اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة المزمل [2] وسورة المدثر [1] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة المزمل [2] وسورة المدثر [1] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
يظهر في سورة المزمل جلياً أنها سورة مكية؛ حيث يظهر فيها الاهتمام بتعميق الإيمان باليوم الآخر، من خلال التذكير بما يكون في ذلك اليوم من أهوال تشيب لها مفارق الولدان، وما ينفع العبد في ذلك اليوم من عمل، ويتركز الاهتمام على قيام الليل؛ لما له من أثر في صياغة الشخصية المؤمنة التي يريدها الله.أما سورة المدثر فإنها من أوائل ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام، لذا جاء فيها إعلام من الله لنبيه أن وقت النوم قد مضى، وساعة إنذار العباد قد حانت، ولذا يجب الاستعداد لتحمل تبعات الدعوة، بتعظيم الرب، وطهارة الظاهر والجنان، والاعتماد على المنان، والصبر على المكاره في سبيل الرحمن، استعداداً ليوم العرض على الديان.
تفسير قوله تعالى: (فكيف تتقون إن كفرتم...)
الحمد لله، والصلاة والسلام على ررسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:يقول الله: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [المزمل:17]، فكيف تدفعون وتتقون -إن كفرتم- يوماً يجعل الولدان شيباً لما فيه من الأهوال؟!أخرج البخاري ومسلم حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله سبحانه وتعالى لآدم يوم القيامة: يا آدم! أخرج بعث النار من ذريتك، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فحينئذ يشيب الصغير، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] ، فشق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله! وأينا ذلك الواحد؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون، ومنكم واحد، أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة).
 

تفسير قوله تعالى: (السماء منفطر به...)
قال سبحانه: السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل:18] أي: السماء مع قوتها وشدتها وتماسكها الآن -كما وصفها الله بقوله: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [الذاريات:7] أي: التي حبكت وشد بعضها إلى بعض شداً قوياً- تتفطر يوم القيامة من شدة الأهوال! فإن قال قائل: لِم لم يقل: السماء منفطرة به، على التأنيث؟قال بعض العلماء: إن هذا جرى على النسب، فالمعنى: والسماء ذات انفطار به، كما يقال في المرأة: المرأة حائض، ولا يقال: المرأة حائضة، وكما يقال: امرأة مرضع، ولا يقال: امرأة مرضعة.وقال بعضهم: إن معناها: والسماء ذات انفطار بهذا اليوم، أي: أنها تنفطر أي: تتشقق، كما في الحديث: (قام النبي عليه الصلاة والسلام حتى تفطرت قدماه) أي: تشققت قدماه، فمن شدة أهوال يوم القيامة تكون الجبال كثيباً مهيلاً، فتتحول الجبال مع شدتها وتماسكها إلى الكثيب المنهال، أي: الرمل المهال، والسماء كذلك مع شدتها وشدة حبكها تتقطع من شدة الأهوال، السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا [المزمل:18] كان وعد الله كائناً.قال الله: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل:19] أي: طريقاً يقربه من الله سبحانه وتعالى.
 

تفسير قوله تعالى: (إن ربك يعلم أنك...)
قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ [المزمل:20] أي: أن أمرك لا يخفى على الله سبحانه وتعالى، هو يعلم حالك ويعلم قيامك كما قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219]، وكما قال سبحانه وتعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40]، وينبغي أن تثار في مثل هذا الموطن الآيات والأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب المراقبة، وتعتقد يقيناً أن الله يراك عندما تعمل أي عمل، وهذه منزلة الإحسان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وفي هذا الباب يقول سبحانه ما سمعتموه: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219]، ويقول سبحانه: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7].ومن هذا الباب قول أبي بكر ، للنبي صلى الله عليه وسلم وهما في الغار : (يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا! قال له: يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، فيجب أن يستحضر العبد هذا دائماً، تعلم في كل وقت وحين أن الله يراك، ومطلع عليك، وعالم بأحوالك، وبأقوالك، وبنياتك، وبما يصلحك، وبما يكون سبباً لفسادك، قال تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى:27].قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ [المزمل:20] أي: طائفة من الذين آمنوا بك يقومون معك هذا القيام، أو يقومون مثل قيامك في بيوتهم، وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [المزمل:20]، يعلم مقادير الليل ويعلم مقادير النهار، والتقدير أحياناً يطلق على الحساب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الدجال: (إن يوماً من أيامه كسنه، وإن يوماً من أيامه كشهر، وإن يوماً من أيامه كجمعة ..) الحديث، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا اليوم -يا رسول الله- الذي هو كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: لا، اقدروا له قدره)، فالتقدير يطلق أحياناً على الحساب، وله معان أخر.وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [المزمل:20] أي: يعلم مقادير الليل ومقادير النهار، وأوقات الليل وأوقات النهار.
 تفسير القرض الحسن
من أهل العلم من قال: إن القرض الحسن راجع إلى الزكاة، ومنهم من قال: إن القرض الحسن هو: الصدقة التي هي نفل وتطوع. والله أعلم. وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل:20]، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا تصدق أحدكم بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله سبحانه وتعالى يأخذها بيمينه، فيربيها له كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى تكون التمرة كالجبل العظيم)، أو كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ [المزمل:20]، أي: أكثروا من الاستغفار، فإن الاستغفار سبب في محو الخطايا ورفع الدرجات وسبب في استجلاب الأرزاق، اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [هود:52]، وسبب في دفع المصائب عن العبد، وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل:20].
تفسير قوله تعالى: (ياأيها المدثر....)
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:1-3].
 سبب الاقتصار على الإنذار في قوله تعالى: (قم فأنذر)
وفي قوله تعالى: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] من العلماء من أثار هنا تساؤلاً فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مبشراً ونذيراً، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45]، فلماذا اقتصر هنا على قوله: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] ولم يقل: قم فبشر؟ فأجاب هذا القائل على هذا التساؤل بقوله: إن المقام مقام إنذار؛ لأنه لم يكن هناك أحد آمن حتى يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالكل كفار، والبشرى تكون للمؤمنين، ولم يكن أحدهم قد آمن، ولذلك قال الله له: قم فأنذر، أي: أنذر هؤلاء الذين يندفعون إلى النار. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:1-3] أي: عظم ربك سبحانه وتعالى، ولا تخش إلا هو سبحانه وتعالى، ومن العلماء من قال: قل: الله أكبر، على ظاهر الآية، ومنهم من قال: إن معنى قوله: ( وربك فكبر ) أي: وربك فعظم، وربك فمجد.
تفسير قوله تعالى: (وثيابك فطهر)
قال الله: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4] ما المراد بتطهير الثياب هنا؟من أهل العلم من حملها على ظاهرها وقال: هذا أمر بطهارة الثياب.وقيل: المقام مقام حثٍ على الدعوة، فلابد في مستهلها من طهارة القلب من الشرك، وطهارة النفس من الخبث، وكانت العرب تقول على الرجل الوفي في تعاملاته: نظيف الثياب، كما قال الشاعر:فإني بحمد الله لا ثوب غازللبست ولا من غبرة أتقنعفمراده بقوله: فإني بحمد الله لا ثوب غازل لبست؛ أي: لا ثوب فاجر لبست، ولا من غبرة أتقنع، أي: أنه نظيف لم يغدر بأحد ولم يفجر.فطهارة الثياب فسرت هنا بمعنيين: بمعنى طهارة الثياب حقيقة، وبمعنى تزكية النفس وطهارتها والبعد عن الرذائل.وهنا مسألة: هل يشترط لصحة الصلاة طهارة الثوب؟ طهارة الثوب على التحقيق واجب مستقل من الواجبات، فإذا صلى شخص بثوب عليه نجاسة، هل الصلاة صحيحة أم ليست بصحيحة؟ فالتحقيق في المسألة -والله أعلم-: أن الصلاة صحيحة ويأثم على عدم تطهير الثوب إن كان لم يطهره عمداً، وإن كان لم يطهره سهواً فلا شيء عليه، والصلاة أيضاً صحيحة، ومما يدل على ذلك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في نعليه، فخلع نعليه في الصلاة، فخلع الصحابة نعالهم، فلما انقضت الصلاة، سألهم النبي: لم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، قال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذىً)، ولم يعد الرسول التكبيرة التي كبرها والركعات التي ركعها وهو مرتدياً لذلك النعل الذي فيه أذى، فدل ذلك على صحة التكبيرة، ولو كانت الصلاة باطلة لخرج النبي وكبر للصلاة من جديد، فلما لم يفعل ذلك دل على أن من دخل في الصلاة وعلى ثوبه نجاسة وهو لا يشعر، وصلى أن الصلاة صحيحة ولا تعاد، أما من دخل الصلاة وفي ثوبه نجاسة وهو يعلم، فهذا آثم بمخالفته لقول الله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]، لكن الصلاة صحيحة، وإثم المخالفة مستقل، والله سبحانه وتعالى أعلم، وهذه مسائل لا تخلو من نزاع، كمسائل الأرض المغصوبة وغيرها من المسائل ومسألة الأرض المغصوبة هي: مثلاً شخص اغتصب أرضاً، فجاء قوم وصلوا في هذه الأرض وهم يعلمون أنها مغصوبة، هل الصلاة باطلة أم صحيحة؟ فيها نزاع قائم بين العلماء، والذي يظهر -والله أعلم- أن الصلاة صحيحة، وإثم اغتصاب الأرض والمساعدة على الإثم والعدوان فيها إثم قائم مستقل، والله أعلم.
 سبب الاقتصار على الإنذار في قوله تعالى: (قم فأنذر)
وفي قوله تعالى: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] من العلماء من أثار هنا تساؤلاً فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مبشراً ونذيراً، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45]، فلماذا اقتصر هنا على قوله: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] ولم يقل: قم فبشر؟ فأجاب هذا القائل على هذا التساؤل بقوله: إن المقام مقام إنذار؛ لأنه لم يكن هناك أحد آمن حتى يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالكل كفار، والبشرى تكون للمؤمنين، ولم يكن أحدهم قد آمن، ولذلك قال الله له: قم فأنذر، أي: أنذر هؤلاء الذين يندفعون إلى النار. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:1-3] أي: عظم ربك سبحانه وتعالى، ولا تخش إلا هو سبحانه وتعالى، ومن العلماء من قال: قل: الله أكبر، على ظاهر الآية، ومنهم من قال: إن معنى قوله: ( وربك فكبر ) أي: وربك فعظم، وربك فمجد.
تفسير قوله تعالى: (والرجز فاهجر.... )
وقوله تعالى: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5] الرجز: المراد به الأصنام، كما قال الله سبحانه وتعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج:30]، واهجر بمعنى: اجتنب واعتزل. وقوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6]، ما المراد بالمن هنا؟ فيه أقوال:القول الأول: إن المراد بالمن هنا: الإعطاء، فقوله سبحانه: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6] أي: لا تعط أحداً عطية وتطلب أكثر من هذه العطية، كالذي يفعل مع الأمراء، كشخص يأخذ هدية مثلاً بألف جنية ويهديها للمحافظ أو للرئيس من أجل أن يعطيه المحافظ أو الرئيس قطعة أرض بمائة ألف مثلاً.فالمعنى على هذا يكون: لا تعط عطية كي تحصل على أكثر منها، ففسر المن بالإعطاء كما تقول: شخص من علي بكذا، أي: أعطاني كذا، وتقول: أمنن علي مَنَّ الله عليك! أي: أعطني أعطاك الله! وكما قال ثمامة بن أثال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تمنن تمنن على شاكر، يعني: إن تعط تعط رجلاً شاكراً، وكما قال الله في آية أخرى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39]. القول الثاني: لا تستكثر بأعمالك، فإن أهل الكرم يفعلون كبير الفعال الخيرة ولا يلتفتون إليها ولا يستكثرونها، بل يفعلون كبار الأفعال وعظائم الأفعال النبيلة وهم يرون أنهم لم يصنعوا شيئاً، هذا فعل أهل الفضل، وأهل الخير يقدمون ما قدموه ويرون أنهم ما صنعوا شيئاً، كما قال القائل: وتصغر في عين العظيم العظائم، يعني: يفعل الشيء العظيم ولا يبالي به كأنه صغير، وغيره يفعل الفعلة الصغيرة ويعظمها تعظيماً زائداً.فمعنى قوله: ( ولا تمنن تستكثر ) أي: لا تعط العطية وتتباهى بها، بل أهمل ما صنعت من معروف، ولا تذكره أمام الناس.القول الثالث: أي: لا تعط العطية وتمن بها على الناس، وتكثر من منّك على الناس. وقوله تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:7] من العلماء من قال: ( ولربك ) أي: ولعبادة ربك فاصبر كما قال: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم:65]، فالمعنى: لطاعة ربك ولعبادة ربك فاصبر.ومنهم من قال: إن معنى قوله: ( ولربك فاصبر ) أي: تحمل في سبيل الله سبحانه وتعالى من أجل إعلاء كلمته المشاق والصعاب، واصبر من أجل نصرة دين الله.
 سبب الاقتصار على الإنذار في قوله تعالى: (قم فأنذر)
وفي قوله تعالى: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] من العلماء من أثار هنا تساؤلاً فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مبشراً ونذيراً، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45]، فلماذا اقتصر هنا على قوله: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] ولم يقل: قم فبشر؟ فأجاب هذا القائل على هذا التساؤل بقوله: إن المقام مقام إنذار؛ لأنه لم يكن هناك أحد آمن حتى يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالكل كفار، والبشرى تكون للمؤمنين، ولم يكن أحدهم قد آمن، ولذلك قال الله له: قم فأنذر، أي: أنذر هؤلاء الذين يندفعون إلى النار. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:1-3] أي: عظم ربك سبحانه وتعالى، ولا تخش إلا هو سبحانه وتعالى، ومن العلماء من قال: قل: الله أكبر، على ظاهر الآية، ومنهم من قال: إن معنى قوله: ( وربك فكبر ) أي: وربك فعظم، وربك فمجد.
تفسير قوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور...)
قال الله: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8] أي: نفخ في الصور، والنافخ هو: إسرافيل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وانتظر متى يؤمر)؟فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:8-10]. هل ذلك اليوم يسير على المؤمنين؟ وهل ينال المؤمن يوم القيامة من الكرب والهم والبلاء شيء أو أن يوم القيامة لا أثر فيه على المؤمن؟هذه المسألة للعلماء فيها شيء من النزاع، فمنهم من يقول: إن المؤمن لا يناله شيء من الخوف ولا من الفزع، ودليل هذا القول قوله تعالى: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103]، إلى غير ذلك من الآيات.ومنهم من قال: إن أهل الإيمان ينالهم شيء من الفزع وشيء من الخوف وشيء من الهم والكرب، لكن مآلهم إلى الخير وهذا القول الأخير، تدل عليه جملة أدلة:منها حديث الشفاعة الطويل وفيه أن: (آدم يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري إني عصيت ربي وأكلت من الشجرة، ونوح يقول: نفسي نفسي، قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، وإبراهيم يقول: نفسي نفسي، إني كذبت ثلاث كذبات، وموسى يقول: نفسي نفسي، إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها)، فالخلق كلهم يبلغ بهم من الهم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ودعوى المرسلين على جنباته -أي الصراط-: ربي! سلم سلم)، وفي الحديث : (تدنو الشمس من رءوس الخلائق يوم القيامة)، فكل هذه أهوال، والوقوف على الميزان: وقت من أوقات الأهوال، والمرور على الصراط: وقت من أوقات الأهوال، ودنو الشمس من الخلائق: وقت من أوقات الأهوال، وتناول الكتب بالشمال أو باليمين: وقت من أوقات الأهوال، قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس:34-35]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة : (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً، قالت: يا رسول الله! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض، قال: الأمر أشد من ذلك يا عائشة!)، فكلها أدلة تدل على أن هناك نوعاً من الهول والفزع يعتري عموم الخلق، لكن مآل أهل الإيمان إلى خير إن شاء الله.
 سبب الاقتصار على الإنذار في قوله تعالى: (قم فأنذر)
وفي قوله تعالى: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] من العلماء من أثار هنا تساؤلاً فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مبشراً ونذيراً، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45]، فلماذا اقتصر هنا على قوله: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] ولم يقل: قم فبشر؟ فأجاب هذا القائل على هذا التساؤل بقوله: إن المقام مقام إنذار؛ لأنه لم يكن هناك أحد آمن حتى يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالكل كفار، والبشرى تكون للمؤمنين، ولم يكن أحدهم قد آمن، ولذلك قال الله له: قم فأنذر، أي: أنذر هؤلاء الذين يندفعون إلى النار. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:1-3] أي: عظم ربك سبحانه وتعالى، ولا تخش إلا هو سبحانه وتعالى، ومن العلماء من قال: قل: الله أكبر، على ظاهر الآية، ومنهم من قال: إن معنى قوله: ( وربك فكبر ) أي: وربك فعظم، وربك فمجد.
تفسير قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيداً..)
قال الله: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر:11]، ذرني معناها: اتركني ومن خلقت وحيداً، وهذا للتهديد، من العلماء من قال: هو الوليد بن المغيرة والد خالد بن الوليد خلق وحيداً، ومن العلماء من قال: كان فقيراً لا مال له ولا ولد، ومنهم من قال أقوال أخر.وقوله: وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا [المدثر:12] الممدود: الواسع.
 سبب الاقتصار على الإنذار في قوله تعالى: (قم فأنذر)
وفي قوله تعالى: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] من العلماء من أثار هنا تساؤلاً فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل مبشراً ونذيراً، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب:45]، فلماذا اقتصر هنا على قوله: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2] ولم يقل: قم فبشر؟ فأجاب هذا القائل على هذا التساؤل بقوله: إن المقام مقام إنذار؛ لأنه لم يكن هناك أحد آمن حتى يبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالكل كفار، والبشرى تكون للمؤمنين، ولم يكن أحدهم قد آمن، ولذلك قال الله له: قم فأنذر، أي: أنذر هؤلاء الذين يندفعون إلى النار. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:1-3] أي: عظم ربك سبحانه وتعالى، ولا تخش إلا هو سبحانه وتعالى، ومن العلماء من قال: قل: الله أكبر، على ظاهر الآية، ومنهم من قال: إن معنى قوله: ( وربك فكبر ) أي: وربك فعظم، وربك فمجد.
الأسئلة

  حكم مصافحة أم الزوجة وخالتها
السؤال: هل تجوز مصافحة أم الزوجة وخالتها؟الجواز: بالنسبة لأم الزوجة تجوز، فأم الزوجة محرمة تحريماً مؤبداً، دخل الزوج بالزوجة أم لم يدخل، فإن الله قال: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23]، قال العلماء: هي مبهمة، يعني لم تقيد بالدخول من عدمه، فبمجرد العقد على الزوجة حرمت أمها عليك على التأبيد، فإذا عقدت على البنت حرمت الأم عليك على التأبيد، لكن إذا عقدت على الأم لم تحرم عليك البنت إلا بعد الدخول.أما بالنسبة لخالة الزوجة فتحريمها مؤقت، فتحرم خالة الزوجة تحريماً مؤقتاً، فلا يجوز لك الزواج بها إلا إذا حصلت الفرقة بينك وبين زوجتك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة المزمل [2] وسورة المدثر [1] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net