اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة فاطر [10 - 11] للشيخ : أحمد حطيبة


تفسير سورة فاطر [10 - 11] - (للشيخ : أحمد حطيبة)
من أسماء الله الحسنى العزيز، ومن أراد العزة من الله أعزه الله، ويأبى الله إلا أن يذل من عصاه، وأن يذل من يبتغي العزة بغيره، والأقوال الطيبة والأعمال الصالحة ترفع إلى الله سبحانه وتعالى فيثيب عليها صاحبها، وقد كتب الله سبحانه الخسارة والبوار على كل من يمكر بعباد الله ودينه، وقد خلق الله عز وجل الإنسان أطواراً، وهو أعلم به، فالأجدر بهذا الإنسان أن يتفكر في نفسه، وفيما خلقه الله تعالى منه، ففي ذلك آيات عظيمة لأولي الألباب والأفهام.
تفسير قوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً ...)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.قال الله عز وجل في سورة فاطر: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:10-11]. يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى عن العزة التي يطلب الإنسان أن يتعزز بها في الدنيا، يقول تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) والعزيز: هو القوي الغالب القاهر الذي لا يغالب ولا يمانع سبحانه وتعالى، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه مراراً، قال تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [إبراهيم:4]، وقال تعالى: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ [الصافات:180]، وقال سبحانه: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8]، وقال هنا: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر:10] فمن أراد أن يتعزز في هذه الحياة الدنيا، ومن أراد أن يكون قوياً في حجته وفي بيانه، قوياً في نفسه قوياً في قلبه، قوياً في عدده وعدده فليتعزز بالله سبحانه وتعالى.فمن طلب العزة عند غير الله سبحانه فقد أبى الله إلا أن يذل من عصاه، ومن عصى الله سبحانه وابتعد عنه سبحانه فإن الذل في قلبه وفوق رأسه، يذله الله سبحانه ولا يعزه أبداً، حتى وإن كان قوياً في بدنه غنياً في ماله، ومعه أعوان وأنصار، فالله سبحانه أبى إلا أن يذل من عصاه، فيستشعر في نفسه الذل وفي قلبه، ويستشعر أنه بعيد عن الله سبحانه وتعالى، فلا تتعزز إلا بربك فله العزة جميعاً.فالله هو العزيز، وقد جعل هذه العزة لعباده، وجعل لعباده المؤمنين عزة يتعززون بها، بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبدفاع الله عز وجل عنهم، وبنصر الله سبحانه وتأييده لهم.والإنسان إذا تعزز بالله سبحانه وبدين الله كان الله عز وجل معه، فإذا تعزز بالدنيا أخذته العزة بالإثم فترك الله سبحانه، وسرعان ما يقع هذا الذي يتعزز بغير الله سبحانه وتعالى.قال الله سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ [البقرة:204-206]، فالعزة هنا: الحمية، والأنفة، والكبر، والغضب لغير الله سبحانه، يأخذه ذلك إلى أن يرفض أن يقال له: اتق الله، فإن قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، وقد تقول لإنسان: الله يهديك، فيقول لك: هل تنظر إليَّ أنني مجنون؟! فلا يرضى بأن تدعو له بخير، ولا يرضى إلا أن يستشعر أنه عزيز، وأنه غالب.ومن نازع الله عز وجل في العزة وفي الكبرياء أكبه على وجهه في النار.فالله هو العزيز وحده سبحانه، وعزة المؤمنين هذه بأن الله أعزهم، وبأن الله معهم، ولو أنهم بعيدون عن الله سبحانه فلا عزة لهم، فالعزة في القرب من الله، وفي الصلة بالله سبحانه وتعالى، وفي أن يدافع الله عز وجل عن عبده، فالله عز وجل هو العزيز الغالب القاهر الذي يقهر ولا يُقهر أبداً، والذي يقضي ولا يمنع قضاؤه أبداً، فالعزة لله عزة دائمة أبداً بدوامه سبحانه وتعالى وهي العزة الحقيقة.أما من تعزز بغير الله سبحانه فليس له إلا الذل من الله، وأبى الله إلا أن يذل من عصاه.
 صعود الكلم الطيب وارتفاع العمل الصالح إلى الله تعالى
وقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) أي: إلى الله عز وجل يصعد الكلم الطيب، وأعلاه: لا إله إلا الله، وأعظم كلمة يقولها الإنسان: لا إله إلا الله، وأعظم الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم والنبيون قبله في يوم عرفة: لا إله إلا الله، هذه الكلمة العظيمة التي تصعد إلى الله سبحانه وتعالى.فقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ) أي: يصير ذكرك لله عز وجل، ودعاؤك ربك سبحانه يصعد إليه، فالله هو الذي يرفعه سبحانه وتعالى.فقوله: (إِلَيْهِ) أي: إلى الله سبحانه، وقوله: يَصْعَدُ أي: توحيدك له بذكرك له سبحانه، وتوكلك عليه سبحانه وتعالى.قال تعالى: وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أي: يرفعه الله سبحانه وتعالى، فالكلم الطيب والعمل الصالح يرفعهما الله سبحانه.وفي قوله تعالى: يَصْعَدُ دليل على علو الله سبحانه وتعالى وارتفاعه فوق خلقه سبحانه، فهو العلي بذاته، والعلي بقهره لعباده، والعلي سبحانه وتعالى في مكانه وفي منزلته العظيمة، فله وحده سبحانه وتعالى علو المنزلة وعلو الشأن وعلو القهر وعلو الذات.قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ، فالدعاء يصعد إلى الله عز وجل، وذكر الله يصعد إلى الله، والتقرب إلى الله بقول لا إله إلا الله وغيرها من ذكر الله كله يصعد إلى الله. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ كذلك يرفعه الله سبحانه وتعالى، فإذا عمل إنسان عملاً طيباً يبتغي به وجه الله سبحانه رفع الله عز وجل إليه هذا العمل، وإذا عمل عملاً طيباً لا يقصد به وجه الله لم يرفع إلى الله سبحانه، وإذا عمل عملاً خبيثاً فمن باب أولى ألا يرفع إلى الله سبحانه؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.إذاً: قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) كله مرفوع إلى الله سبحانه.وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار فيحضرون في صلاة الفجر ويحضرون في صلاة العصر، ويصعدون إلى الله سبحانه) . فالذين يبيتون فيكم يحضرون معكم صلاة الفجر، والذين نزلوا من السماء أيضاً يحضرونها، قال صلى الله عليه وسلم: (ويصعد الذين باتوا فيكم إلى الله سبحانه فيسألهم: كيف وجدتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون) .أي: أتيناهم فكانوا في صلاة العصر وتركناهم وقد صلوا صلاة الفجر، وقوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار) أي: يرتفعون إلى الله ويخبرون الله وهو أعلم بكم منهم سبحانه وتعالى، فيصعد إليه الكلم الطيب، ويصعد إليه أيضاً العمل الصالح.وقال بعض أهل التفسير في قوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قالوا: الكلم لا يرفع إلا بعمل صالح، فالعمل يرفع الكلم، فإذا كان الكلم لا يوافقه عمل فلا يرفع إلى الله سبحانه.وهذا وجه من المعاني، ولكن ليس معنى الآية: أنه لا يرفع كلم طيب إلى الله إلا بعمل، وإلا فإن كلام الناس وذكر الله سبحانه لا يرتفع منه إلا القليل ولا بد أن يكون معه عمل، والله سبحانه وتعالى كريم، فالله يرفع إليه الكلم الطيب ويقبله، ويرفع إليه أيضاً العمل الصالح ويقبله، فهذا شيء وهذا شيء.ولكن إذا كان الكلم طيباً والقلب خبيثاً والعمل لغير الله فهذا كله لا يرفع إلى الله عز وجل، فالإنسان قد يتكلم بالموعظة الطيبة التي لا يصدقها قلبه ولا يوافقها عمله، ويكون العمل رياءً وعملاً خبيثاً ليس فيه لله عز وجل شيء، فلا يقبل منه قوله ولا يقبل منه عمله.ولكن إذا ذكر الله سبحانه وتعالى فالله عز وجل يقبل منه ذلك، وقد يكون عصى الله في شيء آخر، فذكره لله عز وجل يرفعه الله إذا قصد به وجه الله سبحانه، وعمله الذي وقع فيه وهو سيئ يحاسبه الله عليه سبحانه وتعالى، ولا تعلق للقول بالعمل، فلا يرد هذا القول الذي كنت مخلصاً فيه لأنك عملت عملاً سيئاً أو وقعت في معصية الله، فالله أكرم من ذلك، قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، وهذا شيء يقبله الله وذاك شيء آخر لا يقبله الله، والعبد واحد إلا أن يكون القول رياء فهو قول لا يرفع إلى الله عز وجل.أو يكون العمل رياءً وسمعة وعملاً خبيثاً فلا يرفع إلى الله سبحانه.فقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي: الله سبحانه وتعالى يرفع العمل الصالح للعباد، وأنت كلما عملت عملاً صالحاً يرفعه الله ويدخره لك عنده يوم القيامة، وتجد نتيجة هذه الأعمال الصالحة أشياء عظيمة من ثواب الله ومن فضله سبحانه وتعالى.قال تعالى: (والذين يمكرون السيئات)، المكر: هو الحيل، عمل الشيء على سبيل الاحتيال والخديعة، كإنسان يخدع، أو يخون، أو يغدر، يقول الشيء وهو ينوي ويضمر غير هذا الذي يقوله، ويسعى للإنسان حتى يوقعه في مهلكة بحيلة وبخبث، ولهذا قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ) أي: يعملون أعمالاً سيئة خبيثة فيها المكر بعباد الله سبحانه، وفيها الخديعة والاحتيال على عباد الله سبحانه وتعالى.قال تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) فلهم أشد العذاب عند الله، (وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ) البوار: الهلاك والضياع، فهؤلاء يمكرون بالمؤمنين، ويمكرون بدين الله عز وجل وبالله عز وجل، فقضى الله على مكرهم بالبوار والخسران والتلف والهلاك، وكل من يمكر بدين الله عز وجل أبى الله إلا أن يذله، وأن يعز دينه سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ...)
يخبرنا ربنا سبحانه عن خلق الإنسان فقال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر:11] كل هذه الأشياء يسيرة وسهلة على الله سبحانه وتعالى، فبقول: كن يكون هذا كله.وقد تكرر أن الله عز وجل خلق الإنسان من تراب في ستة مواضع من القرآن، ويخبر الله عز وجل الإنسان أنه مخلوق من تراب، فهذا أصل خلقته، من سلالة، أي: من خلاصة من طين، هذا هو بدء خلق الإنسان.قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20].وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان:54] فالله عز وجل خلقك من تراب ومن ماء، والاثنان يكونان الطين، وهذا الطين له صلصلة، فالله خلق الإنسان وأراه بدء خلقه كيف كان، وكيف صار هذا الإنسان.وقد جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بها عن خلق هذا الإنسان من هذا التراب، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك) .فالله عز وجل خلق آدم من تراب الأرض، من قبضة قبضها من جميع الأرض، والله على كل شيء قدير، فخلق آدم من أنواع من تراب الأرض، هذا أبيض وهذا أحمر وهذا أسود، فجاء آدم من هذا كله، فجاء بنو آدم من هذه الأنواع.وآدم جاء من هذه الأرض وفيها الأرض السهلية، وفيها الأرض الوعرة المرتفعة الصعبة، وخلق آدم من جميع ترابها، فبنو آدم منهم السهل ومنهم الصعب، ومنهم الحزن، ومنهم الخبيث ومنهم الطيب، والله يخلق ما يشاء سبحانه وتعالى.وعناصر الإنسان من تراب الأرض كذلك؛ ولذلك يقول العلماء: إنهم وجدوا بالتحليل أن جسم الإنسان يتكون من مركبات وعناصر الأرض، فإذ قمنا بتحليل الإنسان فإن أكثره ماء، وفيه سكريات وبروتينات وفيتامينات وهرمونات وكلور، وأنواع من المعادن: كبريت، فسفور، مغنسيوم، كالسيوم، بوتاسيوم، صوديوم، حديد، نحاس، يود، ومعادن أخرى في خلق هذا الإنسان كلها موجودة في الأرض من عناصرها التي خلق الله عز وجل منها هذه الأرض.ولذلك يقول العلماء: أن الإنسان يشترك في تركيبه مع الأرض في ثلاثةٍ وعشرين عنصراً من عناصر الأرض، وهو يطأ هذه العناصر بقدمه ويدوس عليها وهو مخلوق من هذه العناصر.والأرض فيها ماء والإنسان أكثر جسده من ماء، وخلق الله سبحانه وتعالى الإنسان من ماء؛ ولذلك من خمسة وستين إلى سبعين في المائة من جسم الإنسان مخلوق من الماء، والماء في هذه الأرض.فيخبر الله سبحانه وتعالى بذلك، والإنسان يعرف أنه حين يموت يوضع في التراب، وإذا فُتح القبر بعد ذلك فلن يجد إلا تراباً، فقد رجع إلى أصله مرة ثانية، فالله خلقه من تراب وأعاده إلى الأرض مرة ثانية تراباً. فهذا التراب تكون الإنسان منه ومن المعادن التي في هذا التراب، فكونت عظام الإنسان، وعضلاته، وعدسة عينه، وشعره، وضروسه، ودمه، فإذا تحلل الإنسان بعد موته تحلل إلى مكونات هذا التراب العجيب بنسب عجيبة وثابتة في كل إنسان.فالإنسان يغتر في الدنيا، والله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:6-7] ولو أخذت هذه العناصر المكونة للإنسان لكونت منها علبة طباشير، وعلبة كبريت، ومسماراً صغيراً، هذه تركيبة المعادن التي في جسدك أنت أيها الإنسان، قال تعالى: مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6]، فأنت من تراب، والذي كرمك هو الله سبحانه وتعالى.قال تعالى: الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:7-8] فلم تتكبر على الله خالقك سبحانه وقد خلقك من هذا التراب الذي تطؤه أنت بقدمك؟!قال سبحانه وتعالى هنا: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) إذاً: أصل تركيب الإنسان من هذا التراب، ثم بعد ذلك يتكاثر الإنسان ويتناسل عن طريق هذه النطفة.
 علم الله بما تحمل الأرحام وبأعمار البشر
يقول الله سبحانه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا) أي: ذكوراً وإناثاً، يخلق ما يشاء سبحانه وتعالى، قال تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى:49-50]. قال تعالى: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) أي أنثى كانت من إنسان أو من حيوان أو من غيره، ما تحمل ولا تضع حملها إلا بإذن الله وبعلم الله سبحانه وتعالى، وكل شيء في كتاب.قال تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ).فهناك إنسان يعيش حتى يصير معمراً، ويصير شيخاً كبيراً، وإنسان آخر يموت وهو صغير، فما يعمر من معمر من البشر، أو ينقص من عمر إنسان من البشر إلا بعلم الله سبحانه وتعالى، وقد يقضي لإنسان بعمر معين عنده، والعمر عند الله لا يزيد ولا ينقص، ويكتب في صحف الملائكة أن عمره ستون عاماً إن وصل رحمه، فإن لم يصل رحمه كتب عمره أربعين عاماً، وهذا في أيدي الملائكة، أما في اللوح المحفوظ فمكتوب عند الله عز وجل ما لا يغير وما لا يبدل.فقوله تعالى: (وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) محمولة على واحد من الناس أو محمولة على أصناف، فلا يزيد في عمر الإنسان ولا يموت إنسان ويتوفى في وقت معين إلا بعلم الله سبحانه وتعالى، وكله مكتوب عنده في كتاب.وهذا الأمر لو نظرت فيه جيداً لوجدته كثيراً جداً وكبيراً وصعباً، فكم من إنسان موجود في هذه الدنيا، وكم من حيوان، وكم من حشرة، وكل شيء عند الله عز وجل مكتوب، والذي يكتب ذلك هو الله سبحانه وتعالى بعلمه، وهذا يسير على الله بقوله: كن فيكون، فهذا يسير على الله، إذ يريك قدرته وعظمته سبحانه وآياته في الكون. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يتفكر في آياته، ويؤمن ويوقن بها، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة فاطر [10 - 11] للشيخ : أحمد حطيبة

http://audio.islamweb.net