إسلام ويب

شرح حديث جبريل في الإسلام والإيمان [4]للشيخ : عبد العزيز بن مرزوق الطريفي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدين إذا أطلق فيراد به جميع شرائع الإسلام: الإسلام, الإيمان, الإحسان, حتى أشراط الساعة هي أيضاً من دين الله سبحانه وتعالى، وأعلى مراتبه الإحسان بأن يأتي الإنسان بأعظم الأعمال وأحبها عند الله على الوجه الذي يريده الله، وأن يستحضر في كل عمل وفعل أن الله يراه، ومنه ما هو واجب ومنه ما هو مستحب ومن الدين الإيمان بأشراط الساعة، فأشراط الساعة التي تقوم بها يتفاوت الناس في ذلك, أما زمن العلم بها تحديداً فيستوي الناس في الجهل في ذلك.

    1.   

    مرتبة الإحسان

    وصلنا إلى قول جبريل عليه السلام: ( فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).

    ما يتحقق به الإحسان

    سأل هنا عن الإحسان بعدما سأل عن الإسلام والإيمان, والإحسان لا يخرج عن الإسلام، ولا يخرج عن الإيمان؛ لأنه من جهة الحقيقة الإحسان كما في تعريفه أن تعبد الله, بماذا تعبده؟ تعبده بالإسلام أو الإيمان على ما تقدم, ولكن أراد أن يبين أن ثمة مراتب للإسلام والإيمان من جهة العمل في كل أمر, فمثلاً الإيمان بالله ثمة أمر لا يثبت الإيمان إلا به, وثمة أشياء هي من الإحسان أن تتعرف على الله، فتحصي أسماء الله وتتبعها من كتابه, وتعرف ما تقف عليه من آثارها على العبد ومعانيها وغير ذلك مما جاء في كلام الله أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك أن تتعرف على حق الله عز وجل في معرفة صفاته الواردة في كتابه وفي سنته عليه الصلاة والسلام, وأن تتعرف بحق الله في ألوهيته وما يصرف له من عبادة, وأي العبادات أحب إليه من غيره، وهذا له أثر أيضاً على الإنسان.

    أعلى مراتب الإحسان

    هنا سأله عن الإحسان بعدما سأله عن الإسلام والإيمان ليعلم الصحابة مراتب العمل وأفضلها في ذلك, فقال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه)، وأعلى مراتب الإحسان في هذا أن يأتي الإنسان بأعظم الأعمال وأحبها عند الله على الوجه الذي يريده الله, فيصلي لله على الوجه الذي يريده الله سبحانه وتعالى بوجه الكمال, وذلك أن الصلاة هي أعظم العبادات العملية, فالإحسان في الصلاة أعظم من الإحسان في الزكاة, والإحسان في الزكاة أعظم من الإحسان في الصيام, والإحسان في الصيام أعظم من الإحسان في الحج وهكذا.

    فإذا أحسن الإنسان في عبادة هي أعظم عند الله من غيرها فهو أعظم عند الله عز وجل أجراً, ولهذا تأخر السؤال عن الإحسان بعد تقرير معاني الإسلام وتقرير معاني الإيمان, والإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره واليوم الآخر هذه كلها فيها إحسان، ولا يثبت الإيمان والإسلام إلا به, وفيها إحسان زائد يتلقى فيه الإنسان, ويعلم حقائق اليوم الآخر, سواء بالوعظ والترغيب والترهيب، فيعرف الميزان، ويعرف الصراط فيما يقوي إيمانه, ويعرف صفات أهل النار والذنوب التي توجب النار، وحال المنافقين، وهم في الدرك الأسفل من النار لماذا دخلوها؟ أهل الجنة، مراتب أهل الجنة ودرجاتهم, والشفاعة ما يتعلق في ذلك, وكلما ازداد الإنسان في ذلك ازداد في ذلك إحساناً.

    وهنا اختصر هذا المعنى ليدخل فيه كل هذه الدائرة؛ فلما سأله عن الإحسان قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه), تعبده بماذا؟ تعبده بالإيمان به, بأركان الإيمان، تعبده أيضاً بأركان الإسلام.

    قال: (أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، وهذا نوع من تقريب هذا المعنى، جانب من جوانب الإحسان, وذلك أن الإنسان مفطور على التأثر بالمشاهدة, فيتأثر بالمشاهدة ما لا يتأثر بالغير, وهذا أمر فطري, فالإنسان إذا كان أجيراً عند أحد، ثم جاء سيده أو مديره فإنه يتقن العمل, وإذا غاب عنه ضعف حساً عن النشاط في ذلك، والإنسان إذا كان أجيراً كأن يكون مثلاً راعياً في غنم عند سيده أو فلاحاً في بستانه، أو يكون تاجراً في متجره يعمل عنده، فإذا حضر صاحب العمل ينشط الإنسان فطرة, وإذا غاب فإنه يفتر؛ لماذا؟ للأصل الفطري في ذات الإنسان في مسألة الغيب والشهادة, ولما تأثر في هذا وغلب على طبع الإنسان في التعامل مع الناس التفريق بين الغيب والشهادة، يغيب عن الإنسان شعر أو لم يشعر، أن الله عز وجل يختلف سبحانه وتعالى عن ذلك, فليس بحاجة أن تراه ليعلمك, والله سبحانه وتعالى لا يعلم حتى يتجلى لك, فهو يراك وإن لم تكن تراه, قال: ( أن تعبد الله كأنك تراه ), يعني: كأنه أمامك، كيف تكون الصلاة, وكيف يكون الصيام, وكيف تكون الزكاة, وكيف يكون الحج من جهة الإتقان والخشوع والخضوع لله, كيف يكون إذا كنت تؤديها على مقدار معين لو أن الله أمامك، فاعبد الله وأنت لا تراه, واعلم أنه يراك في الحالين, رأيته أنت أو لم تره.

    فذكر معنى الإحسان هنا قال: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) , يعني: أن تأثرك في الغيب والشهادة لا أثر له في تعلق علم الله عز وجل بك, فالله يعلم حالك ولو لم تراه, وأما تعلقك بالرؤية والغيب من جهة العلم وعدمه فلا أثر له في الجانب الآخر وهو علم الله سبحانه وتعالى فيها. وهذا أعلى مراتب الإحسان.

    الإحسان الواجب والمستحب في جانب العبادات

    وما من عبادة من العبادات إلا وفيها إحسان واجب وإحسان مستحب, والإحسان الواجب هو أن يفعل الإنسان المأمور ويجتنب المنهي، ففي الصلاة مثلاً يأتي الإنسان بالأركان والواجبات, ويجتنب المنهيات في الصلاة كافتراش السبع ونقرة الغراب وإقعاء الكلب وغير ذلك، هذه منهيات وجاء بالواجبات، هذا الإحسان الواجب.

    والإحسان المستحب ما هو؟ الزيادة في الخشوع, الإطالة في الصلاة, الزيادة في الطمأنينة في الصلاة, وأن يطيل القيام والقراءة, ويتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام, وما هو الدعاء الذي كان يقوله؟ ولو تركت في الصلاة مثلاً في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: ( يا مصرف القلوب صرف قلبي على دينك ) , لو تركه هل ترك واجباً؟ ما ترك واجباً, لكن لو فعله فعل إحساناً مستحباً.

    وكذلك في الحج ثمة إحسان واجب وإحسان مستحب, فالإحسان الواجب أن يأتي بالواجبات والأركان، ويجتنب المنهيات والآثام, وكذلك بالنسبة للمستحب في ذلك أن يأتي بالسنن؛ كالاغتسال في الميقات, والتهليل والتكبير, والتلبية وتعهدها, والتكبير عند كل شرف, والتسبيح عند كل هبوط, والاغتسال عند دخول الحرم, وتقبيل الحجر, والرمل, والاضطباع, وصلاة الركعتين على قول الجمهور, ورفع اليدين على الصفا, فهذه مستحبات لا تؤثر على أصل العمل، لكنه إحسان.

    لكن ما هو الذي يعرف الإنسان مقامه في جانب الإيمان؟ يعرف مقامه في جانب الإيمان, وفي جانب المستحبات، كلما ازداد فيها ازداد إيماناً؛ لأن قوة العلم بأن الله يراك تزداد لدى الإنسان, فإذا غابت أزلت المستحب حتى أكلت من الواجب, ولهذا ترى بعض الناس يصلي وينظر للسماء, أو يقعي أو يفترش أو ينقر نقرة الغراب أو غير ذلك من المنهيات فهذا تجاوز المستحبات، ووقع في المنهيات.

    إذاً: هل هو من المحسنين؟ ليس من المحسنين.

    ولهذا الأصل في المحسن أنه يفعل المستحب, أما من ترك الواجب فلا يسمى محسناً, فالإحسان هو الزيادة في قدر المستحب في كل عبادة من العبادات, ولهذا الأولياء والأصفياء يبحثون عن المفقود من المستحب ليزيدوا ولا ينظروا إلى المفقود من الواجب؛ لأنه لا مفقود في الواجبات عندهم, ولأن المفقود من الواجب تاركه لا يسمى محسناً أصلاً, وإنما يسمى مقصراً عاصياً، فإذا جاء بمقدار الكمال فيما عدا ذلك فإنه يسمى إحساناً.

    منزلة استحضار رؤية الله للعبد

    قال صلى الله عليه وسلم: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك )، وهذا أيضاً إذا استحضره الإنسان في كل عمل وفعل أن الله يراه, ويستحضر كأن الله أمامه حقيقة هو يراه, تتغير عبادته في ذلك, وهذا فيه إشارة إلى قوة اليقين وضعفه في قلوب الناس, فمن الناس من يبلغ مرتبة في اليقين عبادته في الخفاء كعبادته في العلن خشوعاً وتضرعاً وبكاء وحضور قلب وإطالة صلاة, ومن الناس في العلن من يطيل الصلاة ويخشع إذا رأى الناس, والمقدار بين السر والعلانية هذا هو مقدار الرياء, لا إحساناً للخالق في الغالب، وإنما إحسان للمخلوق, والإحسان للمخلوق الذي يحسن في السر والعلانية هو المحسن حقيقة, فتستوي صلاته، ويستوي صيامه، وتستوي عبادته على حد سواء.

    1.   

    الإخبار عن الساعة وأماراتها

    قال جبريل عليه السلام: ( فأخبرني عن الساعة؟ قال صلى الله عليه والسلام: ما المسئول عنها بأعلم من السائل ).

    الحكمة من السؤال عن وقت الساعة مع أنها غيب

    هنا بعدما ذكر الإسلام, الإيمان, الإحسان ذكر أمر الساعة، وهي العاقبة والأجل مع أنه ذكرها ركناً من أركان الإيمان، قال: اليوم الآخر، وهي الساعة, لكنه سأل عن تفاصيلها, وتفاصيلها في ذلك أنه سأل عن زمانها: متى هي؟ وجبريل يعلم أنها في علم الله, فجبريل في نفسه لا يعلم متى الساعة، وإنما هي بأمر الله سبحانه وتعالى يقيمها متى شاء, فسأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلم الجواب, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الجواب أن العلم إلى الله وحده سبحانه وتعالى، فأرادوا أن يعلموا الناس من الصحابة بذلك الجواب، وكذلك من جاء بعده.

    العلم بوقت الساعة

    والساعة سميت بهذا لكونها وقتاً واحداً أو لحظة تقوم على الناس جميعاً لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى, قال لما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة قال: ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) .

    وجبريل لا يعلم, ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم, وإنما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس بأعلم من جبريل؛ لأن جبريل يعلم ذلك من الله قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو المبلغ, فالوحي وصل إلى محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل، إذاً سمعه جبريل قبل محمد صلى الله عليه وسلم, فكل شيء من الوحي ومن الدين إنما أخذه النبي عليه الصلاة والسلام بواسطة جبريل إلا شريعة واحدة، وهي شريعة الصلاة أخذها محمد صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه وتعالى بلا واسطة؛ ولهذا قال: ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) , يعني: عن أمر الساعة, يعني: أنت تعلم قولي، وإن كنت جاهلاً فإني لن أكون عالماً في ذلك, وإني لو كنت عالماً فلست بأعلم منك في أمرها.

    وأيضاً في هذا أراد البيان والعلم للصحابة عليهم رضوان الله تعالى أن من هو مقرب من الله عز وجل مكاناً وهو جبريل عليه السلام لا يعلم ذلك، فكيف بأهل الأرض من البشر, فلا شك أيضاً أنهم لا يعلمون من باب أولى.

    الحكمة من قوله: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)

    وهنا لما ذكر الساعة وبين له النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يعلمها وليس بأعلم منه هذا الجواب من النبي عليه الصلاة والسلام: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل), والحكمة منه مع أن الصحابة لا يعلمون أن هذا جبريل، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين استواء الناس بمقدار العلم بالساعة وهو الجهل, ولكن يتفاوتون في ذلك بمعرفة أماراتها وشروطها وقيامها, فأشراط الساعة التي تقوم بها يتفاوت الناس في ذلك, أما زمن العلم بها تحديداً فيستوي الناس في الجهل في ذلك, فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين هذا الأمر.

    ويحتمل أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يلفت انتباه الصحابة إلى أن هذا السائل لديه علم, ويحتمل أيضاً أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين أن هذا الذي يسأل وهو يظهر عدم العلم فيما يسأل أني وإياه نشترك في عدم العلم بالساعة, فغيركم من باب أولى.

    أمارات الساعة وأقسامها

    وأمارات الساعة هي العلامات والأشراط والشرائط, وأمارات الساعة التي تسبقها على نوعين: أشراط كبرى وأشراط صغرى, وعلامات الساعة وأماراتها: أمارات وعلامات صغرى وعلامات وأمارات كبرى, والصغرى والكبرى منصوصة في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والصغرى تسبق الكبرى، ومن الصغرى ما يتخلل الكبرى, يعني: يأتي معها مع كونها صغرى, ولكن الأصل في الصغرى أنها سابقة للكبرى, فإذا جاءت الكبرى تبعت، وزمن الصغرى أطول من زمن الكبرى, وذلك أن أول الصغرى ظهر في الصدر الأول, ثم بقيت هذه الصغرى تخرج زمناً بعد زمن, ثم إذا جاءت الكبرى توالت وتتابعت، فهي أقصر زمناً من الصغرى التي ظهر أولها في الصدر الأول بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( بعثت أنا والساعة كهاتين ), وهذا أيضاً من أماراتها انشقاق القمر, اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1].

    وهل الصغرى المراد بذلك هي صغرى من جهة حدوثها أم صغرى من جهة سبقها للكبرى؟

    نقول: ليس من جهة حدوثها فقد تكون عظيمة كانشقاق القمر, ومبعث النبي عليه الصلاة والسلام حدث عظيم, ولكن إنما تسمى صغرى وكبرى لأن الكبرى تتتابع، وتسمى صغرى بمجموعها لا بأفرادها, وتسمى كبرى بمجموعها لا بأفرادها؛ لأنه يوجد من أشراط الساعة الصغرى ما يأتي في زمن الكبرى, ومن أشراط الساعة الكبرى ما يتخلل الصغرى وهو نادر قليل, فيكون كبيراً في حدوثه وهو في زمن الصغرى من جهة زمانه.

    معاني أن تلد الأمة ربتها

    قال: ( أن تلد الأمة ربتها ) ذكر هنا أول هذه الأشراط, والأمة هي المستعبدة من الجواري, وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ [البقرة:221], فالأمة المستعبدة من الرقيق، وأيضاً يقابلها من الذكور العبد, وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ [البقرة:221] .

    فنقول حينئذٍ: إن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر الأمة ( أن تلد الأمة ربها, وفي رواية: ربتها ), إشارة إلى سرعة تقلب الناس من ضعف إلى قوة, فيكون الإنسان ابن أمة، ثم يكون سيداً في قومه, وتكون المرأة مستضعفة، وتكون بعد ذلك سيدة, ويلزم من ذلك أن الرجل يكون سيداً، ثم يصبح وضيعاً لسرعة الأحداث وتقلبها, هذا أحد المعاني.

    ومن العلماء من قال في هذا معانٍ أخرى، منها: وفرة الجهاد وكثرته في سبيل الله حتى يكثر في ذلك التسري, وأن تلد الأمة ربتها فيكثر الزواج أو نكاح الموالي والإماء, فتنجب سيداً ينسب لأبيه ويسود عليها.

    ومن هذه المعاني: إنه ينتشر العقوق في آخر الزمان فتلد ربها أو ربتها، أي: يسود على أمه ويعاملها كمعاملة الرقيق. وهذا من المعاني, ويحتمل أن يراد بها البعض, ويحتمل أن يراد بها الجميع, فالنبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم.

    التطاول في البنيان ومعانيه

    ثم قال: ( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان )، وهذا أيضاً من أشراط الساعة, وهو متضمن للمعنى الأول, فالمعنى الأول يتضمن تغير الحال الاجتماعي, وهذا يتضمن تغير الحال الاقتصادي, فهو بدوي أعرابي ثم تجده يناطح الناس بالبنيان, فتحول من راعي غنم إلى حضارة, بل إلى منتهى الحضارة, وهل يلزم من ذلك العكس أن الإنسان يتحول من منتهى الحضارة إلى البداوة؟ نعم, يلزم من هذا, لأن المقصود من ذلك هو سرعة وتقلب الحال.

    وفيه إشارة أيضاً إلى انتشار المال في أيدي الناس حتى يفيض ويتناوله ذلك البدوي، يعني: أنه فاض عن الحاضرة حتى وصل إلى ما هو أقصى من ذلك, وهذا شاهده في العصر ظاهر, تجد أحدهم ينشأ فقيراً ثم يغتني, أو كان على حال سيئة ثم يصبح من أسياد الناس في المال, وثراؤه مثله في الأزمنة السابقة لا يأتي إلا بعد أن يرث المال عن أجيال, فيأتي واحد وتكون له القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

    ولهذا هذا من أشراط الساعة التي ظهرت في السابق, شيوع المال في الناس، وهذا أمر مشاهد ملموس.

    والناس من المؤسف يتعاملون في أمور المال وتمييز الفقراء من الأغنياء من وجه نسبي بحسب زمانهم، لا يقارنونه بأصل الرزق والكفاية, ولهذا تجدون الملوك والأسياد في القرون الماضية عاشوا في مساكن لا يسكنها الفقراء اليوم, ولو قلت لفقير: اسكن هذا ما سكن, بل لو أتيت إلى أحد الفقراء وأعطيته ثياب كسرى وقيصر ما لبسها؛ لأنه يرى أنها خشنة ولا تلبس, ولو أوتي فقير إلى دور بعض الملوك والأسياد قبل قرون ما سكنها, وأولئك تكبروا على غيرهم في زمان بأنهم أسياد الأرض, ولو عاش بعض الفقراء في زماننا في بيوتهم لانتحر من الفقر, وهذا من غرور الدنيا.

    ولهذا نقول: إن الدنيا حقيرة, غرت الأول أنه غني فبطر, وغرت المتأخر أنه فقير فانتحر, وهي من جهة المادة واحدة, بل لو رأيت بعض فقراء اليوم تجد أنه يلبس ما يلبسه الملوك في القرون الماضية, ولهذا ينظر الناس إلى أمر الغنى والفقر بالأمر النسبي, فالفقير بالنسبة للغني لا بالنسبة لأصل الكفاية, ولهذا هذا التوسع الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في أمر الناس أنهم يتطاولون بالبنيان, وكانوا أيضاً حفاة عراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان من شدة الثراء ووفرة المال وسهولة الحصول عليه.

    1.   

    وقفات مع انصراف جبريل عليه السلام في نهاية الحديث

    قال: ( ثم انطلق، فلبثت ملياً, ثم قال لي: يا عمر! أتدري من السائل؟ ).

    عدم ذكر السلام من جبريل في حال الانصراف

    قوله هنا: (ثم انطلق) يعني: جبريل عليه الصلاة والسلام. وهنا عدم ذكر السلام من جبريل في حال الانصراف لا يدل على عدمه, فالأصل في ذلك أن الإنسان يسلم إذا انصرف كما يسلم إذا قدم.

    الحكمة من تأخير النبي سؤاله للصحابة عن حقيقة السائل

    قال: (فلبثت ملياً), هنا مكث وقتاً، فلماذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يسأل الصحابة عليهم رضوان الله عن حقيقة الرجل السائل حتى انصرف, فلم يخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام حال وجوده, وكذلك عند قريب انصرافه, وإنما أخبرهم بعدما انصرف ولبثوا ملياً، يعني: وقتاً، سألهم النبي عليه الصلاة والسلام عنه؟

    الحكمة في هذا حتى لا يتعلقوا بالسائل عن السؤال والجواب, فالتعلق لا يكون بالذوات فينصرفوا عن المعاني، ويسلب الاندهاش، والتعلق بالفرد يسلب العلم الذي أخذوه، فأراد أن يستقر العلم لديهم، ثم بعد ذلك يسألهم عن مسألة لا تقدم ولا تؤخر لديهم فيما يتعلق بالعبودية لله سبحانه وتعالى في هذه العبادات المذكورة.

    وكذلك ألا ينشغلوا عنه بالنظر إليه, وألا ينشغلوا عنه أيضاً بتتبعه والتماسه في سكك المدينة, وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن ينبههم على المسائل لا أن ينبههم عن السائل.

    سبب توجيه السؤال لعمر دون بقية الصحابة

    في قول النبي عليه الصلاة والسلام لـعمر: (يا عمر! أتدري من السائل؟), توجه النبي صلى الله عليه وسلم بالسؤال إلى عمر, ويظهر أن أكبر الصحابة وجوداً هو عمر، ولم يكن أبو بكر موجوداً وإلا لتوجه الأمر إليه, هذا احتمال, ويحتمل أن أبا بكر موجود، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم توجه بالسؤال إلى عمر وبالإخبار إلى عمر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام رآه متشوفاً إلى معرفته، فأراد أن يجيبه في ذلك, ولحاجته إلى الجواب إليه، فتوجه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (يا عمر! أتدري من السائل؟).

    الحكمة من سؤال النبي عن السائل

    وهذا السؤال من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العلم الظاهر من النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعلم أن عمر لا يعلم, ولكنه أراد أن يبين منزلة المسائل بمنزلة السائل بعد انصرافه حتى تتضح قيمة المسائل لتعلم من السائل, ومن هو بمقام علمه وبمقام قربه من الله سبحانه وتعالى, ولماذا سأل أيضاً؟ ومن هو الجاهل ومن هو العالم؟ حتى تعرف قيمة هذه المسائل أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين حال السائل وهو جبريل عليه السلام.

    قول: الله ورسوله أعلم

    قال: ( قلت: الله ورسوله أعلم )، هذه العبارة تقال في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يأتيه مدد الوحي، فتقال عند السؤال عند علم شيء يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه من أمور الوحي أو أضرابها فيقال: الله ورسوله أعلم؛ لأنه هو المبلغ عن الله, فلا رسول في الأرض إلا هو عن ربه عليه الصلاة والسلام, فيقال حينئذٍ: الله ورسوله أعلم. وأما بعد انقطاع الوحي بوفاته عليه الصلاة والسلام فيما يحدث بعد ذلك فلا يقال: الله ورسوله أعلم.

    وهنا مسألة وهي: هل للإنسان أن يقول في مسألة يعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته, لكن يقال في المسألة بعد وفاته: الله ورسوله أعلم, كأن يسأل الإنسان: ما حكم كذا وكذا في الدين؟ ما حكم صلاة الوتر هل هي واجبة أم لا؟ وما حكم صلاة الاستسقاء والكسوف وما هي صفته؟ فإذا جهلها الإنسان هل له أن يقول: الله ورسوله أعلم؟

    نقول: هذا على معنيين:

    المعنى الأول: إذا كان المراد بذلك هو أصل العلم فهذا جائز, يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لديه علم من ربه؛ لأن هذا من الشريعة والوحي, ومقتضى ذلك أن يعلم مراتب الدين, وهذا مقتضى البلاغة.

    وأما المعنى الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لديه علم بذلك في الحال, فهذا مبني على القول بحياة الأنبياء في قبورهم, والعلماء عليهم رحمة الله لهم كلام في هذا، وقد صنف غير واحد من العلماء في هذه المسألة, فصنف البيهقي رحمه الله رسالة في حياة الأنبياء في قبورهم وأنهم أحياء كحياتهم في الدنيا.

    وأما ما يكون من أحداث المستقبل بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام فهذا لا يقال فيه: الله ورسوله أعلم, وإنما يقال: الله أعلم وحده, كذلك ما لا يعلمه إلا الله ولو كان في حياة رسول الله لا يقال: الله ورسوله أعلم, مما دل الدليل عليه أنه لا يعلمه إلا الله قيام الساعة, متى تقوم؟ متى يموت فلان, وبأي أرض؟ وما تغيض الأرحام وما تزداد؟ هذه كلها لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. وكذلك ما يعلم بالنص أو باللزوم عدد قطر الأمطار وورق الأشجار, وعدد التراب, وعدد النجوم وغير ذلك فيقال: الله وحده أعلم سبحانه وتعالى.

    تصور جبريل بصورة إنسان عند مجيئه

    ثم قال: ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم )، هنا أجاب النبي عليه الصلاة والسلام في سؤاله لـعمر بن الخطاب قال: ( أتدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم, قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ), قوله: (فإنه جبريل) هذا دليل على أن الملائكة يتصورون بصور شتى, وفي هذا دليل على جواز محاكاة الإنسان لصورة غيره, ولهيئة غيره, كأن يتمثل من باب التقريب أو التعليم مشية أحد أو هيئته، فإذا كان من باب تقريب مسألة أو علم أو مفهوم أو نحو ذلك فهذا مما لا حرج فيه.

    1.   

    فوائد متفرقة من سؤالات جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم

    في ذكر النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل ليستفيد الصحابة من الأسئلة التي سأل النبي عليه الصلاة والسلام إياها, وكذلك ليبين النبي عليه الصلاة والسلام أهمية هذه المسائل التي سأل عنها, فجبريل نزل من السماء هذه الأسئلة, وهو يعلم ورسول الله يعلم، ولكن ليعلم الآخرون.

    وكذلك فيه أنه يستحب للإنسان ولو كان عالماً بالمسألة أن يسأل العالم ليفهم غيره من المسائل التي خفيت, فإذا شعر أن من حوله لم تتضح له هذه المسألة وهو يعلم، فيستحب له أن يسأل خشية أن يكون ثمة التباس في فهم هذه المسألة, فيشكل على فلان, فيقول: نحب أن تعاد هذه المسألة، أو ما الحكم في كذا مع أنه أعاد وهو يعلم, لكن يظن أن أحداً من الجلوس لم يفهم هذه المسألة, أو استشكلت عليه, وهذا مما يستحب وهو أيضاً من السنة والهدي.

    وفي قوله: (أتاكم يعلمكم) ذكر التعليم, وفيه دليل على أن السؤال إذا صدر من الإنسان ولو لم يكن منه الجواب أنه معلم غيره, وأنه معلم إذا استفاد غيره, ولهذا جبريل يسأل ولكنه لم يجب, الجواب من النبي عليه الصلاة والسلام, ولكن لما كان السؤال سبباً للجواب كان السائل معلماً.

    وفي هذا أن السائل شريك في التعليم للمجيب, وكذلك شريك له في أجره, فإذا سأل الطالب المعلم بنية حسنة، وأراد أن يبين للناس فإنه يأخذ من ذلك الأجر, فما تفوه به العالم بسبب السؤال فيأخذ السائل ذلك الأجر؛ ولهذا جاء في هذا الخبر قال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم), يعني: تلك المسائل.

    وفي هذا أيضاً أن الدين إذا أطلق يراد به جميع شرائع الإسلام: الإسلام, الإيمان, الإحسان, حتى أشراط الساعة هي أيضاً من دين الله سبحانه وتعالى, أخبار الفتن, الملاحم, القصص, الترغيب, الترهيب, أحوال الدنيا مما جاء النص فيه أيضاً هذه مما يدخل في دائرة علم الدين فينتفع الإنسان بذلك, ويقربه الله عز وجل إليه, أو يكون سبباً للقرب من الله سبحانه وتعالى.

    نحمد الله عز وجل على تسديده أن أتم لنا هذا الحديث قراءة وشرحاً وتعليقاً, فنحمد الله عز وجل على التيسير والتوفيق والإعانة والتسديد, وأسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا, وأن يعلمنا ما جهلنا, وأن يجعله حجة لنا لا علينا, وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتراحمين المتحابين الذاكرين له كثيراً والذاكرات, إنه ولي ذلك والقادر عليه, وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد.