اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - الإهلال من حيث تنبعث الراحلة للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - الإهلال من حيث تنبعث الراحلة - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج أو العمرة أن يتطيب لإحرامه، فيطيب مفرق رأسه وبدنه بأجود ما يجد من الطيب، ثم يركب دابته ويستوي على ظهرها، فإذا شرعت بالسير أهل صلى الله عليه وسلم، وكان هذا فعله في إهلاله بالعمرة من ذي الحليفة، وكذلك عندما أهل بالحج من مكة يوم التروية.
مجمل الكلام في المواقيت الزمانية والمكانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.وبعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أما بعد:فبعد أن تعرضنا في كتاب الحج في الباب الأول لبيان ما يحرم على الحاج وما يباح له في ثيابه، انتقلنا بعد ذلك إلى المواقيت وقلنا: إن المواقيت منها المكاني ومنها الزماني، فهناك ميقات زماني للحج وهو أشهر الحج، وبينا أن أشهر الحج: هي شوال وذو القعدة، ووقع الخلاف في ذي الحجة هل هو الشهر كله أم بعضه؟ ورجحنا أن مذهب جماهير العلماء أن بعض شهر ذي الحجة هو من أشهر الحج وليس كل شهر ذي الحجة، وينتهي هذا البعض من الشهر بانتهاء ليل يوم النحر؛ لما رجحناه هناك من اتفاق العلماء على أن من لم يدرك الوقوف بعرفة في نهار التاسع من ذي الحجة إنما يجزئه أن يقف ولو بعض الليل من ليلة النحر، ثم ينزل إلى مزدلفة فإن أدرك المبيت بها ولو في جزء يسير من الليل كذلك صح مبيته في مزدلفة، فإن لم يدرك الوقوف في مزدلفة في هذه الليلة صح حجه وعليه دم؛ لأن المبيت في مزدلفة في مذهب جماهير الفقهاء واجب، وهو الراجح من الأدلة، وهو فعل النبي عليه الصلاة والسلام.أما ما يقال: إن شهر ذي الحجة كله من الأشهر الحرم فليس هذا بقول متين ولا تقوم عليه الأدلة؛ ولأنه يترتب عليه جواز التمتع والقران في العشرين يوماً الباقية منه ولا قائل بذلك، وإن قال بذلك بعض أهل العلم فيرد عليهم؛ لأن التمتع والقران إنما يسميان بذلك لكونهما قد وقعا في عام واحد، فإن الذي يقرن بين حجه وعمرته بعد أداء نسك الحج يلزمه إذا أتى قارناً أن يسوق الهدي معه ويتمتع ويبقى في ملابس إحرامه حتى يدخل الحج القادم؛ أي: من العام المقبل، وإذا أتى متمتعاً يلزمه أن يعتمر في شهر ذي الحجة -أي: في العشرين يوماً الأخيرة منه- ثم يظل متمتعاً ولا يخرج من مكة حتى يدرك الحج من العام المقبل.وشهر ذي الحجة هو تمام السنة، والمحرم ابتداء سنة جديدة، وإنما سمي تمتعاً لأن الحاج يتمتع بالعمرة إلى الحج من نفس العام، وسمي قراناً لأن القارن يقرن بين العمرة والحج من نفس العام، فإذا اعتبرنا أن شهر ذي الحجة كله هو من أشهر الحج وليست العشرة الأيام الأوائل منه فهذا يعني حصول المشقة للناس، كما أنه من جهة المعنى فاسد؛ لأن التمتع والقران يقعان في عام واحد لا في عامين متتاليين.أما الميقات المكاني: فإن ميقات أهل الشام ومن مر بهم هو الجحفة، وهي المعروفة اليوم برابغ، ورابغ قبل الجحفة بشيء يسير، وانعقد الإجماع على جواز الإحرام منه؛ لأن الجحفة صار الآن خرباً لا ينزله أحد، وميقات أهل المدينة هو ذو الحليفة، وهي المعروفة بأبيار علي، وميقات اليمن هو يلملم، وميقات العراق هو ذات عرق، وميقات أهل نجد ومن مر بهم هو وادي السيل.قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المواقيت: (هن لهن -أي: هذه المواقيت لأهلها المحددة لهم- ولمن مر بهن من غير أهلهن)، يعني: الجحفة ميقاتك باعتبارك من أهل الشام أو من أهل مصر، أما إذا كنت بالمدينة أو مررت بالمدينة فإن ميقاتك هو ميقات أهل المدينة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام بعد أن حدد المواقيت: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج أو العمرة).وقلنا في هذه المواقيت: إنه لا يجوز لأحد قط إذا كان يريد نسكاً.. عمرة أو حجاً أن يتجاوز هذه المواقيت ولا أن يعبرها بغير إحرام، فإذا كنت قاصداً أداء النسك وما أخرجك من بيتك إلا هذا القصد فيحرم عليك أن تعبر الميقات وأن تتجاوزه بغير إحرام، فإن تجاوزته بغير إحرام لزمك الرجوع إلى الميقات للإحرام من جديد، وعليك الإثم؛ أي: إثم عمد التجاوز بغير إحرام، تستغفر الله تعالى وتتوب إليه منه. أو أنك تحرم من مكانك بعد تجاوز الميقات وعليك دم، ويسن لمن أحرم من الميقات أن يشترط، فبعد أن يقول: لبيك اللهم عمرة، أو حجاً، أو عمرة وحجاً فيقول: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني؛ لأنه لو منعك مانع بعد الإحرام وبعد تجاوز الميقات من مرض أو وعكة أو علة أو حتى إجراء في الأوراق الرسمية؛ ربما ذهبت إلى المطار أو إلى الميناء فقالوا: جوازك مزيف مثلاً، أو قالوا: التأشيرة غير صحيحة وغير سليمة، أو أوراقك ليس لها عندنا رقم على الكمبيوتر، أو غير ذلك، فإنهم لا يتورعون أن يرجعوك في أقرب طائرة أو باخرة إلى بلدك مرة أخرى وأنت بملابس الإحرام.فإنما في هذه الحالة لابد أنك ستتحلل من إحرامك؛ فإن كنت قد اشترطت من الميقات وقت الإحرام وقلت: فإن حبسني حابس -أي: منعني مانع- فمحلي حيث حبستني. أي: فجوز لي يا رب أن أتحلل في نفس المكان الذي منعني فيه العذر وحبسني فيه الحابس؛ فإن قدمت في وقت الإحرام هذا الشرط ومنعك مانع أو حبسك حابس جاز لك أن تتحلل ولا شيء عليك، وإن لم تشترط ومنعك مانع أو حبسك حابس فلابد أن تتحلل، ولكن يبقى عليك دم، هذا الدم هو ذبح شاة لفقراء الحرم توكل فيه، وبعض أهل العلم اشترط أن يكون ذبح هذا الفداء في أشهر الحج أو في شهر ذي الحجة؛ ولكن هذا الشرط لا دليل عليه، فلك أن تفدي في أي وقت شئت؛ لأنك في حقيقة الأمر لست متنسكاً حتى تطالب بذبح النسك في وقت النسك.بمجرد أن تحللت انتهى حجك وانتهت عمرتك التي لأجلها تنسكت، فلست من أهل العمرة ولست من أهل الحج وإن حزت على ثواب الحاج وثواب المعتمر؛ لأن العذر هو الذي منعك ولولاه لسرت قدماً في إتمام النسك.يبقى معنا في هذه الليلة الكلام على بعض المواقيت بعد ذكر المواقيت جملة والمحرمات جملة فسنفصل بعد ذلك بأدلة تفصيلية لميقات أهل كل بلد.
 

باب أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة
قال الإمام النووي: (باب: أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة)، أي: الأمر لأهل المدينة النبوية ولمن مر عليها من غير أهلها أن يحرموا من مسجد ذي الحليفة.فميقات أهل المدينة هو ذو الحليفة، ومن أراد أن يحرم من ميقات أهل المدينة فليحرم من عند الميقات المحدد له لا قبل ذلك ولا بعده، أي: لا قبل الميقات ولا بعده؛ لأنه لو أحرم قبل الميقات يلزمه أن يحرم ثانية من الميقات، ولو أحرم بعد الميقات لزمه أن يرجع إلى الميقات أو أن يذبح دماً.فميقات أهل المدينة هو ذو الحليفة، لأهل المدينة ولمن جاء عليها وأراد أن يخرج منها متوجهاً إلى مكة لأداء النسك، بخلاف الذي يريد أن يدخل مكة لا للنسك وإنما لتجارة أو زيارة أو غير ذلك فإن هذا لا يلزمه الإحرام؛ لأنه ما نوى أصلاً أداء النسك وإنما نوى دخول مكة، وقد ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة بغير إحرام ولا نسك، ودخل مكة بإحرام ونسك، فأما دخوله مكة للنسك فقد أحرم له، ولما أراد القتال وفتح مكة ما أحرم له؛ لأنه ما نوى النسك في هذه السنة أو في هذا العام.ولا يجوز لأهل المدينة ولمن مر بهم وأراد النسك أن يحرم من المسجد النبوي، مع أنها أميال قلائل بين المسجد وبين الميقات.ولذلك أحرم رجل من المسجد النبوي وصلى ركعتين ولبى من المسجد، فسمعه مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي الإمام الفقيه، فقال له: إني أخشى عليك الفتنة، قال: أي فتنة يا إمام؟ إنما هي فراسخ بيننا وبين الميقات، وأردت أن أحرم من المسجد لشرفه، قال: أما سمعت قول الله عز وجل: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].والنبي عليه الصلاة والسلام جعل ميقات أهل المدينة ذا الحليفة، وهو أعلم بأن المسجد له شرف وله منزلة وله مكانة ومع هذا لم يحدده ميقاتاً لأهل المدينة ولمن مر بهم، فمن أحرم من المسجد النبوي ولم يحرم من الميقات الشرعي النبوي الذي حدده النبي عليه الصلاة والسلام يخشى عليه أن تصيبه فتنة، فهنا لابد من التزام المواقيت لكل بلد ولمن مر عليها.
 حكم الاغتسال والصلاة عند الإحرام
والركعتان ليستا من أعمال الحج والعمرة، والإتيان بهما ليس بلازم، كما أن الاغتسال ليس بلازم، فلم يأت دليل على أن للحج أو للعمرة ركعتين أو غسلاً.ولكن جماهير الفقهاء استحبوا ذلك من باب التطيب للقاء الله عز وجل ولا بأس بهذا المعنى، لكن الذي أنبه عليه أن ذلك لو فاتك فلا إثم عليك. والعلماء اختلفوا: هل يجوز الإحرام بالنسك بدون صلاة؟ والاتفاق على أن الإحرام بالنسك بغير صلاة جائز وهذا إجماع، لكنهم قالوا: باستحباب أن يكون الإهلال بالنسك بعد الصلاة، إلا أن توافق صلاة فرض فإن ذلك يجزي ويكفي.إذا دخلت مسجد الميقات ووجدت الناس يصلون الفرض فصل معهم ولا تصل شيئاً بعد ذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخص الإحرام بركعتين، إنما الركعتان اللتان صلاهما هما صلاة الصبح، ثم انطلق من المسجد وركب الدابة وأهل، فيجوز عقد الإحرام بعد صلاة الفرض أو بعد صلاة سنة راتبة أو غير راتبة كتحية المسجد في مسجد الميقات أو سنة الوضوء، ولكن بعض أهل العلم قال: ولا بأس أن يجعل للإحرام ركعتين وهما مسببتان، واعتبر أن نية الدخول في النسك سبب لأداء هاتين الركعتين ولو كان ذلك في وقت الكراهة.ووقت الكراهة: هو من بعد صلاة العصر حتى صلاة المغرب لمن لم يدرك العصر، ومن بعد صلاة الصبح حتى طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح أو رمحين لمن لم يدرك الصبح، ووقت عمودية الشمس في كبد السماء، يعني: قبيل الظهر بدقائق، هذا الوقت لا تجوز الصلاة فيه؛ لأنه وقت تسعر فيه جهنم، ولذلك نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (لا صلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس)؛ لأنهما وقتان كان المشركون يسجدون للشمس فيهما، وقال عليه الصلاة والسلام: (فإن الشمس تشرق وتغرب بين قرني شيطان) ولذلك نهى عن ذلك، حتى لا تتشبه بمن يعبد الشيطان، فإنه يسجد للشيطان في هذين الوقتين؛ وقت الغروب ووقت الشروق. ولكن الراجح من أقوال أهل العلم أنك إذا صليت في المسجد ركعتين بنية تحية المسجد أو سنة الوضوء فإنه لا بأس بذلك حتى ولو كان في وقت الكراهة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما نهى عن الصلاة في هذه الأوقات نهى عن الصلاة المطلقة، بخلاف الصلاة ذات السبب، بمعنى: لو أن رجلاً صلى العصر وجلس في المسجد لا يصح له أن يقوم فيأتي بركعتين وأربع وست وثمان وعشر؛ لأن هذه الصلاة لا سبب لها.أما إذا دخلت المسجد وقد صليت العصر في مسجد آخر فقبل أن تجلس تصلي ركعتين مع أن هاتين الركعتين وقعتا في وقت الكراهة؛ لكن لا كراهة فيهما هنا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فسبب الركعتين دخول المسجد.
باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة
قال: [ باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة ]، معنى الإهلال: هو الإحرام، وهو الدخول في النسك فتهل به وتقول: لبيك اللهم كذا وكذا بحسب ما نويت. وقوله: باب: الإهلال من حيث تنبعث الراحلة، يعني: تقوم بك الدابة، أو نحوها مثل الباخرة أو الطائرة من حين أول التنبيه أو بمحاذاة الميقات فإنك تهل.قال: [ حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري -والمقبري لقب؛ لأنه كان يسكن بجوار مقابر البقيع، فكان إذا أتى المسجد أو ذهب إلى بيته مر بهذه المقابر فلقب بـالمقبري- عن عبيد بن جريج أنه قال لـعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (يا أبا عبد الرحمن ! رأيتك تصنع أربعاً لم أر أحداً من أصحابك يصنعها) ]، يعني: أنت قد اجتمعت فيك أربع خصال أو أشياء ما رأيت أحداً يصنعها أو لم تجتمع هذه الأربع عند أحد على الصورة التي اجتمعت عندك، ولا يمنع أن يكون غير عبد الله بن عمر قد فعل واحدة منها أو اثنتين أو ثلاث.
 شرح حديث ابن عمر في إهلال النبي عند انبعاث راحلته
قال: [ حدثنا هارون بن سعيد الأيلي ، حدثنا ابن وهب -عبد الله بن وهب المصري القاضي- قال: حدثني أبو صخر -وهو حميد بن زياد الخراط مدني سكن مصر- عن ابن قسيط -وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط- عن عبيد بن جريج قال: حججت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بين حج وعمرة ثنتي عشرة سنة أو ثنتي عشرة مرة -يعني: هو حج واعتمر عدة حجات وعدة عمرات مع عبد الله بن عمر قرابة ثنتي عشرة مرة- فقلت: يا أبا عبد الرحمن ! لقد رأيت منك أربعة خصال وساق الحديث، كما ساقه أولاً. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز -بمعنى: إذا وضع رجله في غرز الدابة، يعني: كان لا يهل إلا إذا انبعثت به راحلته- قال: وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة) ].إذاً: عندنا إهلالان كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يهل فيهما إلا إذا انبعثت به راحلته: إهلال من ذي الحليفة في مبدأ العمرة، وإهلال من مكة في يوم التروية، ليس من أول شهر ذي الحجة وإنما من أول يوم التروية.قال: [ وحدثني هارون بن عبد الله حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج : أخبرني صالح بن كيسان ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به ناقته قائمة) ]، وفي الرواية التي تليها قال: [ (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب راحلته بذي الحليفة) ]، يعني: ركب الدابة أولاً ثم أهل حين استوت به قائمة، يعني: ما كان يهل بها وهي باقية في مكانها وهو راكب فوقها إلا إذا قامت وانبعثت، وبعض أهل العلم في هذا الزمان يقول: حين تركب الباص أيضاً لا تهل إلا إذا انطلق الباص؛ لأنه هو حين انبعاثه.وهذا من تشبيه الباص بالبعير الذي تركبه وغير ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يهل حين بروك البعير وإنما أهل حين انبعث، أي: حين قامت به ناقته واستوت وانبعثت.
باب الصلاة في مسجد ذي الحليفة
قال: [ باب الصلاة في مسجد ذي الحليفة. حدثني حرملة بن يحيى ، وأحمد بن عيسى قال أحمد : حدثنا وقال حرملة: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (بات رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة مبدأه وصلى في مسجدها) ]، النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد النسك خرج من المدينة بعد صلاة العصر، ووصل ذا الحليفة قرابة المغرب أو العشاء فصلى بها المغرب والعشاء ثم بات بذي الحليفة، ولا يلزمنا المبيت بذي الحليفة كما بات النبي عليه الصلاة والسلام، ومن فعله تأسياً واقتداء فهو حسن لكنه لا يلزمه؛ لأن هذا المبيت ليس من أعمال الحج ولا من أعمال العمرة نهائياً، فمن فعله تأسياً واقتداء فهو حسن ومن تركه فلا حرج عليه. فقوله: (بات النبي عليه الصلاة والسلام بذي الحليفة مبدأه) أي: في مبدأ الانطلاق لأداء النسك (وصلى في مسجدها) المقصود: أنه بات بذي الحليفة حتى أصبح، ولما أصبح صلى الفجر، ولذلك أهل العلم استفادوا من هذا الحديث أن إهلاله بالنسك كان بعد صلاة الصبح لا بعد ركعتين مخصوصتين بالنسك أو بنية الإحرام، وإنما أحرم بعد صلاة الصبح صلى الله عليه وسلم.
 شرح حديث ابن عمر في إهلال النبي عند انبعاث راحلته
قال: [ حدثنا هارون بن سعيد الأيلي ، حدثنا ابن وهب -عبد الله بن وهب المصري القاضي- قال: حدثني أبو صخر -وهو حميد بن زياد الخراط مدني سكن مصر- عن ابن قسيط -وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط- عن عبيد بن جريج قال: حججت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بين حج وعمرة ثنتي عشرة سنة أو ثنتي عشرة مرة -يعني: هو حج واعتمر عدة حجات وعدة عمرات مع عبد الله بن عمر قرابة ثنتي عشرة مرة- فقلت: يا أبا عبد الرحمن ! لقد رأيت منك أربعة خصال وساق الحديث، كما ساقه أولاً. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز -بمعنى: إذا وضع رجله في غرز الدابة، يعني: كان لا يهل إلا إذا انبعثت به راحلته- قال: وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة) ].إذاً: عندنا إهلالان كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يهل فيهما إلا إذا انبعثت به راحلته: إهلال من ذي الحليفة في مبدأ العمرة، وإهلال من مكة في يوم التروية، ليس من أول شهر ذي الحجة وإنما من أول يوم التروية.قال: [ وحدثني هارون بن عبد الله حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج : أخبرني صالح بن كيسان ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به ناقته قائمة) ]، وفي الرواية التي تليها قال: [ (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب راحلته بذي الحليفة) ]، يعني: ركب الدابة أولاً ثم أهل حين استوت به قائمة، يعني: ما كان يهل بها وهي باقية في مكانها وهو راكب فوقها إلا إذا قامت وانبعثت، وبعض أهل العلم في هذا الزمان يقول: حين تركب الباص أيضاً لا تهل إلا إذا انطلق الباص؛ لأنه هو حين انبعاثه.وهذا من تشبيه الباص بالبعير الذي تركبه وغير ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يهل حين بروك البعير وإنما أهل حين انبعث، أي: حين قامت به ناقته واستوت وانبعثت.
باب الطيب للمحرم عند الإحرام
قال: [ عن عائشة رضي الله عنها قالت: (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت) ]، نحن كنا قد اتفقنا في الدروس الماضية أن الطيب يحرم على المحرم؛ وقلنا: إن من فعل ذلك متعمداً لزمه الدم؛ لأنه خالف واجباً، ومن فعل ذلك ساهياً أو مخطئاً أو جاهلاً وهو لا يعلم بالحرمة فلا شيء عليه، وإن قدم شاة فهو حسن، لكن إن لم يقدم فلا إثم عليه.وعائشة رضي الله عنها تقول: (طيبت) يعني: حصل منها العطر والطيب، (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت)، يعني: لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يحرم طيبته قبل أن يحرم، والذي أراد الدخول في النسك قبل إحرامه جاز له أن يتطيب في بدنه دون ثوبه. فـعائشة رضي الله عنها طيبته -قبل أن يحرم- في بدنه، وستأتي معنا الأدلة التي تبين هذا، ثم قالت: (ولحله) أي: طيبته لحله قبل أن يطوف بالبيت طواف الإفاضة في يوم النحر، بعد رمي جمرة العقبة، وبعد الحلق وربما بعد الذبح.. وفي يوم النحر حل له كل شيء إلا النساء، ومما حل له الطيب، فهي تقول: (وطيبته لحله قبل أن يطوف بالبيت)، يعني: طيبته بعد أن تحلل من ملابسه بمنى بعد رمي جمرة العقبة وبعد الحلق، لأن السنة التي وردت في حجه كما في حديث جابر في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام في حجه فعل هذا، فإنه رمى جمرة العقبة وناول رأسه الحلاق فحلق الأيمن ثم حلق الأيسر، وأخذ أبو طلحة الأنصاري شعره فأخذ الشق الأيمن له ولأهل بيته، وأخذ الشق الأيسر ففرقه في أصحابه كل واحد له شعرة أو شعرتان بركة من النبي عليه الصلاة والسلام.والتبرك بالنبي عليه الصلاة والسلام يجوز بذاته وآثاره، بخلاف بقية الخلق فلا يجوز التبرك بأحد قط من الخلق، إنما يجوز الاستشفاع والاستسقاء بدعاء الصالحين وغير ذلك، وهذا ليس موضوعنا الآن، فالنبي عليه الصلاة والسلام رمى جمرة العقبة وحلق وذبح الهدي وكان معه الهدي في منى؛ لأنه كان يسوقه معه، وعلى أية حال على فرض أنه لم يذبح مع أنه ذبح لكنه رمى جمرة العقبة وحلق فحل له كل شيء إلا النساء.فهو لما سينزل من منى يطوف بالبيت ويسعى سعي القدوم، فالنبي عليه الصلاة والسلام تحلل في منى قبل أن يطوف بالبيت، فـعائشة تقول: (وطيبته لحله قبل أن يطوف بالبيت)؛ لأنه تحلل بعد أداء نسكين أو ثلاثة. فقولها رضي الله عنها: (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين أحرم) ]، أو لحرمه حين أحرم وكلاهما صحيح، ولكن جمهور المحدثين يقولون: بضم الحاء وبعض اللغويين ينكرون على المحدثين ضم الحاء ويقولون: الصواب هو الكسر. وعروة والقاسم يخبران عن عائشة أنها قالت: [ (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والإحرام) ]، الذريرة: اسم قارورة أو كأس كان يوضع فيه الطيب يأتي من الهند، واسم ذريرة كأنها كلمة هندية معربة، والمعنى طيبته في حال حله وفي حال إحرامه، أي: قبل أن يحرم.قال: [ وقال عروة : (سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند حرمه؟ قالت: بأطيب الطيب) ]، وهو المسك. [ وقالت عائشة : (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم ثم يحرم) ]، وهذا لفظ صريح أن الطيب كان قبل الإحرام، ويذكر أنه في البدن لا في الثوب.قال: [ وعن عائشة قالت: (طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يفيض -يعني: قبل أن يطوف طواف الإفاضة- بأطيب ما وجدت). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم) ]، والوبيص الذي هو البريق واللمعان في مفرق الرسول صلى الله عليه وسلم.وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يسرح شعره من منتصف رأسه ويطرح الأيمن على الأيمن والأيسر على الأيسر، طبعاً لو عملها واحد الآن بنية الاقتداء لكان مأجوراً على ذلك، لكن نريد منك أن تلبس العباءة مثل ما كان يلبسها النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان يرى مفرق رأسه؛ لأنه كان محرماً، والمحرم لا يلبس طاقية ولا قلنسوة ولا شيئاً من هذا، فحيث أنه يفرق شعره ويكثفه يلبس أيضاً عمامة مثلما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، كيف أنت تقتدي به في شيء ولا تقتدي به في الأشياء الأخرى؟ لكي تأتي البنات وتجلس بجانبه وتقول: هذا شعره ناعم، شعره أسود. شعرك هذا يمكن أن تشتعل فيه نار تأكلك وتأكل شعرك، ووقتها ستغطي رأسك مكرهاً، لا بنية الاقتداء وإنما بنية أنك تخفي الحرق، فالأحسن لك أن تستقيم من الآن، وتصحح نيتك، وتصلح عملك على منهاج النبي عليه الصلاة والسلام. عائشة رضي الله عنها تقول: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب)، يعني: لمعان الطيب وهو في مفرق شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رأسه وهو محرم، يعني: من تطيب قبل الإحرام لا يضره بقاء الطيب بعد الإحرام، ولو لمس الإحرام المهم أنك ما قصدت تطييب الثوب بالطيب، لأنه هذا هو المنهي عنه، إنما الإزار أو الرداء عند اتصاله بالبدن يأخذ منه رائحة الطيب أو يمسه شيء من الطيب فلا حرج عليك حينئذ.[ وتقول: (لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهل) ]، يعني: وهو يلبي، أي: وهو محرم، أنا أريد فقط أجمع الروايات التي فيها اختلاف لكي ننقل الفوائد دون التكرار.قال: [ عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد -يعني: أنه يبدأ بالطيب إذا أراد أن يحرم- ثم أرى وبيص الدهن)، والدهن الذي هو الطيب، وبيص الدهن يعني: لمعان وبريق الدهن، أي: المسك في رأسه ولحيته، ومعلوم أن الرأس واللحية من البدن.وتقول: (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر) يعني: كنت أطيبه قبل أن تنبعث به راحلته ويهل، ويوم النحر الذي هو بعد التحلل بنسكين أو أكثر، قبل أن يطوف بالبيت يتطيب بالمسك وهو أطيب الطيب، وهو أحب الطيب إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال محمد بن المنتشر : سألت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرماً فقال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضخ طيباً، والنضخ أقل شيء من النضح، يعني: الخاء أقل من الحاء، وقال: لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك، يعني: لو يضع القطران على رأسه خير من أن يضع طيباً من أجل أن يقابل ربه بالخضوع والذل والإخبات. فـعبد الله بن عمر لم يكن عنده علم بهذا الحديث، وبرغم تمسكه بالسنة وسؤاله عن كل كبيرة وصغيرة في حياته عليه الصلاة والسلام إلا أنه كان يخفى عليه بعض العلم.قال: فدخلت على عائشة رضي الله عنها؛ لأنها كانت عليمة بأحوال النبي عليه الصلاة والسلام، قال: فأخبرتها أن ابن عمر قال: ما أحب أن أصبح محرماً أنضخ طيباً، لأن أطلي بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك، فقالت عائشة : (قد طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرماً) يعني: الكلام الذي قاله عبد الله بن عمر هذا كلام ما له أصل في السنة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. والخلاصة: يجوز للمحرم أن يتطيب في بدنه دون ثوبه قبل الإحرام وبعد أن يتحلل في يوم النحر من الإحرام.
 شرح حديث ابن عمر في إهلال النبي عند انبعاث راحلته
قال: [ حدثنا هارون بن سعيد الأيلي ، حدثنا ابن وهب -عبد الله بن وهب المصري القاضي- قال: حدثني أبو صخر -وهو حميد بن زياد الخراط مدني سكن مصر- عن ابن قسيط -وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط- عن عبيد بن جريج قال: حججت مع عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بين حج وعمرة ثنتي عشرة سنة أو ثنتي عشرة مرة -يعني: هو حج واعتمر عدة حجات وعدة عمرات مع عبد الله بن عمر قرابة ثنتي عشرة مرة- فقلت: يا أبا عبد الرحمن ! لقد رأيت منك أربعة خصال وساق الحديث، كما ساقه أولاً. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز -بمعنى: إذا وضع رجله في غرز الدابة، يعني: كان لا يهل إلا إذا انبعثت به راحلته- قال: وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة) ].إذاً: عندنا إهلالان كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يهل فيهما إلا إذا انبعثت به راحلته: إهلال من ذي الحليفة في مبدأ العمرة، وإهلال من مكة في يوم التروية، ليس من أول شهر ذي الحجة وإنما من أول يوم التروية.قال: [ وحدثني هارون بن عبد الله حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج : أخبرني صالح بن كيسان ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أنه كان يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به ناقته قائمة) ]، وفي الرواية التي تليها قال: [ (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب راحلته بذي الحليفة) ]، يعني: ركب الدابة أولاً ثم أهل حين استوت به قائمة، يعني: ما كان يهل بها وهي باقية في مكانها وهو راكب فوقها إلا إذا قامت وانبعثت، وبعض أهل العلم في هذا الزمان يقول: حين تركب الباص أيضاً لا تهل إلا إذا انطلق الباص؛ لأنه هو حين انبعاثه.وهذا من تشبيه الباص بالبعير الذي تركبه وغير ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يهل حين بروك البعير وإنما أهل حين انبعث، أي: حين قامت به ناقته واستوت وانبعثت.
الأسئلة

 حكم من أشار وكبر إذا لم يستطع استلام الركن اليماني
السؤال: هل عند عدم استطاعة استلام الركن اليماني أشير إليه بيدي وأكبر من بعيد؟الجواب: لا، إذا لم تستطع أن تستلمه بيمينك فلا تشر إليه ولا تكبر، إنما هذا في الحجر الأسود. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الحج - الإهلال من حيث تنبعث الراحلة للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net