إسلام ويب

تفسير آية - الفتح [29]للشيخ : عبد الحي يوسف

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أثنى الله سبحانه على الصحابة الأبرار، وجعل من صفاتهم أنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وجعل ذلك غيظاً للكفار؛ ولذلك فمن سبهم أو طعن فيهم أو كفر بعضهم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فهو كافر معارض للقرآن، ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    المعنى الإجمالي لقوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم...)

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عدد ما ذكره الذاكرون الأخيار، وعدد ما اختلف الليل والنهار، وعلى المهاجرين والأنصار.

    أما بعد:

    يقول الله عز وجل في الآية التاسعة والعشرين من سورة الفتح: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الفتح:29].

    قرأ ابن كثير و ابن ذكوان و ابن عامر : شطأه، بفتح الطاء، وقرأ الباقون: شطأه، بسكونها، والشطء بمعنى الفروع أو الفراخ التي تنبت حول الأصل.

    وقرأ ابن ذكوان : فأزره بغير ألف بعد الهمزة، وقرأ الباقون: فآزاره، والمعنى: أعانه وقواه من المؤازرة.

    وقرأ قنبر عن ابن كثير : سؤقه، وقرأ الباقون بواو ساكنة بعد السين، والمعنى: أصوله وقضبانه وهي جمع ساق.

    والمعنى الإجمالي للآية:

    أن الله تعالى يبين فيها أنه ضرب المثل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنهم كالزرع يظهر في أول نباته رقيقاً ضعيفاً متفرقاً، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل حتى يقوى ويشتد وتعجب جودته أصحاب الزراعة العارفين بها؛ فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في أول الإسلام في قلة وضعف، ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون حتى بلغوا ما بلغوا، وهذه الآية كقوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ[الأنفال:26]، وقوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ[آل عمران:123]، وقوله تعالى: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ[المائدة:3].

    وهذه الآية تبين أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمتازون بالشدة والغلظة والصلابة على من جحد بالله وعاداه، وبالرقة والرحمة على بعضهم بعضاً، كقوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ[المائدة:54].

    قال الحسن البصري رحمه الله: بلغ من شدتهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، فكيف بأبدانهم! وبلغ من تراحمهم فيما بينهم: أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه، وهم رضوان الله عليهم كثيرو الصلاة تبصرهم دائماً راكعين ساجدين يطلبون من الله الثواب والرضا، علامتهم المميزة وجود النور والبهاء والوقار في وجوههم.

    قال جابر رضي الله عنه: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار.

    وقال ابن عباس : إن للحسنة نوراً في القلب وضياءً في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق، وقد وعد الله هؤلاء المؤمنين الصالحين أن يغفر ذنوبهم ويجزل أجرهم وثوابهم.

    1.   

    الأحكام المستفادة من قوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم...)

    اعلم رحمك الله أن في هذه الآية أحكاماً:

    الحكم الأول: تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتأكيد رسالته.

    الحكم الثاني: الشدة والصلابة والعنف على الأعداء الكفار، والرحمة والرأفة والرفق بالمؤمنين الأبرار.

    الحكم الثالث: فضل الصلاة ذات الركوع والسجود والطمأنينة والخشوع.

    الحكم الرابع: صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كثرة العمل والإخلاص فيه، واحتساب الأجر عند الله، في وجوههم نور وضياء، والخير فيهم كثير.

    1.   

    حكم بغض الصحابة وفضل الرحمة بين المؤمنين

    وهنا مسألة وهي أن بغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنافى مع الإيمان منافاة كاملة.

    قال مالك رحمه الله: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام، يقولون: والله، لهؤلاء خير من الحواريين.

    ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمه الله تكفير كل من يبغض الصحابة رضي الله عنهم لأنهم يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر.

    قال الألوسي رحمه الله: ويعلم تكفير الروافض بخصوصهم.

    أيها الإخوة! إن الرحمة بين المؤمنين مطلوبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تنزع الرحمة إلا من شقي )، وقال: ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا )، وقال: ( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا ) أخرجه الترمذي عن البراء بن عازب رضي الله عنهما.

    1.   

    المراد بالسيما في وجوه الصالحين

    قول الله عز وجل: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ[الفتح:29]، فيه أن من سجد فاعتمد بجبهته وأنفه على الأرض لتحدث تلك السمة في وجهه، كما قال الألوسي : ذاك محض رياء ونفاق يستعاذ بالله تعالى منه، ونظيره ما حكي عن بعض المتقدمين قال: كنا نصلي فلا يرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدنا الآن يصلي فترى بين عينيه مثل ركبة العنز، فما ندري أثقلت الرءوس أم خشنت الأرض؟

    وسئل مجاهد عن السيماء، أهي الأثر يكون بين عيني الرجل؟ قال: لا، وقد يكون مثل ركبة البعير وهو أقسى قلباً من الحجارة.

    و(السيماء) فسرت بالنور في الوجه، وقيل: بياض يكون في الوجه يوم القيامة، وقيل: السمت الحسن.

    وقيل: الخشوع والتواضع، وفي الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الجهنميين الطويل: ( حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ).

    1.   

    بعض ما يجب اعتقاده في الصحابة

    ثم إن هناك مباحث في عقيدة أهل الإسلام في الصحابة الأبرار نذكر منها:

    الأول: أن في آيات القرآن ثناء على الصحابة وإشادة بهم في نحو أربعين موضعاً، كالآية المائة من سورة التوبة: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ[التوبة:100]، وهذه الآية التي نحن بصددها، والآيتان الثامنة والتاسعة من سورة الحشر: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ[الحشر:8] و وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ[الحشر:9].

    الثاني: في السنة أحاديث تبين واجبنا نحو الصحابة، قال صلى الله عليه وسلم: ( لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) متفق عليه.

    وقال: ( من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) رواه الطبراني في الكبير و أبو نعيم في الحلية، وهو محسن في السلسلة الصحيحة برقم أربعين وثلاثمائة وألفين.

    الثالث: الواجب علينا أن نحب الصحابة ونترحم عليهم، وبالخير نذكرهم ونكف عما شجر بينهم.

    قال ابن بطة العكبري رحمه الله: ولا تنظر في كتاب صفين والجمل ووقعة الدار وسائر المنازعات التي جرت بينهم، ولا تكتبه لنفسك ولا لغيرك، ولا تروه عن أحد، ولا تقرأه على غيرك، ولا تسمعه ممن يرويه، فعلى ذلك اتفاق سادات علماء هذه الأمة.

    وليسمع هذا الكلام أقوام جعلوا الحديث عما شجر بين الصحابة دينهم وديدنهم، نعوذ بالله من الخذلان.

    الرابع: أجمعت الأمة على عدالة الصحابة رضي الله عنهم وقبول شهاداتهم ورواياتهم؛ لما أثنى ربهم عليهم في كتابه العزيز وبما نطقت به السنة في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم. قال ابن الصلاح رحمه الله: الأمة مجمعة على تعديل الصحابة.

    الخامس: قال الصاوي في الشرح الصغير: وأما من كفر جميع الصحابة فإنه يكفر باتفاق؛ لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة وكذب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    وفي الشفاء للقاضي عياض : قال مالك رحمه الله: من شتم أحداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال: كانوا على ضلال وكفر؛ قتل.

    وقال الذهبي رحمه الله: فمن طعن فيهم أو سبهم، فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين؛ لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنائه عليهم وبيان فضائلهم ومناقبهم وحبهم.

    إلى أن قال: والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، هذا ظاهر لمن تدبره وسلم من النفاق ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته.

    وتأملوا معي هذا الخبر الذي أورده الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء في ترجمة سعد بن أبي وقاص في الجزء الأول الصفحة الثانية والتسعين: عن سعيد ين المسيب رحمه الله أن رجلاً كان يقع في علي و طلحة و الزبير رضي الله عنهم، فجعل سعد ينهاه ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى! فقام سعد وصلى ركعتين ودعا، فجاء بختي يشق الناس فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته والبلاط حتى سحقه، فأنا رأيت الناس يتبعون سعداً ويقولون: هنيئاً لك يا أبا إسحاق استجيبت دعوتك.

    قال الإمام الذهبي رحمه الله: وهي كرامة مشتركة بين سعد ومن نيل منهم.

    فالواجب أن نتوب إلى الله عز وجل، ولنشغل أنفسنا بما ينفعنا ولنكف عن الكلام في الصحابة، فإنهم قد حطوا رحالهم في الجنة.

    نسأل الله أن يلحقنا بهم، وأن يكرمنا بالاجتماع معهم، وأن يحشرنا على ملتهم، والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.