إسلام ويب

من سورة الحجللشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد تفهم بعض الآيات فهماً غير صحيح، ومن ذلك الآية التي ورد فيها تمني الأنبياء في سورة الحج، حيث فسر بعضهم التمني بأنه القراءة، وبنوا على ذلك قصة الغرانيق وإلقاء الشيطان في قراءة النبي وسجود المشركين بسبب ذلك الإلقاء، وهذا غير صحيح ومنقوض بصريح القرآن، وأما سبب السجود فكان لأثر القرآن وفصاحته

    1.   

    تفسير التمني بـ(القراءة) في قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا إذا تمنى...)

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فأسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المقبولين.

    في سورة الحج آية ينبغي أن تفهم على وجهها الصحيح، يقول الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52].

    هذه الآية فسر بعض أهل العلم التمني فيها بمعنى القراءة، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى[الحج:52]، أي قرأ، واستدلوا بقول القائل في مدح عثمان عليه من الله الرضوان:

    تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر

    ومعنى: تمنى كتاب الله أول ليله، أي: قرأه.

    إبطال القول بصحة قصة الغرانيق

    ثم بعد ذلك ركبوا على تفسير هذه الآية على هذا النحو آية أخرى، وهي ما جاء في خواتيم سورة النجم، حيث قال الله عز وجل: أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:59-62].

    وقد روى الإمام البخاري في صحيحه: ( بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد أهل مكة أجمعون مسلمهم ومشركهم )، المسلم والمشرك، وذكروا في تبرير سجدتهم قصة لا تصدّق: وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يقرأ قول الله عز وجل: أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20]، ألقى الشيطان في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كلمات فيها مدح للأصنام، قال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى. وهذا الكلام مردود من عدة أوجه:

    أولاً: لم يرد في شيء من دواوين السنة المعروفة التي نتلقى منها الأحداث التي كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً: هو منقوض بصريح القرآن في قول ربنا جل جلاله: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:210-212].

    ثالثاً: أنه منقوض بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ[المائدة:67]، إذا كان الله عز وجل قد عصمه من الناس فمن باب أولى أن يعصمه من كيد الشيطان.

    رابعاً: أنه منقوض بأن سياق الآيات في ذم الأصنام، يقول الله عز وجل: أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ[النجم:19-23].

    لا يمكن في هذا السياق أن يقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن -أي: شفاعة الأصنام- لهي التي ترتجى، والقوم عرب، لا يقبلون أن يذم الشيء ويمدح في سياق واحد.

    ثم من ناحية أخرى كلمة (الغرنوق) أو (الغرنيق) تطلق على طائر أبيض، فما علاقة هذا الطائر بالأصنام؟ فهذا الكلام لا يستقيم.

    السبب الذي حمل كفار قريش على السجود عند سماعهم للآيات من سورة النجم

    يبقى الإشكال: لماذا سجد المشركون عندما قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام سورة النجم؟

    يقال: سجدوا لفصاحة القرآن، ما ملكوا أنفسهم إلا بأن يسجدوا، مثلما أن سحرة فرعون سجدوا، قال تعالى: فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الشعراء:44-45]، وقال الله عز وجل: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الشعراء:46]، لكن السحرة كانوا طيبين حينما استجابوا: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء:47-48].

    أما مشركو مكة فقد كانوا لئاماً، أسرتهم فصاحة القرآن، وعجزوا عن معارضته، وبهرتهم سلاسة أسلوبه وجزالة معانيه، لكن في الوقت نفسه تكبروا عن الإيمان، فلو لاحظنا القرآن لوجدناه فصيحاً بليغاً، والذي يتلوه على أسماعهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كساه الله من مهابة وجلالة، وبما كان في صوته من حسن وفي أدائه من جودة، وكما قال أنس بن مالك رضي الله عنه: ما بعث الله نبياً إلا كان حسن الصورة، حسن الصوت، وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أحسنهم صورة وأحسنهم صوتاً.

    ولما سمع الوليد بن المغيرة قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ[النحل:90]، قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر، أي أن هذا لا يمكن أن يكون من كلام البشر، وبعض الأعراب لما سمع قول الله عز وجل: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ [الحجر:94] خر ساجداً، قيل له: لم سجدت؟ قال: سجدت لفصاحة القرآن، فهذا كلام فصيح.

    و سيد قطب عليه رحمة الله في ظلال القرآن يذكر حادثة مشابهة، يقول: كنا في عرض الأطلنطي، يعني كان في سفينة في المحيط الأطلنطي راجعاً من أمريكا، قال: وحان وقت صلاة الجمعة، وكنا في السفينة خمسة مسلمين، فأقمنا صلاة الجمعة، وقمت فيهم خطيباً وتجمع ركاب السفينة رجالهم ونساؤهم يشاهدون ذلك المنظر، قال: ثم صليت بهم صلاة الجمعة، ولما انتهينا جاءوا يهنئوننا على نجاح القداس، بأن هذا قداس ناجح.

    قال: ثم جاءت امرأة فقالت لي: إن صلاتكم هذه جميلة، لكن في أثناء كلامك كنت تردد مقاطع تؤثر فيَّ تأثيراً خاصاً، وهي تكلمه باللغة الإنجليزية، ولا تعرف اللغة العربية.

    يقول رحمه الله: وما احتجت إلى كثير تفكير لأعلم أن المقاطع المؤثرة هي تلك الآيات التي وردت في ثنايا الخطبة، أي أن الآيات التي قرأها رحمه الله في أثناء خطبته هي التي أثرت في تلك المرأة الكافرة، وكما قال الله عز وجل: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].

    تمني الأنبياء إيمان أقوامهم وهدايتهم

    فقول ربنا جل جلاله في سورة الحج: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى[الحج:52]، فالأمنية في الآية هنا ليست بمعنى القراءة، وإنما هي الأمنية المعروفة وهي أن يرجو الإنسان وقوع الشيء، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى[الحج:52]، إيمان قومه، ودخولهم في دينه، أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ[الحج:52]، من الشبهات والشهوات ما يصرف القوم عن اتباعه والإيمان به.

    فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ[الحج:52] بأن يهدي من شاء إلى الإيمان والدخول في الدين.

    ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [الحج:52-53] أي: من تلك الشبهات والشهوات فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ [الحج:53]، وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج:54].

    فكثير من الناس فهم هذه الآية خطأ، مثلما فهموا خطأ قول ربنا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62]، فظن بعضهم بأن في الآية دليلاً على أن أهل الكتاب مؤمنون، وليس في الآية دلالة على ذلك ألبتة.

    ومثلما فهم آخرون آيات أخرى خطأ.

    أسأل الله سبحانه أن يفتح مغاليق القلوب.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.