اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - الكلام في الأسماء والصفات للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري


شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - الكلام في الأسماء والصفات - (للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري)
لقد تسمى الله عز وجل بأسماء، ووصف نفسه بصفات، ولما كانت هذه الأسماء والصفات غيباً عنا كان طريق إدراكها هو كتاب الله عز وجل، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو ما سلكه أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، ووضعوا القواعد والأصول في هذا الباب على ضوئه، وقد ضل في هذا الباب طائفتان، طائفة غلت في إثبات الأسماء والصفات حتى شبهت الله بخلقه، وطائفة عطلتها، وحكموا أهواءهم وعقولهم في هذا الباب.
افتراق أهل القبلة في توحيد الأسماء والصفات
الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.وبعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.أما بعد:الإيمان بالله يستلزم أمرين:الأمر الأول: الإيمان بوجود الله عز وجل، والأدلة على الإيمان بوجود الله هي العقل والفطرة والحس والشرع، ودليل الشرع قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]. ودليل الحس إجابة الدعاء. ودليل الفطرة حديث: (ما من مولود يولد إلا ويولد على الفطرة)، وفي رواية: (إلا ويولد على هذه الملة)، وفي رواية: (إلا ويولد على ملة الإسلام)، أي: على فطرة الإسلام. وقيل: إن الفطرة ما كتبه الله عليه من الشقاء أو السعادة أو ما هيئ له. والراجح من الأدلة أن الفطرة هي فطرة الإسلام.والأمر الثاني: توحيد الله وإخلاص العبادة له. أنواع التوحيد ثلاثة، وهي: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.ومعنى توحيد الربوبية: أن الله سبحانه وتعالى متفرد بالخلق والأمر والملك. والأمر هنا بمعنى التدبير.والفرق بين ملك الله عز وجل وملك العبد أن ملك الله عز وجل مطلق وهو عام وشامل، وأما ملك العبد فإنه مقصور ومحدود عليه.وتوحيد الألوهية هو: إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة والتوحيد والألوهية. افترقت فرق الإسلام في توحيد الأسماء والصفات على طرفين ووسط، فكانت المشبهة والممثلة والمجسمة والمنزهة على طرف، والمعطلة على طرف، وأهل السنة هم الوسط بين هؤلاء وهؤلاء. وكانت أول الفرق ظهوراً هي الخوارج، ثم حدثت بعد ذلك القدرية، ثم المرجئة، ثم المعتزلة، ثم الأشاعرة. انقسمت هذه الفرق في توحيد الأسماء والصفات أقساماً عديدة كالآتي: القسم الأول قالوا: لا يجوز أبداً أن نصف الله بوجود أو بعدم، ولا نثبت له الوجود ولا العدم؛ لأنه إن وصف بالوجود أشبه الموجودات، وإن وصف بالعدم أشبه المعدومات، قالوا: ومحال على الله عز وجل أن يوصف بالوجود أو بالعدم؛ لأنه يستلزم من وجوده أن يشبه الموجودات والمخلوقات. ومن أجل ذلك قالوا: يجب نفي الوجود والعدم عن الله عز وجل؛ لأنه لا ينبغي أن يشابه الموجودات ولا أن يشابه المعدومات. وحقيقة ما ذهبوا إليه هو أنهم شبهوا الخالق بالممتنعات والمستحيلات؛ لأن العدم والوجود لا يجتمعان ولا يرتفعان في الوقت نفسه، وكل عقول بني آدم تنكر هذا الشيء ولا تقبله، فهم فروا من شيء ووقعوا فيما هو شر منه وهذا عين الضلال.القسم الثاني قالوا: نصفه تعالى بالنفي ولا نصفه بالإثبات، فهم يقولون: ليس بميت، ولا يقولون: إنه حي سبحانه وتعالى، ويقولون: ليس بجاهل، ولا يقولون: عليم. مع أن الله تعالى أثبت لنفسه في الكتاب أكثر مما نفى، فلو أتينا إلى كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن الإثبات أكثر من النفي، وهؤلاء يثبتون النفي ولا يثبتون الإثبات، ولاشك أن هذا الرأي أيضاً مردود عليهم، ولو احتججت على هؤلاء بأن الله تعالى قال عن نفسه: سميع بصير، أو أن الله تعالى أثبت لنفسه صفات، لردوا عليك بأن هذه النسبة أو هذه الأسماء والصفات التي أثبتها الله تعالى إنما هي نسبة إضافة، وليست نسبة حقيقة لله عز وجل، فهم يقولون: ليس له سمع، ولكن له مسموع، والمسموع هو خلقه. ثم ظهر قسم آخر داخل هذا القسم يقول: هذه الأوصاف إنما هي لمخلوقاته وليست له، أما هو سبحانه وتعالى فلا نثبت له صفة.القسم الثالث قالوا: نثبت له الأسماء دون الصفات، فهم لا يثبتون له صفات، وإنما يثبتون له الأسماء فقط، وهؤلاء هم المعتزلة، فقد أثبتوا لله تعالى الأسماء فقط، وقالوا: إن الله قدير حكيم عليم، ولكن قدير بلا قدرة، وحكيم بلا حكمة، وعليم بلا علم. القسم الرابع قالوا: نثبت له الأسماء حقيقة -يعني: أن هذا الفريق وافق المعتزلة في إثبات الأسماء لله عز وجل- ونثبت له صفات معينة دل عليها العقل؛ لأن العقل يقبل نسبة هذه الصفات لله عز وجل، ولا يقبل نسبة غيرها من الصفات وهؤلاء هم الأشاعرة.فالمعتزلة والأشاعرة يلتقيان في تحكيم العقل في صفات الله عز وجل، وإن كان الأشاعرة أخف وطأة من المعتزلة. ومن أصول المعتزلة في هذا الباب: تقديم العقل على النقل. فالأشاعرة أخف وطأة من المعتزلة؛ لأن المعتزلة نفوا جميع الصفات، وأما الأشاعرة فأثبتوا منها سبع صفات؛ لأنها تتفق مع العقل، ونفوا الباقي، والصفات التي أثبتوها مجموعة في قول الشاعر:له الحياة والكلام والبصرسمع إرادة وعلم واقتدارأي: القدرة.فكأنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه، ولكن هذا الكفر لم يكن كفر جحود ونكران، وإنما كفر تأويل، ولو أنكروا صفات الله عز وجل وجحدوها وكفروا بها لمرقوا وخرجوا عن الملة. والأشاعرة ليسوا من أهل السنة، وإنما من أهل القبلة، وهذه قاعدة ينبغي أن تعرفها وتعقلها جيداً، فالأشاعرة ليسوا من أهل السنة، والدراسات المنهجية الأكاديمية في الأزهر وفي غيره من الجامعات يقولون: إن الماتريدية والأشعرية هم أهل السنة والجماعة، وهذا تخبيط ولبس بعيد عن أي حقيقة، فأهل السنة لهم صفات وعلامات تميزهم عن غيرهم من بقية الفرق التي انحرفت وضلت عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، وطريق الصحابة رضي الله عنهم، فالأشاعرة والماتريدية من أهل القبلة وليسوا من أهل السنة. هذه أقسام التعطيل في الأسماء والصفات، وكلها متفرعة من بدعة الجهم بن صفوان الذي ترأس فرقة الجهمية، وكل هذا الانحراف يأتي في ميزان سيئاته وضلاله؛ مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً). وأهل السنة والجماعة وسط في كل شيء، فعظ على منهجهم بالنواجذ وتمسك به.
 

مذهب المعطلة في أسماء الله وصفاته
والذين نفوا صفات الله عز وجل زعموا أن هذا تنزيه، فوقعوا في التعطيل. والجهمية أتباع الجهم بن صفوان ينكرون جميع صفات الله عز وجل، والغلاة منهم ينكرون الأسماء، ويقولون: لا يجوز أن نثبت لله تعالى اسماً ولا صفة، وهؤلاء هم غلاة الجهمية، وأما عموم الجهمية، فإنما يثبتون لله تعالى الأسماء دون الصفات.والغلاة منهم يقولون: إذا أثبت له اسماً شبهته بالمسميات، وإذا أثبت له صفة شبهته بالموصوفات. فهم لا يثبتون لله اسماً ولا صفة، وما أضاف الله إلى نفسه من الأسماء فهو من باب الإضافة المجازية، وليس من باب التسمي بهذه الأسماء.والجهمية والمعتزلة والأشاعرة يشملهم قسم التعطيل؛ لأنهم عطلوا الله عز وجل عن صفاته، وعطلوا الصفات عن الموصوف بها وهو الله عز وجل، ولكن بعضهم عطل تعطيلاً كاملاً كالجهمية، وبعضهم تعطيلاً نسبياً كالمعتزلة والأشاعرة، فالمعتزلة عطلوا الصفات، والأشاعرة عطلوا أكثرها وأثبتوا القليل منها.
 

مذهب أهل التمثيل في أسماء الله وصفاته
وأما أهل التمثيل -وهم المشبهة- فيثبتون لله تعالى الصفات، ويقولون: يجب أن نثبت لله الصفات؛ لأنه أثبتها لنفسه، لكن يقولون: إنها مثل صفات المخلوقين.ويقولون: نثبت لله تعالى اليد، ولكنها كيد المخلوق، ووجهاً كوجه المخلوق، ورجلاً كرجل المخلوق، وسمعاً كسمع المخلوق.وهكذا بقية الأسماء والصفات، تعالى الله عز وجل عن قولهم علواً كبيراً.ويقولون: إذا أثبتنا لله عز وجل الوجه فينبغي أن يكون هذا الوجه مشابهاً لوجه المخلوقين، وليس كأي وجه، وإنما نختار أجمل الناس وجهاً فنقول: وجه الله كهذا الوجه، وإذا أثبتوا لله تعالى السمع أتوا بأشد حاسة للسمع عند أي مخلوق وقالوا: إن الله تعالى يسمع كسمع هذا المخلوق، ويبصر كبصر هذا المخلوق، وهكذا، وهذا كله ضلال وكفر.فهو على زعمهم والعياذ بالله مثل أحسن شخص من الشباب الإنساني، ويدعون أن هذا هو المعقول، وليس هو بمعقول. فهؤلاء غلوا في الإثبات، وأهل التعطيل غلوا في التنزيه.
 

مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات
وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: نأخذ بالحق الذي مع الجانبين، أي: جانب أهل التعطيل وجانب أهل التمثيل والتشبيه، فنأخذ بالحق في باب التنزيه فلا نمثل، ونأخذ بالحق في جانب الإثبات فلا نعطل، بل إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل. فكان أهل السنة والجماعة وسط في باب الصفات بين طائفتين متطرفتين، طائفة غلت في التنزيه والنفي، وهم أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وطائفة غلت في الإثبات، وهم الممثلة.وأهل السنة والجماعة تمسكوا بالنصوص التي أثبتت ونفت، كقول الله عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]. وهذا نفي للتشبيه، وبقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، على أن الله تعالى لا يشابه أحداً من خلقه، و(شيء) هنا نكرة تفيد العموم، أي: ليس شيء من خلقه يشبهه في صفاته ولا في ذاته، فكما أن المخلوق يختلف عن الخالق في الذات فلابد وأن يختلف لزاماً في الصفات والأسماء كذلك.ثم قال تعالى: وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ . وهذا فيه إثبات الصفات والأسماء لله عز وجل.وخلاصة القول: إن أهل السنة والجماعة وسط بين هاتين الطائفتين، بين المعطلة وبين الممثلة والمشبهة، فلا يثبتون إثبات المشبهة، ولا ينفون نفي أهل التعطيل. والذي يطالع كتب القوم -أي: أهل الكلام والفلاسفة والذين تكلموا في العقائد- الذين اعتنوا بأقوال الناس في هذا الأمر يرى العجب العجاب.فهم يقولون في كتبهم: كيف يتفوه عاقل بإثبات صفات وأسماء الله عز وجل؟ ومن قرأ كتبهم فإنه يتعجب غاية العجب من نفيهم عن الله عز وجل ما أثبته لنفسه، ومن قولهم: إنما نثبت لله ما أثبته العقل وإن كان منفياً في الكتاب، وننفي عن الله تعالى ما ينفيه العقل وإن كان مثبتاً في الكتاب.فجعلوا العقل هو الميزان الأكبر الذي يوزن به أسماء الله تعالى وصفاته. والحقيقة أن الميزان الأكبر هو الكتاب والسنة، ولهذا ينبغي دائماً أن نسأل الله عز وجل الثبات على منهج أهل السنة والجماعة، وكثيراً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك). وكان يقول: (اللهم يا مصرف القلوب! صرف قلبي إلى طاعتك).فينبغي على الإنسان الثبات على منهج أهل السنة والجماعة في كل أبواب العلم، وخاصة ما يتعلق بذات الإله سبحانه وتعالى، في أسمائه وصفاته وفي توحيد الربوبية والألوهية كذلك. ومن تمام مقتضى حكمة الله عز وجل أنه يقيض لهذا الدين من يذب عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فالله عز وجل هو الذي تكفل بحفظ هذا الدين وبإظهاره على الأديان والشرائع كلها، قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]. فالله عز وجل هو الذي حفظ هذا الدين، فإذا تخلى رجل أو جماعة أو طائفة أو فرقة من أبناء هذه الملة عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم وعن طريق الكتاب العزيز، فإن الله تعالى يقيض له من يرده إلى الصواب، أو من يظهر الصواب والحق لبقية الأمة.
 

قواعد وأصول في الأسماء والصفات
هناك قواعد وأصول ينبغي حفظها واعتقادها ودراستها دراسة متأنية حتى يكون عندنا الإيمان الكامل التام بأسماء وصفات الله عز وجل، وسنعيش مع هذه القواعد ونذكر ما تيسر لنا منها.
 أسماء الله تعالى غير مخلوقة
القاعدة الثانية عشرة: أسماء الله تعالى غير مخلوقة، وهذه مسألة عظيمة ضلت فيها الفرق وخاصة الجهمية، فإنهم قالوا: إن صفات الله تعالى حادثة، ومعنى حادثة: أنها كانت بعد أن لم تكن، أي: أنها حدثت لله عز وجل بعد أن لم تكن من قبل.وقد رد عثمان الدارمي عليه رحمة الله على بشر المريسي وغيره ممن قال: إن صفات الله تعالى مخلوقة، وأجاد في تبيين هذه القاعدة. والكلام صفة من صفات الله، وهذا القرآن الذي بين أيدينا صفة من صفات الله، وصفات الله عز وجل غير مخلوقة؛ لأنها أزلية وأبدية، يعني: لا يزال الله عز وجل متصفاً بها، فهو لا يزال متكلماً، ولو قلت: إن صفة الكلام حادثة لله عز وجل للزم من ذلك أن تقول: إن هذه الصفة مخلوقة، وكل مخلوق يطرأ عليه الفناء، فيلزم من قولك: إن صفات الله تعالى مخلوقة أن تقول: إن صفات الله تعالى لابد وأن تزول، ويلزم من ذلك أيضاً أن تقول: إذا كانت صفات الله تعالى مخلوقة أن تقول: إن الله تعالى لم يكن متصفاً بها منذ الأزل، وهذه صفة نقص، والعقلاء والمجانين جميعهم متفقون على أن الله تعالى متصف بصفات الكمال والجلال.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح صحيح مسلم - كتاب الإيمان - الكلام في الأسماء والصفات للشيخ : حسن أبو الأشبال الزهيري

http://audio.islamweb.net