اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة لقمان - مقدمة في تفسير سورة لقمان [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


تفسير سورة لقمان - مقدمة في تفسير سورة لقمان [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
عني القرآن المكي بموضوعات العقيدة والتوحيد، وبيان حق الله على العبيد، إضافة إلى ذكر أمهات الفضائل التي يطالب بها من آمن بالله عز وجل من خلقه، ثم بعد ذلك تناول القرآن المكي قصص الأمم الغابرة وأخبار القرون السالفة لينبه عباد الله المؤمنين على وحدة الدين في كل زمان ومكان، وليثبتهم على ما هم عليه من طريق مستقيم، وليبشرهم بما ينتظرهم في عاقبة أمرهم من النصر والتمكين.
المحور الثاني الذي دار حوله القرآن المكي: ذكر أمهات الفضائل التي يطالب بها العباد
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وهو اللطيف الخبير.اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين.أما بعد:الأمر الأول الذي دار حوله القرآن المكي، وهو بيان ما يتعلق بربنا الرحمن، وبيان لحال الإنسان، وما يحيط به في هذا الكون، فالله جل وعلا رب العالمين يتصف بكل كمال يتنزه عن كل نقصان، يجب أن يعبد وحده لا شريك له، وأنت أيها الإنسان مخلوق لهذا الخالق لا تستطيع أن تخرج عن إرادته الكونية، فالتزم بأمره الشرعي، وحذار حذار أن تخرج عن ذلك طرفة عين!ولذلك فالقضية المقررة مما تقدم: أنه إذا كان الأمر كذلك فلا أسعد ولا أحسن حالاً ممن أفرد ربه بالعبادة، وهذا ما أشارت إليه هذه السورة في قول الله: هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [لقمان:3-5]، ولا أتعس ولا أشقى ولا أخبث ولا أنكد معيشة في هذه الحياة، وهلاكاً بعد الممات ممن أعرض عن عبادة الله، وانحرف عن شرع الله، كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [لقمان:6-7].ثم بين مآل الصنف الأول فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [لقمان:8-9].إذاً: هذا الأمر الأول الذي دار حوله القرآن المكي، وهو بناء القلوب لتتصل بعلام الغيوب، عن طريق بيان الصلة بين الخالق والمخلوق.أما الأمر الثاني الذي دار حوله القرآن المكي: التحدث عن أمهات الفضائل التي يطالب بها العباد بوصفهم عباداً لله في جميع العصور، وعلى مر الأيام والدهور، وهذه الفضائل لا يدخلها النسخ كما يقول علماء الأصول في كتب الأصول، ومنها: بر الوالدين، الإحسان إلى المحسن، الأمر بالفضيلة والتحذير من الرذيلة، فهذه أمهات فضائل وأخلاق عالية يستوي في معرفة حسنها جميع الناس، بغض النظر عن كونهم مؤمنين أو كافرين.ولذلك يقول ربنا جل وعلا في سورة لقمان: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14]، هذه من أمهات الأخلاق، ولا يتصور أن تنسخ شريعة من الشرائع هذا الحكم، ولهذا أمر به المسلمون وأمر به الناس بوصفهم عباداً لله من عهد أبينا آدم إلى نبينا محمد عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه.وهكذا يقول الله جل وعلا في هذه السورة مخبراً عن وصية لقمان الحكيم لابنه الكريم: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان:17]، ثم يقول: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ [لقمان:17]، وهذه فضيلة ينبغي أن توجد في جميع العصور، ثم يحضه على خلق الصبر: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17].ثم يحذره من الأخلاق الرذيلة الدنيئة ومن سفاسف الأمور: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18]، كل عاقل بوصفه بشراً، يقر بحسن هذه الوصية، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19].فتقرر أن القرآن المكي توجد فيه الإشارة إلى أمهات الأخلاق والفضائل.ولذلك ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الطبري أنه قال: جمع الله أحكام التوراة من أولها إلى آخرها في خمس عشرة آية من سورة الإسراء، أولها قول الله جل وعلا: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا * وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:22-23]، إلى آخر الآيات الخمس عشرة، أي أن جميع أحكام التوراة في هذه الآيات وهي من القرآن المكي.والتوراة امتازت بذكر الأحكام بخلاف الإنجيل، فالإنجيل كان فيه المواعظ وترقيق القلوب، وهي تكمل ما في التوراة، فنبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه يرجع إلى التوراة وأحكام التوراة جمعها الله لهذه الأمة في خمس عشرة آية من سورة الإسراء: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا * وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:22-23]، ثم انتقل إلى بقية الخصال في النهي عن قتل الأولاد، وعن الزنا، وعن التطفيف في الكيل والميزان، إلى غير ذلك من الخصال الحسان التي لا يتصور فيها نسخ.
 

المحور الثالث الذي دار حوله القرآن المكي: ذكر القصص وما جرى للأمم السابقة
الأمر الثالث الذي وعنى به القرآن المكي بكثرة: القصص، والإشارة إلى أحوال الأمم السابقة؛ لأن القصص في الحقيقة يقرر الأمرين المتقدمين، والثاني فرع عن الأول، فإذا طهرت القلوب وأفردت علام الغيوب بالعبادة، ينبغي بعد ذلك أن تأمر بكل فضيلة، وأن تبتعد عن كل رذيلة؛ لأجل تقرير هذين المعنيين ذكر الله القصص وما جرى للأمم السابقة، للإشارة إلى أن تلك الأمم أمروا بعبادة الله كما أمرنا، وبهذه الأخلاق الكريمة كما أمرنا، فكانت النتيجة أن من أعرض عن شريعة الله شقي في الدنيا، وما له من العذاب بعد موته أكبر وأفظع، وهنا ذكر الله في هذه السورة المكية شأناً من القصص فيما يتعلق بالعبد الصالح لقمان: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [لقمان:12].
 من فوائد القصص المكي: الإشارة إلى أن عاقبة النصر للمؤمنين
الحكمة الثالثة من ذكر القصص في السور المكية: أن في ذكر القصة في القرآن المكي إشارة إلى حتمية تاريخية دينية، وسنة اجتماعية مطردة، تشبه اطراد سنن الله الكونية في الآفاق وفي الأنفس، ففي السنن الكونية ليل يتبعه نهار، شمس وقمر، وهذا مطرد لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40]، القصة تشير إلى سنة من سنن الله الدينية، وهي أن الله سيؤيد الحق وينصر أهله، وسيخذل الباطل ويمحق أهله، فالله عندما كان يقص على المسلمين في مكة أخبار المتقدمين، إذاً في ذلك تبشير لهم أن دولتهم عما قريب ستقوم على أركان متينة، لكن لابد من الصبر والمصابرة لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:141].يقول الله جل وعلا: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب:60-62].وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [النحل:113].فإذاً: ينبغي أن يعتبر هؤلاء بالقصص الذي ذكر في مكة: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ [سبأ:15]، كيف عاقبهم الله جل وعلا عندما عتوا وبغوا واستكبروا وانحرفوا عن شرع الله؟قال عن عاد عندما عتوا: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:15-16].وقال عن ثمود: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت:17-18].القصص يشير إلى هذه السنة الدينية والحتمية الشرعية التي لا تتبدل، أن الله سينصر الحق وأهله، ويعز الموحدين، وسيخذل الباطل وأهله، وسيذل الكافرين، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:21]، وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173].
القرآن المكي وتغيير الأفكار والمشاعر
إذاً: هذا هو محور القرآن المكي، ولهذه الأمور التي تقدمت غير الله الأفكار والمشاعر، وأزال العقدة الكبرى عند بني الإنسان، وغير الطريقة التي تحصل بها تلك الأفكار والمشاعر، أما الأفكار والمشاعر فقد غيرها الإسلام، وجعل بهذا المنهج السديد الذي ذكر في القرآن المكي أن فكر الإنسان وشعوره يدور حول الحلال والحرام، حول رضوان الله وسخطه، لا على منفعة عاجلة، ولا على شهوة حاضرة، بل يفكر ويبحث في الأمر، هل هو حلال يرضي الله فأفعله، أو حرام فأبتعد عنه، وإن كان فيه من المصالح ما كان، وهذا متى؟ بعد أن اتصلت القلوب بعلام الغيوب، عندما علم الإنسان أن الله ربه ورب كل شيء، يتصف بكل كمال، ويتنزه عن كل نقصان، أنت ينبغي أن تصرف شؤونك على حسب ما شرع لك؛ لأنك ستؤول إليه ليحاسبك على فعلك.
 إزالة العقدة الكبرى في الحياة بتعريف الإنسان بسبب وجوده فيها
إذاً: غير الفكر والشعور، أزال العقدة الكبرى، المؤمن في هذه الحياة يواجه أعظم مشكلة، من أوجدني؟ لم وجدت؟ إلى أي شيء سأصير؟ ما الغاية من وجودي؟ لابد من هذا، هذه أعظم عقدة، أعظم مشكلة تواجه الإنسان، إذا أزالها بحل شرعي يقنع العقل ويطمئن القلب، عاش الإنسان في جنة عاجلة مع ما له من رضوان الله في الدنيا والآخرة، وإلا فهو في شقاء وبلاء.من أوجدني؟ تقدم معنا في القرآن المكي أن الله جل وعلا أخبرنا أنه رب الإنسان ورب كل شيء خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ [لقمان:10] فهو ربك ورب كل شيء.لم وجدت؟ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ [لقمان:12].إلى أي شيء ستؤول إليه وستصير إليه؟ ستصير إلى ربك جل وعلا، إما في جنات النعيم، وإما في عذاب مهين.إذاً: هذه العقدة الكبرى أزيلت بأدلة فطرية لا تكلف فيها ولا مغالطة، تدركها نساء البادية، ويستوي في فهمها من يحمل أعلى شهادة، ومن كان أمياً في البادية يرعى الإبل، قرر ربنا جل وعلا هذه الأدلة، فجعل القلوب في بهجة ونور.من أوجدك؟ الذي أوجد كل شيء.لم؟ لتقوم بوظيفة في هذه الحياة وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [المؤمنون:115]، أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36].إلى أي شيء سيئول أمرك؟ إلى الله ليحاسبك على ما قدمت، لذلك يستريح المؤمن.غير المؤمن عندما يبحث: من الذي أوجدني؟ يقول: وجدت فلتة وصدفة، لو عرضنا هذا على أحط العجماوات دركة وهو الحمار، لرفع رأسه ونهق أعظم نهيق استنكاراً لهذا!لابد لهذا المخلوق من خالق، فأنت فقير في وجودك، فقير في بقائك، لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً، وجدت بغير اختيارك، ستزول بغير اختيارك، في صورة بغير اختيارك.إذاً: هذا الفقر لا بد من أن يستند إلى إله غني أوجده ويدبر أمره، وهو الله رب العالمين سبحانه وتعالى.إذاً: هذه العقدة لا بد من أن تزال، أزالها القرآن في العهد المكي، انظر لانحطاط البشرية في هذا العصر المتقدم المتطور، الآسن الرديء، انظر يقول شاعر الإلحاد في هذه الأيام:جئت لا أعلم من أين ولكني أتيتولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيتكيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدريولماذا لست أدري؟ لســت أدريإذاً: بأي شيء ستسلي نفسك، والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن لهذا الكون إله خلقنا وكلفنا وسنؤول إليه، لقتل العاقل نفسه، واستراح من شناعة الدنيا ومن بلائها! إذا لم يكن لهذا الكون إله ننعم بذكره في هذه الحياة، وسنؤول إليه لنتلذذ برضوانه والنظر إلى وجهه في نعيم الجنات، والله لاستعجل العاقل الموت في هذه الحياة، وكلما اكتمل عقله كلما سارع إلى نحر نفسه، يعني: الحياة فقط كالبهيمة، ما له إلا أن يعبئ ويفرغ، ثم بعد ذلك هو صعلوك لا يسوى حذاء بالياً، بدأ يعربد ويتمرد ويقطع رقاب الصالحين المتقين، ويعيث في الأرض فساداً، أهذه حياة؟! كان بعض الصالحين يقول: (والله لولا يوم القيامة، لكنت أطق أطق) أي: أنفجر، أتمزق.فإذاً: هذه العقدة الكبرى لا بد من إزالتها، أزيلت في العصر المكي، يا عبد الله هذه الدنيا متاع، (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع)؟فأنت كلفت هنا بغاية، إذا قمت بها نلت سعادة الدارين، سواء حصل لك بعد ذلك عز وتمكين في هذه الحياة أو لم يحصل، وكم من صحابي توفي في العصر المكي ولم ير دولة الإسلام قائمة في المدينة، أجره وجب على الله، وحصّل السعادة في ذلك العصر، وما له من السعادة بعد موته أعظم.إذاً: لا بد من إزالة العقدة الكبرى في هذه الحياة، من أوجدك؟ لم وجدت؟ إلى أي شيء ستصير؟ وإلى من ستؤول؟ القرآن المكي أزال هذا بأدلة كما قلت، تقنع القلب، وتشرح الصدر، وتطمئن القلب.وكما أن القرآن المكي غير الأفكار والشعور، وأزال العقدة الكبرى، فقد غير الكيفية التي تحصل بها الأفكار والشعور.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة لقمان - مقدمة في تفسير سورة لقمان [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net