اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [110] للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان


شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [110] - (للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان)
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الدهر، لأن فيه إيذاء لله سبحانه، فهو الذي خلق الدهر، وخلق الليل والنهار، يقلبهما كيف يشاء، وهو مدبر الأمور.
باب من سب الدهر فقد آذى الله
[ قال المصنف رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد آذى الله.وقول الله تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24]. وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار) وفي رواية: (لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر) ].
  ما يقابل السب وهو مدح الدهر
وكذلك يقابل هذا المدح كما يحصل لبعض الأدباء إذا حصل له مراده من محبوبه أو غيره سماها أيام وصل، وحمدها، وأثنى عليها، فهذا عكس السب يعني: أنه أضاف هذه الأمور إليها، فيكون أيضاً مذموماً؛ لأنه أضاف الحوادث إلى غير محدثها وموجدها جل وعلا.والإنسان يجب عليه إذا حصل له ما يريده أن يحمد الله ويثني عليه، وإذا حصل له ما يتأذى به من مصائب ونحوها أن يستغفر ربه ويتوب إليه، ويعلم أنه أصيب بسبب ذنوبه.
تفسير آية الجاثية: (وما هي إلا حياتنا الدنيا)
وقول الله جل وعلا: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24] يذكر جل وعلا عن طائفة من العرب وغيرهم كبعض الدهرية من الفلاسفة وغيرهم، أنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، ولا بحياة أخرى يكون فيها جزاء، وإنما يعتقدون أن الإنسان إنما يتنعم في الحياة الدنيا فقط كما يقوله الملاحدة اليوم الحياة مادة، ونهاية الإنسان وغايته أن يكون تراباً في هذه الأرض فلا حياة بعد ذلك ولا جزاء. هذا هو الذي ذكره الله جل وعلا عن هؤلاء قولهم: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) أي: ليس وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى، إنما الحياة محصورة في هذه الدنيا، وقوله عنهم جل وعلا: (نَمُوتُ وَنَحْيَا) معناه: يموت قوم ويولد آخرون، فهذا معنى (نموت ونحيا) يعني: إذا انتهت أمور الإنسان وهرم مات، ويولد أناس جدد يفنيهم أيضاً الدهر: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) فقط (نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) يعني: ما يهلكنا إلا مرور الأيام والليالي، فإذا انتهى عمر الإنسان وهرم مات، ثم أصبح نسياً منسياً، ليس وراء ذلك شيء.فقولهم: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) كذب وافتراء على الواقع، وافتراء على أخبار الله وقضائه جل وعلا، حينما قضى أن هذه الحياة هي مزرعة للحياة الآخرة، وقولهم: (نَمُوتُ وَنَحْيَا) مقصود هؤلاء أنهم يحيون حتى تنتهي أعمارهم، ثم يموتون ويحيا قوم آخرون، أي: يولد قوم آخرون يكونون مكانهم، وأن الأمور مستمرة على هذا الوضع فقط، ومن مات لا يعود أبداً.ولهذا قالوا: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) وهذا موضع الشاهد، حيث نسبوا الهلاك إلى الدهر، ومعنى ذلك أن الذي يهلكهم إما الكوارث وإما مرور الليالي والأيام، والهرم إذا هرموا ماتوا وليس للموت تقدير ولا حدود محددة، يوجدون بعدها ويبعثون.وهذا المذهب من أخبث المذاهب، وهو مذهب طائفة قديمة، ولا يزال الآن في الوجود، وقد صار له دول ودعاة يدعون إليه، ولكنها دعوات باطلة؛ لأنها لا تنطوي على العقول، ولا على الفطر، فالعقل يكذبها، والواقع يكذبها، والفطر تأباها ولا تقبلها، ولهذا قال جل وعلا: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) يعني: ليس لهم أدلة على هذا القول، وإنما هو مجرد افتراء وكذب، أما الظن الذي ظنوه هنا فهو مجرد الوهم، والأدلة على خلاف ذلك.من المعلوم من دين الإسلام أنه من أنكر البعث أو شك فيه يعتبر كافراً؛ لأن مبنى الإسلام على الإيمان بالغيب، والإيمان بالأخبار التي يخبر الله جل وعلا أنها ستكون، ومن ذلك ما يلاقيه الميت بعد موته في قبره من مساءلة ومن عذاب أو نعيم، ثم إخراجه من قبره حياً كما مات، ثم تركيبه تركيباً جديداً، بحيث لا يقبل الموت، وجزاؤه على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، هذا هو أصل الإيمان بالله جل وعلا وبرسله، فمن كذب ذلك أو شك فيه وتردد، فهو كافر بالله جل وعلا.الشاهد في هذا أنهم أضافوا الهلاك إلى الدهر، فيكون فيه مسبة الدهر، وإضافة الحوادث إليه من الضر أو النفع، وهذا من سنة الكفرة والملاحدة الذين يلحدون في آيات الله وصفاته، وفي هذا من الشرك ما هو معلوم، حيث جعلوا المتصرف غير الله جل وعلا؛ لأن التصرف في الحياة والأشخاص والذوات والمعاني وفي كل شيء لله وحده.
  ما يقابل السب وهو مدح الدهر
وكذلك يقابل هذا المدح كما يحصل لبعض الأدباء إذا حصل له مراده من محبوبه أو غيره سماها أيام وصل، وحمدها، وأثنى عليها، فهذا عكس السب يعني: أنه أضاف هذه الأمور إليها، فيكون أيضاً مذموماً؛ لأنه أضاف الحوادث إلى غير محدثها وموجدها جل وعلا.والإنسان يجب عليه إذا حصل له ما يريده أن يحمد الله ويثني عليه، وإذا حصل له ما يتأذى به من مصائب ونحوها أن يستغفر ربه ويتوب إليه، ويعلم أنه أصيب بسبب ذنوبه.
الفرق بين الحديث القدسي وغيره
ثم ذكر الحديث، وهو حديث ثابت وصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر) فهذا يسمى حديث قدسي، نسبة للرب جل وعلا أنه قاله وتكلم به، والقداسة هي التنزيه والطهارة؛ لأن الله منزه عما يصفه به الظالمون.والحديث القدسي اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: إن معناه من الله ولفظه من الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول يضيف ذلك إلى الله جل وعلا، ولكن هو الذي يتلفظ بالكلام، ويقوله، ولهذا قالوا: يجوز روايته بالمعنى.القول الثاني وهو الصواب: أن معناه ولفظه من الله، ولكنه ليس كالقرآن يتعبد بتلاوته، وذلك أن كلام الله جل وعلا لا ينحصر لا في القرآن ولا في الإنجيل ولا في غير ذلك، ولهذا يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم قول الله جل وعلا الذي يقوله في الوقت الحاضر وفي المستقبل، ويكون هو قول لله مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول: هل من مستغفر فيُغفر له؟! هل من سائل فيُعطى؟!) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما أن الله يقول لآخر من يخرج من النار من أهل التوحيد: (لعلك تسأل غير ما سألت! فيقول: لا يا رب، ويعطي المواثيق والعهود أنه لا يسأل غير ذلك، ثم إذا أعطي ما سأل رأى شيئاً أحسن منه، فيبقى صابراً ما شاء الله أن يصبر ثم يسأل ربه ذلك الذي رآه، فيقول الله جل وعلا له: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! .. إلى أن قال له: اذهب فادخل الجنة فإن لك ما رأيت).وغير ذلك من القول الكثير الذي يذكره النبي صلى الله عليه وسلم عن الله جل وعلا، فهو قوله بالمعنى واللفظ، وإلا فإن كل ما يذكره، وكل ما جاء به فمعناه من الله، فإذاً: لا يكون هناك فرق بين الحديث القدسي وبين الحديث النبوي؛ لأن المعنى من الله، لقول الله جل وعلا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].
  ما يقابل السب وهو مدح الدهر
وكذلك يقابل هذا المدح كما يحصل لبعض الأدباء إذا حصل له مراده من محبوبه أو غيره سماها أيام وصل، وحمدها، وأثنى عليها، فهذا عكس السب يعني: أنه أضاف هذه الأمور إليها، فيكون أيضاً مذموماً؛ لأنه أضاف الحوادث إلى غير محدثها وموجدها جل وعلا.والإنسان يجب عليه إذا حصل له ما يريده أن يحمد الله ويثني عليه، وإذا حصل له ما يتأذى به من مصائب ونحوها أن يستغفر ربه ويتوب إليه، ويعلم أنه أصيب بسبب ذنوبه.
علاقة إيذاء الله بسب الدهر
ثم قوله: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر) عرفنا معنى الأذى، ومعنى سب الدهر، وأن الدهر هو الليل والنهار. ومعنى قوله: (أنا الدهر) فسر بقوله: (أقلب ليله ونهاره) يعني: أنه هو الذي أوجد الدهر وخلقه، وجعله متقلباً، مرة يزيد هذا، ومرة ينقص هذا، ويغشي الليل النهار، ويغشي النهار الليل، أي: يدخل هذا في هذا .. وكل واحد يطلب الآخر مسرعاً، هذا فعل الله جل وعلا. فالذي يسب الدهر ويضيف الحدث إليه يقع السب على الله جل وعلا، ومثال ذلك في الشيء الذي نحن فيه: لو نظر ناظر إلى هذا الحائط، ورأى أن فيه ميلاناً فصار يشتم الحائط ويسبه لماذا يميل؟! معلوم أن الحائط لا فعل له، وإنما هذا من صنع الصانع الذي صنعه، فإن شتمه وسبه يقع على الفاعل الذي فعل ذلك، والله جل وعلا يجب أن يقدره عبده حق قدره، ويجب أن يعظمه حق تعظيمه، ويجب أن يضيف إليه ما هو من فعله وصنعه، ويجب أنه إذا أصيب بمصائب أن يتوب إلى ربه ويستغفر، وإذا حصل له حسنات أو حصل له شيء من النعيم أن يحمد ربه ويشكره على ذلك؛ لأن ذلك من فضله، فالحسنات من الله، والسيئات من النفس من جراء فعله. وقوله في رواية أخرى: (فإن الله هو الدهر) يعني: أن الله هو الذي خلق الدهر، وليس الدهر اسماً من أسماء الله؛ لأن الدهر هو الليل والنهار، وأسماء الله حسنى متوقفة على النص، والحسن هو الذي لا يلحقه نقص ولا عيب، والدهر مخلوق، وأسماء الله لا تكون مخلوقة، تعالى الله وتقدس؛ لأن الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أزلي قديم بلا ابتداء. ولهذا يعلم خطأ الذين يقولون: إن الدهر من أسماء الله، ومعنى (إن الله هو الدهر) كما قال: (يقلب ليله ونهاره) يعني: هو الذي صنع الدهر، فهو فعله، والفعل يضاف إلى الفاعل على أنه مفعول له، وإذا وقع السب على الفعل فالساب في الواقع يكون ساباً للفاعل وليس للفعل.
 معنى سب الدهر عند أهل الجاهلية
قال الشارح: [ وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جداً، بهذا الطريق، قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، ويسبون الدهر، فقال الله عز وجل: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار)، وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن منصور ، عن شريح بن النعمان ، عن ابن عيينة مثله، ثم روى: عن يونس ، عن ابن وهب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يقول الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار) وأخرجه صاحب الصحيح، والنسائي من حديث يونس بن يزيد به.وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي، يقول: وادهراه، وأنا الدهر).قال الشافعي ، وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)، كانت العرب في جاهليتها إذا أصباهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر! فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنما سبوا الله سبحانه؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره -وهو المراد- والله أعلم.وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى، أخذاً من هذا الحديث، انتهى.وقد تبين معناه في الحديث بقوله: (أقلب الليل والنهار)، وتقلبيه تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه. وفي هذا الحديث زيادة لم يذكرها المصنف رحمه الله تعالى وهي قوله: (بيدي الأمر). قوله: وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) معنى هذه الرواية: هو ما صرح به في الحديث، من قوله: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) يعني: أن ما يجري فيه من خير وشر بإرادة الله وتدبيره بعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن. فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، كما قال تعالى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168] وقال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، ونسبة الفعل إلى الدهر ومسبته كثيرة، كما في أشعار المولدين كـابن المعتز والمتنبي وغيرهما. وليس منه وصف السنين بالشدة ونحو ذلك، كقوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ [يوسف:48] الآية، قال بعض الشعراء: إن الليالي من الزمان مهولـةتطوى وتنشر بينها الأعمارفقصارهن مع الهموم طويلـةوطوالهن مع السرور قصاروقول أبي تمام :أعوام وصل كاد ينسي طيبهاذكر النوى فكأنها أيامثم انبرت أيام هجر أعقبتنحوي أسى فكأنها أعوامثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام]
مسائل باب: من سب الدهر فقد آذى الله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل: الأولى: النهي عن سب الدهر.الثانية: تسميته أذىً لله.الثالثة: التأمل في قوله: (فإن الله هو الدهر) ].يعني بهذا تأمل أنه ليس من أسماء الله، وإنما هو الفاعل للدهر، وإذا سب الإنسان الفعل رجع السب إلى الفاعل، فهذا هو الذي يقصد بالتأمل، فهذا مفسر بالروايات التي مرت أنه يقلب الليل والنهار، ومعلوم أن الدهر هو الزمن، والزمن ظرف لما يقع من الحوادث السارة والضارة التي تقع في الليل والنهار، فهو ظرف لها، وليس هو الذي يوقعها، وإنما الموقع لها هو الله جل وعلا، فيجب أن يحمد على النعماء، ويجب أن يتاب من السيئات ويرجع إليه، وكذلك يحمد على فعله؛ لأنه هو المحمود على كل حال. [الرابعة: أنه قد يكون ساباً ولو لم يقصده بقلبه ].أي: بالقول يكون ساباً وإن لم يكن معتقداً حقيقة ما يقول، فيقع منه السب، ومعلوم أن هذا يكون أقل إثماً ممن اعتقد أن الفاعل هو الليل والنهار، ثم أضاف إليه الحوادث التي هو ظرفها، فإن هذا يكون من الشرك الأكبر، ويضاف إلى الشرك مسبة ما ليس مستحقاً للسب.وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
 معنى سب الدهر عند أهل الجاهلية
قال الشارح: [ وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جداً، بهذا الطريق، قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، ويسبون الدهر، فقال الله عز وجل: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار)، وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن منصور ، عن شريح بن النعمان ، عن ابن عيينة مثله، ثم روى: عن يونس ، عن ابن وهب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يقول الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار) وأخرجه صاحب الصحيح، والنسائي من حديث يونس بن يزيد به.وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي، يقول: وادهراه، وأنا الدهر).قال الشافعي ، وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)، كانت العرب في جاهليتها إذا أصباهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر! فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنما سبوا الله سبحانه؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره -وهو المراد- والله أعلم.وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى، أخذاً من هذا الحديث، انتهى.وقد تبين معناه في الحديث بقوله: (أقلب الليل والنهار)، وتقلبيه تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه. وفي هذا الحديث زيادة لم يذكرها المصنف رحمه الله تعالى وهي قوله: (بيدي الأمر). قوله: وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) معنى هذه الرواية: هو ما صرح به في الحديث، من قوله: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) يعني: أن ما يجري فيه من خير وشر بإرادة الله وتدبيره بعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن. فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، كما قال تعالى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168] وقال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، ونسبة الفعل إلى الدهر ومسبته كثيرة، كما في أشعار المولدين كـابن المعتز والمتنبي وغيرهما. وليس منه وصف السنين بالشدة ونحو ذلك، كقوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ [يوسف:48] الآية، قال بعض الشعراء: إن الليالي من الزمان مهولـةتطوى وتنشر بينها الأعمارفقصارهن مع الهموم طويلـةوطوالهن مع السرور قصاروقول أبي تمام :أعوام وصل كاد ينسي طيبهاذكر النوى فكأنها أيامثم انبرت أيام هجر أعقبتنحوي أسى فكأنها أعوامثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام]

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [110] للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

http://audio.islamweb.net