اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شمائل الرسول (الخلق الحسن) للشيخ : أحمد القطان


شمائل الرسول (الخلق الحسن) - (للشيخ : أحمد القطان)
حصر النبي صلى الله عليه وسلم الغاية من بعثته بإتمام الأخلاق، وذلك يختزل الكثير من الكلام حول أهمية الأخلاق في الإسلام، وارتباط العبادات بها.وفي هذه المادة بيان للأخلاق التعبدية، مع بيان نظرة الإسلام إلى الفصل بين العبادات والأخلاق.بالإضافة إلى علاقة الإيمان بحسن الخلق، وبعض النصوص النبوية في فضل الأخلاق وأهميتها.
الغاية الأخلاقية من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله الكريم الذي يحب الكرماء، الحيي الذي يحب الحياء وأهله، العفو الذي يحب العفو، والذي يعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه، والذي كان يدعوه نبيه ورسوله محمدٌ صلى الله عليه وسلم في قيام الليل فيقول: (اللهم هب لي مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال؛ فإنه لا يهب مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال إلا أنت).اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك منها غير مفتونين، اجعلنا هادين مهديين غير ضالين ولا مضلين، سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالفك.أما بعد:أيها الأحباب الكرام! إني أحبكم في الله، وأسأل الله أن يحشرني وإياكم في ظل عرشه ويجمعنا في مستقر رحمته وبره ورضوانه في الفردوس الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.اللهم إنا نسألك أن تنصر المجاهدين وأن تكرم الشهداء، وتثبت الغرباء، وتفك المأسورين برحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل هذا البلد وسائر بلاد المسلمين سخاءً رخاءً، أمناً وإيماناً، ألَّف على الخير قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور.اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء، اللهم اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم أصلح أزواجنا وأولادنا وبناتنا وأرحامنا وجيراننا، واجعلنا لجميع المسلمين هينين لينين كالأرض الذلول يطؤها الكبير والصغير، وكالسحاب تظل البعيد والقريب، وكالمطر يسقي من يحب ومن لا يحب.اللهم اجعلنا مبشرين وميسرين، ولا تجعلنا معسرين ومنفرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.أيها الأحباب! قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه الإمام مالك : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وتبين من رسالته صلى الله عليه وسلم أن الدين هو الأخلاق، وأن أركان الإسلام إنما جاءت لتنبثق منها الأخلاق فيتحول محراب المسجد وجوع الصائم، ونفرة الحجيج، وأموال الزكاة، كلها تتحول في النهاية إلى سلوكٍ وأخلاقٍ، وكرم وفضائل تنعكس في حياة الناس؛ فيذهب عنها الحقد، ويذهب عنها الغل والغش، ويصبح الناس كلهم في محاسن الأخلاق ومكارمها التي تممها محمد صلى الله عليه وسلم فيهم عن طريق العبادة وعن طريق الزكاة، وعن طريق الحج، وتتحول الشعوب الإسلامية نماذج لهذا الدين، نماذج للقرآن، ويصبح كل واحد منهم قرآناً متحركاً بين الناس.لا نعجب وإن الله سبحانه وتعالى عندما ينادي في القرآن ينادي من؟ (يا أيها الذين آمنوا...) نداء الإيمان، ثم بعد ذلك: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] (يا أيها الذين آمنوا...) الإيمان الذي تُنادى أنت به يقول الله لك: اتق الله فيه، حافظ على السمعة الإيمانية، حافظ على السمعة الإسلامية، إذا كنت في بلدك أو في السفر، في بيتك أو في المعمل، مع نفسك أو مع الناس، اتق الله يا من أناديك بالإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] احرص على الرفقة الصادقة أينما تكون؛ لأنك أنت بهم وهم بك، وكلكم شهودٌ على الناس والرسول عليكم يوم القيامة شهيد.أحبتي في الله! ابتداءً من هذا الدرس سنجول في رياض الأخلاق الإسلامية كل سبتٍ إن شاء الله بين المغرب والعشاء في جمعية الإصلاح، ورحم الله مسلماً ومسلمة أتى بأخٍ له وجره معه إلى الجنة، فحلق الذكر من رياض الجنة تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة وتنزل عليها السكينة، ويذكرهم الله فيمن عنده، وفي الملأ الأعلى، أرجو أن يكون في الأسبوع القادم إن شاء الله ضعفي هذا العدد: (ولأن يهدي الله بك رجلاً خيرٌ لك من حمر النعم).
 

أثر العبادات في تهذيب الأخلاق
نعود أيها الأحباب الكرام إلى قضية الأخلاق، لنشاهد أثر الجانب التعبدي في التربية عليها، الله سبحانه وتعالى يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر [العنكبوت:45] تلاحظ في هذه الآية عندما أمر الله بإقامة الصلاة في آياتٍ أخر كان يريد منا الخشوع: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2].
 علاقة الزكاة بالأخلاق
تعالوا معي إلى فريضة الزكاة، ننتقل من الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر إلى فريضة الزكاة.بعض الناس يظن أن فريضة الزكاة ضريبة مالية إذا أخرجها من ماله وأداها انتهى الدور الذي عليه، ماذا يقول الله؟ يقول: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103] إذاً الزكاة تطهير وتزكية، والتزكية هي التربية، معنى هذا: كما انفتح قلبـي لمولاي في الصلاة انفتح جيبي للمساكين بالزكاة، وتبدأ يدي تمتد فتمسح الدموع التي تنحدر من عيون الثكالى واليتامى والمساكين، وتبدأ يدي تمارس عملية الإطعام: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان:8] ويؤتون المال ذوي القربى على حبه، فالقضية قضية عاطفة وممارسة لهذه العاطفة النابعة من القلب قبل أن تنبع من الجيب، أي: عندما أعطي المال للمسكين لا أحس أنني متكبر عليه، أو أني متفضل عليه، أو أنه مكسور القلب وأنا مجبور القلب، لا. ابن القيم رحمة الله عليه يقول: إن الله يسوق الفقير إليك فيقرع عليك بابك ليذكرك بفقرك إلى الله؛ لأنك غافل، أنت تفتقر إلى الله بهذا النفس، بمجاري الدم، بطرفة العين، بحركة شعيرة من عروقك، بنبضات قلبك، بجريان دمك، بدفع الأعداء المحيطة التي تراها والتي لا تراها، كم من الفيروسات والجراثيم والميكروبات تدفعها حفظة تنزل عليك من الله كل يوم: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ [الرعد:10-11] ولولا هذا الحفظ لهلكت.إذاً: المراد من الزكاة: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103].
دور النبي صلى الله عليه وسلم في تهذيب الأخلاق
تعال معي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعيش مع العرب في صحراء الجزيرة العربية ذات القحط والجوع والحروب والفتن والجفاف، الشتاء قارس مهلك، والصيف جاف حار محرق، وإذا بقضية الصدقة التي كان بعض الناس يظن أنها محددة فقط في دفع زكاة المال، وإذا به يوسعها صلى الله عليه وسلم نفلاً فماذا يقول؟ (تبسمك في وجه أخيك صدقة) وعندما تعرف طبيعة الرجل العربي أو البدوي الذي كان يعيش في الصحراء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تعرف قيمة هذا الكلام، أحد الأعراب لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل أحد أولاد ابنته قال: عندي عشرة مثلهم ما قبلتهم أبداً. فإذاً قضية تبسمك في وجه أخيك يربي هؤلاء الأجلاف الذي حتى ابنه وحشاشة وثمرة فؤاده ما قبله في يوم من الأيام، هذا يعني أنه لا يوجد في قلبه عاطفة تجاه الأبناء فكيف بالآخرين، الآخرين لهم السيف.فمن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم شعار عجيب!إذا لم تكن ذئباً على الناس أطلساً كثير الأذى بالت عليك الثعالب
 ربط الإسلام بين العبادة والأخلاق
لنر ماذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم في قضية الذي يفصل بين العبادة وبين الأخلاق والسلوك، اسمعوا معي وعيشوا معي هذه الأحاديث التي قيلت في خير القرون وفي خير مجتمع، مدحهم الله مدحاً عظيماً، استمع: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) إذاً: قضية الصيام ليست قضية طعام وشراب، الطعام والشراب مقدمة إلى نتيجة محصلها أن يدع قول الزور والعمل به: (ليس الصيام من الأكل والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم) أظن أن معظم المعارك تحدث عند الناس في رمضان، لماذا يا أخي أنت وغضبان؟! قال: أنا صائم، كيف تفتح الإشارة الخضراء ثم يشغل سيارته ويمشي؟ تفل في عين الرجل وأسقط عقاله، وحجته أنه صائم مع أن الأحاديث تتكلم عن الصائم: (ليس الصيام من الأكل والشراب إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم).الحديث الأول رواه البخاري والثاني ابن خزيمة .الآية تقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] التقوى: هي الأخلاق.كذلك فريضة الحج، بعض الناس عندما يؤدي فريضة الحج يؤديها على أنها متعة، على أنها رحلة تتغير فيها أنواع الأطعمة، تتغير فيها الرفقة والصحبة، يتغير فيها الجو المألوف، تتغير الحياة فيعود مشتاقاً إلى أم العيال وإلى العيال وإلى الوظيفة وإلى البيت ويبدأ يتكلم: طبخنا وأخذنا ووضعنا واشترينا، الله سبحانه وتعالى لم يذكر من هذا الأمر شيئاً لما ذكر قضية الحج، ذكر قضية الحج ثم بين بأنها قضية أخلاقية. (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ينذر الله ويحذر الذي لا يفهم هذا المفهوم وهذا المقصود من العبادات: الصلاة، الصيام، الزكاة، الحج.. ينذره الله ويحذره بالعقاب فيقول: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ [طه:74-75] تلاحظون لما ذكر الإيمان لم يذكره وحده، ذكر معه عمل الصالحات، وعمل الصالحات هذه ما تركت شيئاً من الخير، كل ما هو صالح في حقك وفي حق دينك وفي حق الناس وفي حق أهلك فهو من العمل الصالح: فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:75-76] وذلك جزاء من حسنت أخلاقه وتمت تربيته وكملت شمائله وهي معنى كلمة التزكي: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10].. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15] لاحظ أن التزكية التي هي التربية لها علاقة بالصلاة مباشرة.
علاقة الأخلاق بالعبادة وإزالة السيئات
والإسلام يعتبر ضعف الخلق دليلاً على ضعف الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (الحياء والإيمان قرناء جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر) ويقول صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟! قال: من لا يأمن جاره بوائقه) تلاحظون أنها قضية إيمانية، إيمانه ضعيف، إيمانه ناقص، إيمانه مريض: (لا يؤمن، لا يؤمن، لا يؤمن) ثلاث مرات؛ لأن جاره دائماً في خوف منه، يخاف على أولاده أن يدوسهم، يخاف على خادمته لو يغررها، والآن هذه مصيبة عمت، إذا عنده خدامة فليبينية جميلة أصبح الواحد لا يأمن عليها، لازم شرطي يمشي وراءها لكي يحرسها، خاصة في المناطق قليلة الحضارة وقليلة المدنية حيث يوجد الخطف.ويقول صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر) من يؤمن بالله قضية خطيرة، واليوم الآخر الذي فيه الجنة وفيه النار، وفيه الحساب، وفيه البعث، وفيه الصراط، وفيه الحوض، وفيه الميزان: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) قضية خلقية: قل خيراً، وإلا فاصمت.
 خصال النفاق عبارة عن اختلالات أخلاقية
يبين صلى الله عليه وسلم هذا التقرير المعجز؛ لأن الإنسان إذا أهمل قضية الأخلاق ولم تنبثق من الطاعات والعبادات، وتحولت العبادة عنده عادة يؤديها هكذا روتينياً، ثم هو إنسان آخر منفصم في عبادته وعقيدته وسلوكه وأخلاقه ساعة لقلبي وساعة لربي كما يقولون، أو كما يعبد النصارى في الكنيسة يوم الأحد وسائر أيام الأسبوع يقع في الخمر وفي الفاحشة وفي الزنا ... الخ، قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) رواه مسلم، وفي رواية (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) وقال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) هذه الأخيرة (إذا خاصم فجر) نراها فينا كثيراً، إذا خاصم ودخل في معركة تسمع سب ولعن آبائه وأجداده وذريته إلى يوم القيامة، هذا إذا لم يتعد على الرب والدين، وإذا لم يطلق زوجته، كل يوم يطلق زوجته ثلاث أو أربع مرات، هذا هو الفجور: (إذا خاصم فجر) نسأل الله العافية..!إذاً: الأخلاق عندنا نحن المسلمين عبادة لا كما تقول الدكتورة/ نوال السعداوي في كتابها الذي يدرس في الجامعات: إنما الأخلاق كالثوب نلبسه متى شئنا وننـزعه متى شئنا، لا. الأخلاق عندنا نحن دين، قال الله عنها في كتابه لنبيه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وأمره أن يطهر ثوبه: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] لم يقل: وثيابك فانزع، متى شئت فالبس الأخلاق ومتى شئت فانزع الأخلاق، قال: لا، دع ثيابك عليك وطهرها بالأخلاق الطيبة الكريمة، وقال تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].
أحاديث في فضل حسن الخلق
عن أسامة بن شريك قال: (كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم وكأن على رءوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم إذ جاءه أناس فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ فقال: أحسنهم خلقاً)رواه الطبراني ، وفي رواية: (ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: خلق حسن) رواه ابن حبان.وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً)رواه الترمذي .. (.وسئل: أي المؤمنين أكمل إيماناً؟ قال: أحسنهم خلقاً)رواه الطبراني ، ويقول صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ -أعاد ذلك ثلاث مرات- قالوا: نعم يا رسول الله! قال: أحسنكم خلقاً) وقال: (ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن).. (إن الله يكره الفاحش البذيء، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة) كل هذه الأحاديث تبين أن أقرب منزلة إلى النبي، وأنتم تعلمون أن النبي في الفردوس الأعلى صلى الله عليه وسلم، وأقرب الناس منزلة إليه وهو في الفردوس الأعلى صاحب الخلق الحسن، أحب العباد إلى الله صاحب الخلق الحسن، أثقل الموازين يوم القيامة صاحب الخلق الحسن، أكمل الناس إيماناً صاحب الخلق الحسن. إذاً ما بقي شيء، هذا هو الدين، هذا هو الإسلام، إيمان، جنة، أخلاق، قرب محمد صلى الله عليه وسلم، حب من الله، هذا هو الدين وهذا هو الإسلام.إذاً: أيها الأحباب! الإسلام يدور حول حسن الخلق.نعود إلى الأحاديث لنسمعه يقول صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وأشرف المنازل، وإنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درجة في جهنم) رواه الطبراني، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) وفي رواية: (إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار) رواه أبو داود، وعن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوام القوام بآيات الله بحسن خلقه وكرم طبيعته) رواه أحمد، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه) رواه الحاكم.ويقول صلى الله عليه وسلم في بقية الحديث: (وقلبه سليم، ولسانه صادق، ونفسه مطمئنة، وخليقته مستقيمة) بقية الحديث لـابن حبان.وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً وكان يقول: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً) رواه البخاري ، لم يكن فاحشاً متفحشاً .. هذه الكلمات تبين الذي نحن نسميه باللهجة العامية: هذا (إنسان ذرد الأخلاق وذرد القول) حتى أن بعض السلف الصالح يقول: خشيت لو قلت للكلب يا كلب، أن يمسخني الله كلباً! أي: أنه حتى الكلب لا يقول له يا كلب! كأن فيها شماتة عليه، فهم يبتعدون، وبعض الناس عندما أراد أن ينصح أخاً له في الله كان يفعل بعض الأفعال القبيحة لم يذكرها باسمها قال: يا أخي! الأفضل لو أنك كنت صادقاً. فقال له أخوه: لماذا لم تقل له: ألا تكون كذاباً؟ قال: أحببت أن لا يكتب الملك عليَّ كلمة لا أحبها، أن يكتب صادقاً خير من أن يكتب كذاباً.. انظر حتى الكلمة لا يريد ملك الحسنات أو ملك السيئات يكتبها؛ لأن هذه هي أخلاق الإيمان والإسلام.ليس بالفاحش ولا بالبذيء، لهذا نحن عندما نجلس في مجالسنا في الديوانيات أو في الشاليهات نحرص كل الحرص ألا نضحك الناس عن طريق (النكتة البايخة) التي لا يضحك عليها الناس إلا إذا كانت بايخة، فيها كلام وسخ، فيها كلام لا يريده الإنسان ذو المروءة وذو الدين وذو الخلق، ويؤسفني كثيراً أن بعض الناس لا يبالي في هذا الجانب، بل يفرحون إذا جاء فلان، من هو فلان هذا الذي وصل وتهشون وتبشون لقدومه؟ الذي يورد النكت السيئة، نكت جنسية، نكت قليلة الحياء، قليلة المروءة، ويصدرونه في المجلس يالله تفضل! هذا ليس من الإسلام في شيء، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس بالفاحش ولا بالبذيء، وفي الدرس القادم نأتي بشمائل محمد صلى الله عليه وسلم وأخلاقه حديثاً حديثاً؛ لأن الله أمرنا أن يكون هو قدوتنا وأسوتنا صلى الله عليه وسلم.اللهم هب لنا مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال؛ فإنه لا يهب مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال إلا أنت، اللهم اجعلنا هينين لينين برحمتك يا أرحم الراحمين.أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 خصال النفاق عبارة عن اختلالات أخلاقية
يبين صلى الله عليه وسلم هذا التقرير المعجز؛ لأن الإنسان إذا أهمل قضية الأخلاق ولم تنبثق من الطاعات والعبادات، وتحولت العبادة عنده عادة يؤديها هكذا روتينياً، ثم هو إنسان آخر منفصم في عبادته وعقيدته وسلوكه وأخلاقه ساعة لقلبي وساعة لربي كما يقولون، أو كما يعبد النصارى في الكنيسة يوم الأحد وسائر أيام الأسبوع يقع في الخمر وفي الفاحشة وفي الزنا ... الخ، قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) رواه مسلم، وفي رواية (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) وقال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) هذه الأخيرة (إذا خاصم فجر) نراها فينا كثيراً، إذا خاصم ودخل في معركة تسمع سب ولعن آبائه وأجداده وذريته إلى يوم القيامة، هذا إذا لم يتعد على الرب والدين، وإذا لم يطلق زوجته، كل يوم يطلق زوجته ثلاث أو أربع مرات، هذا هو الفجور: (إذا خاصم فجر) نسأل الله العافية..!إذاً: الأخلاق عندنا نحن المسلمين عبادة لا كما تقول الدكتورة/ نوال السعداوي في كتابها الذي يدرس في الجامعات: إنما الأخلاق كالثوب نلبسه متى شئنا وننـزعه متى شئنا، لا. الأخلاق عندنا نحن دين، قال الله عنها في كتابه لنبيه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] وأمره أن يطهر ثوبه: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] لم يقل: وثيابك فانزع، متى شئت فالبس الأخلاق ومتى شئت فانزع الأخلاق، قال: لا، دع ثيابك عليك وطهرها بالأخلاق الطيبة الكريمة، وقال تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شمائل الرسول (الخلق الحسن) للشيخ : أحمد القطان

http://audio.islamweb.net