اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - شرح البسملة للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - شرح البسملة - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
درج المؤلفون على افتتاح مصنفاتهم بالبسملة، ودرج الشراح على شرحها وإعرابها، وفيها ثلاثة أسماء حسنى لله تعالى (الله، والرحمن، والرحيم)، وفيها استعانة بالله.
تعديل الله ورسوله للصحابة رضوان الله عليهم
يبحث هذا الكتاب في اعتقاد السلف الصالح، وأصل السلف هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والذين عدلهم الله جل وعلا في الكتاب، وعدلهم النبي صلى الله عليه وسلم في السنة، كما قال: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى النساء:115] فمن تنكب هذا الصراط بعد عن الحق، ومن سار على نهجهم وآمن بمثل ما آمنوا به فقد اهتدى؛ فإن الله قد ربط الهداية بذلك، قال تعالى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26]، وكلمة التقوى هي كلمة لا إله إلا الله، وعدلهم النبي صلى الله عليه وسلم في السنة فقال: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصيفه).قوله: (شرح). الشرح معناه: تبيين المجمل وتفسيره، ورفع الإشكال، وإظهار الغموض، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، أو إطلاق المقيد في الظاهر، وغير ذلك.وقوله: (أصول). الأصل: ما يبنى عليه غيره، والأصل غير الفرع كالركن والشرط. قوله: (اعتقاد) هو ما اعتقده المرء وربط قلبه عليه، واعتقده اعتقاداً جازماً.قوله: (أهل السنة والجماعة) هم سلف هذه الأمة، وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم الفرقة الناجية في الحديث الذي رواه أصحاب السنن، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: يا رسول الله! من هي؟! فقال: الذين كانوا على ما أنا عليه وأصحابي).
 

نبذة مختصرة عن حياة المؤلف
هذا الكتاب صاحبه ومؤلفه هو العالم الفذ المحدث الفقيه: هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري اللالكائي ، ينسب إلى ثلاث مدن، طبرستان، وهي أصل مولده، ثم انتقل إلى الري، ثم بعد ذلك انتقل إلى بغداد، وقيل: الألكائي، وقيل: اللكائي، وكنيته أبو القاسم ، واللكائي نسبة لبيع اللوالك، وهي أشبه ما تكون بالخفاف، وكان يلبس في القدم، وهذه النسبة ليست عيباً؛ لأنك قد تنسب لصنعة أو لحرفة أو لبيع أغراض، ومثل هذا: الراوي الثقة الثبت الذي هو من رجال الصحيح خالد الحذاء ، وقد سموه خالد الحذاء نسبة للأحذية، وما كان يبيع الأحذية، لكن كان يجلس مع من يصلح الأحذية فنسبوه إلى هذه النسبة، ومثله: الزيات ؛ لأنه كان يبيع الزيت، فهذه النسبة جاءت من حرفة بيع هذه السلعة.قدم بغداد واستوطنها.من أبنائه محمد الملقب بـأبي بكر، سمع الحديث في مدينة الري، ثم قدم إلى بغداد فدرس فيها الفقه وسمع الحديث، وليست له شهرة كبيرة، لكنه كان عالماً فذاً، سمع الحديث وأتقن حفظه، وتعلم الفقه؛ فرزقه الله الحفظ والفهم.ومن تلاميذه: أبو بكر الخطيب البغدادي صاحب تاريخ بغداد، وهو أشهر تلاميذ هذا العالم الفذ.ومن مؤلفاته: كرامات أولياء الله، وأسماء رجال الصحيحين، وفوائد اختيارات أبي القاسم، والمجالس، والسنن، وشرح أصول الاعتقاد، وشرح كتاب عمر بن الخطاب .كان يتمتع رحمه الله تعالى بالحفظ والإتقان والفهم، وعقيدته عقيدة السلف، والكتاب الذي بين أيدينا يبين ذلك.
 

شرح (بسم الله الرحمن الرحيم)
ابتدأ المؤلف الشرح فقال: (بسم الله الرحمن الرحيم).قال العلماء: إن من روائع البيان البداءة ببسم الله اقتداءً بكتاب الله جل وعلا، واقتداءً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ابتدأ الله كتابه ببسم الله الرحمن الرحيم.
 أنواع الدلالات
الدلالات ثلاث: تطابق، وتضمن، والتزام. ودلالة التطابق مثل أن أقول: اسم الله دلالته على الذات الإلهية المقدسة دلالة تطابق، أي: لا يحيد شيء عنه. إذاً: اسم الله أو أي اسم من أسماء الله الحسنى يدل دلالة تطابق على ذات الله جل وعلا، فإذا قلت الرحمن الكريم الجبار تقصد بذلك الذات العلية فإنها تدل عليها دلالة تطابق. فالاسم يدل على الذات بدلالة التطابق ويتضمن صفة، فالاسم يتضمن داخله صفة، فالرحمن يتضمن صفة الرحمة، والكريم يتضمن صفة الكرم، والإله يتضمن صفة، الإلهية، والمتين يتضمن صفة القوة أو المتانة. وإذا قلنا: إن اسم المحيط من أسماء الله فإنه يتضمن صفة الإحاطة، أي: أن الله يحيط بكل شيء.
أقسام الصفات

 الصفات السلبية
القسم الثاني من صفات الله جل وعلا: الصفات السلبية، وهي التي نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتقدمها: لا أو ما، قال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38] أي: من إعياء، إذاً: الله جل وعلا نفى صفة الإعياء عنه.أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدعون أصم ولا غائباً) فهي صفات سلبية، وقال الله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] هذه صفة سلبية.وقال الله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] لا تأخذه سنة ولا نوم، هذه صفات سلبية منفية عن الله جل وعلا.
الفرق بين الرحمن والرحيم
الرحمن صفة من صفات الله جل وعلا وهي صفة ثبوتية، إن شاء رحم وإن شاء لم يرحم، ونوعها ذاتية. والرحيم صفة فعلية، فلذلك العلماء لما فسروا الرحمن الرحيم، قالوا: الرحمن وصفه، أي: أنها ذاتية لا تنفك عنه، والرحيم فعله، فالرحمن صفة ذاتية لا تنفك عن الله جل وعلا أزلية أبدية عامة للكافر وللمؤمن، وهل الكافر يرحم؟نعم، قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، فالله يرحم الكافر في الدنيا، وأنتم ترون رحمة الله الواسعة التي تنزل تترى على أهل الكفر، فهو يغدق عليهم بالنعم والرزق كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما رأيت أحداً أصبر على أذى سمعه من الله جل وعلا، يسبونه وينسبون له الولد، وهو يرزقهم ويعافيهم) وهذا من رحمة الله جل وعلا.والرحيم فعل الله، فالرحيم صفة فعلية لله إن شاء رحم وإن شاء لم يرحم، وهذه خاصة بالمؤمنين، فلو تتبعت القرآن كله لن تجد فيه قول لله تعالى: (وكان بالمؤمنين رحمانا) أبداً، ولكن ستجد: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]، وقال تعالى: إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:117] أي بالمؤمنين، فهذه صفة خاصة بالمؤمنين، وهنيئاً لهم هذه الصفة.فالبسملة من روائع البيان ويبتدأ بها اقتداءً بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
 الصفات السلبية
القسم الثاني من صفات الله جل وعلا: الصفات السلبية، وهي التي نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتقدمها: لا أو ما، قال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38] أي: من إعياء، إذاً: الله جل وعلا نفى صفة الإعياء عنه.أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تدعون أصم ولا غائباً) فهي صفات سلبية، وقال الله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] هذه صفة سلبية.وقال الله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] لا تأخذه سنة ولا نوم، هذه صفات سلبية منفية عن الله جل وعلا.
الاستعانة بالله
قوله: [ رب يسر ولا تعسر ]. معناه: النداء يا رب يسر ولا تعسر، فهو يدعو الله جل وعلا، وعلم هذا من السياق، وحين قال: يا رب علم أنه يدعو الرب الجليل، وهذا من فطنة الرجل وفقهه، وفيه دلالة قوية على أن الرجل فذ في العقيدة؛ لأني حين أقول: يا رب فأنا أتوسل إلى الله، والتوسل إلى الله يكون بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أو بالعمل الصالح، أو بدعاء الأخ الحي الصالح، وأفضل وأولى وأحسن ما يتوسل به هو أسماء الله أو صفاته، وهذا الفقيه السلفي الذي أعطانا هذا الكتاب الذي فيه الجم الغفير من ألفاظ السلف في العقيدة توسل باسم من أسماء الله جل وعلا في هذا المقام وهو اسم الرب، وهذه من فطنته لأنه أتى بالاسم الذي يحقق له ما يصبو إليه؛ فإن من آداب الدعاء والتوسل: أن تأتي باسم من أسماء الله جل وعلا يتناسب مع المرغوب والمطلوب، فإذا أردت الرحمة فلا تقل: يا منتقم ارحمني، فإن هذا من سوء الأدب في الدعاء، ومن سوء الأدب مع الله، وعدم الفطنة، وإذا أردت أن يرحمك الله فقل: يا رحمن ارحمني أو يا رحيم ارحمني، وإذا أردت الرزق فلا تقل: يا جبار ارزقني، ولكن قل: يا رزاق ارزقني.والرجل من فطنته أراد الاستعانة بالله في الفهم والرزق والتصنيف، والاستعانة من لوازم ربوبية الله جل وعلا؛ فإن الإعطاء والمنع من صفات الربوبية، والتيسير والتعسير من صفات الربوبية؛ والقدرة والقوة من صفات الربوبية؛ فلذلك قال: يا رب يسر ولا تعسر. وهي الاستعانة بالله في مقام العبودية، وطلب الاستعانة من الله من أفضل العبادات التي يمكن أن يقدمها المرء بين يدي طاعة من الطاعات؛ لأن الاستعانة بالله جل وعلا تظهر عز الرب وذل العبد، وقوة الرب وضعف العبد، وغنى الرب وحاجة العبد، وهذا هو المطلوب أصالة من العبد تجاه الرب.فمقام الاستعانة مقام عظيم جليل بين النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أفضل العبادات كما نصح معاذاً كما في السنن فقال: (يا معاذ! إني أحبك فلا تدع دبر كل صلاة أن تدعو بهذا الدعاء: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).وفي الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (أنفع الدعاء: اللهم أعني على شكرك وذكرك وحسن عبادتك).
 أقسام الاستعانة
الاستعانة على ثلاثة أقسام:المقام الأول: مقام النبوة: وقد اختص بها المرسلون ثم الصديقون والشهداء والصالحون، وهي الاستعانة بالله على نصرة الدين والعبادات، وعلى الارتقاء في القرب من الله جل وعلا، وهذه الاستعانة لا تكون إلا من النبيين والمرسلين والصالحين والشهداء، نسأل الله أن نكون جميعاً منهم، وأن نستعين بالله على نصرة الدين، وعبادة الله جل وعلا، وحبه جل وعلا، وترك الدنيا خلفنا ظهرياً.المقام الثاني: مقام أصحاب الهمم الخسيسة: وهم الذين يستعينون بالله على أمور الدنيا، على الدرهم والدينار، تركوا الآخرة خلفهم ظهرياً، واستعانوا بربهم -مع أن هذه الاستعانة مباحة لا أحرمها- على أمور الدنيا، فخسيس الهمة ودنيها هو الذي يهتم بأمر الدنيا ويترك الآخرة، ولو نظر نظرة ممحصة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت الآخرة همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) وفي المسند عن علي بإسناد صحيح أنه قال: (من جعل الهموم هماً واحداً، أو من اهتم بالله ودينه كفاه الله كل الهموم).أما من استعان بالله على أمر الدنيا فهذا دني الهمة؛ ولذلك قال ابن القيم : ترى خسيس الهمة يستعين بالله على رغيف، ويتوكل عليه على رغيف يأكله، ومقام الأنبياء الاستعانة على القرب منه ونصرة الدين، والتفرغ لعبادته جل وعلا.الثالث: أسوأ المنازل وأسوأ البشر على الإطلاق هم من يستعينون بالله جل وعلا على معاصيه.قوله: [ رب يسر ولا تعسر ]. هذا مقام الاستعانة، وقد تأدب مع الله فأتى باسم الرب حتى يتحقق له المطلوب المرغوب بالاسم المناسب لما يدعو به.
تعلم التوحيد أوجب الواجبات
قوله: [ أوجب ما على المرء ]. أي: أوجب الواجبات وأفرض المفروضات وأوكد المؤكدات هو التوحيد، وهو معرفة الله جل وعلا معرفة صحيحة ومعرفة ما ينافيه من شرك، وهذا فرض عين على كل امرئ على وجه البسيطة، فيتعرف على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى إجمالاً. أما التفصيل والرد على أهل البدع فهو فرض كفاية إن قام به طلبة العلم سقطت عن الآخرين، فأوجب ما على المرء معرفة الله جل وعلا بتوحيده وتصديقه وتصديق رسله، والتعرف عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى. فإذا قلنا: أوجب الواجبات معرفة الله ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى فما هو الدليل على ذلك؟ أقول: لقد ابتدأ الله به في كتابه فقال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، ولما علمه القراءة قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] حاثاً له على أن يتعلم ما يخص الله جل وعلا وما ينفعه من أمر التوحيد المنافي للشرك، وتعليم هذا لا يكون إلا على فهم سلف الأمة للكتاب والسنة.والسلف هم الثلاثة القرون المفضلة، فلابد أن نقتفي أثرهم ونطرح قول من قال: (علم السلف أسلم وعلم الخلف أحكم)، قبحه الله من قائل! بل علم السلف أسلم وأحكم، ولن تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وحتى يكون دينها صافياً كما كان على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرافالعلم العلم والفهم الفهم لما يأتيك فإنه (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فالذي لا يتفقه في دينه لم يرد الله به خيراً، وأرفع الناس وأفضلهم وأشرفهم على الإطلاق هم العلماء، وطلبة العلم، فكن عالماً أو متعلماً أو محباً للعلم ولا تكن الرابع فتهلك، لا تكن من الهمج الرعاع أتباع كل ناعق، فالشيخ محمد صالح العثيمين رحمة الله عليه من أفضل الناس فقهاً، وأشدهم فهماً للكتاب والسنة، وهو الذي كان يقول دائماً: الفهم الفهم، الفهم كل العلم، وإن لم يكن الفهم العلم فهو شطر العلم. وفي لحظات موته دخل عليه الشيخ صالح المنجد فسأله: من تخلف من الفقهاء؟ فطأطأ رأسه وسكت، وقال: أين العالم الفقيه؟! فلعل الله أن يخلف منكم من يفقه كما فقه هو؛ فإن الله أعطاه نظراً دقيقاً في الكتاب والسنة، ولذلك قلت: إن العلم كل العلم هو فهم الكتاب والسنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) وهذا هو الأهم، وقيل: لما جاء أحمد بن حنبل مع إسحاق بن راهويه قال له إسحاق : نجلس إلى جانب هذا الشاب -أي: الشافعي- ونترك ابن عيينة يقول حدثنا، وحدثنا فقال له الإمام أحمد : لو فاتك الحديث من ابن عيينة بعلو أخذته بنزول -يعني بزيادة رجل أو رجلين- وإن فاتك فهم هذا الرجل في الكتاب والسنة فلن تجد مثله. لأن هذا هو المقصود الأعلى والأسمى.قال شيخ الإسلام ابن تيمية : إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده وفهم متنه، وفهم المتن رأس الأمر؛ لأن الأحكام كلها تكمن في المتن، ولذلك لما تكلم الله جل وعلا عن الآيات الكونية المرئية والآيات المتلوة قال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أي: إن المطلوب دقة النظر والفهم، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82].فالتدبر ودقة النظر في الأدلة وفهمها فهم عميق تصل بالمرء إلى الفقه والرفعة.فأهل العلم وطلبة العلم إذا تعلموا العلم ولم ينظروا في الأدلة ويمحصوا فيها لن تكون لهم تلك المكانة العظيمة، ألا تريدون المعالي؟ ألا تريدون الرفعة عند الله جل وعلا؟ من منا لا يحب أن يحشر مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فإذا أردت أن تحشر مع النبي صلى الله عليه وسلم كن وريثاً له، فإنك إذا كنت وارثاً لنبيك صلى الله عليه وسلم فستحشر معه في الفردوس الأعلى، ومع أبي بكر وعمر ، فعليكم بالعلم والجهاد، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
 أقسام الاستعانة
الاستعانة على ثلاثة أقسام:المقام الأول: مقام النبوة: وقد اختص بها المرسلون ثم الصديقون والشهداء والصالحون، وهي الاستعانة بالله على نصرة الدين والعبادات، وعلى الارتقاء في القرب من الله جل وعلا، وهذه الاستعانة لا تكون إلا من النبيين والمرسلين والصالحين والشهداء، نسأل الله أن نكون جميعاً منهم، وأن نستعين بالله على نصرة الدين، وعبادة الله جل وعلا، وحبه جل وعلا، وترك الدنيا خلفنا ظهرياً.المقام الثاني: مقام أصحاب الهمم الخسيسة: وهم الذين يستعينون بالله على أمور الدنيا، على الدرهم والدينار، تركوا الآخرة خلفهم ظهرياً، واستعانوا بربهم -مع أن هذه الاستعانة مباحة لا أحرمها- على أمور الدنيا، فخسيس الهمة ودنيها هو الذي يهتم بأمر الدنيا ويترك الآخرة، ولو نظر نظرة ممحصة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت الآخرة همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) وفي المسند عن علي بإسناد صحيح أنه قال: (من جعل الهموم هماً واحداً، أو من اهتم بالله ودينه كفاه الله كل الهموم).أما من استعان بالله على أمر الدنيا فهذا دني الهمة؛ ولذلك قال ابن القيم : ترى خسيس الهمة يستعين بالله على رغيف، ويتوكل عليه على رغيف يأكله، ومقام الأنبياء الاستعانة على القرب منه ونصرة الدين، والتفرغ لعبادته جل وعلا.الثالث: أسوأ المنازل وأسوأ البشر على الإطلاق هم من يستعينون بالله جل وعلا على معاصيه.قوله: [ رب يسر ولا تعسر ]. هذا مقام الاستعانة، وقد تأدب مع الله فأتى باسم الرب حتى يتحقق له المطلوب المرغوب بالاسم المناسب لما يدعو به.
الأسئلة

 حكم كتابة ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في الرسائل الأجنبية
السؤال: هل أكتب في الرسائل الأجنبية ((بسم الله الرحمن الرحيم))؟ الجواب: في الرسائل الأجنبية، وجد من يكتب ((باسم الرب))، وهذا كلام غير صحيح فحتى في الرسالة الأجنبية اكتب بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن قيصر وكسرى ما كانوا يقرءون العربية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، فالمحظور هو أن تذهب بالمصحف إلى بلاد الكفار إذا خشي عليه الامتهان، هذا هو الضابط. ولقد كان ابن عثيمين يقول: ليس طالب العلم هو الذي يحفظ الفروع، ولكن طالب العلم هو الذي يتقن الضابط فيجعله أصلاً يرد كل الفروع إليه.لقد كانت تأتيه الأسئلة فيجيب عنها كما أجاب عنها شيخ الإسلام ابن تيمية مع أنه لم يقرأ هذا الجواب لشيخ الإسلام ابن تيمية ، فما الذي أوصله لهذا؟ محض فضل الله أولاً، والثاني: إتقان الأصول ورد الفروع إليها، فالتأصيل العلمي يجعل طالب العلم متميزاً على غيره ممن لم يهتم بالأصول.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - شرح البسملة للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net