إسلام ويب

الإذن بالهجرة إلى الحبشةللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان صلى الله عليه وسلم يجتمع مع أصحابه سراً في دار الأرقم بن أبي الأرقم، فلما اشتد أذى المشركين على المسلمين أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى أرض الحبشة، والهجرة هجرتان: هجرة هرب وهجرة طلب، أما هجرة الهرب فهي بأن يفر الإنسان من بلد يغلب عليه مظاهر الكفر أو لا يأمن على نفسه أو عرضه أو ماله، وهجرة الطلب بأن يهاجر لطلب العلم ولطلب الرزق.

    1.   

    أسباب اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم الاجتماع بأصحابه في دار الأرقم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والبشير النذير، والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    تقدم معنا الكلام عن بعض الأذى الذي نال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضوان الله عليهم في مكة، وأن هذا كله قد جرى على سنة الله عز وجل في الدعوات والرسالات، وأنه ليس ببدع من الرسل، فالرسل من قبله قد كذبوا وأوذوا، وطوردوا، بل بعضهم صلوات الله وسلامه عليهم قد تعرض للقتل.

    ولذلك ربنا سبحانه وتعالى قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ[هود:120]، وقال له: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [فاطر:4]، وقال أيضاً: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [فاطر:25]، فكل شيء تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يفت في عضده، ولا يؤثر على همته.

    وبعض أصحابه رضوان الله عليهم في لحظات الضعف لما شكوا إليه حالهم، بين لهم عليه الصلاة والسلام بأن هذه سنة ماضية، وبشرهم بأن الأمر لن يدوم، وسيكون بعد الضعف قوة، وبعد الهزيمة نصر، وبعد الفرقة اجتماع، وبعد الخذلان من البشر تأييد من رب العالمين جل جلاله.

    وخلال تلك الفترة -فترة الدعوة العلنية وما صاحبها من أذى- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع بأصحابه في دار عند الصفا، وهذه الدار هي للأرقم بن أبي الأرقم ، ولكن لماذا اختار تلك الدار عليه الصلاة والسلام؟

    السبب الأول: لأن الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه كان مخزومياً، أي: كان من بني مخزوم، وبنو مخزوم كانوا منافسين لبني هاشم، يعني: العوائل والقبائل يحصل بينها نوع من التنافس والتحاسد والتسابق، وهذا الذي ابتلي به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان من بني هاشم، فكفر به أكثر بني مخزوم؛ لهذه العلة فقط، حتى إن أبا جهل لعنه الله يوم بدر قبل أن تبدأ المعركة قال له بعض الناس: (يا أبا الحكم ! نشدتك الله أمحمد على حق أم على باطل؟ قال: والله إني لأعلم أنه على حق، ولكننا تنافسنا وبنو عبد مناف، أطعموا فأطعمنا وسقوا فسقينا، حتى إذا تجافينا بالركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً )، يعني: طالما أنه من بني هاشم لا نؤمن به حتى يأتي نبي من بني مخزوم. هذا معنى كلامه.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام هداه الله عز وجل للاجتماع في دار رجل مخزومي؛ لأنه لن يخطر ببال الناس إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام يجتمع مع أصحابه في دار من دور بني هاشم، فهذا الذي سيسبق إلى أذهان المشركين، هذا سبب.

    السبب الثاني: أن هذا الشاب كان حديث السن، فقد كان ابن ست عشرة سنة. والأذهان ستنصرف إلى بيوت الكبار، أي أنهم يجتمعون في بيت حمزة مثلاً، أو في بيت أبي بكر ، أو في بيت عمر وغيرهم من الكبار، ولن تنصرف إلى دار هذا الفتى حديث السن.

    السبب الثالث: أن داره كانت عند الصفا وهي منطقة كثيرة الحركة، منطقة مزدحمة فلن يستغرب الناس أن يأتي المسلمون في تلك المنطقة؛ لأنها منطقة سوق ومنطقة مطروقة من قبل الناس، فلن يلفتوا انتباه المشركين إلى اجتماعهم.

    هذه أسباب ثلاثة ذكرها بعض كتاب السير، والعلم عند الله تعالى.

    1.   

    السرية في اجتماعات الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه

    ولو سأل سائل فقال: لم يجتمعون سراً؟

    أقول: كان من هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأخذ بالأسباب، رغم أنه نبي يوحى إليه، ورغم أنه ملهم، وجبريل عليه السلام ينزل عليه بكرة وعشياً، إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يأخذ بالأسباب المادية التي تعارف عليها الناس، ومن ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام كان يعتمد السرية في أعماله، وقد علمنا عليه الصلاة والسلام هذا المبدأ فقال: ( استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان )، وعلل ذلك بقوله: ( فإن كل ذي نعمة محسود ).

    ولذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، يعني: إذا أراد أن يغزو إلى جهة الشمال كان عليه الصلاة والسلام يسأل عن الماء في جهة الجنوب؛ من أجل أن يسبق إلى أذهان الناس أنه سيتجه جنوباً.

    وكذلك في قصة الهجرة أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أوحى الله إليه بأن المشركين يريدون قتله، وأمره بأن يخرج من مكة، وألا يبيت في فراشه تلك الليلة: جاء عليه الصلاة والسلام إلى أبي بكر في نحر الظهيرة متقنعاً بردائه، في وقت كان الناس لا يزور بعضهم بعضاً فيه.

    المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، في وقت تسكن فيه الحركة، ويأوي الناس إلى بيوتهم، وجاء عليه الصلاة والسلام متقنعاً بردائه، ولما دخل قال لـأبي بكر : ( أخرج من في البيت )، يعني: أريد اجتماعاً مغلقاً، ( أخرج من في البيت، قال: يا رسول الله! إنما هم ابنتاي )، يعني: ما فيه إلا أسماء و عائشة ، وعائشة في ذلك الوقت زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد عقد عليها ولم يدخل بها عليه الصلاة والسلام.

    وكذلك الرسول عليه الصلاة والسلام اختبأ في غار ثور، وأوصى عامر بن فهيرة بأن يرعى الأغنام من أجل أن يعفي الآثار، هذا كله من باب الأخذ بالأسباب.

    وهذه هي حقيقة التوكل أن تأخذ بالأسباب وتفوض النتائج إلى رب الأرباب جل جلاله يفعل ما يشاء، يعني مثلاً لو أنا أريد ذرية، فما هو السبب؟ الزواج؛ ولذلك علماؤنا قالوا: من الاعتداء في الدعاء أن تقول: اللهم ارزقني ذرية صالحة من غير زواج، فلا بد من الأخذ بالأسباب.

    ولو أن إنساناً جائعاً يجلس ويقول: اللهم أطعمني، اللهم أشبعني، اللهم أزل جوعي، اللهم أذهب عني ما أجده في بطني، فهذا اعتداء، والواجب أن يذهب ويبحث عن طعام كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في طريق الهجرة لما نفد زادهم مر على أم معبد الخزاعية ، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة، ثم تطعم وتسقي من يمر بها، فسلم وقال: ( هل من طعام؟ هل من لبن نشربه؟ أو لحم نشتريه؟ فقالت له: فداك أبي وأمي لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاء عازب، ولا حلوبة في البيت ). يعني تقول له: لو كان عندنا شيء كنا سنعطيك دون أن تطلب، فنحن نكرم من يمر بنا من الأضياف، (والشاء عازب)، أي: الغنم بعيدة، (ولا حلوبة في البيت)، أي: ليس هناك شاة في البيت نحلبها، ( فنظر عليه الصلاة والسلام إلى شاة في كسر الخيمة -في جانبها- فقال: ما هذه الشاة؟ قالت: خلفها الجهد عن الغنم ) -يعني: مريضة لم تستطع الذهاب إلى المرعى- فقال: ( أتأذنين لي أن أحلبها؟ فقالت: إن كان بها حلب فاحلب )، فأخذ صلى الله عليه وسلم بالأسباب، حيث دعا بإناء وقال لها: ( ائتني بماعون، ثم مسح على الضرع وسمى الله ).

    وقد سبق أن ذكرنا أنه ينبغي أن تكون بسم الله على ألسنتنا دائماً، ولذلك ذكر الفخر الرازي في تفسيره لما فسر البسملة قال: بأن موسى عليه السلام اشتكى وجعاً في بطنه -يعني عنده مغص- فدعا الله عز وجل، فدله الله على عشبة من أعشاب الأرض فأكلها فزال مغصه، وبعد أيام عاوده، فما سأل الله، بل ذهب إلى العشبة مباشرة فازداد وجعه، فأوحى الله إليه: يا موسى! أما علمت أن الأرض كلها سم، وأن ترياقها اسمي.

    ولذلك عود نفسك إذا طعمت قول: بسم الله، وإذا شربت: بسم الله، وإذا دخلت: بسم الله، وإذا خرجت: بسم الله، وإذا لبست: بسم الله، وإذا خلعت: بسم الله، وإذا ركبت: بسم الله، وإذا نزلت: بسم الله؛ من أجل أن تصحبك البركة، قال صلى الله عليه وسلم: ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر )، أي: منزوع البركة.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام مسح على الضرع وسمى الله فتفاجت الشاة -يعني الشاة فرجت بين رجليها- فحلب صلى الله عليه وسلم في الإناء فجاً حتى علته الرغوة، ثم أعطى المرأة فشربت، ثم سقى صاحبيه أبا بكر وعامراً ثم سمى الله، وكان آخر القوم شرباً عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: نرجع مرة أخرى: لماذا كانوا يجتمعون سراً في دار الأرقم بن أبي الأرقم ؟ الجواب: من باب الأخذ بالأسباب، حتى لا يعلم المشركون مكان اجتماع المسلمين فيشتد أذاهم على المسلمين أو يباغتوهم ويقتلونهم.

    1.   

    إذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة

    ولما اشتد أذى المشركين وعظم عنتهم وصاروا صادين عن سبيل الله بالليل والنهار، أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أن يهاجروا.

    والهجرة في اللغة: مشتقة من الهجر ضد الترك، ومعناها: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، أو من دار الخوف إلى دار الأمن.

    يعني: الهجرة أن يهاجر الإنسان من دار تغلب عليها مظاهر الكفر، وأكثر سكانها كفار إلى دار تظهر فيها شعائر الإسلام وأهلها مسلمون، أو إنسان يعيش في بلاد مسلمة، لكنه يخاف على نفسه، ربما تسلط عليه ظالم، كأن يكون البلد يحكمها الظلمة، إذا وجدوا إنساناً يصلي ضيقوا عليه، وإذا وجدوا إنساناً يطلق لحيته بطشوا به وسجلوه على أنه خطر، ودائماً يستدعى ويهان ويتعرض لما لا ينبغي، فهذا الإنسان يخرج من دار الخوف إلى دار يأمن فيها على نفسه.

    ومكة كانت دار كفر، والحبشة كانت دار كفر، لكن الفرق بينهما أن مكة دار خوف والحبشة دار أمن، فالرسول عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه بأن يخرجوا إلى الحبشة وقال لهم: ( فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد ).

    وهذا الكلام معناه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عنده معرفة بما يدور حوله، يعني: بعض الناس يعتقد أن الصلاح والاستقامة أن يقطع العلاقة بالدنيا، فلا يعرف سياسة ولا اقتصاداً ولا إعلاماً ولا تعليماً ولا ثقافة، ولا يعرف ما يدور في دنيا الناس، وإنما فقط يقول: أنا متعبد، متنسك. أنا ليس عندي شيء إلا القرآن.

    نقول له: لا. ما هكذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الدليل، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يمكن أن يأمر أصحابه بأن يخرجوا إلى الطائف وهي أقرب، أو إلى نجد أو يأمرهم عليه الصلاة والسلام ببعض ببلاد الشام التي تتاخم جزيرة العرب، أو يأمرهم بأن يخرجوا إلى تبوك، أو إلى العراق، لكنه عليه الصلاة والسلام اختار الحبشة، مع أن الحبشة بعيدة، والعلة: ( فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ).

    وفي سيرة ابن إسحاق من حديث أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة رضي الله عنها قالت: ( لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان هو عليه الصلاة والسلام في منعة من قومه وعمه فلا يصل إليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال لهم: إن بأرض الحبشة ملكاً لا يظلم عنده أحد فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه، فخرجنا إلى الحبشة، حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار -وهذه شهادة لأرض الحبشة وشهادة للأحباش- أمنا على ديننا ولم نخش منه ظلماً ).

    فهؤلاء المسلمون خرجوا مهاجرين سراً، تسللوا لواذاً، وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، كلهم خمسة عشر، وعلى رأسهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيهم أيضاً: أبو سلمة بن عبد الأسد وزوجه أم سلمة ، وعثمان بن مظعون، وكذلك جعفر بن أبي طالب وزوجه أسماء بنت عميس رضوان الله على الجميع.

    خرجوا مهاجرين متسللين حتى وصلوا إلى مكان يقال له: الشعيبة، ثم وجدوا سفينة للتجار فحملوهم إلى أرض الحبشة بنصف دينار، بنصف دينار خرج هؤلاء الموحدون مهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين.

    وقد تقدم معنا بأن المشركين سجدوا لما سمعوا سورة النجم من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسرت شائعة بأن أهل مكة قد أسلموا، فرجع بعض هؤلاء المهاجرين، ثم بعد ذلك اضطروا ثانية إلى أن يعودوا من حيث جاءوا.

    1.   

    قصة سجود المشركين في خاتمة سورة النجم

    وهناك قصة بالنسبة لسورة النجم يرويها بعض الناس؛ لأنهم احتاروا لم سجد المشركون لما سمعوا هذه السورة؟

    قالوا: لأن الشيطان ألقى في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كلمات ليست من القرآن، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما قرأ: أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20] ، قالوا: الشيطان حاكى صوت النبي عليه الصلاة والسلام قال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى، فظن المشركون أن النبي الرسول عليه الصلاة والسلام يمدح آلهتهم، فسجدوا في خاتمة سورة النجم.

    وهذه الرواية باطلة ساقطة من عدة أوجه:

    أولاً: من ناحية السند فلا يعرف لها سند متصل، ثم من ناحية المعنى: أن هؤلاء المشركين الذين يسمعون القرآن كانوا عرباً يفهمون الكلام، وهم يعرفون بأن (الغرانيق) جمع (غُرنوق)، أو جمع (غَرنوق) وهو طائر أبيض، فليس هناك وجه تشبيه بين الأصنام والطائر الأبيض، ففسدت الرواية من جهة المعنى أيضاً.

    ثانياً: كيف يستقيم عقلاً عند هؤلاء المشركين -وما كانوا بلهاء، بل كانوا قوم عندهم عقول- أن تمدح أصنامهم بهذا الكلام ثم يأتي بعدها قول ربنا: أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ [النجم:21-23]، أي: اللات والعزى ومناة، أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ [النجم:23]، وهذا كله ذم وعيب لهذه الآلهة ولعابديها.

    ثالثاً: من ناحية العصمة، إذا كان الشيطان -لعنه الله- يستطيع أن يحاكي صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما فائدة قول ربنا جل جلاله: إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4]؟! وقوله جل جلاله: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى [النجم:3]؟!

    وفي بعض الروايات يقولون: (الشيطان ألقاها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهذا أشنع، فإذا كان الشيطان سيستطيع أن يلبس على أطهر لسان من زكاه ربه جل جلاله بقوله: وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى [النجم:3]، فماذا يصنع بنا نحن؟!

    ويبقى: أنه ثبت في الصحيح أن المشركين سجدوا لما سمعوا خاتمة السورة: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:62]، سجد الناس جميعاً مسلمهم ومشركهم، فلماذا سجدوا؟

    أقول: سجدوا لفصاحة القرآن، سجدوا لكلام الله الذي أخذ بمجامع قلوبهم، والذي سلبهم القدرة على التصرف بما تمليه أهواؤهم، فسورة النجم آياتها قصار وقوارعها قوية؛ ولذلك في خاتمة السورة يتهددهم الله عز وجل بقوله: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى [النجم:50-54]، كما قال سبحانه: فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت:40]، وهم يعرفون هذه القصص وبعض هذه الديار قريبة منهم؛ ولذلك عاشوا مع جو السورة، ثم إن القارئ هو الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: الآن يا أخي! حين تصلي خلف إمام حسن الصوت، حسن الأداء، وقاف عند المعاني، أما جربت بأنه يحصل لك خشوع، وكأنك تسمع القرآن لأول مرة وقد تكون السورة قرأتها ألف مرة، لكن مع نداوة الصوت وحسن الأداء.

    ولذلك في الحديث في صحيح البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه يقول: ( جئت إلى المدينة في فداء أسارى بدر -يعني: هو كافر في ذلك الوقت، جاء إلى المدينة يحمل مالاً من أجل أن يدفع ويستلم بعض الأسرى- قال: فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه صلاة المغرب يقرأ سورة الطور، قال: فجعلت أعجب من نظم القرآن، فلما بلغ قوله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ [الطور:35]، كاد قلبي يطير! ) والرجل كان مشركاً، لكن كاد قلبه يطير لسلاسة الأسلوب، والنتائج المرتبة على مقدمات. فمنطق القرآن يخاطب به هؤلاء المشركين، يقول لهم: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ [الطور:35]، يعني: أنت أيها المشرك يا من تجحد ألوهية رب العزة جل جلاله، أجب على هذا السؤال: أنت خلقت نفسك؟ قال: لا. طيب السؤال الثاني: خلقت من غير شيء؟ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ [الطور:35]، وهذا الذي يسمونه قانون السببية: كل حادث لا بد له من محدث، يعني: الآن لو قلنا بأن هذا الجهاز الذي أمامي جاء هكذا، وكان على هذه المنضدة، سيقال لي: من أتى به؟ أقول: ما أتى به أحد، وإنما جاء هكذا فقط! فماذا ستصنع؟ إن كنت لا تحترم القائل ستقول له: أنت مجنون، وإن كنت تمسك لسانك عنه ستهز كتفيك وتذهب وتقول: الله يعين، الله يكتب السلامة.

    فالله عز وجل يخاطبهم بهذا المنطق المبسط: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ [الطور:35]؛ ولذلك بعض الملاحدة ممن كانوا ينكرون وجود الله أراد أن يناظر بعض الأئمة، والمناظرة تكون أمام الناس، فواعده في وقت معين، فالإمام تأخر عن المجيء، ثم لما وصل سأله قال له: لم تأخرت؟ أحجمت عن المناظرة أم خفت؟ فالإمام قال له: لا، لكنني ما وجدت سفينة تقلني، ثم أخيراً وجدت سفينة على الشاطئ، ليس لها قائد فركبت فيها فإذا هي تمشي وحدها تتفادى الأمواج حتى رست بي عندكم! فقال له الملحد: أعاقل أنت؟ يعني: كلامك هذا يصدقه رجل، ركبت سفينة ليس لها قائد وتحركت حتى وصلت إلينا؟ فقال له: وأنت أما تستحي حين تقول: بأن هذا الكون لا خالق له.

    وكما قال العربي الأول: (البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، أرض ذات فجاج، وسماء ذات أبراج، ألا يدل ذلك على الخالق الخبير!) جل جلاله، فلو وجدنا بعرة سنعرف بأن بعيراً كان ها هنا.

    والله جل جلاله لما خاطب المشركين بهذه القوارع القرآنية، وهذه الأساليب المنطقية خضعوا، وقد مر معنا أن الوليد بن المغيرة وهو مشرك لما سمع قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، قال: ما سمعت كلاماً أجمع لخير يؤتى، ولا لشر يجتنب من هذا الكلام).

    الله يأمر بثلاث، وينهى عن ثلاث؛ يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، أقر بذلك وهو مشرك لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حسن الصوت بالقرآن كما قال أنس بن مالك : ( ما بعث الله نبياً إلا كان حسن الصورة حسن الصوت، وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أحسنهم صورة وأحسنهم صوتاً )، وكما قال بعض الصحابة: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فصلى بنا فقرأ بالتين والزيتون، فما سمعت صوتاً أحسن منه عليه الصلاة والسلام )، فكان الصوت عنده حسن والأداء جيد والقلب خاشع عليه الصلاة والسلام بل: ( كان يقرأ القرآن وصدره يغلي كأزيز المرجل )، وهذا كله يؤثر عليهم، ولا شك ولا غرابة أن يسجدوا عند ختام السورة.

    وهذه القصة -قصة الغرانيق- ألف الشيخ محمد ناصر الدين الألباني عليه رحمة الله في الرد عليها كتاباً سماه: (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق)، وكذلك الشيخ العلامة: محمد أبو شهبة عليه رحمة الله أفرد لها صفحات طوال في كتابه عن السيرة، ونسفها بدراسة قرآنية حديثية، وكذلك الدكتور الأعظمي ، وكذلك الدكتور مهدي رزق الله ، وغيرهم ممن كتبوا في السيرة جزاهم الله خيراً، وأحسن إليهم وبارك فيهم.

    1.   

    الهجرة الثانية إلى الحبشة

    ثم هاجر المسلمون الهجرة الثانية إلى الحبشة بعدما اتضح لهم يقيناً أن المشركين ما أسلموا، لكن في هذه الهجرة سعى المشركون إلى استرداد هؤلاء المسلمين.

    إذاً: هؤلاء المسلمون الطيبون تركوا لهم مكة، وخرجوا فراراً بدينهم إلى أرض يأمنون فيها على أنفسهم، لكن هؤلاء الصناديد الطواغيت الأشرار طاردوهم في تلك الديار البعيدة التي ذهبوا إليها، مثل طواغيت اليوم، بعض الطواغيت الذين يحكمون بلاد المسلمين لا يكتفون بأن يضيقوا على الناس في بلادهم، ولذلك بعض الدعاة إلى الله لما هربوا وتركوا البلاد، لاحقوهم حيث هم وقتلوهم في البلاد التي هاجروا إليها.

    فقريش سعت إلى استعادة هؤلاء المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة، فبعثوا برجلين، وهذان الرجلان هما: عبد الله بن أبي ربيعة ، و عمرو بن العاص ، وقد اختيروا بعناية خاصة، فـعمرو بن العاص كان رجلاً من الدهاة، كان عنده قدرة على التفاوض، وعنده خبرة في الأخذ والرد، وكان رجلاً فصيح اللسان حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا رأى رجلاً تأتاءً أو فهفاها أي: لا يستطيع يتكلم، كان يقول: سبحان الله! خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.

    فاختاروا هذين الرجلين: عبد الله بن أبي ربيعة و عمرو بن العاص ، ثم زودوهم بالرشوة، يعني: أعطوهم رشاوي، مما يستطرف من متاع مكة، يعني: أي بلد لو نزلت فيها فإنك ترجع إلى أهلك أو إلى أصحابك بشيء مما اشتهرت به، فمثلاً: لو أنك ذهبت إلى مكة بم تأتينا؟ بزمزم، لأنه لا يوجد زمزم إلا في مكة، ولو ذهبت إلى المدينة تأتينا بالتمر؛ لأن تمر المدينة شفاء، وهكذا كل بلد تشتهر بشيء.

    ومكة كانت مشهورة بالأدم، ومشهورة بالجلود، فزودوهم وأمروهم بألا يكلموا النجاشي حتى يلتقوا بالبطارقة، والبطارقة هم القساوسة والحاشية، ويدفعوا لكل واحد منهم هديته، ومقصدهم كما قال الشاعر:

    أحسن إلى من شئت تستكمل مودته فطالما استعبد الإنسان إحسان

    يعني: أعطوهم هديتهم من أجل أن يسكتوا أو يؤيدوا مطلبكم.

    فما تركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية، وبينوا له الحاجة التي من أجلها أتوا، قالوا: (إنه قد صبا إلى بلد الملك غلمان منا سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دين الملك)، وهذا تحريض، (فارقوا دين قومهم) الذي هو الوثنية، (ولم يدخلوا في دين الملك)، الذي هو: النصرانية، وجاءوا بدين جديد.

    (وقد بعث بنا قومنا إلى الملك من أجل أن يسلمهم إلينا، فقومهم أعلى بهم عيناً)، يعني: قومهم أعلم بهم، فوعدهم البطارقة خيراً، ثم بعد ذلك لما اجتمعوا بـالنجاشي أعادوا نفس الكلام.

    (أيها الملك! إنه قد أوى إلى بلدك غلمان لنا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك، وقد بعث بنا أقوامنا لتسلمهم إلينا، فقومهم أعلى بهم عيناً)، فقال البطارقة: (نعم نعم، أيها الملك! أسلمهم إليهم)، و النجاشي ما كان ملكاً كسائر الملوك، كان رجلاً عاقلاً عنده فهم، قال: (لا والله! لا أسلمهم إليكم حتى آتي بهم فأسمع منهم)، وهذا من الحكمة، وهكذا ينبغي أن يكون الملك، وينبغي أن يكون القاضي؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال لـعلي : ( وإذا جاءك الخصمان فلا تقضين بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول )، وكما قيل: (إذا جاءك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تقض لعل الآخر قد فقئت عيناه)، يعني: إن جاء قد فقئت عينه ويشكو، فلعل الآخر مفقوء عينيه، فلا تعجل.

    ولذلك النجاشي أرسل إلى المسلمين بأن يبعثوا إليه من يكلمه، فاختاروا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ونعم الاختيار، لأنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يستطيعون أن يطعنوا فيه بمطعن، ثم إنه مستجمع الفكر، فصيح اللسان، سريع البديهة رضي الله عنه.

    فبدأ النجاشي يسأله: (ما هذا الدين الذي جئتم به، والذي يخالف دين قومكم، ولا يشبه ديني؟ فقال له: أيها الملك!) ونلاحظ ها هنا الأدب في الخطاب حين قال: (أيها الملك)، رغم أن النجاشي إلى ذلك الحين ليس على دينهم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا فقال: ( أنزلوا الناس منازلهم ) ولو كان على الكفر؛ ولذلك كان يكتب الخطاب: ( من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ) ، ( من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس ) ، ( من محمد رسول الله إلى المقوقس حاكم مصر والإسكندرية )، يعني: يخاطبه باللقب الذي ارتضاه، وكان يخاطب الواحد من المشركين فيقول له: (يا عم).

    فقال: (أيها الملك! قد كنا نحن وهؤلاء على دين واحد نعبد الأوثان، ونقطع الأرحام، ويأكل القوي منا الضعيف، ونطعم الميتة والدم، ونشرب الخمر، حتى بعث الله فينا نبياً منا نعرف نسبه وصلته وصدقه وبره، فأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نترك ما عليه قومنا من عبادة الأصنام والأوثان، وأمرنا بتقوى الله، وصلة الرحم، والإحسان إلى المسكين، فعدى علينا قومنا هؤلاء فآذونا وعذبونا، فخرجنا إلى بلدك، ورجونا ألا نظلم عندك).

    وكلام جعفر رضي الله عنه كلام منطقي، فقد لخص رسالة الإسلام في هذه الكلمات، حتى وقع الكلام في قلب النجاشي ، لكن أراد أن يستوثق، فقال له: (هل معكم شيء مما نزل على نبيكم -يعني: عندك شيء من القرآن-؟ وهاهنا جعفر رضي الله عنه بدأ يتلو عليه من سورة مريم)، وهذا حسن الاختيار، من جعفر رضي الله عنه. وليس كما لو دعيت إلى حفل نكاح فقيل لك: اقرأ شيئاً من القرآن فلا تقرأ: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة:230]، سيقال لك: يا أخي! أنت رجل مشئوم، ألا توجد آية غير هذه؟

    فهذه الآية ليس هذا الموقف موضعها.

    فـجعفر رضي الله عنه أحسن الاختيار وقرأ من سورة مريم، ولما بدأ يقرأ: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً [مريم:16-17]، إلى أن بلغ قوله تعالى: وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [مريم:33-35]، بكى النجاشي وبكت بطارقته حتى اخضلت لحاهم، ثم أخذ عوداً من الأرض وقال: إن هذا وما جاء به عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة، ثم قال: اذهبوا، أنتم سيوم بأرضي -سيوم: يعني آمنون- من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ثم أمر بأن ترد عليهما هداياهما، فخرج الرجلان خائبين لم ينالا خيراً، وصار المسلمون أكثر عزة في أرض الحبشة. يعني: كانوا في أول الأمر مجرد لاجئين، أناس أووا إلى بلد الملك، لكن الآن صار عندهم حصانة من الملك لا يستطيع أحد أن يعتدي عليهم لا بقول ولا بفعل، والاعتداء على واحد منهم اعتداء على الملك، وفيه خفر ذمة الملك.

    1.   

    أنواع الهجرة

    وهذان الحدثان: الهجرة الأولى والثانية، دليل على مشروعية الهجرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ).

    وكما قال علماؤنا: الهجرة هجرتان: هجرة هرب، وهجرة طلب.

    أما هجرة الهرب: أن يفر الإنسان من أرض، إما لأنه يغلب عليها مظاهر الكفر، أو لأنه لا يأمن فيها على نفسه أو على عرضه أو على ماله، أو يفر من أرض يغلب على أهلها أكل الحرام، أو يفر من أرض يسب فيها سلف الأمة، ونحو ذلك من الأسباب، فهذه هجرة هرب.

    والنوع الثاني: هجرة الطلب، وهي أن يهاجر لطلب العلم، أو يهاجر لطلب الرزق، أو يهاجر لزيارة أخ له في الله، أو يهاجر من أجل أن يلقى واحداً من العلماء كما فعل موسى عليه السلام حين قال لفتاه: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً [الكهف:60].

    ونستفيد من الهجرة أن من أسس الدعوة لديننا: التضحية، فقد يضحي الإنسان بنفسه، وقد يضحي بماله، وقد يضحي ببلده فيفارق الوطن، وقد يضحي بوقته، والناس في ذلك درجات وليسوا سواءً.

    ومما يستفاد: أنه يجوز للمسلم أن يدخل في حماية غير المسلم إذا دعت لذلك ضرورة أو حاجة.

    يعني: الآن هؤلاء الصحابة دخلوا في حماية النجاشي وما كان مسلماً، وأيضاً مر معنا أن عثمان بن مظعون دخل في جوار الوليد بن المغيرة قبل أن يرد عليه جواره، وكذلك أبو بكر الصديق أجاره ابن الدغنة ، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كما سيأتي معنا لما رجع من الطائف طلب أن يجيره سهيل بن عمرو العامري ، وقد كان على الكفر.

    نقف عند هذا الحد.

    أسأل الله أن ينفعني وإياكم، وأن يجعلنا من المعتبرين المنتفعين المتعظين، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية العمل إذا انقطع ميكرفون الصوت عن النساء

    السؤال: إذا تعطل الميكرفون أثناء الصلاة في المسجد، كيف تتم النساء صلاة الجماعة؟

    الجواب: إذا كان مسجد النساء في مكان بعيد، فيقيناً لن يبلغهن صوت الإمام، ثم هن معزولات لا يرين الإمام ولا يرين من يرى الإمام، وقد تعطل المكبر الصوت أو نقول: انقطعت الكهرباء مثلاً، فماذا يصنعن؟

    هن بين أمرين: إما أن يقدمن واحدة تتم بهن الصلاة، وإما أن يكملن الصلاة فرادى، والصلاة صحيحة.

    منع الرجل زوجته من التراويح لأجل الأطفال

    السؤال: تصر زوجتي أن تصلي التراويح في المسجد وأنا منعتها؛ لأن لدينا أطفالاً أصغرهم عمره عام، هل في ذلك إثم يقع علي؟

    الجواب: لا إثم إن شاء الله، نحن نقول: النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله )، يعني: إذا أرادت المرأة أن تخرج إلى المسجد فلا ينبغي للزوج أن يمنعها إلا إذا كان هناك سبب، يعني مثلاً: إذا كانت المرأة تخرج إلى المسجد متعطرة تمنع، أو إذا كانت تخرج إلى المسجد متزينة تمنع، أو كانت تخرج إلى المسجد لتشوش، فإن بعض النساء قد تأتي إلى المسجد وليس عندها إلا المشاكل، وصاحب المشاكل حتى لو كان رجلاً فإنه يمنع؛ لأن مصلحة الجماعة تقدم على مصلحة الفرد، ثم أيضاً إذا كانت المرأة تصطحب إلى المسجد صبيانها فيؤذون الناس، يعني: بعض النساء عندها مثلاً ستة أطفال، وتأتي بالستة إلى المسجد، فهذا ضرب هذا، وهذا صرخ، وهذا بكى، وهذا قاء، وذاك بال، وهذا تغوط، فيتحول المسجد إلى شيء لا ينبغي أن يصير إليه، فهذه تمنع.

    فصاحبنا ما منعها من المسجد كراهية في ذهابها إلى المسجد، لكن منعها لئلا يضيع الأطفال، ولئلا يقع محذور.

    وبعض الناس إذا خرجت الزوجة إلى السوق فليس عنده مشكلة، أو إذا جلست تشاهد المسلسلات ليس عنده مشكلة، وإذا جلست تغني وتطبل ليس عنده مشكلة، أما إذا خرجت إلى المسجد ورمت أنفه ومنعها، وهذا هو الصنف الذي قال الله فيه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة:114].

    صلاة الوتر ثلاث ركعات بتسليم واحد

    السؤال: هل صلاة الشفع والوتر بتسليمة واحدة سنة؟

    الجواب: نعم. النبي عليه الصلاة والسلام: ( كان أحياناً يصلي مثنى مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة )، وأحياناً: ( كان يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يوتر بثلاث )، وأحياناً: ( كان يصلي ثمان ركعات متصلات لا يجلس إلا في آخرهن، ثم يقوم ويأتي بتاسعة ويسلم، ثم يأتي بركعتين )، وأحياناً: ( كان يصلي خمساً ثم يصلي ستاً )، وهذه كلها صور من صور وتره صلوات الله وسلامه عليه.

    حمل المصحف باليد اليسرى

    السؤال: ما حكم حمل المصحف باليد اليسرى؟

    الجواب: حمله بهذه الصفة مما لا ينبغي، فإن اليد اليسرى جعلت للمستكرهات، ولذلك نمتخط باليسرى، ويمسك ذكره بيسراه، وكذلك يزيل النجاسة بيسراه، أما اليمين فجعلت لما يكرم، فالإنسان يحمل المصحف بيمينه، ويأخذ ويعطي بيمينه، ويصافح أخاه بيمينه، ويأكل ويشرب بيمينه؛ ولذلك قال العلماء: من الأدب: أن الحذاء يحمل بالشمال، وأن الإنسان إذا أراد أن يبصق يبصق على جهة الشمال، فالشمال دائماً للمستكرهات، الحمام تدخله بالرجل الشمال، بينما المسجد تدخله باليمين.

    استعمال حبوب منع الحيض لأجل صيام رمضان

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تستعمل بعض الأدوية حتى لا تفطر في رمضان؟

    الجواب: لا، ما ينبغي للمرأة أن تستعمل حبوباً توقف دورتها حتى تصوم الشهر كاملاً؛ لأن هذه الحبوب ثبت ضررها، وأقل ضرر تتسبب فيه: أنها تجعل دورة المرأة مضطربة متقطعة، فبعدما كانت دورتها منتظمة وأيامها معلومة، ستصير متقطعة مضطربة تدخل المرأة في إشكالات؛ ولذلك نقول: أفطري ثم اقضي.

    الكلام وقت الخطبة مع الخطيب

    السؤال: هل يجوز أن يتكلم المصلي مع الخطيب في خطبة الجمعة؟

    الجواب: نعم يجوز إذا كان هناك سبب، مثلاً: لو أن المسجد ازدحم وبعض الناس في الشمس، فقال: يا مولانا! أخبر الناس أن يتقاربوا؛ لأن إخواننا في الشمس وهم صائمون، فهذا ليس فيه مانع، الممنوع أنك تتكلم مع الذي بجانبك، لكن مع الإمام ممكن؛ ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم كان على المنبر، فدخل رجل من ناحية باب القضاء -الذي الآن اسمه: باب السلام- فقال: ( يا رسول الله! أمسكت السماء وأجدبت الأرض وهلكت البهائم، ادع الله أن يغيثنا فداك أبي وأمي، فالرسول صلى الله عليه وسلم رفع يديه وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، ثم رجع إلى خطبته عليه الصلاة والسلام، يقول أنس: والله ما في السماء قزعة -يعني: السماء صافية ما فيها سحاب- وما بيننا وبين سلع من بناء ولا جدار، إذ أقبلت سحابة كالترس انتشرت ثم هطلت بمطر غزير، فانصرفنا لبيوتنا نتوارى بالحيطان -يعني: ما صلوا الركعتين بعد صلاة الجمعة، بل سعوا لبيوتهم وهم يستترون بالحيطان- فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله. يقول أنس : والله ما رأينا الشمس سبتاً يعني: أسبوعاً كاملاً والمطر ينزل، -قال: فلما كانت الجمعة التي تليها جاء الرجل نفسه قال: يا رسول الله! ادع الله أن يمسكها عنا، فالرسول صلى الله عليه وسلم أشار بيده وقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر )، فصحت السماء، ورأوا الشمس بعد أسبوع كامل.

    الزيادات التي يأتي بها المؤذن قبل الأذان الأول

    السؤال: بعض المؤذنين في الأذان الأول يأتون بأصوات ليست من الأذان المعروف، مثل: الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، فما صحة ذلك؟

    الجواب: أقول: هذا لا يشرع، يعني: بعض الناس يفتح الميكرفون من الساعة الرابعة ويبدأ يقول: يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا أرحم الراحمين ارحمنا، يا صائم قم تسحر، فهذا الكلام لا ينبغي لأسباب:

    أولاً: يبغض دين الله إلى الناس، فالناس ستكره الدين بسببك؛ لأن الله ما كلفهم أن يصحوا الساعة الرابعة، فإذا قمت أنت فصل واقرأ قرآناً، واستغفر، لكن لا تزعج الناس.

    ثانياً: ليس من السنة، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.

    ثالثاً: هذا لا يعد دعاءً، أن أفتح الميكرفون وأدعو، هل ربنا لا يسمع إلا بالميكرفون؟! والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً قريباً ) جل جلاله.

    الحكم على حديث: (روحوا عن أنفسكم ساعة بعد ساعة)

    السؤال: ما صحة هذا الحديث: (روحوا عن أنفسكم ساعة بعد ساعة)؟

    الجواب: هو على كل حال المعنى صحيح، الرسول عليه الصلاة والسلام أباح لنا أن نروح عن أنفسنا، لكن بعض الناس يفهم الترويح معناه الفوضى وارتكاب الحرام، لا، إنما المقصود الترويح بالمباح، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام: ( كان يمزح ولا يقول إلا حقاً )، والرسول عليه الصلاة والسلام: كان يستنشد الشعر، يعني: يطلب من حسان أو غيره أن ينشده شعراً، والرسول عليه الصلاة والسلام سابق عائشة ، فمرة وهم راجعون من غزوة من الغزوات قال للصحابة: ( تقدموا، وبقي هو وعائشة، فسابقها، قالت: فسبقته )، سبقت الرسول عليه الصلاة والسلام، وأكيد جاملها الرسول صلى الله عليه وسلم كأن يكون ثقل الخطوات عليه الصلاة والسلام، قالت: ( فلما ثقل لحمي -يعني: بعد سنوات سمنت- مرة أخرى قال لها: سابقيني، قالت: فسبقني، ثم قال لي: هذه بتلك )، يعني: واحدة بواحدة.

    فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يروح عن نفسه، وكان يروح عن أصحابه رضي الله عنهم، وأحياناً يمازحهم، فمثلاً: أحد الصحابة كان اسمه: زاهراً ، وكان دميم الوجه، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: رجل صاحب مزحة، وكان إذا جاءت بعض القوافل إلى المدينة يشتري الشيء الذي يعجبه، ثم يأتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول له: هذا هدية، فإذا جاء صاحب السلعة يتقاضاه الثمن، كان يأتي به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول له: أعطه الثمن. فالرسول صلى الله عليه وسلم رآه مرة في السوق فالتزمه من خلفه -يعني: مسكه مسكة قوية فتضايق وجعل يقول: أرسلني أرسلني، ثم التفت فإذا هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، فجعل لا يألوا أن يلصق ظهره بالنبي عليه الصلاة والسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( من يشتري مني هذا العبد؟! فقال: تجدني كاسداً يا رسول الله! قال له: لكنك عند الله لست بكاسد ).

    فنلاحظ هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أولاً: ما أساء إلى الرجل، وإنما هو نوع من المزاح. وقوله: (العبد) وكلنا عبيد لله، ليس فيه كذب، قال تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً [مريم:93].

    ثانياً: الرسول عليه الصلاة والسلام أدخل السرور على الرجل، وأدخل السرور على أصحابه دون أن يرتكب حراماً، لكن بعض الناس يفهم هذا الحديث ويظن أن معنى: ( روحوا القلوب ساعة وساعة )، أنه أصلي، فمن حين أن أطلع من باب المسجد أولع السيجارة، فإذا قيل له: اتق الله، يقول: أما صلينا قبل قليل؟ كأن الله عز وجل ليس له إلا هذه الدقائق السبع التي نؤدي فيها الصلاة، أما بعد ذلك نفعل ما نشاء.

    الصلاة في المسجد الذي فيه قبر

    السؤال: ما حكم الصلاة في المساجد التي بها قبور؟

    الجواب: بناء المساجد على القبور من الكبائر. ( وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج )، وقال عليه الصلاة والسلام: ( قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك ).

    وقد اختلف أهل العلم في حكم الصلاة في المسجد الذي بني على قبر أو المسجد الذي أدخل فيه قبر، فقال بعضهم بالبطلان. لكن الجمهور على أنها صحيحة، ولذلك نقول: لو وجدت مسجداً آخر ليس فيه قبر فاذهب إليه، أما إذا كان لا يوجد غيره فصل فيه.

    تفسير قوله تعالى: (سنسمه على الخرطوم)

    السؤال: ما تفسير قوله تعالى: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16]؟

    الجواب: هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة ، أو الأخنس بن شريق ، أو أبي جهل ، فالله عز وجل يقول: سَنَسِمُهُ [القلم:16]، (سنسمه) من الوسم وهو العلامة، عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16]، الخرطوم هو الأنف؛ لأنه كان شامخاً بأنفه، والله عز وجل يسلط العذاب على الجزء الذي كان الإنسان يفسد فيه، ولذلك : أبو طالب توضع في أسفل قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، قال ابن حجر : لأن أبا طالب كان ثابت القدم على الكفر، فسلط العذاب على قدميه، وهذا أيضاً الشامخ المشمخر الذي يرى أنه لولاه لماتت الأرض، فإنه يوم القيامة يعذب هنا في أنفه، ولا يقال: إن الخرطوم هو البلد التي في السودان.

    والشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليه رحمة الله لما جاء إلى هذه البلاد، واجتمع بأهل العلم في معهد أم درمان العلمي وقال: قام أحد الناس قال لي: يا شيخ! احمد الله أن جاء بك إلى هذا البلد المبارك. فقلت له: وما بركته؟ فقال لي: إنه مذكور في القرآن، الله قال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [القلم:16]، قال: فزجره الشيوخ وأسكتوه؛ لأنه جاهل.

    شراء السلع من البنوك بسعر مرتفع

    السؤال: ما حكم شراء مواد البناء بواسطة البنوك، يشترون لي السلعة ثم يبيعونها لي بأقساط وبسعر أعلى؟

    الجواب: هذا البيع ليس فيه مانع، وهذا يسمى في الفقه بيع المرابحة للآمر بالشراء، يعني: أنا أريد سيارة محتاج إليها، وهذه السيارة لا أملك ثمنها الآن، فأقول لك: اشتر هذه السيارة وبعها لي، وأنا سأشتريها منك إن شاء الله، فأنت اشتريتها مثلاً بخمسين، فتبيعها لي بستين مقسطة مثلاً على ستة أشهر أو سنة أو كذا، فلا مانع من هذا كله، وهذا نسميه بيع المرابحة للآمر بالشراء.

    قراءة القرآن بالعين دون تحريك الشفاه

    السؤال: ما حكم قراءة القرآن بالعين فقط من غير تحريك للشفاه؟

    الجواب: لا ينفع، هذه ليست قراءة، هذا حديث نفس، يعني: الواحد يفتح المصحف مثل الصحيفة، فهذه ليست قراءة، والأفضل أنك ترتل، قال الله عز وجل: وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4]، ثم إذا كنت لا تريد الترتيل متعب في الصوت ونحوه فحرك لسانك وشفتيك، وهكذا.

    وبعض الناس في الصلاة تلقاه صامتاً، فإذا سألته كيف قرأت الفاتحة؟ يقول لك: قرأتها بقلبي، قل له: لو قلت في قلبك في الصلاة: الليلة أنا أفطر بتمر وماء، هل بطلت الصلاة؟ الجواب: لا، ولو أنك تلفظت وقلت: الليلة أفطر بتمر وماء فصلاتك باطلة، ومعنى ذلك: أن حديث القلب لا يتعلق به حكم، ولذلك نقول: لا ينفع أنك تقرأ القرآن هكذا بإمرار النظر دون أن تحرك شفتيك، والله أعلم.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، نسألك اللهم فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين، اللهم يسر أمورنا واشرح صدورنا واغفر ذنوبنا وطهر قلوبنا واستر عيوبنا، ونفس كروبنا وحسن أخلاقنا ووسع أرزاقنا، وبلغنا آمالنا واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، واغفر لآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن بنى هذا المسجد المبارك ولمن عبد الله فيه، ولجيرانه من المسلمين والمسلمات.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين.

    والحمد لله رب العالمين.