اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , توحيد الاتباع للشيخ : محمد حسن عبد الغفار


توحيد الاتباع - (للشيخ : محمد حسن عبد الغفار)
لقد أرسل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وأنزل معه كتابه تبياناً لكل شيء، وهدى وموعظة للمتقين، وكما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن فقد جاء بالسنة، فالسنة مبينة للقرآن وشارحة وموضحة له؛ ولذلك كان لابد من التسليم لنصوصها، والإذعان لأوامرها، فكما يسلم لله عز وجل ولكتابه، فلابد من التسليم لرسوله صلى الله عليه وسلم ولسنته، لأنه المبلغ عن رب العالمين، ولأنه لا يستقيم للإنسان الدخول في هذا الدين إلا بالتسليم الكامل للكتاب والسنة.
الغاية من خلق الإنسان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:قال الإمام ابن القيم رحمه الله: خلق الله الكون كله بسمائه وأرضه، وبأشجاره وأنهاره، وبحاره وسهوله، وكل ما فيه لك أنت أيها المكلف، وخلقك أنت له، فانشغل بما خلقت له، ولا تنشغل بما خلق لك. يا لها من كلمات! ويا له من غواص! ولعله استقى ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نفث في روعي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، فما خلق لك فسيأتيك، وما خلقت له فلا بد أن تسعى إليه.
 الأدلة على أن الغاية من خلق الإنسان هو توحيد الله
إن الله جل في علاه خلق الخلق لمهمة جسيمة ولغاية عظيمة، وقد جمعها في قوله جل في علاه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وقال جل في علاه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال جل من قائل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، فخلق الله الخلق لمهمة جسيمة وهي توحيده عز وجل، فالدنيا بأسرها أشرقت على شمس التوحيد، وما خلقها الله إلا لتسبح بحمده جل في علاه.
أنواع التوحيد
وتوحيد الله نوعان: توحيد العبادة، أو: توحيد الخالق في أسمائه الحسنى وصفاته العلى وفي ربوبيته وإلهيته، وتوحيد الرسالة.فتوحيد الخالق هو: توحيد الله جل في علاه، وتوحيد الرسالة هو: توحيد الإتباع.وقد قال بعض العلماء: إن بينهما تلازماً، فإن توحيد الخالق لا يمكن أن يكون إلا بتوحيد الإتباع، قال بعض العلماء: بينهما تلازم وثيق.وتوحيد النبي صلى الله عليه وسلم هو: إفراده بالاتباع صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: بل بينهما علاقة تضمن، فتوحيد الله جل في علاه لا يكون إلا بتوحيد الاتباع، وهو: إفراد النبي صلى الله عليه وسلم بالاتباع.
 الأدلة على أن الغاية من خلق الإنسان هو توحيد الله
إن الله جل في علاه خلق الخلق لمهمة جسيمة ولغاية عظيمة، وقد جمعها في قوله جل في علاه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وقال جل في علاه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال جل من قائل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، فخلق الله الخلق لمهمة جسيمة وهي توحيده عز وجل، فالدنيا بأسرها أشرقت على شمس التوحيد، وما خلقها الله إلا لتسبح بحمده جل في علاه.
توحيد الاتباع
من أهم أنواع التوحيد: توحيد الاتباع، أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن القرآن العظيم فيه آيات كثيرة تبين لنا وتجلي أهمية هذا التوحيد، وتوحيد الاتباع هو: إفراد النبي صلى الله عليه وسلم بالاتباع.
 اتباع النبي صلى الله عليه وسلم شرط لدخول الجنة
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الفوز بالجنة والسعادة الأبدية لا تكون إلا لمن أطاع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال كما جاء عنه في الصحيحين -بأبي هو وأمي-: (كل أمتي يدخل الجنة إلا من أبى). فاندهش الصحابة هل هناك أحد يأبى أن يدخل الجنة؟ (فقالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى).وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً كما في قصة الثلاثة النفر وهي لا تخفى، عندما قال الأول: (أقوم ولا أنام، وقال الثاني: أصوم ولا أفطر، وقال الثالث: لا أتزوج النساء)، فكأنهم تقالوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فيبين النبي صلى الله عليه وسلم مصححاً مقال الصحابة الكرام أن الأعمال ليست بالاجتهاد، ولا بالقيام ولا بالصيام، ولكنها بالاتباع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم معلناً لهذه الأمة أن رأس قبولها عند الله جل في علاه في اتباعه، فقال: (أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مصوراً لنا ما يحدث على عرصات يوم القيامة واختلاج أقوام من بين يديه عند الحوض، فيقول: (ربي! أصحابي .. أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً .. سحقاً لمن بدل بعدي)، أي: بعداً .. بعداً لمن بدل بعدي؛ فإن ميزان القبول هو طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وتمام التوحيد وأساسه لا يكون إلا من خلال اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
شرطا السيادة والقيادة لأمة محمد
إن الله خلق هذه الأمة لتكون لها مطلق الريادة والقيادة والسيادة، ولكنه اشترط لهم شروطاً حتى تكون لهم هذه القيادة والريادة، وهذه الشروط هي: التمسك بكتاب الله وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى الحاكم بسند صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي).وقال النبي صلى الله عليه وسلم (بشر هذه الأمة بالرفعة والسناء)، وقال أيضاً: (أمتي كالمطر لا يدرى أين الخير فيها أفي أولها أم في آخرها؟).
 مخالفة أتباع المذاهب لمذاهبهم المخالفة للسنة
وإليك نبأ القوم الذين جاءوا من بعد هؤلاء الأئمة المتعصبين لمذاهبهم، فإن من مذاهبهم أنهم يوافقون السنة إذا رأوا أنها تخالف المذهب، فمثلاً: الإمام أبو حنيفة كان يتكلم في الاستصناع ويبيحه، لكنه كان يقول أنه غير ملزم؛ لأنه يمكن للبائع أن يقول: لا أبيع لك، ويمكن للمشتري أيضاً أن يرجع عنه. فقام صاحبه محمد بن الحسن فخالفه في الاستصناع، وكذلك أبو يوسف، وقالا: هذا للتقعيد الأثري أقوى. والإمام مالك مذهبه: عدم الغسل بالتتريب من ولوغ الكلب في الإناء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعاً إحداهن بالتراب)، فكان الإمام مالك لا يقول بالتتريب؛ لعمل أهل المدينة.فقام بعض أتباعه - أظنه الإمام أصبغ- فقال: سنة النبي صلى الله عليه وسلم تقدم على قول مالك ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً، ويعفره الثامنة بالتراب)، فقدم قول النبي صلى الله عليه وسلم على قول مالك رضي الله عنه وأرضاه.وكان الإمام مالك لا يرى المسح على الخفين في الحضر ولا في السفر، فقال: وسنة النبي صلى الله عليه وسلم تقدم على قول مالك ؛ فإنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز المسح على الخف في السفر يوم وليلة في الحضر، وثلاثة أيام بلياليهن في السفر.وأيضاً كان الإمام النووي يعلم أنه لا يمكن له أن ينخلع عن مذهب الشافعي ، ومع ذلك لما استبانت له السنة ترك مذهب الشافعي في الوضوء، وذلك أن الشافعي كان يرى أنه لا يجب الوضوء على الإنسان إذا أكل لحم الجزور، فقال الإمام النووي: والسنة وجوب الوضوء على من أكل لحم الجزور، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم تقدم على قول الشافعي، بل إن الوضوء من لحم الجزور مذهب الإمام الشافعي أي: أخذه من قول الشافعي : إذا صح الحديث فهو مذهبي.والعلماء يقولون: كل شافعي وللشافعي عليه منة إلا الإمام البيهقي ، فإن له منة على الشافعي ، فإنه تتبع كلام الشافعي ودلل عليه بالآثار، فكان يأخذ قول الشافعي ويأتي بالحديث الذي يؤكد ما ذهب إليه الشافعي ، وعندما لا يجد سنة في قول قاله الشافعي فإنه يرجع الأمر إلى السنة.فمثلاً: كان الشافعي يرى أن الوضوء ينتقض بلمس المرأة الأجنبية، لقول الله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]. فقال البيهقي: وصحت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء.واستدل على ذلك بحديث في السنن والبخاري وهو حديث صحيح أن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل إحدى نسائه فيذهب فيصلي ولا يتوضأ، فقال لها عروة: ما هي إلا أنت، فضحكت). قال البيهقي: فهذه سنة قد ثبتت من أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبل إحدى نسائه، وذهب فصلى ولم يتوضأ فهذا مذهب الشافعي، ونقل قولاً للشافعي من أن الوضوء لا ينتقض بلمس النساء.فهؤلاء من الذين يتبعون السنة، وقد قالوا: نعلنها صراحة وإن كان الإمام مبجلاً، وإن كان الإمام يؤخذ بقوله، فهذا عند عدم ورود الأثر، فأما إن جاء الأثر فلا قول لأحد، وإنما كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وللكمال مراتب أربع.
المراتب التي يلزم توافرها لمن أراد الكمال

 الصبر على العمل والدعوة
أما المرتبة الرابعة: فهي الصبر على العمل والدعوة؛ فإن أصحاب السنة غرباء، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عندما قال: (لا تزال طائفة) يقللها، وهم أصحاب السنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم).فلا بد أن تصبر على ذلك، وكفاك قول الله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].واعلم أن الله جل في علاه قد أمرك بأمر لا بد أن تأخذ به، وهو: اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200].نسأل الله الكمال كله دقه وجله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , توحيد الاتباع للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

http://audio.islamweb.net