إسلام ويب

الفقر وأثرهللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر لما له من آثار سلبية على الأفراد والشعوب والمجتمعات والأمم، ويسبب في كثرة المتسولين وكثرة القتل والنهب والعياذ بالله.

    1.   

    الفقر في بلاد المسلمين ومن وراءه

    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ [سبأ:2] ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وعظيمنا محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، أرسله ربه بالهدى ودين الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33] ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] ، أما بعد:

    أيها المسلمون عباد الله! فإن الناظر في حال كثير من المسلمين في كثير من بلاد الله عز وجل، يجد أن سياسة متعمدةً من قبل أعداء الله لإفقار المسلمين وتجويعهم، وشغلهم ببطونهم، حتى يصبح أحدهم ويمسي وهمه المقعد المقيم أن يحصل على طعام يسد جوعته، أو لباس يستر عورته، وحتى يضطر كثير منهم إلى أن يتسول لقمة العيش، فيريق ماء وجهه، ويمد يده أعطوه أو منعوه، ويسأل الناس، وما إلى ذلك من أساليب تجعل الحليم حيران.

    يترافق هذا كله مع سياسة أخرى هدفها إلهاء الناس وإشغالهم باللهو والمجون، وإثارة الغرائز واتباع الشهوات، حتى لا يفكر أحدهم في حال أمته، ولا في مستقبلها وما ينبغي أن تكون عليه.

    1.   

    آثار الفقر

    أيها المسلمون عباد الله! إن الفقر آفة من الآفات العظيمة التي استعاذ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرن بينها وبين الكفر، فثبت من دعائه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: ( اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر )، فهنا يستعيذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفقر -مع أنه الراضي بقضاء الله، والذي ما كان يعجبه من الدنيا إلا المؤمن التقي- لأنه صلوات ربي وسلامه عليه يعلم أن للفقر آثاراً مدمرة، هذه الآثار تعود على الأفراد وعلى الشعوب والجماعات، وعلى الأمم والمجتمعات، هذه الآثار المدمرة آثار على الدين، آثار على الأخلاق، آثار على بناء الأمم وتماسك الشعوب، هذا كله من آثار الفقر.

    أثر الفقر على الدين

    أما أثر الفقر على الدين فإنه قد يدفع العبد والعياذ بالله إلى اتهام العدالة الإلهية، أو إلى الشك في حكمة عز وجل حين نظم هذا الكون، فجعل بعض الناس فقراء وبعضهم أغنياء، وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32] يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، من شاء الله أغناه ومن شاء الله أفقره، وكثير من الناس إذا أصيب بداء الفقر اتهم ربه جل جلاله، وهذا الذي بينه ربنا في القرآن فقال سبحانه: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:16]، أيضاً الفقر قد يدفع بعض الناس إلى الزندقة، وإلى الكلام الذي لا يليق، كما قال قائلهم:

    كم عالم عالم أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقاً

    هذا الذي ترك الألباب حائرةً وصير العالم النحرير زنديقاً

    يقول: العالم صار زنديقاً، لأنه بعلمه وفهمه وسعة عقله وعميق إدراكه قد أعيت مذاهبه، لا يجد طعاماً يأكله، ولا لباساً يستره، ولا بيتاً يئويه، ويرى في الوقت نفسه جاهلاً لا عقل له، وقد بسط الله له أسباب الرزق، هذا الزنديق يقول هذا الكلام ويتهم رب العالمين جل جلاله في عدله.

    ولربما يدفع الفقر بعض الناس إلى أن يبيع دينه، وهذا الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ( يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل )، ما الذي حمله على ذلك؟ الفقر، فقليل من الناس من يصبر، قليل من الناس من يقنع، قليل من الناس من يرضى، وأكثر الناس تجده على ربه ساخطاً، لا يرضى بقضائه وقدره، من أجل هذا كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أسألك التقى والهدى والعفاف والغنى ) ، يدعو ربه جل جلاله بأن يرزقه الغنى؛ لأن الغني إذا رزق التقى عبد ربه، وكان ماله عوناً على إرضاء مولاه، وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصديق أبي بكر رضي الله عنه فقال: ( ما نفعني مال مثلما نفعني مال أبي بكر ) ، وفي الحديث الآخر: ( نعم المال الصالح للعبد الصالح ) ، وفي حديث ثالث: ( نعم الصاحب هو ) ، وفي حديث رابع: ( نعم الغنى إذا رزق معه التقى ) ، الغنى نعمة من نعم الله عز وجل.

    الجمع بين الأمر بالسعي في الأرض ومدح المقلين من المال

    أيها المسلمون عباد الله! إن كثيراً من الناس قد يطرح سؤالاً يقول: إذا كانت شريعة الإسلام تأمرنا بأن نضرب في الأرض، وأن نسعى في فجاجها، وأن نطلب الرزق من أسبابه، وأن نسأل الله الغنى، فلماذا جاءت نصوص أخرى تذم الغنى، وتخبر بأن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وجاءت نصوص تبين أن الأكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا.

    نقول أيها المسلمون: بأن شريعة الإسلام من أراد أن يأخذ منها حكماً صحيحاً، فلا بد أن ينظر إلى النصوص كلها، وينظر إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها، من أجل أن يخرج بفهم سليم، وبعلم صحيح، لا أن يجتزئ النصوص، فشريعة الإسلام تأمر الإنسان بأن يرضى بقضاء الله وقدره، لكن في الوقت نفسه يأخذ بالأسباب، ويعلم أن الفقر داء له دواء، ولا ينظر إلى من هو فوقه، لئلا يتسخط نعمة الله عليه، بل ينظر إلى من هو دونه من أجل أن يشكر نعمة الله، وشريعة الإسلام تأمرنا بأن نجتهد ونكد، ونبحث في كنوز الأرض ونحيي مواتها.

    وفي الوقت نفسه لا تدع الغني في غيه سادراً، ينفق ماله كيف شاء، ويمارس الترف والمجون، بل تأمر الغني بأن ينفق من ماله فريضة واجبة لا تطوعاً ولا عطاءً منه، بل أمر من الله عز وجل قال تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7] ، وقال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، وشريعة الإسلام تصف بعض الناس من الأغنياء الذين لا يعطون الفقراء، ويقولون: هذه قسمة الله جعلني الله غنياً وجعل فلاناً فقيراً، ولا حق له في مالي، شريعة الإسلام تصف هذا الصنف بالضلال، قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47] ، يا من تقولون هذا القول: (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ) ، أنتم في ضلال مبين، عقيدة الجبر لا مكان لها عند المسلم، فالمسلم يعلم بأنه متعبد بشرع الله عز وجل، ثم بعد ذلك القدر أمره إلى الله: يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد:26] .

    أثر الفقر على الأخلاق والقيم

    أيها المسلمون! الفقر ذو أثر عظيم في فساد الأخلاق، وتدمير القيم، وانحلال المجتمعات، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن سبب الفاحشة الفقر، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: ( قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني، فأصبح الناس يقولون: تصدق الليلة على غني، فقال الرجل: على غني! اللهم لك الحمد، ثم قال: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: على سارق! اللهم لك الحمد، ثم قال: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد زانية ) ، وهو لا يدري بأن هذه زانية، ولا بأن ذلك سارق، ولا بأن الأول غني، ( فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: على زانية! اللهم لك الحمد، فأتي ) ، أي: في المنام ( فقيل له: أما الغني فلعله يعتبر بك فيخرج من ماله، وأما السارق فلعله يستغني عن السرقة، وأما الزانية فلعلها تستعف عن الزنا ) ، كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى أن السارق ما دفعه إلى السرقة إلا الحاجة، وأن الزانية ما دفعها إلى الزنا إلا الحاجة.

    ومثل هذا أيضاً حديث: ( الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فدعا كل منهم ربه بصالح عمله، قال أحدهم: اللهم كانت لي ابنة عم وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فراودتها عن نفسها فامتنعت، حتى ألمت بها سنة - أي: جوع وحاجة وفاقة - فجاءتني فأعطيتها خمسين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته، قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فتركتها وتركت المال الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ) .

    السؤال: ما الذي حمل تلك العفيفة الشريفة التقية النقية على أن تستجيب لذلك الرجل في مبدأ الأمر حتى جلس منها مجلس الرجل من امرأته؟ ما حملها على ذلك إلا الحاجة.

    أيها المسلمون عباد الله! شريعة الإسلام تأمرنا بأن نضرب في مناكب الأرض، وأن نبتغي من فضل الله، وألا نرضى بالذل، وأن تكون يد أحدنا هي اليد العليا التي يمدها للناس دائماً، حتى بعد هذه الصلاة المباركة في هذا اليوم المبارك، يقول ربنا جل جلاله: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:10] ، وما أعظم كرب المسلم حين يرى الناس يتسولون، يمدون أيديهم، يعانون حاجةً وفاقةً ولا يجدون ضرورات الحياة.

    أسال الله عز وجل أن يغني فقراء المسلمين، اللهم أغن فقراء المسلمين، اللهم إنا نسألك رزقاً حلالاً طيباً مباركاً فيه، اللهم باعد بيننا وبين الحرام كما باعدت بين المشرق والمغرب، وتوبوا إلى الله واستغفروه.

    1.   

    ذم المسألة من غير حاجة

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70] ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كل وصحب كل أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين، أما بعد:

    أيها المسلمون عباد الله! فإن ناساً في سبيل البحث عن المال، والحرص على الاستكثار منه، يسلكون سبلاً غير قويمة، لا يهم أحدهم إن كانت تلك السبُل حلالاً أو حراماً، بل همه أن يحصل على المال من أي وجه كان، ومن تلك السبل: أن يتسول أحدهم وأن يمد يده إلى الناس وعنده ما يغنيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من سأل الناس وعنده ما يغنيه لقي الله وليس في وجهه مزعة لحم )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( من سأل الناس وعنده ما يغنيه، جاءت مسألته خموشاً أو خدوشاً في وجهه يوم القيامة )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( ثلاثة أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما ظلم عبد مظلمةً فعفا إلا زاده الله بها عزاً، وما فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ) .

    يا عبد الله! عود نفسك على ألا تسأل الناس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع بعض الصحابة على ألا يسأل الناس شيئاً، لا يطلب من الناس شيئاً قط، حتى إن أحدهم لربما سقط منه سوطه وهو على دابته، فلا يطلب من أحد الناس أن يرفعها إليه، بل ينزل عن دابته فيتناولها، لم؟ لأنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يسأل الناس شيئاً، هذه ثقافة لا بد أن ننشرها بين الناس.

    1.   

    الفقر وكثرة المتسولين والناهبين القتلة

    إن الإنسان ليفزع حين يرى في بعض بلاد المسلمين أنه ما يكاد يقف في مكان، أو يسير في طريق، أو يغشى سوقاً، إلا وقد غلب على ظنه أن عدد السائلين المتسولين أكثر من عدد القنوعين المتعففين، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أن أهل الجنة كل عفيف متعفف ) ، وأثنى ربنا جل جلاله على أناس فقال: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273] ، والواحد منهم قد يكون محتاجاً، قد يكون فقيراً، قد يكون جائعاً، لكنه لا يسأل الناس قط.

    ويفزع المرء أيما فزع حين يقرأ بأن إنساناً اعتدى على تاجر في سوق الذهب، فقتله ثم قطع رأسه ثم مزق جسده، ووزع أشلاءه على أماكن النفايات والقمامات، من أجل أن يسرق بعضاً من الذهب وبعضاً من المال، ثم بعد هذا كله يخرج مع أهله وذويه يبحث عنه، يبحث عن القتيل ويصلي معهم الصلاة المكتوبة، ويرفع يده بعد الصلاة يسأل الله بأن يجمع القتيل أو الذاهب أو المفقود بذويه، ثم بعد هذا كله يتبين بأن هذا الذي يصلي ويدعو هو القاتل والعياذ بالله! يسفك دماً حراماً، يقتل نفساً معصومة، يسرق مالاً حراماً، ثم بعد ذلك يصلي مع الناس ويرفع يده، لا يستحي من الله ولا يستحي من الناس، نعوذ بالله من الضلال، وكل هذا في سبيل ماذا؟! في سبيل المال!

    إن الإنسان مهما جمع من المال فإنه تاركه كله، وعما قليل سيحمل على الأعناق إلى قبره وينادي على أهله: يا أهلي، يا أبنائي، يا من سكنتم ديارنا، وقسمتم مالنا، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بنا، لقد جمعت المال من حله وحرامه، ثم تركته لكم تستمتعون به، فالمال لكم والحساب علي، هذا لسان حال الميت إذا حمل إلى قبره، المال لكم أيها الورثة والحساب علي، وهذا الذي حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لأصحابه: ( أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: يا رسول الله! ما منا واحد إلا وماله أحب إليه، قال: فإن مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أبقيت ) ، هذا الذي تكنزه وتجمعه هو الذي سيذهب إلى الورثة، وأما مالك حقاً الذي تجده عند الله يربيه لك، كما يربي أحدكم فلوه، هو المال الذي أنفقته في سبيل الله.

    اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية.

    اللهم وسع أرزاقنا، اللهم وسع أرزاقنا، اللهم وسع أرزاقنا، اللهم ارزقنا الغنى في قلوبنا، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عسيراً إلا يسرته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا حاجةً هي لك رضاً ولنا فيها صلاح، إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين.