اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [148-156] للشيخ : مصطفى العدوي


تفسير سورة النساء [148-156] - (للشيخ : مصطفى العدوي)
الجهر بالسوء يكون على قدر المظلمة التي ظلم بها العبد، وهذا هو العدل، ولكن الإحسان هو العفو والكتم، وقد تحدثت هذه الآيات البينات عن واقع بني إسرائيل مع أنبيائهم، وأنهم قتلوا الأنبياء، ونقضوا المواثيق والعهود، فلعنوا وضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا.
تفسير قوله تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ...)
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:فيقول الله سبحانه وتعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا [النساء:148].هذه الآية فيها بيان أن الأصل في السوء من القول أنه لا يتحدث به، فالقول السيئ الذي يسيء إلى عباد الله، والذي ينشر المنكر والفاحشة فيهم، والذي يكون سبباً للطعن فيهم؛ كله حرام ولا يجوز، ولا يحبه الله سبحانه وتعالى.
 حدود المجاهرة بالسوء
قال تعالى: (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ): فمن ظلم جاز له أن يجهر بقدر مظلمته ولا يزيد، فيجوز له أن يقول: فلان ظلمني، أو أكل مالي، أو انتهك عرضي.. وذلك بقدر المظلمة، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لي الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته)؛ لأن الذي عليه الدين وهو يماطل في أدائه، فإنه يجوز لصاحب المال أن يتكلم فيه، ويقول: فلان أكل مالي، أو ماطلني، أو أخلف معي الميعاد.. وهكذا.قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا) أي: بالقول الذي قال (عَلِيمًا) أي: بالذي ظُلم من الذي لم يُظلم.
تفسير قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ...)
قال تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ [النساء:149]، وختام الآية بقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا : فيه إرشاد إلى العفو، وإلى سلوك سبيل العفو، فختم الآية ببعض الأسماء الحسنى لله سبحانه وتعالى له مدلول.وختمها بقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) أي: اعفوا أيها الناس فإن الله عفو، فلله صفات يحب أن تكون في عباده، وصفات لا يحب أن تكون إلا له وحده سبحانه وتعالى، ومن الصفات التي يجب الله أن تكون في عباده أنه: كريم يحب الكرم، رحيم يحب من عباده الرحماء، عفو يحب من عباده العافين عن الناس.ومن الصفات التي لا يحبعل لهم أنه: جبار لا يحب لعباده أن يكونوا جبارين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته).ومن صفات الله التي يحب أن تكون في العباد، أنه جميل يحب من عباده التجمل: (إن الله جميل يحب الجمال) وهكذا.فصفة العفو يحبها سبحانه وتعالى في العباد، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة ، قولي: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).فعلى هذا فمعنى هذه الآية: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148]: أنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول إن ظلم، وإن عفا فهو خير له؛ لأن الله عفو، فالآية أرشدت إلى معنى متكرر في عدة آيات نسوق منها ما تيسر، وكلها تدور على تأصيل القاعدة الكامنة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان [النحل:90] . العدل: هو أن تنتصر بقدر مظلمتك.والإحسان: أن تعفو.وهناك أقوال أخرى في تفسير العدل والإحسان، لكن في هذا الموضع العدل: هو الانتصار بقدر المظلمة، والإحسان: العفو، أي: إذا ضربك شخص فالعدل أن تضربه كما ضربك، والإحسان أن تعفو عنه، وإذا تكلم شخص في عرضك جاز لك أن تتكلم في عرضه بالقدر الذي تكلم به فيك، والعفو أفضل، ومن أدلة ذلك: - قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان [النحل:90] ففيه إرشاد إلى الإحسان. - ومنها قوله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40] عدل، فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40] إحسان.- ومنها قوله تعالى: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ [الحج:60] عدل، ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ [الحج:60] الشاهد هو العفو غَفُورٌ [الحج:60] فهو إحسان.- ومنها قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45] كله عدل، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة:45] إرشاد إلى التصدق والعفو، فهو إحسان. فهذا المعنى ثابت في عدة آيات، فإن الله يأمر بالعدل، وبعد أن يأمر بالعدل يرشد إلى الإحسان، فإن تكلم في عرضك فالأفضل لك والأكمل أن تترك الكلام في عرضه فهو خير لك، وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى ما حاصله: إن الله عز وجل قال: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج:60]، فإذا شتمك أحد أو سبك فشتمته وسببته بقدر ما سبك به وشتمك به، ثم اعتدى عليك بعد ذلك، فالله وعد أنه سينصرك، قال: فمن باب أولى الذي ترك حقه كله لله.أي: إذا كنت قد انتصرت فسينصرك الله، وإذا تركت حقك كله لله فأنت تستحق مزيداً من نصر الله عز وجل لك، فالآية وإن رخصت للمظلوم أن ينتصر بقدر مظلمته لكنها أرشدت إلى العفو، فهو خير وأفضل.قال الله سبحانه: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ [النساء:148]، قال بعض المفسرين: كنت في بلدة إذا سمعنا عن شارب للخمر استنكرناه جميعاً في القرية، وإذا سمعنا عن قاتل ضربته كل القرية، فلما انتقلنا إلى بلاد يباع فيها الخمر في الطرقات قلّت كراهيتي لصاحب الخمر شيئاً فشيئاً حتى تكاد تتلاشى؛ لكثرة شيوع شرب الخمر. فكذلك الكلام على الحوادث في صفحات الصحف ومجلة الحوادث برمتها، إذا قرأت فيها اليوم عن رجل زنى، فيأخذك الغضب وتأخذك الغيرة؛ لأن هذا زنا، فإذا استمرت هذه الصفحة على هذه الوتيرة شهراً كاملاً، كل يوم فلان زنى، قلّت كراهيتك للزاني، وأصبح الخبر عادياً، فيعمد الشياطين إلى الانتقال إلى شيء آخر، وهو: فلان زنا بمحرم من محارمه، فتستبشع الحادثة لأول وهلة، فيضربون على هذا الوتر شهوراً وسنوات إلى أن تصبح شيئاً عادياً عندك، فيأتون بطامة أكبر: فلان زنى في الطريق أمام الناس، فتستبشع ذلك أولاً ثم بعد ذلك يهون، فهكذا تروج هذه الصحف الفواحش والعياذ بالله.فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا [النساء:149] أي: عنكم إذا عفوتم، قَدِيرًا [النساء:149] أي: على الانتصار ممن ظلمكم.
 حدود المجاهرة بالسوء
قال تعالى: (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ): فمن ظلم جاز له أن يجهر بقدر مظلمته ولا يزيد، فيجوز له أن يقول: فلان ظلمني، أو أكل مالي، أو انتهك عرضي.. وذلك بقدر المظلمة، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لي الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته)؛ لأن الذي عليه الدين وهو يماطل في أدائه، فإنه يجوز لصاحب المال أن يتكلم فيه، ويقول: فلان أكل مالي، أو ماطلني، أو أخلف معي الميعاد.. وهكذا.قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا) أي: بالقول الذي قال (عَلِيمًا) أي: بالذي ظُلم من الذي لم يُظلم.
تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ...)
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [النساء:150] .(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) تقدم الكلام على معنى الكفر، ومن معانيه: التغطية.ومنه قول الشاعر: (في ليلة كفر الغمام نجومها)، أي: غطى الغمام نجومها.وقوله تعالى: يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] أي: الذين يضعون البذر في الأرض ويغطون عليها، فسموا كفاراً؛ لتغطيتهم البذرة في الأرض.قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء:150] أي: كاليهود والنصارى، فاليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم، والنصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم.إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء:150-151]:فمن كفر برسول فقد كفر بجميع الرسل، ولما قالت اليهود عن جبريل عليه السلام: إنه عدو اليهود من الملائكة، أنزل الله سبحانه: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:97-98]، فالذي يكفر برسول واحد فقد كفر بجميع الرسل وكفر بالله، والذي يكفر بملك واحد فقد كفر بجميع الرسل وكفر بجميع الملائكة وكفر بالله.ومن ثم قال تعالى: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:123] مع أنهم كذبوا هوداً فقط في زمانهم، وقال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105] مع أنهم كذبوا نوحاً فقط، وقال: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:141]، وقال: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ [القمر:33] ، إلى غير ذلك من الآيات.قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [النساء:150] أي: طريقاً، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [النساء:151-152] أي: صدقوا المرسلين، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:152]. أي: وسيغفر لهم ذنوبهم وسيرحمهم.فيؤتيهم أجورهم، أي: يثيبهم على ما صنعوا من خير، (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا) أي: سيغفر لهم ما ارتكبوه من سيئات وسيرحمهم، (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).
 حدود المجاهرة بالسوء
قال تعالى: (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ): فمن ظلم جاز له أن يجهر بقدر مظلمته ولا يزيد، فيجوز له أن يقول: فلان ظلمني، أو أكل مالي، أو انتهك عرضي.. وذلك بقدر المظلمة، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لي الواجد ظلم، يحل عرضه وعقوبته)؛ لأن الذي عليه الدين وهو يماطل في أدائه، فإنه يجوز لصاحب المال أن يتكلم فيه، ويقول: فلان أكل مالي، أو ماطلني، أو أخلف معي الميعاد.. وهكذا.قال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا) أي: بالقول الذي قال (عَلِيمًا) أي: بالذي ظُلم من الذي لم يُظلم.
تفسير قوله تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ...)
قال تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ [النساء:153] أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وفي مقابلهم العرب فإنهم أميون.قال تعالى: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ [النساء:153] ويطلق عليهم أيضاً أهل الذكر، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] أي: اسألوا أهل الكتاب إن كنتم لا تعلمون.
 معاني السلطان في القرآن الكريم
قال الله سبحانه وتعالى: وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:153]:السلطان يطلق أحياناً على الملك، وأحياناً يطلق على الحجة، وقد تقدم شيء من ذلك في تفسير قوله تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144].فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وذو سلطان مقسط متصدق)، فالسلطان هنا يقصد به الملك، لكن قوله تعالى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء:144] ، وقوله تعالى: مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان [يوسف:40] ، المقصود به الحجة، والله أعلم.
تفسير قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ...)
قال تعالى: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ [النساء:154] الطور: هو جبل الطور. وقال بعض العلماء: الطور هو الجبل الذي ينبت عليه نبات أخضر.ومن العلماء من قال: إنه طور سينا.وهناك أقوال أخرى.
 أخذ الميثاق على بني إسرائيل
قال تعالى: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:154]:أعطوا العهود والمواثيق على ألسنة أنبيائهم، وأعطوا العهود والمواثيق للأنبياء؛ لأن بني إسرائيل خاصة كانت تسوسهم أنبياؤهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كلما هلك نبي جاء نبي آخر، ومن ثم قال زكريا عليه السلام عندما لم يبعث في بني إسرائيل بعده نبي: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا [مريم:5] أي: خفت الموالي أن لا يقيموا دينك يا رب.(خفت الموالي): أولاد عمي وأقاربي أن لا يقيموا دينك، فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم:5-6]، فكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، فأعطوا العهود والمواثيق للأنبياء: على أن لا يعتدوا في السبت.فعلى المسلمين أن يعتبروا ويتعظوا، فإذا جاء اليهودي إلى مصر وأعطى لرئيس مصر عهوداً ومواثيق، فجدير برئيس مصر أن يعلم أن هذه العهود والمواثيق لا قيمة لها عند اليهود أبداً، فإنهم قد غدروا بالأنبياء!
تفسير قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ...)
قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ [النساء:155]:دلت الآية على أن بني إسرائيل أو اليهود نقضوا ميثاقهم مع الأنبياء ومع الله سبحانه وتعالى، وقد حدث أن نقضوا عهوداً ومواثيق مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة، ولا يوفون بعهد ولا لهم ميثاق، فقد غدروا بأنبيائهم عليهم الصلاة والسلام وخانوهم وقتلوهم، ولكن من يفقه ومن يعقل!قال الله سبحانه وتعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [النساء:155] والتقييد: (بغير حق) خرج مخرج الغالب، فالأنبياء لا يفعلون شيئاً حتى يقتلوا به، أو حتى لا يقال: مخرج الغالب، يقال: من باب تبشيع الجرم، لأنهم قتلوا الأنبياء مع أن الأنبياء لم يفعلوا شيئاً يقتلون به.قال تعالى: وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ [النساء:155].للعلماء في معناه قولان:أحدها: أن قلوبنا ممتلئة علماً لا تحتاج إلى علم من علمك، فهي أوعية للعلم.وثانيها: أنهم يريدون أن قلوبهم طمست فلا يصل إليها الخير.والقول الأول تداوله كثير من أهل التفسير: أعني أن مرادهم بقولهم: (قلوبنا غلف) أنها أوعية للعلم فلا يصل إليها شيء من علمك يا محمد، أو لسنا في حاجة إلى علمك، كما قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [غافر:83] .. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر:85] .قال تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء:155] أي: هي ليست بمغلقة لأنها امتلأت علماً، بل مغلقة لأن الله طبع عليها وختم عليها فلا يصل إليها شيء من الخير بسبب كفرهم.فإذا قلتم يا يهود: إن قلوبكم غلف، أي: أوعية قد امتلأت علماً فلا يدخل إليها شيء من الذي تأتي به يا محمد.فالجواب: أن قلوبكم تغلفت، لكن ليس لأنها امتلأت علماً، بل لأن الله هو الذي طبع عليها بسبب كفركم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:155].
 أخذ الميثاق على بني إسرائيل
قال تعالى: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:154]:أعطوا العهود والمواثيق على ألسنة أنبيائهم، وأعطوا العهود والمواثيق للأنبياء؛ لأن بني إسرائيل خاصة كانت تسوسهم أنبياؤهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كلما هلك نبي جاء نبي آخر، ومن ثم قال زكريا عليه السلام عندما لم يبعث في بني إسرائيل بعده نبي: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا [مريم:5] أي: خفت الموالي أن لا يقيموا دينك يا رب.(خفت الموالي): أولاد عمي وأقاربي أن لا يقيموا دينك، فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم:5-6]، فكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، فأعطوا العهود والمواثيق للأنبياء: على أن لا يعتدوا في السبت.فعلى المسلمين أن يعتبروا ويتعظوا، فإذا جاء اليهودي إلى مصر وأعطى لرئيس مصر عهوداً ومواثيق، فجدير برئيس مصر أن يعلم أن هذه العهود والمواثيق لا قيمة لها عند اليهود أبداً، فإنهم قد غدروا بالأنبياء!
تفسير قوله تعالى: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ...)
قال تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [النساء:156]:وهذا البهتان العظيم هو وصفهم لمريم عليها السلام بالزنا، فقد رموا مريم عليها السلام بالزنا بـيوسف النجار ووصفوا عيسى عليه الصلاة والسلام وبرأه الله مما قالوا حين وصفوه بأنه ولد زنا صلى الله عليه وسلم.وفقنا الله وإياكم إلى الالتزام بالشريعة، والتمسك بها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد وآله.
 أخذ الميثاق على بني إسرائيل
قال تعالى: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء:154]:أعطوا العهود والمواثيق على ألسنة أنبيائهم، وأعطوا العهود والمواثيق للأنبياء؛ لأن بني إسرائيل خاصة كانت تسوسهم أنبياؤهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كلما هلك نبي جاء نبي آخر، ومن ثم قال زكريا عليه السلام عندما لم يبعث في بني إسرائيل بعده نبي: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا [مريم:5] أي: خفت الموالي أن لا يقيموا دينك يا رب.(خفت الموالي): أولاد عمي وأقاربي أن لا يقيموا دينك، فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ [مريم:5-6]، فكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، فأعطوا العهود والمواثيق للأنبياء: على أن لا يعتدوا في السبت.فعلى المسلمين أن يعتبروا ويتعظوا، فإذا جاء اليهودي إلى مصر وأعطى لرئيس مصر عهوداً ومواثيق، فجدير برئيس مصر أن يعلم أن هذه العهود والمواثيق لا قيمة لها عند اليهود أبداً، فإنهم قد غدروا بالأنبياء!

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , تفسير سورة النساء [148-156] للشيخ : مصطفى العدوي

http://audio.islamweb.net