إسلام ويب

تفسير سورة النور - قصة الإفك [4]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أراد الله عز وجل أن يبتلي نبيه صلى الله عليه وسلم وزوجه عائشة فكانت قصة الإفك التي أظهرت كثيراً من المنافقين وكشفتهم على حقيقتهم، فخاضوا في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوقعوا معهم بعض المؤمنين. كما قال الله: (وفيكم سماعون لهم)

    1.   

    تلخيص لما سبق من أحداث قصة الإفك

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

    سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

    اللهم علمنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً، ووفقنا برحمتك لما تحب وترضى، أما بعد:

    فقد تقدم معنا الكلام في أن هذه الآيات البينات نازلة في شأن براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد قال ربنا جل جلاله: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ [النور:11]، يراد بالعصبة أولئك النفر الذين تورطوا في الحديث بالسوء عن أمنا عائشة رضي الله عنها، وقد كان فيهم المنافقون الخلص من أمثال عبد الله بن أبي ابن سلول ، وكان فيهم المؤمنون الطيبون من أمثال مسطح بن أثاثة ، و حسان بن ثابت ، و حمنة بنت جحش رضوان الله عليهم.

    وقول ربنا جل جلاله: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [النور:12]، هذه الآية نازلة في شأن أبي أيوب وزوجه أم أيوب رضوان الله عليهما، ( حين دخل أبو أيوب على زوجه فقال لها: يا أم أيوب! أسمعت ما يقول الناس في شأن عائشة و صفوان ؟ فقالت: نعم، وهو والله الكذب، فقال: أكنت فاعلته؟ قالت: لا، معاذ الله! قال لها: فـعائشة خير منك، و صفوان خير مني ).

    وقول الله عز وجل: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور:22]، هذه الآية نازلة في شأن الصديق رضي الله عنه حين غضب على مسطح فحلف بالله ألا ينفعه بخير أبداً، وقد كان أبو بكر ينفق عليه، فقال الله عز وجل: (ولا يأتل) أي: ولا يحلف، (أولوا الفضل منكم والسعة) أبا بكر، أن يؤتوا أولي القربى)) مسطحاً ، وأمر الله عز وجل بالعفو والصفح، فقال: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [النور:22]، رجاء أن يغفر لهم، فالجزاء من جنس العمل.

    وقد كان شيء من الكلام في شرح حديث عروة بن الزبير ، و علقمة بن وقاص فيما روياه عن أمنا عائشة رضي الله عنها من طريق ابن شهاب الزهري رحمة الله على الجميع، ولعلنا نكمل ما بدأناه إن شاء الله.

    قال الإمام البخاري عليه رحمة الله: [ حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، قال: حدثني عروة بن الزبير ، و سعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، وكلهم حدثني طائفةً من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصاً، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضاً، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض، قالوا: قالت عائشة رضي الله عنها: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه )].

    ورود القرعة في القرآن ومشروعيتها بين الزوجات عند إرادة السفر

    تقدم معنا الكلام في أن القرعة ثابتة في القرآن في قول ربنا الرحمن: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ [آل عمران:44]، وفي قول ربنا جل جلاله: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ [الصافات:141]، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه أن يجري القرعة بين نسائه، وأن هذه القرعة تكون بطرق مختلفة، إما أن يكتب أسماء الناس في رقاع صغيرة ثم تخلط، أو في أحجار أو في غير ذلك، وعرفنا أن علماءنا المالكية رحمهم الله يقولون: القرعة بين الأزواج واجبة في سفر القربة، الذي هو سفر الحج أو العمرة أو الجهاد، إذا كان الإنسان عنده زوجات يقرع بينهن، إذا كان مسافراً لحج أو عمرة أو جهاد، أما غير ذلك من الأسفار فليست القرعة واجبة، بل يصطحب منهن من شاء؛ لأن بعضهن يصلح لسفر لا تصلح له الأخرى.

    قالت: ( فأيهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها ).

    وهي غزوة المريسيع أو بني المصطلق.

    سبب تأخر عائشة رضي الله عنها عن الجيش

    قالت: ( فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، دنونا من المدينة قافلين، آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع ).

    الجزع خرز في بياضه سواد، وظفار مدينة باليمن مما يلي الهند، وقلنا: الآن هي في عمان، فـعائشة رضي الله عنها كانت حريصةً على ذلك العقد؛ لأن أمها أم رومان بنت عامر رضي الله عنها كانت قد زينتها بذلك العقد حين زفتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك حرصت عائشة رضي الله عنها على أن تلتمسه وأن تطلبه، وقد قال الحافظ ابن حجر : وهذا يدل على شؤم الحرص على المال، فإن عائشة رضي الله عنها لما اجتهدت في طلبه كان من أمر الله ما كان، وقال فيها أهل الإفك ما قالوا.

    قالت: ( فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يهبلن، ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جاريةً حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش ).

    تقدم معنا الكلام في أن صفوان عليه من الله الرضوان من السابقين الأولين، وأول مشاهده الخندق وقيل: المريسيع، وهذا الرجل المبارك رضي الله عنه عاش حميداً، وقتل شهيداً في غزوة أرمينيا في العام التاسع عشر في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

    قالت: ( فأصبح عند منزلي؛ فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمنا بكلمة، ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول).

    (موغرين) تقدم معنا الكلام في أنها من الوغرة، وهي شدة الحر، (موغرين في نحر الظهيرة) أي: وقد أصابهم حر الضحى، ومنه يقال: أوغر فلان فلاناً إذا كلمه بما يملأ صدره حقداً والعياذ بالله.

    1.   

    الرجل الذي تولى كبر الإفك

    قالت: (فهلك في من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول ).

    عبد الله بن أبي ابن سلول ، سلول هذه أمه وهو ينسب إليها، وهذا الكلام ينبغي أن نعض عليه بالنواجذ، فإذا زعم زاعم أن الذي تولى كبره علي نقول له: كذبت ورب الكعبة، وهذا بشهادة أمنا عائشة رضي الله عنها وهي أعرف بقصتها، ولذلك لما قال الوليد بن عبد الملك لـابن شهاب : من الذي تولى كبره؟ قال له: عبد الله بن أبي ابن سلول ، قال له: كذبت، هو علي بن أبي طالب ، فقال له ابن شهاب : أنا أكذب، لا أم لك! والله لو نادى مناد من السماء: إن الله قد أحل الكذب ما كذبت. ثم حدثه بحديث أمنا رضي الله عنها أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، وليست هذه أولى جرائمه، فهو الذي قال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8] وهو الذي قال: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7]. وهو الذي قال: أيحسب محمداً أن جهاد بني الأصفر اللعب، لكأني به وبأصحابه مقرنين في الأصفاد، وهو الذي قال: ما نحن ومحمد إلا كما قالت العرب: سمن كلبك يأكلك. وهو الذي خمر أنفه بردائه حين مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ القرآن: يا هذا! لا أحسن مما تقول إن كان حقاً، فلا تغشنا به في مجالسنا، واجلس في مسجدك؛ فمن جاءك فاقرأ عليه.

    فالرجل صاحب سوابق، رجل ملعون خبيث، وهو داخل دخولاً أولياً في قول ربنا: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ [النساء:145]، وهو الذي أنزل الله فيه قوله: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84]، فهو رجل خبيث مخبث.

    1.   

    الصحابة الذين خاضوا في الإفك

    قال عروة : أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده، فيقره ويستمعه ويستوشيه.

    وقال عروة أيضاً: لم يسم من أهل الإفك أيضاً إلا حسان بن ثابت ، و مسطح بن أثاثة ، و حمنة بنت جحش ، في ناس آخرين لا علم لي بهم.

    يعني: تقدم معنا أن حسان عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام ستين سنة، وأنه رضي الله عنه ما مات حتى ذهب بصره، وقد كان له شعر فحل ينافح به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: إن الله تعالى قد أعطاني لساناً لو نزل على حجر لفلقه، ولو نزل على رأس لحلقه، سخر هذا اللسان في المنافحة عن النبي عليه الصلاة والسلام.

    وأما حمنة بنت جحش فقد كانت زوجةً لـمصعب بن عمير العبدري رضي الله عنه، فلما قتل في أحد شهيداً تزوجها طلحة بن عبيد الله التيمي رضي الله عن الجميع، وأما مسطح بن أثاثة فقد كانت أمه رضي الله عنها هي ابنة خالة أبي بكر ، و مسطح هذا من البدريين؛ فهو في الطبقة الثانية من الصحابة؛ لأن أعلى طبقة في الصحابة هم العشرة المبشرون بالجنة، يليهم في الفضل أهل بدر رضوان الله عليهم الذين قال الله لهم: ( اعملوا ما شئتم، قد غفرت لكم ).

    قال: غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى، وإن كبر ذلك يقال: عبد الله بن أبي ابن سلول . قال عروة : ( كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:

    فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء

    قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، والذي يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ ).

    1.   

    مشروعية ملاطفة الأهل وحسن عشرتهم

    (كيف تيكم) للمؤنث، يقابلها كيف ذلكم للمذكر.

    نستفيد من هذا: أن الزوج المسلم ينبغي له أن يلاطف أهله، وأن يدخل السرور عليهم ما استطاع خاصةً في أحوال الضعف، فإذا كانت المرأة حاملاً، أو كانت مريضةً، أو كانت حزينةً ونحو ذلك فهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتلطف معها، ويؤنسها بالكلام، فلما كانت في مرضها ذاك رضي الله عنها رابها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتلطف معها، كان يكتفي إذا دخل أن يسلم ثم يقول: ( كيف تيكم؟ )، ولا يزيد على ذلك.

    ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3001756889

    عدد مرات الحفظ

    718430537