إسلام ويب

شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد [110]للشيخ : عبد الله بن محمد الغنيمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الدهر، لأن فيه إيذاء لله سبحانه، فهو الذي خلق الدهر، وخلق الليل والنهار، يقلبهما كيف يشاء، وهو مدبر الأمور.

    1.   

    باب من سب الدهر فقد آذى الله

    [ قال المصنف رحمه الله تعالى: باب من سب الدهر فقد آذى الله.

    وقول الله تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24]. وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار) وفي رواية: (لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر) ].

    تعريف السب شرعاً

    أولاً: السب: هو الشتم واللعن، أن يشتمه أو يلعنه أو يذمه بالقول الذي يصدر منه.

    والدهر: هو الزمن، ومعلوم أن الزمن هو الليل والنهار، فبالليل والنهار يتكون الأسبوع والشهر والسنة، وكله بهذا، والليل والنهار ظرف للحوادث التي تحدث للناس من الخير والشر، وجميع ما يحصل للإنسان فهو بسبب كسبه وعمله، ولكن الله جل وعلا يخبرنا عن ظلم الإنسان وجهله، وهلعه وجزعه.

    الفرق بين الأذى والضرر

    ومعلوم أن الليل والنهار مخلوق لله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت:37] ويقول جل وعلا: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [الحج:61] ويقول جل وعلا: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا [الأعراف:54].

    فالله جل وعلا هو الذي خلق الليل والنهار، وجعله مسخراً مدبراً، فالليل والنهار مخلوق مطيع لله جل وعلا، سائر بأمره، ليس له تصرف، وليس عنده نفع ولا ضر.

    وسب الدهر يدل على أن الأذى يقع من ابن آدم على الله، والأذى يكون للشيء الخفيف الذي أثره قليل، أي: ما خف أثره وقل تأثيره من الشرك والقول الكذب والكفر، وقد أخبر الله جل وعلا عن بعض الناس أنهم يؤذون الله ورسوله، ويؤذون المؤمنين، ولكن أخبرنا ربنا جل وعلا أنه لا أحد يضره: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:176].

    فالله لا يلحقه الضرر، ولكن يلحقه الأذى، ولهذا نقول: إن الأذى هو الشيء الخفيف الذي لا يكون له أثر على من لحقه، ولهذا يقول الله جل وعلا للمؤمنين عندما حرضهم على قتال الكافرين: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى [آل عمران:111] .

    يعني: من قول تسمعونه أو فعل يصدر منهم فتتأذون به، أما الضر فلا يلحقكم.

    فالله أعظم وأجل من أن يلحقه ضر من خلقه، ففي الحديث القدسي الذي في صحيح مسلم أن الله جل وعلا يخاطب خلقه بقوله: (إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني،) وفي التنزيل كما سمعنا: لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:176].

    أما الأذى فثبت في هذا الحديث، وفي القرآن آيات تخبر أن الله يتأذى بفعل بني آدم، كمثل الذين يقولون: إن له ولداً تعالى الله وتقدس، ومثل الذين يعبدون معه غيره، ومثل الذين ينادون مخلوقاً رميماً تحت التراب، ويقولون له: أغثنا .. أعطنا ..نحن نعتمد عليك .. وما أشبه ذلك؛ لأن هذا من حق الله، يجب أن ينادى الله به، أما أن يجعل لله ما يجعل للمخلوق فهذا من الأمور التي تؤذي الله تعالى الله وتقدس.

    سب الدهر نوع من الشرك

    ومن ذلك ما ذكر في هذا الباب من أن سب الدهر يؤذي الله، ثم إن مناسبة ذكر هذا الباب لكتاب التوحيد أن ساب الدهر لا يخلو من الشرك؛ وذلك لأنه إذا صدر السب منه، إما أن يكون معتقداً أن الليل والنهار والدهر يؤثر في ذلك، وأنه هو الفاعل المصرف في الحوادث الواقعة التي حصل السب من أجلها، فهذا شرك ظاهر وشرك أكبر، وإما أن يكون أضاف الحوادث -على سبيل ما يصدر من الناس وما يسمعه- إلى غير محدثها، وإنما هو على سنن الجاهلية، فيكون أيضاً شركاً ولكنه دون الأول، فتكون المناسبة ظاهرة في أن سب الدهر من الشرك، وقد جعله ابن الجوزي رحمه الله من أعظم الكفر بالله جل وعلا، وهذا يصدر من الناس ولاسيما من الأدباء الذين لهم أشعار، فإنه يصدر منهم كثيراً، وهو في الواقع من أعظم الجهل، ومن أعظم الجرأة على الله جل وعلا، فيحب على العبد أن يحترز من ذلك.

    ومن هذا ما يصدر من بعض الجهلة والسفلة، إذا لقي أمراً ليس رائقاً له وجدته يلعن الوقت الذي رأى هذا الشخص فيه، يسب الساعة أو اليوم الذي رأى الشخص فيه، فهذا من أعظم الأذية لله جل وعلا، وهو ظلم وشرك بالله جل وعلا.

    ما يستثنى من وصف الأيام بالشدة ونحوها

    وليس من ذلك وصف الوقت بالشدة، كأن يقال مثلاً: هذه سنة شديدة، أو هذا فصل بارد أو هذا فصل حار؛ لأنه جاء في القرآن في قصة لوط عليه السلام أنه قال: هذا يوم عصيب، وكذلك يقول الله جل علا: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [الحاقة:7] وسماها في آية أخرى نحسات، فوصف الأيام بالشدة ليس داخلاً في ذلك، وإنما المقصود أن تضاف إليها الحوادث فتسب.

    ما يقابل السب وهو مدح الدهر

    وكذلك يقابل هذا المدح كما يحصل لبعض الأدباء إذا حصل له مراده من محبوبه أو غيره سماها أيام وصل، وحمدها، وأثنى عليها، فهذا عكس السب يعني: أنه أضاف هذه الأمور إليها، فيكون أيضاً مذموماً؛ لأنه أضاف الحوادث إلى غير محدثها وموجدها جل وعلا.

    والإنسان يجب عليه إذا حصل له ما يريده أن يحمد الله ويثني عليه، وإذا حصل له ما يتأذى به من مصائب ونحوها أن يستغفر ربه ويتوب إليه، ويعلم أنه أصيب بسبب ذنوبه.

    1.   

    تفسير آية الجاثية: (وما هي إلا حياتنا الدنيا)

    وقول الله جل وعلا: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24] يذكر جل وعلا عن طائفة من العرب وغيرهم كبعض الدهرية من الفلاسفة وغيرهم، أنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، ولا بحياة أخرى يكون فيها جزاء، وإنما يعتقدون أن الإنسان إنما يتنعم في الحياة الدنيا فقط كما يقوله الملاحدة اليوم الحياة مادة، ونهاية الإنسان وغايته أن يكون تراباً في هذه الأرض فلا حياة بعد ذلك ولا جزاء.

    هذا هو الذي ذكره الله جل وعلا عن هؤلاء قولهم: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) أي: ليس وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى، إنما الحياة محصورة في هذه الدنيا، وقوله عنهم جل وعلا: (نَمُوتُ وَنَحْيَا) معناه: يموت قوم ويولد آخرون، فهذا معنى (نموت ونحيا) يعني: إذا انتهت أمور الإنسان وهرم مات، ويولد أناس جدد يفنيهم أيضاً الدهر: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) فقط (نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) يعني: ما يهلكنا إلا مرور الأيام والليالي، فإذا انتهى عمر الإنسان وهرم مات، ثم أصبح نسياً منسياً، ليس وراء ذلك شيء.

    فقولهم: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) كذب وافتراء على الواقع، وافتراء على أخبار الله وقضائه جل وعلا، حينما قضى أن هذه الحياة هي مزرعة للحياة الآخرة، وقولهم: (نَمُوتُ وَنَحْيَا) مقصود هؤلاء أنهم يحيون حتى تنتهي أعمارهم، ثم يموتون ويحيا قوم آخرون، أي: يولد قوم آخرون يكونون مكانهم، وأن الأمور مستمرة على هذا الوضع فقط، ومن مات لا يعود أبداً.

    ولهذا قالوا: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) وهذا موضع الشاهد، حيث نسبوا الهلاك إلى الدهر، ومعنى ذلك أن الذي يهلكهم إما الكوارث وإما مرور الليالي والأيام، والهرم إذا هرموا ماتوا وليس للموت تقدير ولا حدود محددة، يوجدون بعدها ويبعثون.

    وهذا المذهب من أخبث المذاهب، وهو مذهب طائفة قديمة، ولا يزال الآن في الوجود، وقد صار له دول ودعاة يدعون إليه، ولكنها دعوات باطلة؛ لأنها لا تنطوي على العقول، ولا على الفطر، فالعقل يكذبها، والواقع يكذبها، والفطر تأباها ولا تقبلها، ولهذا قال جل وعلا: (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) يعني: ليس لهم أدلة على هذا القول، وإنما هو مجرد افتراء وكذب، أما الظن الذي ظنوه هنا فهو مجرد الوهم، والأدلة على خلاف ذلك.

    من المعلوم من دين الإسلام أنه من أنكر البعث أو شك فيه يعتبر كافراً؛ لأن مبنى الإسلام على الإيمان بالغيب، والإيمان بالأخبار التي يخبر الله جل وعلا أنها ستكون، ومن ذلك ما يلاقيه الميت بعد موته في قبره من مساءلة ومن عذاب أو نعيم، ثم إخراجه من قبره حياً كما مات، ثم تركيبه تركيباً جديداً، بحيث لا يقبل الموت، وجزاؤه على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، هذا هو أصل الإيمان بالله جل وعلا وبرسله، فمن كذب ذلك أو شك فيه وتردد، فهو كافر بالله جل وعلا.

    الشاهد في هذا أنهم أضافوا الهلاك إلى الدهر، فيكون فيه مسبة الدهر، وإضافة الحوادث إليه من الضر أو النفع، وهذا من سنة الكفرة والملاحدة الذين يلحدون في آيات الله وصفاته، وفي هذا من الشرك ما هو معلوم، حيث جعلوا المتصرف غير الله جل وعلا؛ لأن التصرف في الحياة والأشخاص والذوات والمعاني وفي كل شيء لله وحده.

    1.   

    الفرق بين الحديث القدسي وغيره

    ثم ذكر الحديث، وهو حديث ثابت وصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر) فهذا يسمى حديث قدسي، نسبة للرب جل وعلا أنه قاله وتكلم به، والقداسة هي التنزيه والطهارة؛ لأن الله منزه عما يصفه به الظالمون.

    والحديث القدسي اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: إن معناه من الله ولفظه من الرسول صلى الله عليه وسلم، فالرسول يضيف ذلك إلى الله جل وعلا، ولكن هو الذي يتلفظ بالكلام، ويقوله، ولهذا قالوا: يجوز روايته بالمعنى.

    القول الثاني وهو الصواب: أن معناه ولفظه من الله، ولكنه ليس كالقرآن يتعبد بتلاوته، وذلك أن كلام الله جل وعلا لا ينحصر لا في القرآن ولا في الإنجيل ولا في غير ذلك، ولهذا يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم قول الله جل وعلا الذي يقوله في الوقت الحاضر وفي المستقبل، ويكون هو قول لله مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول: هل من مستغفر فيُغفر له؟! هل من سائل فيُعطى؟!) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما أن الله يقول لآخر من يخرج من النار من أهل التوحيد: (لعلك تسأل غير ما سألت! فيقول: لا يا رب، ويعطي المواثيق والعهود أنه لا يسأل غير ذلك، ثم إذا أعطي ما سأل رأى شيئاً أحسن منه، فيبقى صابراً ما شاء الله أن يصبر ثم يسأل ربه ذلك الذي رآه، فيقول الله جل وعلا له: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك! .. إلى أن قال له: اذهب فادخل الجنة فإن لك ما رأيت).

    وغير ذلك من القول الكثير الذي يذكره النبي صلى الله عليه وسلم عن الله جل وعلا، فهو قوله بالمعنى واللفظ، وإلا فإن كل ما يذكره، وكل ما جاء به فمعناه من الله، فإذاً: لا يكون هناك فرق بين الحديث القدسي وبين الحديث النبوي؛ لأن المعنى من الله، لقول الله جل وعلا: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    1.   

    علاقة إيذاء الله بسب الدهر

    ثم قوله: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر) عرفنا معنى الأذى، ومعنى سب الدهر، وأن الدهر هو الليل والنهار.

    ومعنى قوله: (أنا الدهر) فسر بقوله: (أقلب ليله ونهاره) يعني: أنه هو الذي أوجد الدهر وخلقه، وجعله متقلباً، مرة يزيد هذا، ومرة ينقص هذا، ويغشي الليل النهار، ويغشي النهار الليل، أي: يدخل هذا في هذا .. وكل واحد يطلب الآخر مسرعاً، هذا فعل الله جل وعلا.

    فالذي يسب الدهر ويضيف الحدث إليه يقع السب على الله جل وعلا، ومثال ذلك في الشيء الذي نحن فيه: لو نظر ناظر إلى هذا الحائط، ورأى أن فيه ميلاناً فصار يشتم الحائط ويسبه لماذا يميل؟!

    معلوم أن الحائط لا فعل له، وإنما هذا من صنع الصانع الذي صنعه، فإن شتمه وسبه يقع على الفاعل الذي فعل ذلك، والله جل وعلا يجب أن يقدره عبده حق قدره، ويجب أن يعظمه حق تعظيمه، ويجب أن يضيف إليه ما هو من فعله وصنعه، ويجب أنه إذا أصيب بمصائب أن يتوب إلى ربه ويستغفر، وإذا حصل له حسنات أو حصل له شيء من النعيم أن يحمد ربه ويشكره على ذلك؛ لأن ذلك من فضله، فالحسنات من الله، والسيئات من النفس من جراء فعله.

    وقوله في رواية أخرى: (فإن الله هو الدهر) يعني: أن الله هو الذي خلق الدهر، وليس الدهر اسماً من أسماء الله؛ لأن الدهر هو الليل والنهار، وأسماء الله حسنى متوقفة على النص، والحسن هو الذي لا يلحقه نقص ولا عيب، والدهر مخلوق، وأسماء الله لا تكون مخلوقة، تعالى الله وتقدس؛ لأن الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أزلي قديم بلا ابتداء.

    ولهذا يعلم خطأ الذين يقولون: إن الدهر من أسماء الله، ومعنى (إن الله هو الدهر) كما قال: (يقلب ليله ونهاره) يعني: هو الذي صنع الدهر، فهو فعله، والفعل يضاف إلى الفاعل على أنه مفعول له، وإذا وقع السب على الفعل فالساب في الواقع يكون ساباً للفاعل وليس للفعل.

    الدهرية وإضافتهم الخير والشر للدهر

    قال الشارح رحمه الله تعالى: [قال العماد ابن كثير في تفسيره: يخبر تعالى عن دهرية الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب من إنكار المعاد: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا .. [الجاثية:24] ما ثمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم، ويعيشون آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة.

    وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] قال الله تعالى: وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24] أي: يتوهمون ويتخيلون].

    الظن يأتي بمعنى: العلم، ويأتي بمعنى: التردد بين شيئين، ويأتي بمعنى: الوهم الذي لا حقيقة له.

    أما إتيانه بمعنى العلم اليقيني كقوله جل وعلا: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:46] فهنا يظنون بمعنى: يوقنون ويعلمون.

    وأما إتيانه بمعنى التردد بين شيئين ويكون أحدهما أرجح من الآخر فهذا كثير في كلام الناس، وكذلك في اللغة، فإذا أخبر الإنسان بخبر وعنده أحد الطرفين أرجح فيقول: أظن الأمر كذا.

    وأما الظن بمعنى الوهم فهو مثل ما ذكر عن هؤلاء، فهو ظن بمعنى الوهم، وهذا هو الذي لا يغني من الحق شيئاً.

    ذكر الله جل وعلا أنه وهم وأنه ليس فيه شيء من العلم والحق.

    دهرية الجاهلية وجاهلية اليوم

    قال الشارح: [ فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح وأبو داود والنسائي من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار) وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر)، وفي رواية: (لا يقل ابن آدم: يا خيبة الدهر! فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما).

    قال في (شرح السنة): حديث متفق على صحته، أخرجاه من طريق معمر من أوجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (ومعناه أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان مرجع سبها إلى الله عز وجل، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها، فنهوا عن سب الدهر. انتهى باختصار ].

    وهذه العادة السيئة لا تزال موجودة عند الناس، وإن تغيرت الأساليب، وقد تضاف الأمور والحوادث إلى شيء شبيه بالدهر كقولهم مثلاً: الكوارث الطبيعية، فإذا وقع زلزال أو أمطار وفيضانات أو رياح سموها كلها كوارث طبيعية نسبة للطبيعة، وهذا كقولهم: أهلكنا الدهر؛ لأن كل ما يقع في الأرض من تدبير الله جل وعلا، لا يقع على الناس حوادث من فيضانات أو رياح أو زلازل أو براكين إلا بسبب ذنوبهم، يعقبهم الله جل وعلا بها، فيجب أن يعترفوا أن هذا بتقدير الله وتدبيره.

    أما الطبيعة فهي لا تصنع شيئاً؛ لأن الطبيعة التي يركن إليها أكثر الناس لا يعرف ما هي حقيقتها، فإن كان يقصد بها شيئاً موجوداً من الرطوبة واليبوسة أو الرياح أو غيرها فهذه مقدرة ومسخرة، لها رب يدبرها أو يسخرها ويقهرها وهي لا تصنع شيئاً، فهذا إنكار منهم واتباع للدهرية الذين يقولون: ما يهلكنا إلا الدهر، وهو من الذنوب التي يجب أن يبتعد عنها الإنسان؛ لأن كل شيء يصيب الإنسان فهو من الله جل وعلا عقاب، والسبب في ذلك ذنوبه؛ لأن الإنسان لا يصاب إلا بما كسبت يده كما أخبرنا الله جل وعلا في قوله: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، يخبرنا جل وعلا أنه لو يؤاخذ الناس بما عملوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي أنه يهلكهم، ولكنه يحلم عنهم ولا يعجل عليهم، ويمهلهم، بل يكفرون به وهو يرزقهم ويعافيهم في أبدانهم، وينعم عليهم النعم التي لا عدد لها بحلمه جل وعلا، وكونه لا يعجل عليهم.

    ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أحد أصبر على أذىً سمعه من الله؛ يجعلون له الولد ثم يرزقهم ويعافيهم) كذلك يشركون به ويرزقهم ويعافيهم، وكذلك يحاربون دينه، ويحاربون عباده ويرمونهم بالعظائم، بل ويقتلونهم، وهو يرزقهم ويعافيهم؛ لأن مآلهم إليه، فسوف يجازيهم عن قرب، فالجزاء ليس ببعيد، بل هو قريبٌ جداً؛ لأن حياة الإنسان قصيرة جداً.

    معنى سب الدهر عند أهل الجاهلية

    قال الشارح: [ وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جداً، بهذا الطريق، قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، ويسبون الدهر، فقال الله عز وجل: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار)، وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن منصور ، عن شريح بن النعمان ، عن ابن عيينة مثله، ثم روى: عن يونس ، عن ابن وهب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يقول الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار) وأخرجه صاحب الصحيح، والنسائي من حديث يونس بن يزيد به.

    وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله عز وجل: استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي، يقول: وادهراه، وأنا الدهر).

    قال الشافعي ، وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)، كانت العرب في جاهليتها إذا أصباهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر! فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنما سبوا الله سبحانه؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره -وهو المراد- والله أعلم.

    وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى، أخذاً من هذا الحديث، انتهى.

    وقد تبين معناه في الحديث بقوله: (أقلب الليل والنهار)، وتقلبيه تصرفه تعالى فيه بما يحبه الناس ويكرهونه.

    وفي هذا الحديث زيادة لم يذكرها المصنف رحمه الله تعالى وهي قوله: (بيدي الأمر).

    قوله: وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر) معنى هذه الرواية: هو ما صرح به في الحديث، من قوله: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) يعني: أن ما يجري فيه من خير وشر بإرادة الله وتدبيره بعلم منه تعالى وحكمة، لا يشاركه في ذلك غيره، ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن.

    فالواجب عند ذلك حمده في الحالتين، وحسن الظن به سبحانه وبحمده، والرجوع إليه بالتوبة والإنابة، كما قال تعالى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف:168] وقال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، ونسبة الفعل إلى الدهر ومسبته كثيرة، كما في أشعار المولدين كـابن المعتز والمتنبي وغيرهما.

    وليس منه وصف السنين بالشدة ونحو ذلك، كقوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ [يوسف:48] الآية، قال بعض الشعراء:

    إن الليالي من الزمان مهولـة تطوى وتنشر بينها الأعمار

    فقصارهن مع الهموم طويلـة وطوالهن مع السرور قصار

    وقول أبي تمام :

    أعوام وصل كاد ينسي طيبها ذكر النوى فكأنها أيام

    ثم انبرت أيام هجر أعقبت نحوي أسى فكأنها أعوام

    ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام]

    1.   

    مسائل باب: من سب الدهر فقد آذى الله

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيه مسائل:

    الأولى: النهي عن سب الدهر.

    الثانية: تسميته أذىً لله.

    الثالثة: التأمل في قوله: (فإن الله هو الدهر) ].

    يعني بهذا تأمل أنه ليس من أسماء الله، وإنما هو الفاعل للدهر، وإذا سب الإنسان الفعل رجع السب إلى الفاعل، فهذا هو الذي يقصد بالتأمل، فهذا مفسر بالروايات التي مرت أنه يقلب الليل والنهار، ومعلوم أن الدهر هو الزمن، والزمن ظرف لما يقع من الحوادث السارة والضارة التي تقع في الليل والنهار، فهو ظرف لها، وليس هو الذي يوقعها، وإنما الموقع لها هو الله جل وعلا، فيجب أن يحمد على النعماء، ويجب أن يتاب من السيئات ويرجع إليه، وكذلك يحمد على فعله؛ لأنه هو المحمود على كل حال.

    [الرابعة: أنه قد يكون ساباً ولو لم يقصده بقلبه ].

    أي: بالقول يكون ساباً وإن لم يكن معتقداً حقيقة ما يقول، فيقع منه السب، ومعلوم أن هذا يكون أقل إثماً ممن اعتقد أن الفاعل هو الليل والنهار، ثم أضاف إليه الحوادث التي هو ظرفها، فإن هذا يكون من الشرك الأكبر، ويضاف إلى الشرك مسبة ما ليس مستحقاً للسب.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3016577028

    عدد مرات الحفظ

    723828738