد بالسفر، فطلب العلم أيضاً يحصل بالسفر، فذكر الله عبادة ثالثة فاضلة وهي طلب العلم، التي أيضاً تشارك العبادتين المتقدمتين في طريق حصولها وهي السفر فقال: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً [التوبة:122]، في أي شيء؟ في طلب العلم، ما كانوا ليخرجوا جميعا ليتعلموا، ويتركوا بلادهم ومصالحهم، ولذلك قال: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ [التوبة:122]، يكفي أن يذهب من هذا الحي واحد، يتعلم ثم يعود إليهم ينذرهم ويحذرهم، لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [التوبة:122]، أي: بعد تعلمهم، لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة:122]. قال الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: لفظ الآية دليل على السفر في طلب العلم، وإن كان الإنسان يحصل العلم في بلده من غير سفر فيبقى، وقد رأينا أن العلم المبارك المنتفع به لا يحصل إلا بسفر. ولذلك -إخوتي الكرام- هناك عدد من أئمتنا جالوا الدنيا، منهم الإمام المبجل أحمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين، رحل أربع مرات يدور الدنيا، وكلما كثرت رحلة الإنسان كلما كثر علمه، وأخذ علم أهل المشرق وأهل المغرب عندما دار، هذا حقيقة، وإن كان العلم قد يحصله في بلاده لكن السفر أنفع له، العلم المبارك ما يحصله الإنسان إلا عن طريق السفر، والسبب أنه تعب في تحصيله، فيجد ويجتهد في العمل به وفي الدعوة إليه. أما في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فالأمر واضح، لا يحصل العلم إلا بالسفر إليه، فهو مشكاة العلم عليه الصلاة والسلام، فكأن الله يقول: يا معشر العباد! لا يلزمكم أن تهاجروا جميعاً، لو ذهب من كل قوم واحد أو اثنان إلى النبي عليه الصلاة والسلام فتعلم أو تعلما، ثم عاد أو عادا إليكم لكفى. ولذلك اتفق أئمتنا على أن هذه الآية نص صريح في قبول خبر الواحد، والأحاديث في ذلك متواترة، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يرسل رسله آحاداً ليبلغوا دعوة الله جل وعلا، وليبينوا أحكام الله، فخبر الواحد الثقة كاف في الحجة والعمل به، وهنا فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ، وكما قلنا: أقلهم ثلاثة، مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، يشمل الواحد فما فوقه، إذاً لو خرج واحد وتعلم وعاد، ثم أنذر وحذر لقبل ذلك منه.إخوتي الكرام! كان عندنا مبحث لطيف فيما يتعلق بلولا، وكما قلت: هي للتحضيض، وبمعنى (هلا)، وهي طلب الشيء بإلحاح ورغبة، كيف تركب هذا المعنى فيها؟ لأنها مركبة من (هل) الاستفهامية، و(لا) النافية، وسنذكر هذا فيما يأتي، وماذا يكون معناها إذا دخلت على المضارع وعلى الأمر، ضمن هذه الآية: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ [التوبة:122]، (لولا، هلا، لوما) كلها بمعنى واحد تفيد طلب الشيء بإلحاح وشدة. وأما الأحاديث الأربعة فسوف أذكرها أيضاً في أول الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه في بيان فضل التفقه في دين الله عز وجل. أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيراً، والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - الفقه تعريفه ومكانته [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net